Indexed OCR Text
Pages 121-140
- ١٢١- = قالوا : وإن احتج به من يقول بالقلتين فإنه يخصصه بما دون القلتين ، ويحمل الأمر بغسله وإراقته على هذا المقدار ، ومعلوم أنه ليس فى اللفظ ما يشعر بهذا بوجه ولا يدل عليه بواحدة من الدلالات الثلاث . وإذا كان لابد لهم من تقييد الحديث وتخصيصه ومخالفة ظاهره، كان أسعد الناس به من حمله على الولوغ المعتاد فى الآنية المعتادة التى يمكن إراقتها ، وهو ولوغ متابع فى آنية صغار ، يتحلل من فم الكلب فى كل مرة ريق ولعاب نجس يخالط الماء، ولا يخالف لونه لونه ، فيظهر فيه التغير، فتكون أعيان النجاسة قائمة بالماء وإن لم تر ، فأمر بإراقته وغسل الإناء . فهذا المعنى أقرب إلى الحديث وألصق به، وليس فى حمله عليه ما يخالف ظاهره . بل الظاهر أنه إنما أراد الآنية المعتادة التى تتخذ للاستعمال فيلغ فيها الكلاب ، فإن كان حمله على هذا موافقة للظاهر فهو المقصود ، وإن كان مخالفة للظاهر ، فلا ريب أنه أقل مخالفة من حمله على الأقوال المتقدمة . فيكون أولى على التقديرين . قالوا : وأما حديث النهى عن غمس اليد فى الإناء عند القيام من نومه ، فالاستدلال به أضعف من هذا كله ، فإنه ليس فى الحديث ما يدل على نجاسة الماء . وجمهور الأمة على طهارته ، والقول بنجاسته من أشد الشاذ، وكذا القول بصيرورته مستعملا ضعيف أيضاً ، وإن كان إحدى الروايتين عن أحمد ، واختيار القاضى وأتباعه ، واختيار أبى بكر وأصحاب أحمد - فإنه ليس فى الحديث دليل على فساد الماء . وقد بينا أن النهى عن البول فيه لا يدل على فساده بمجرد البول ، فكيف يغمس اليد فيه بعد القيام من النوم ؟ وقد اختلف فى النهى عنه ، فقيل : تعبدى، ويرد هذا القول : أنه معلل فى الحديث بقوله: ((فإِنه لا يدرى أين باتت يده؟)) . وقيل : معلل باحتمال النجاسة ، كثرة فى يديه ، أو مباشرة اليد لمحل الاستجمار . وهو ضعيف أيضاً . لأن النهى عام المستنجى والمستجمر ، والصحيح وصاحب البثرات . فيلزمكم أن تخصوا النهى بالمستجمر، وصاحب البثور! وهذا لم يقله أحد . وقيل - وهو الصحيح - إنه معلل بخشية مبيت الشيطان على يده ، أو مبيتها عليه . وهذه العلة نظير تعليل صاحب الشرع الاستنشاق بمبيت الشيطان على الخيشوم فإنه قال: ((إذا استيقظ أحدكم من نومه فلميستنشق بمنخريه من الماء ، فإن الشيطان يبيت على خيشومه)) متفق عليه. وقال هنا: ((فإن أحدكم لا يدرى أين باتت يده؟)) = - ١٢٢ - = فعلل بعدم الدراية لمحل المبيت . وهذا السبب ثابت فى مبيت الشيطان على الخيشوم فإن اليد إذا باتت ملابسة للشيطان لم يدر صاحبها أين باتت ، وفى مبيت الشيطان على الخيشوم وملابسته لليد سر ، يعرفه من عرف أحكام الأرواح، واقتران الشياطين بالمحال التى تلابسها ، فإن الشيطان خبيث يناسبه الخبائث ، فإذا نام العبد لم ير فى ظاهر جسده أوسخ من خيشومه ، فيستوطنه فى المبيت ، وأما ملابسته ليده فلأنها أعم الجوارح كسباً وتصرفاً ومباشرة لما يأمر به الشيطان من المعصية، فصاحبها كثير التصرف والعمل بها، ولهذا سميت جارحة ، لأنه يجترح بها، أى يكسب . وهذه العلة لا يعرفها أكثر الفقهاء، وهى كماترى وضوحاً وبياناً. وحسبك شهادة النص لها بالاعتبار . والمقصود أنه لا دليل لكم فى الحديث بوجه ما، والله أعلم . وقد تبين بهذا جواب المقامين : الثانى والثالث . فلنرجع إلى الجواب عن تمام الوجوه الخمسة عشر ، فنقول : وأما تقديمكم للمفهوم من حديث القلتين على القياس الجلى ، فمما يخالفكم فيه كثير من الفقهاء والأصوليين، ويقولون : القياس الجلى مقدم عليه، وإذا كانوا يقدمون القياس على العموم الذى هو حجة الاتفاق، فلأن يقدم على المفهوم المختلف فى الاحتجاج به أولى . ثم لو سلمنا تقديم المفهوم على القياس فى صورة ما ، فتقديم القياس ههنا متعين، لقوته ، ولتأيده بالعمومات ، ولسلامته من التناقض الملازم لمن قدم المفهوم، كما سنذكره ، ولموافقته لأدلة الشرع الدالة على عدم التحديد بالقلتين. فالمصير إليه أولى، ولو كان وحده، فكيف بما معه من الأدلة؟ وهل يعارض مفهوم واحد لهذه الأدلة من الكتاب ، والسنة، والقياس الجلى ، واستصحاب الحال ، وعمل أكثر الأمة - مع اضطراب أصل منطوقه ، وعدم براءته من العلة والشذوذ ؟ قالوا : وأما دعواكم أن المفهوم عام فى جميع الصور المسكوت عنها ، فدعوى لادليل عليها . فإن الاحتجاج بالمفهوم يرجع إلى حرفين : التخصيص ، والتعليل، كما نقدم . ومعلوم أنه إذا ظهر للتخصيص فائدة بدون العموم بقيت دعوى العموم باطلة ، لأنها دعوى مجردة ، ولا لفظ معنا يدل عليها . وإذا علم ذلك فلا يلزم من انتفاء حكم المنطوق انتفاؤه عن كل فرد فرد من أفراد المسكوت ، لجواز أن يكون فيه تفصيل فينتفى عن بعضها ويثبت = -١٢٣ ٠ = لبعضها ، ويجوز أن يكون ثابتاً لجميعها بشرط ليس فى المنطوق ، فتكون فائدة التخصيص به لدلالته على ثبوت الحكم له مطلقاً ، وثبوته للمفهوم بشرط . فيكون المنفى عنه الثبوت المطلق، لا مطلق المثبوت . فمن أين جاء العموم للمفهوم ، وهو من عوارض الألفاظ ؟ وعلى هذا عامة المفهومات . فقوله تعالى ﴿ لا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره ) لا يدل المفهوم على أن بمجرد نكاحها الزوج الثانى تحل له . وكذا قوله: ﴿فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً﴾ لا يدل على عدم الكتابة عند عدم هذا الشرط مطلقاً . وكذا قوله: ﴿والذين يبتغون الكتاب). ونظائره أكثر من أن تحصى . وكذلك إن سلكت طريقة التعليل لم يلزم العموم أيضاً ، فانه يلزم من انتفاء العلمة انتفاء معلولها ، ولا يلزم انتفاء الحكم مطلقاً، لجواز ثبوته بوصف آخر . وإذا ثبت هذا فمنطوق حديث القلتين لا تنازعكم فيه ، ومفهومه لا عموم له . فبطل الاحتجاج به منطوقاً ومفهوماً . وأما قولكم: إن العدد خرج مخرج التحديد والتقييد - كنصب الزكوات - فهذا باطل من وجوه : أحدها : أنه لو كان هذا مقداراً فاصلا بين الحلال والحرام ، والطاهر والنجس، لوجب على النبى صلى الله عليه وسلم بيانه بياناً عاماً متابعاً تعرفه الأمة ، كما بين نصب الزكوات ، وعدد الجلد فى الحدود ، ومقدار ما يستحقه الوارث ، فإن هذا أمر يعم الابتلاء به كل الأمة ، فكيف لا يبينه ، حتى يتفق سؤال سائل له عن قضية جزئية فيجيبه بهذا ، ويكون ذلك حداً عاماً للأمة كلها لا يسع أحداً جهله ، ولا تتناقله الأمة ، ولا يكون شائعاً بينهم، ل يحالون فيه على مفهوم ضعيف ، شأنه ما ذكرناه ، قد خالفته العمومات والأدلة الكثيرة ، ولا يعرفه أهل بلدته ، ولا أحد منهم يذهب إليه ؟! الثانى: أن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿ وما كان الله ليضل قوماً بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون﴾ وقال: ﴿وقد فصل لكم ما حرم عليكم) فلو كان الماء الذى لم يتغير بالنجاسة : منه ماهو حلال ومنه ماهو حرام ، لم يكن فى هذا الحديث بيان للأمة ما يتقون ، ولا كان قد فصل لهم ما حرم عليهم . فإن المنطوق من حديث القلتين لادليل فيه ، والمسكوت عنه كثير من أهل العلم يقولون = - ١٢٤ - = لا يدل على شىء ، فلم يحصل لهم بيان ، ولا فصل الحلال من الحرام . والآخرون يقولون : لابد من مخالفة المسكوت للمنطوق، ومعلوم أن مطلق المخالفة لا يستلزم المخالفة المطلقة الثابتة لكل فرد فرد من المسكوت عنه ، فكيف يكون هذا حداً فاصلا؟ فتبين أنه ليس فى المنطوق ولا فى المسكوت عنه فصل ولا حد . الثالث : أن القائلين بالمفهوم إنما قالوا به إذا لم يكن هناك سبب اقتضى التخصيص بالمنطوق، فلو ظهر سبب يقتضى التخصيص به لم يكن المفهوم معتبراً ، كقوله ﴿ ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق﴾ فذكر هذا القيد لحاجة المخاطبين إليه، إذ هو الحامل لهم على قتلهم، لا لاختصاص الحكم به. ونظيره ﴿ لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة ) ونظائره كثيرة. وعلى هذا فيحتمل أن يكون ذكر الفلتين وقع فى الجواب لحاجة السائل إلى ذلك ، ولا يمكن الجزم بدفع هذا الاحتمال. نعم لو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال هذا اللفظ ابتداء من غير سؤال لا ندفع هذا الاحتمال . الرابع : أن حاجة الأمة - حضرها وبدوها ، على اختلاف أصنافها - إلى معرفة الفرق بين الطاهر والنجس ضرورية ، فكيف يحالون فى ذلك على مالا سبيل لأكثرهم إلى معرفته؟ فإن الناس لا يكتالون الماء ، ولا يكادون يعرفون مقدار القلتين: لا طولهما ، ولا عرضهما، ولا عمقهما ! فإذا وقعت فى الماء نجاسة فما يدريه أنه قلتان؟ وهل تكليف ذلك إلا من باب علم الغيب ، وتكليف مالا يطاق ؟ فإن قيل : يستظهر حتي يغلب على ظنه أنه قلتان . قيل : ليس هذا شأن الحدود الشرعية ، فإنها مضبوطة لا يزاد عليها ولا ينقص منها ، كعدد الجلدات ، ونصب الزكوات ، وعدد الركعات ، وسائر الحدود الشرعية . الخامس : أن خواص العلماء إلى اليوم لم يستقر لهم قدم على قول واحد فى القلتين، فمن قائل: ألف رطل بالعراقى ، ومن قائل: ستمائة رطل ، ومن قائل : خمسمائة ، ومن قائل : أربعمائة . وأعجب من هذا: جعل هذا المقدار تحديداً! فإذا كان العلماء قد أشكل عليهم قدر القلتين ، واضطربت أقوالهم فى ذلك ، مما الظن بسأر الأمة ؟! ومعلوم أن الحدود الشرعية لا يكون هذا شأنها . السادس : أن المحددين يلزمهم لوازم باطلة شنيعة جداً . منها: أن يكون ماء واحد إذا ولغ فيه الكلب تنجس! وإذا بال فيه لم ينجسه = - ١٢٥ - = ومنها : أن الشعرة من الميتة إذا كانت نجسة فوقعت فى قلتين إلا رطلا مثلا أن ينجس الماء، ولو وقع رطل بول فى قلتين لم ينجسه! ومعلوم أن تأثر الماء بهذه النجاسة أضعاف تأثره بالشعرة ، فمحال أن يجىء شرع بتنجس الأول وطهارة الثانى . وكذلك ميتة كاملة تقع فى قلتين لا تنجسها ، وشعرة منها تقع فى قلتين إلا نصف رطل أو رطلا فتنجسها ! إلى غير ذلك من اللوازم التى يدل بطلانها على بطلان ملزوماتها : وأما جعلكم الشىء نصفاً ففى غاية الضعف ، فإنه شك من ابن جريج. فياسبحان الله ! يكون شكه حداً لازماً للأمة ، فاصلا بين الحلال والحرام ، والتى صلى اللّه عليه وسلم قد بين لأمته الدين، وتركهم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها ، فيمتنع أن يقدر لأمته حداً لا سبيل لهم إلى معرفته إلا شك حادث بعد عصر الصحابة، يجعل نصفاً احتياطياً؟ وهذا بين لمن أنصف . والشك الجارى الواقع من الأمة فى طهور هم وصلاتهم قد بين لهم حكمه ليندفع عنهم باليقين ، فكيف يجعل شكهم حداً فاصلا فارقاً بين الحلال والحرام ؟ ! ثم جعلكم هذا احتياطاً: باطل ، لأن الاحتياط يكون فى الأعمال الى يترك لتكلف منها عملا لآخر احتياطاً ، وأما الأحكام الشرعية والإخبار عن الله ورسوله فطريق الاحتياط فيها أن لا يخبر عنه إلا بما أخبر به ، ولا يثبت إلا ما أثبته . ثم إن الاحتياط هو فى ترك هذا الاحتياط ، فإن الرجل تحضره الصلاة وعنده قلة ماء قد وقعت فيها شعرة ميتة ، فتركه الوضوء منه مناف للاحتياط . فهلا أخذتم بهذا الأصل هنا ، وقلتم : ما ثبت تنجيسه بالدليل الشرعى نجسناه، وما شككنا فيه رددناه إلى أصل الطهارة ؟ لأن هذا لما كان طاهراً قطعاً وقد شككنا : هل حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بتنجيسه أم لا ؟ فالأصل الطهارة . وأيضاً : فأنتم لا نبيحون ان شك فى نجاسة الماء أن يعدل إلى التيمم ، بل توجبون عليه الوضوء. فكيف تحرمون عليه الوضوء هنا بالشك ؟ وأيضاً : فإنكم إذا نجسموه بالشك بجستم ما يصيبه من الثياب والأبدان والآنية ، وحرمتم شربه والطبخ به ، وأرقتم الأطعمة المتخذة منه . وفى هذا تحريم لأنواع عظيمة من الحلال بمجرد الشك ، وهذا مناف لأصول الشريعة . والله أعلم . -١٢٦- ٣٤ - باب ما جاء فى بئر بضاعة ٦٦ - حدثنا عَمَّدُ بنُ الْعَلَاَءِ وَالْسَنُ بنُ عَلِيٍّ وَعُمَّدُ بنُ سُلَمْنَ الْأَنْبَارِىُّ فَالُوا حدثنا أَبُو أُسَمَةَ عن الْوَلِيدِ بنِ كَثِيرٍ عن مُمَّدِ بنِ كَعْبٍ عن عُبَيْدِ اللهِ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ رَافِعٍ بِنِ خَدِيجٍ عِن أَبِى سَعِيدٍ الْخِدْرِىِّ ((أَنَّهُ قِيلَ لرسولِ الله صلى اللهُ عليه وسلم: أَنَتَوَضَّأُ مِنْ بِثْرِ بُضَاعَةً وَهِىَ بِثْرٌ بُطْرَعُ فِيهَا الْخِيَضُ وَلَحْمُ الْكِلابِ وَالنَّتْنُ؟ فقالَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: ( باب ما جاء فى بئر بضاعة ) هى دار بنى ساعدة بالمدينة وهم بطن من الخزرج، وأهل اللغة يضمون الباء ويكسرونها ، والمحفوظ فى الحديث الضم، كذا فى المفاتيح . وقال فى البدر المنير بضاعة : قيل هو اسم لصاحب البئر ، وقيل : هو إسم لموضعها ، وهى بثر بالمدينة بصق رسول الله صلى الله عليه وسلم وبرك وتوضأ فى دلو ورده فيها ، وكان إذا مرض مريض يقول له : اغتسل بمائها فيغتسل ، فكأنما نشط من عقال وهی فی دار بنى ساعدة مشهورة . انتهى . ( إنه) الضمير للشأن (يطرح) أى يلقى (الحيض) بكسر الحاء جمع حيضة بكسر الحاء مثل سدر وسدرة : وهى الحرقة التى تستعملها المرأة فى دم الحيض ( والنتن ) بنون مفتوحة وتاء مثناة من فوق ساكنة ثم نون . قال ابن رسلان فى شرح السنن: وبنبغى أن يضبط بفتح النون وكسر التاء : وهو الشىء الذى له رائحة كريهة من قولهم : نتن الشىء بكسر التاء ينتن بفتحها فهو نتن. انتهى يعنى أن الناس يلقون الحيض ولحوم الكلاب والفتن فى الصحارى خلف بيوتهم فيجرى عليها المطر ويلقيها الماء إلى تلك البئر، لأنها قى ممر الماء ، وليس معناه أن الناس يلقونها فيها لأن هذا مما لا يجوزه كافر فكيف يجوز الصحابة وضى الله .. - ١٢٧ - الْمَاءِ طَهُورٌ لاَ يُنَجِّسُهُ شَىْءٍ)). قال أَبُودَاوُد: وقال بَعْضُهُمْ عَبْدُ الرَّْحَنُ ابنُ رَافِعٍ. ٦٧ - حدثنا أَحْحَدُ بنُ أَبِى شُعَيْبٍ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بنُ يَحْسَى الْحَرَّانِيَنِ قالا حدثنا ◌ُمَّدُ بنُ سَلَمَةَ عن ◌ُمَّدِ بنِ إِسْحَاقَ عن سَلِيْطِ بنِ أَيُّوبَ عن عُبَيْدِ اللهِ بنِ عَبْدِ الرَّحَنِ بنِ رَافِعِ الْأَنْصَرِيِّ ثُمَّ الْعَدَوِىِّ عن أَبِى سَعِيدٍ - عنهم كذا قالوا (الماء) اللام فيه للعهد، يعنى أن الماء الذى وقع السؤال عنه (طهور) بضم الطاء ( لا ينجسه شىء) لكثرته ، فإن بئر بضاعة كان بئراً كثير الماء يكون ماؤها أضعاف قلتين لا يتغير بوقوع هذه الأشياء، والماء الكثير لا ينجسه شىء ما لم يتغير . قال المنذرى: وأخرجه الترمذى والنسائى، وتكلم فيه بعضهم . وحكى عن الإمام أحمد بن حنبل أنه قال : حديث بئر بضاعة صحيح ، وقال الترمذى : هذا حديث حسن ، وجود أبو أسامة هذا الحديث لم يرو حديث أبى سعيد فى بئر بضاعة أحسن مماروى أبو أسامة . وقد روى هذا الحديث من غير وجه عن أبى سعيد. انتهى . ( قال بعضهم عبد الرحمن بن رافع) أى مكان عبد الله بن رافع ، فعبيد الله مولى عبد الله أو ابن عبد الرحمن . (الحرانيان) أى أحمد وعبد العزيز وكلاهما الحرانيان، وهو بالفتح والتشديد نسبة إلى حران: مدينة بالجزيرة ( سلمة ) بفتح اللام . قال النووى : سلمة كله بفتح اللام إلا عمرو بن سلمة إمام قومه ، وبنى سلمة : القبيلة من الأنصار فبكسرها . انتهى ( عن سليط ) بفتح السين وكسر اللام : هو ابن أيوب بن الحكم الأنصارى المدنى عن عبد الرحمن بن أبى سعيد ، وعنه خالد بن أيوب ، وثقه ابن حبان ( العدوى ) بالعين والدال المهملتين ، منسوب إلى عدى بن يزيد ابن جشم بن حارثة بن الحارث بن الخزرج ، بطن من الأنصار ، وهذا ذكر - - ١٢٨ - الْخِدْرِىِّ قال: (( سَمِعْتُ رسولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلمٍ وَهُوَ يَقَالُ لَهُ إِنَّهُ يُسْتَقَى لَكَ مِنْ بِثْرِ بُضَاعَةَ، وَهِىَ بٌْ يُدْقَى فِيهَاَ لُحُومُ الْكِلابِ وَالمَحَائِضُِ وَعَذِرُ النَّاسِ . فقال رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: إِنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ لاَ يُنَجِّسُهُ شَىْء)». - الخاص بعد العام وهو صفة الرافع (وهو) أى النبى صلى الله عليه وسلم والجملة حال ( إنه ) ضمير الشأن أو الماء الذى يفهم من السياق ( يستقى لك ) بصيغة للمجهول، أى يخرج لك الماء ( وهى) أى بئر بضاعة ( والمحائض ) عطف على اللحوم ، قيل هو جمع المحيض وهو مصدر حاض، ويقع المحيض على المصدر والزمان والمكان والدم ( وعذر الناس ) بفتح العين المهملة وكسر الذال المعجمة جمع عذرة ككلمة وكلم ، وهى الغائط . قال الإمام الحافظ الخطابى : قد يتوهم كثير من الناس إذا سمع هذا الحديث أن هذا كان مهم عادة ، وأنهم كانوا يأتون هذا الفعل قصداً وتعمداً، وهذا مما لا يجوز أن يظن بذمى بل بوثنى فضلاً عن مسلم، فلم يزل من عادة الناس قديماً وحديثاً ، مسلمهم وكافرهم ، تنزيه المياه وصونها عن النجاسات ، فكيف يظن بأهل ذلك الزمان ، وهم أعلى طبقات أهل الدين وأفضل جماعة المسلمين والماء ببلادهم أعز والحاجة إليه أمس ، أن يكون هذا صنعهم بالماء ، وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم من تغوط فى موارد الماء ومشارعه ، فكيف من اتخذ عيون الماء ومنابعه رصداً للأنجاس ومطرحاً للأقذار ، ولا يجوز فيهم مثل هذا الظن ولا يليق بهم ، وإنما كان ذلك من أجل أن هذا البئر موضعها فى حدور من الأرض، وأن السيول كانت تكشح هذه الأقذار من الطرق والأفنية وتحملها وتلقيها فيها ، وكان لكثرته لا يؤثر فيه هذه الأشياء ولا تغيره ، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شأنها ليعلموا حكمها فى النجاسة والطهارة - - ١٢٩ - قال أَبُو دَاوُدَ : سَمِعْتُ قُتَيْبَةَ بنَ سَعِيدٍ قال : سَأَلْتُ قَيَِّ بِثْرِ بُضَاعَةَ عن ◌ُمْقِهَاَ، قال: أَكْثَرُ مَا يَكُونُ فِيهَا الْمَاءِ إِلَى الْعَانَةِ. قُلْتُ : فَإِذَا نَقَصَ ؟ قال: دُونَ الْمَوْرَةِ . قال أَبُو دَاوُدَ : وَقَدَّرْتُ أَنَا بِثْرَ بُضَاعَةَ بِرِدَائِى مَدَدْتُهُ عَلَيْهَا ثُمَّ ذَرَعْتُهُ فإِذا عَرَضُهَ سِتَّةُ أَذْرُعٍ ، وَسَأَلْتُ الَّذِى فَتَحَ لِ بَابَ الْبُسْتَانِ فَأَدْخَلَنِى إِلَيْهِ - (إن الماء طهور لا ينجسه شىء) قال فى التوسط : استدل به على عدم تنجسه إِلا بالمغير ، وأجاب الطحاوى بأن بئر بضاعة كانت طريقاً إلى البساتين فهو كالنهر، وحكاه عن الواقدى ، وضعف بأن الواقدى مختلف فيه ، فمكذب له وتارك ومضعف وقيل كذاب احتال فى إبطال الحديث نصرة للرأى ، فإن بثر بضاعة مشهور فى الحجاج ، بخلاف ماحكى عن الواقدى ، وماروى ابن أبى شيبة أن زنجياً وقع فى بئر زمزم فأمر بترج الماء ، ضعفها البيهقى ، وروى عن سفيان ابن عيينة قال: أنا بمكة سبعين سنة لم أرأحداً صغيراً ولا كبيراً يعرف حديث الزنجى . وحديث بئر بضاعة هذا لا يخالف حديث القلتين ، إذ كان معلوماً أن الماء فى بئر بضاعة يبلغ القلتين، إذ أحد الحديثين يوافق الآخر ولا يناقضه، والخاص يقضى على العام ويبينه ولا ينسخه ولا يبطله. قاله الخطابى. ( قيم) بفتح القاف وتشديد الياء المكسورة، أى من كان يقوم بأمر البئر ويحافظها (العانة) قال أهل اللغة: هى موضع منبت الشعر فوق قبل الرجل والمرأة ( فإذا نقص) ماؤها فما يكون مقدار الماء (دون العورة) قال ابن رسلان: يشبه أن يكون المراد به عورة الرجل ، أى دون الركبة ، لقوله صلى الله عليه وسلم: ((عورة الرجل ما بين سُرَّته وركبته)) (بردائى) متعلق بقدرت (مددتة عليها) أى بسطت ردائى على البئر، وهذه كيفية تقديرها ، ولم يسهل تقديرها إلا بهذه الكيفية (ثم ذرعته) أى ردائى بعد مدة = (فإذا عرضها) أى بير بضاعة (ستة - (٦ - عون المعبود ١) - ١٣٠ - هَلْ غيِّر بِذَاؤُهَا عَمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ؟ قال: لاَ، وَرَأَيْتُ فِيهَاَ مَاءٍ مُتَغَيِّرَ الَّوْنِ. ١ ٣٥- باب الماء لا يجنب ٦٨ - حدثنا مُسَدَّدٌ قال حدثنا أَبُو الْأَخْوَصِ قال حدثنا سِماكٌ عن عِكْرِمَةَ عن ابنِ عَبَّاسٍ قال: ((اغْتَسَلَ بَعْضُ أَزْوَاجِ النَِّيِّ صلى اللهُ عليه وسلم - أذرع) جمع ذراع وهو من المرفق إلى أطراف الأصابع . قال أبو داود (سألت الذى فتح لى باب البستان) وكانت البئر فى ذلك البستان (هل غيّ ) على البناء للمجهول ( بناؤها) أى بر بضاعة (عما كانت عليه) الضمير المجرور يرجع إلى ما الموصولة ، والمراد من ما الحالة والعمارة التى كانت البتر عليها، وجملة هل غير مع متعلقها المفعول الثانى لسألت ( قال ) محافظها (لا) أى لم يغير بناؤها . قال أبو داود ( ورأيت فيها ماء متغير اللون ) قال النووى : يعنى بطول المكث وأصل المنبع لا بوقوع شىء أجنبى فيه. انتهى. وإنما فسرنا بذلك لأنه قال ابن المنذر: أجمع العلماء على أن الماء القليل والكثير إذا وقعت فيه نجاسة فغير له طعماً أو لوناً أوريحاً فهو نجس . أما حديث الباب فقال الحافظ فى تلخيص الحبير: أخرجه الشافعى وأحمد وأصحاب السنن والدار قطنى والحاكم والبيهقى من حديث أبى سعيد . قال الترمذى : حديث حسن ، وقد جوّده أبوأسامة وصححه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وأبو محمد بن حزم ، وزاد فى البدر المنير: والحاكم وآخرون من الأئمة الحفاظ . قال الحافظ: ونقل ابن الجوزى أن الدار قطنى قال إنه ليس بثابت ولم تر ذلك فى العلل له ولا فى السنن . قلت: وقال فى كشف المناهج : وقول الدار قطنى هذا الحديث غير ثابت غير مسلم له ، وقول الإمام أحمد وغيره ممن صححه مقدم على الدارقطنى . انتهى . ( باب الماء لا يجنب) ( بعض أزواج) وهى ميمونة رضى الله تعالى عنها لما أخرجه الدارقطنى - - ١٣١ - فِى جَفْنَةٍ، فَجَاءَ النَِّىُّ صلى اللهُ عليه وسلم لِيَتَوَضَّأَ مِنْهَا أَوْ يَغْنَسِلَ، فقالَتْ لَهُ: يا رسولَ اللهِ إِنِّى كُنْتُ جُنُباً. فقالَ رسولُ الله صلى اللهُ عليه وسلم: الْمَاءِ لاَ يَجْنِبُ)). - وغيره من حديث ابن عباس عن ميمونة قالت: (( أجنبت فاغتسلت من جفنة ففضلت فيها فضلة ، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم يغتسل منه فقلت له فقال : الماء ليس عليه جنابة واغتسل منه)) ( فى جففة) بفتح الجيم وسكون الفاء: قصعة كبيرة وجمعه جفان ( أو يغتسل ) الظاهر أن الشك من بعض الرواة لا من ابن عباس ، لأن المروى عنه من غير طرق بتعيين لفظ يغتسل من غير شك ( إِنى كنت جنباً) وقد اغتسلت منها، وهو بضم الجيم والنون، والجنابة معروفة، يقال منها أجنب بالألف وجنب على وزن قرب فهو جنب ، ويطلق على الذكر والأنثى والمفرد والتثنية والجمع ( إن الماء لا يجنب ) قال فى القاموس : جنب أى كمنع وجنب أى كفرح وجنُب أى ككرم فيجوز فتح النون وكسرها ويصح من أجنب يجنب وهو إصابة الجنابة ، وجاء فى الأحاديث الأخرى أن الإنسان لا يجنب وكذا الثوب والأرض، ويريد أن هذه الأشياء لا يصير شيء منها جنباً يحتاج إلى الغسل لملامسة الجنب . قال فى التوسط : واحتج بحديث الباب على طهورية الماء المستعمل ، وأجيب بأنه اغترف منه ولم ينغمس إذ يبعد الاغتسال داخل الجفنة عادة ، وفى بمعنى من ، فيستدل به على أن المحدث إذا غمس يده فى الإناء للاغتراف من غير رفع الحدث عن يده لا يصير مستعملا. قال المنذرى : وأخرجه الترمذى والنسائى وابن ماجه . وقال الترمذى : هذا حديث حسن صحيح . -- ١٣٢- ٣٦ - باب البول فى الماء الراكد ٦٩ - حدثنا أَحَدُ بنُ يُونُسَ قال حدثنا زَائِدَةُ فى حَدِيثِ هِنَامٍ عن مُمَّدٍ عِن أَبِى هُرَيْرَةَ عن النَّبِيِّ صلى اللهُ عليه وسلم قال: ((لاَ يَبُوَلَنَّ أَحَدُكُمُ فِى الْمَاءِ الدَّائِ ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ)). ( باب البول فى الماء الراكد) ركد ركوداً من باب قعد أى سكن، وأركدته: أسكنته، وركدت السفينة أى وقفت فلا تجرى (فى حديث هشام ) أى فيما حدثنا به عن هشام أو عن حديث هشام ، ففى بمعنى عن ويدل لذلك رواية الدارمى فى مسنده حدثنا أحمد ابن عبد الله حدثنا زائدة عن هشام عن محمد الحديث . قال صاحب القاموس فى منظومته فى اصطلاح الحديث : ثم الصلاة للنبي أحمد الحمد لله العلى الأحد قال شارحها السيد العلامة سليمان بن يحيى بن عمر الأهدل قوله للنبى أحمد اللام بمعنى على كمافى قوله تعالى: ﴿ويخرون للأذقان) أى عليها. وقال ولده السيد العلامة عبد الرحمن بن سليمان فى حاشيته على شرح والده المذكور قوله : إن اللام بمعنى على ، هذا إنما يأتى على مذهب الكوفيين وابن مالك القائلين أن حروف الجر ينوب بعضها عن بعض بقياس . وقال شيخنا العلامة حسين بن محسن وفى القرآن والحديث وكلام العرب كثير من هذا النوع (لا يبولنَّ) بلا النهى والنون الثقيلة (فى الماء الدائم) الساكن الذى لا يجرى (ثم يغتسل منه) أى من الماء الدائم الذى بال فيه، وثم يغتسل عطف على الفعل المنفى وثم استبعادية ، أى بعيد من العاقل أن يجمع بينهما. والحديث وإن دل(١) بظاهره على منع الجمع بين البول والاغتسال فيه لاعلى المنع من كل واحد منهما بانفراده - (١) مقتضى السياق أن تكون العبارة ((والحديث بدل)). -١٣٣- ٧٠ - حدثنا مُسَدَّدٌ قال حدثنا يَحْسَى عن مُمَّدِ بنِ عَجْلاَنَ قالَ سَمِعْتُ أَبِى يُحَدِّثُ عن أَبِى هُرَيْرَةَ قال قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((لاَ يَبُولَنَّ أَحَدُكُ فِى الْمَاءِ الدَّائْمِ وَلاَ يَغْنَسِلْ فِيهِ مِنَ الْجْنَبَةِ)). - ولكن الحديث الآتى يدل على المنع من كل واحد منهما بانفراده أيضاً ، وإن كان الماء كثيراً جارياً لم يحرم البول فيه بمفهوم الحديث . قال المنذرى: وأخرجه مسلم والنسائى، وأخرجه البخارى من حديث الأعرج عن أبى هريرة ، وأخرجه مسلم والترمذى والنسائى من حديث هام بن منبه عن أبى هريرة ولفظ الترمذى وفى لفظ النسائى ثم يتوضأ منه . انتهى . ( لا يبولن أحدكم فى الماء الدائم ولا يغتسل فيه من الجنابة ) وهذا الحديث صريح المنع من كل واحد من البول والاغتسال فيه على انفراده كما مر . وأخرج مسلم وغيره عن أبى هريرة أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يغتسلن أحدكم فى الماء الدائم وهو جنب)) فقالوا يا أبا هريرة كيف يفعل؟ قال : يتناوله تناولا . وقد استدل بهذه الأحاديث على أن الماء المستعمل يخرج عن كونه أهلا للتطهير لأن النهى ههنا عن مجرد الغسل ، فدل على وقوع المفسدة بمجرده ، وحكم الوضوء حكم الغسل فى هذا الحكم، وقالوا والبول ينجس الماء فكذا الاغتسال لأنه صلى الله عليه وسلم قد نهى عنهما جميعاً ، وذهب بعض الحنفية إلى هذا وقال إن الماء المستعمل نجس ، وأجيب عن الاستدلال بحديث الباب بأن علة النهى ليست كونه يصير مستعملا بل مصيره مستخبثاً بتوارد الاستعمال فيبطل نفعه، ويوضح ذلك قول أبى هريرة يتناوله تناولا فإنه يدل على أن النهى إنما هو من الانغماس لا عن الاستعمال وإلا لما كان بين الانغماس والتناول فرق . وذهب جماعة من العلماء كعطاء، وسفيان الثورى والحسن البصرى والزهرى والنخعى وأبى ثور وجميع أهل الظاهر ومالك والشافعى وأبى حنيفة فى إحدى الروايات - : -- --. - ١٣٤ - ٣٧ - باب الوضوء بسؤر الكلب ٧١ - حدثنا أَحْمَد بن يُونُسَ قال حدثنا زَائِدَةُ فِى حَدِيثِ هِشَامٍ عن - عن الثلاثة المتأخرين إلى طهارة الماء المستعمل للوضوء . ومن أدلتهم حديث أبى جحيفة عند البخارى قال: (( خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهاجرة ، فأتى بوضوء فتوضأ فجعل الناس يأخذون من فضل وضوئه فيتمسحون به)) وحديث أبى موسى عنده أيضاً قال: (( دعا النبي صلى الله عليه وسلم بقدح فيه ماء ، فغسل يديه ووجهه فيه ، ومج فيه ثم قال - لهما - يعنى أبا موسى وبلالا اشربا منه وأفرغا على وجوهكما ونحور كما)). وعن السائب بن يزيد عنده أيضاً قال: ((ذهبت بى خالتى إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إن ابن أختى وقع أى مريض فمسح رأسى ودعالى بالبركة ثم توضأ فشربت من وضوئه الحديث . فإن قال الذاهب إلى نجاسة المستعمل للوضوء إن هذه الأحاديث غاية مافيها الدلالة على طهارة ما توضأ به صلى الله عليه وسلم ، ولعل ذلك من خصائصه قلنا : هذه دعوى غير نافقة ، فإن الأصل أن حكمه وحكم أمته واحد إلا أن يقوم دليل يقتضى بالاختصاص ، ولا دليل . قاله الشوكانى . قال المنذرى : وأخرجه ابن ماجه ولفظه: (( لا يبولن أحدكم فى الماء الراكد)) انتهى. ( باب الوضوء بسؤر الكلب ) هل يجوز أم لا فاختلف فيه، قال الزهرى: ((إذا ولغ الكلب فى إناء ليس له وضوء غيره يتوضأ به . وقال سفيان: هذا الفقه بعينه يقول الله تعالى: ﴿ فلم تجدوا ماء فتيمموا) وهذا ماء وفى النفس منه شىء يتوضأ به ويتيم ، رواه البخارى تعليقاً . وقال الحافظ فى الفتح وقول الزهرى هذا رواه الوليد بن مسلم فى مصنفه عن الأوزاعى وغيره عنه ولفظه : سمعت الزهرى فى إناء ولغ فيه كلب فلم يجدوا ماء غيره قال يتوضأ به. وأخرجه ابن عبد البر فى التمهيد من طريقه بسند صحيح . وعن مالك رواية أن الأمر بالتسبيع الندب. والمعروف - - - - ١٣٥ - مُمَدٍ عن أَبِى هُرَيْرَةَ عن النَّبِيِّ صلى اللهُ عليه وسلم قال: ((طُهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكمُ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكْبُ أَنْ يَفْتَسِلَ سَبْعَ مَرَّاتٍ ، أُولاَ هُنَّ بِالْتُرَابِ)). - عند أصحابه أنه للوجوب لكنه للتعبد لكون الكلب طاهراً عندهم . انتهى . لكن القول المحقق نجاسة سور الكلب لقوله صلى الله عليه وسلم: ((طهور إناء أحدكم)) والطهارة تستعمل إما عن حدث أو خبث ولا حدث على الإناء فتعين الحبث ، وقد ثبت عن ابن عباس التصريح بأن الغسل من ولوغ الكلب لأنه رجس . رواه محمد بن نصر المروزى بإسناد صحيح، ولم يصح عن أحد من الصحابة خلافه فلا يجوز التوضى [التوضؤ] به . (طهور إناء أحدكم) الأشهر فيه الضم ويقال بفتحها . قاله النووى (إِذا ولغ) قال أهل اللغة : يقال: ولغ الكلب فى الإِناء بلغ بفتح اللام فيهما ولوغاً إذا شرب بطرف لسانه . قال أبو زيد يقال : ولغ الكلب بشرابنا وفى شرابنا ومن شرابنا ( أن يغسل سبع مرات أولاهن بالتراب ) وفيه دليل على وجوب غسل نجاسة ولوغ الكلب سبع مرات ، وهذا مذهب الشافعى وأحمد وجمهور العلماء وقال أبو حنيفة : يكفى غسله ثلاث مرات . قال النووى: ومعنى الغسل بالتراب أن يخلط التراب فى الماء حتى يتكدر ، ولا فرق بين أن يطرح الماء على التراب أو التراب على الماء أو يأخذ الماء الكدر من موضع فيغسل به. وأما مسح موضع النجاسة بالتراب فلا يجزى . انتهى . وفيه دليل أيضاً على أن الماء القليل ينجس بوقوع النجاسة فيه وإن لم يتغير، لأن ولوغ الكلب لا يغير الماء الذى فى الإناء غالباً . قال الحافظ فى فتح البارى : واختلف الرواة عن ابن سيرين فى محل غسله التقريب ، فلمسلم وغيره من طريق هشام بن حسان عنه أولاهن وهى رواية الأكثر عن ابن سيرين ، واختلف عن قتادة عن ابن سيرين فقال سعيد بن بشير عنه: أولاهن أيضاً ، أخرجه الدار قطنى ، وقال أبان عن قتادة : السابعة - -١٣٦ - قال أَبُو دَاوُدَ: وَكَذَلِكَ قال أَثُوبُ وَحَبِيبُ بنُ الشَّهِيد عن مُمَّدٍ . ٧٢ - حدثنا مُسَدَّدٌ قال حدثنا المُعْتَمِرُ بِنُ سُلَيْانَ ح. وحدثنا حُمَّدُ بنُ عُبَيْدٍ قال حدثنا ◌َدُ بنُ زَيْدٍ جَمِيعاً عن أَثُّوبَ عن ◌ُمَّدٍ عن أَبِى هُرَيْرَةَ بِمَعْنَاهُ وَلَمْ يَرْفَعَهُ ، وَزَادَ: (( وَ إِذَا وَلَغَ الْرُّ غُسِلَ مَرَّةً)). - وللشافعى عن سفيان عن أيوب عن ابن سيرين أولاهن أو إحداهن ، وفى رواية الندى عن البزار إحداهن ، وكذا فى رواية هشام بن عروة عن أبى الزناد عنه ، فطريق الجمع بين هذه الروايات أن يقال إحداهن مبهمة وأولاهن والسابعة معينة ، وأو إن كانت فى نفس الخبر فهى التخيير ، فيقتضى حمل المطلق على المقيد أن يحمل على أحدهما لأن فيه زيادة على الرواية المعينة ، وإن كانت أوشكا من الراوى فرواية من عين ، ولم يشك أولى من رواية من أبهم أوشك فيبقى النظر فى الترجيح بين رواية أولاهن ورواية السابعة ورواية أولاهن أرجح من حيث الأكثرية والأحفظية ومن حيث المعنى أيضًا ، لأن تتريب الأخير يقتضى الاحتياج إلى غسله أخرى لتنظيفه . قال المنذرى : وأخرجه مسلم والنسائى وأخرجه الترمذى وفيه أولاهن أو أخراهن بالتراب ، وإذا ولغت فيه الهرة غسل مرة ، وقال: هذا حديث حسن صحيح . ( وكذلك ) أى بزيادة لفظ أولاهن بالتراب . (عن محمد) هو ابن سيرين (بمعناه) أى بمعنى الحديث الأول (ولم يرفعاه) أى ولم يرفع الحديث حماد بن زيد والمعتمرعن أيوب إلى النبى صلى الله عليه وسلم بل وقفاه على أبى هريرة ( وزاد) أى أيوب فى روايته فيما رواه عنه المعتمر وحماد ( وإذا ولغ الهر غسل مرة ) قال الترمذى فى جامعه: وقد روى هذا الحديث من غير وجه عن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم نحو هذا ولم يذكر فيه إذا ولغت فيه الهرة غسل مرة . انتهى . وقال المنذرى: وقال البيهقى: أدرجه - -١٣٧- ٧٣ - حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ قال حدثنا أَبَانُ قال حدثنا قَتَادَةُ أَنَّ مُمَّدَ بنَ سِيرِينَ حَدَّثَهُ عن أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ نَبِىَّ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم قال: ( إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِى الْإِنَاءِ فَاغْسِلُوهُ سَبْعَ مَّاتٍ ، السَّابِعَةَ بالتَّرَابِ)) . قال أَبُو دَاوُد: وَأَمَّا أَبُو صَحِ وَأَبُورَزِينِ وَالْأَعْرَجُ وَثَبِتٌ الْأَحْتَفُ وَهَمُ بنُ مُنَبٍِّ وَأَبُو السُّدِّىِّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ رَوَوْهُ عنْ أَبِى هُرَيْرَةَ وَلَمْ يَذْ كُرُوا الْتَّابَ . - بعض الرواة فى حديثه عن النبى صلى الله عليه وسلم ووهموا فيه، والصحيح أنه فى ولوغ الكلب مرفوع وفى ولوغ الهر موقوف. انتهى. وقال الزيلعى: قال فى التنقيح: وعلته أن مسدداً رواه عن معتمر فوقفه. رواه عنه أبو داود . قال فى الإمام : والذى تلخص أنه مختلف فى رفعه ، واعتمد الترمذى فى تصحيحه على عدالة الرجال عنده ولم يلتفت لوقف من وقفه . والله أعلم . ( فى الإناء) ظاهره العموم فى الآنية ومفهومه يخرج الماء المستنقع مثلا ، وبه قال الأوزاعى ، لكن إذا قلنا بأن الغسل للتنجيس يجرى الحكم فى القليل من الماء دون الكثير (فاغسلوه) أى الإناء، وهذا يقتضى الفور لكن حمله الجمهور على الاستحباب إلا لمن أراد أن يستعمل ذلك الإناء ( بالتراب ) ولم يقع فى رواية مالك التقريب ، ولم يثبت فى شىء من الروايات عن أبى هريرة إلا عن ابن سيرين وأيوب السختيانى وأبى رافع والحسن ، على أن بعض أصحاب ابن سيرين لم يذكروه ، ومع هذا أخذنا بالتقريب لأن زيادة الثقة مقبولة (ولم يذكروا التراب) فى روايتهم عن أبى هريرة، ولا يضر عدم ذكر هؤلاء لهذه اللفظة لأن ابن سيرين وأيوب السختيانى والحسن البصرى وأبا رافع ذكروا هذه اللفظة عن أبى هريرة ، وحديث الحسن وأبى رافع أخرجه الدار قطنى فى - - ١٣٨- ٧٤ - حدثنا أَحْمَدُ بنُ مُمَّدِ بنِ حَنْبَلٍ قال حدثنا يَحْسَ بنُ سَعِيدٍ عن شُعْبَةَ قال حدثنا أَبُو التََّحِ عن مُطَرِّفٍ عن ابنِ مُفَفَّلٍ ((أَنَّ رسولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم أمَرَ بِقَتْلِ الْكِلابِ، ثُمَّ قال: مَلَهُمْ وَلَهَا، فَرَخَّصَ فِى كَلْبِ الصَّيْدِ - سننه وإسناد حديث أبى رافع صحيح وحديث الحسن لا بأس به . وللطحاوى فى شرح معالى الآثار فى إبطال الغسلات السبع كلام شنيع ، وقد أجاد الحافظ البيهقى فى رد كلامه فى كتابه المعرفة ، والحافظ بن حجر فى فتح البارى ، فجزاهما الله أحسن الجزاء . (أبو التياح) بفتح المثناة فوق وبعدها مثناة تحت مشددة وآخره حاء مهملة: هو يزيد بن حميد البصرى ثقة ثبت (عن مطرف) بضم الميم وفتح الطاء المهملة وبعدها الراء المكسورة المشددة: هو ابن عبد الله الشخير العامرى أبو عبد الله البصرى أحد سادة التابعين . قال ابن سعد: ثقة له فضل وورع وعقل وأدب (عن ابن مغفل ) بضم الميم وفتح الغين المعجمة والفاء المشددة المفتوحة وهو عبد الله بن المغفل المزنى ، بايع تحت الشجرة ونزل البصرة ( أمر بقتل الكلاب) قال القاضى عياض: ذهب كثير من العلماء إلى الأخذ بالحديث بقتل الكلاب إلا ما استثنى، قال: وهذا مذهب مالك وأصحابه ، وذهب آخرون إلى جواز اقتنائها جميعاً ونسخ قتلها إلا الأسود البهيم ، قال: وعندى أن النهى أولا كان نهياً عاماً من اقتنائها جميعاً والأمر بقتلها جميعاً، ثم نهى عن قتل ما عدا الأسود ، وامتنع الاقتناء فى جميعها إلا المستثنى. كذا فى سبل السلام. قلت : ما قاله القاضى هو الحق الصريح ( ثم قال ) رسول الله صلى الله عليه وسلم (مالهم) أى للناس يقتلون الكلاب (ومالها)(١) أى ماللكلاب أن تقتل ولفظ مسلم: ((ما بالهم وبال الكلاب)) وفيه دليل على امتناع قتل الكلاب ونسخه - (١) هى كذلك بالأصل مع مغايرتها للمتن ولفظ المتن أقرب للصواب. - ١٣٩ - وفى كَلْبِ الْفَرِ، وقال: إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِى الْإِنَاءِ فَاغْسِلُوهُ سَبْعَ مِرَارٍ وَالثَّامِنَةَ عَفِّرُوهُ بِالتََّابِ ». قال أَبُو دَاوُد: وَهَكَذَا قال ابنُ مُنَفَّلٍ . - وقد عقد الحافظ الحازمى فى كتابه الاعتبار لذلك باباً ، وأخرج مسلم عن جابر قال: (( أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل الكلاب حتى إن المرأة تقدم من البادية بكلبها فتقتله، ثم نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتلها ، وقال عليكم بالأسود البهيم ذى النقطتين فإنه شيطان )) (فى ) اقتناء كلب الصيد ، أى الكلاب التى تصيد ( وفى ) اقتناء (كلب الغنم ) أى التى تحفظ الغنم فى المرعى وزاد مسلم وكلب الزرع ( عفروه بالتراب ) التعفير التمريغ بالتراب. والحديث فيه حكم غسلة ثامنة. وأن غسلة التراب غير الغسلات السبع بالماء ، وبه قال الحسن البصرى وأفتى بذلك أحمد بن حنبل وغيره وروى عن مالك أيضاً . قال ابن دقيق العيد : قوله : عفروه الثامنة بالتراب ظاهر فى كونها غسلة مستقلة لكن لو وقع التعفير فى أوله قبل ورود الغسلات السبع كانت الغسلات ثمانية ، ويكون إطلاق الغسلة على التراب مجازاً ، وجنح بعضهم إلى الترجيح لحديث أبى هريرة على حديث عبد الله بن مغفل، والترجيح لا يصار إليه مع إمكان الجمع والأخذ بحديث ابن مغفل يستلزم الأخذ بحديث أبى هريرة دون العكس والزيادة من الثقة مقبولة ، ولو سلك الترجيح فى هذا الباب لم نقل بالتقريب أصلا ، لأن رواية مالك بدونه أرجح من رواية من أثبته ، ومع ذلك فقلنا به أخذاً بزيادة الثقة . قاله الحافظ . قال المنذرى: وأخرجه مسلم والنسائى وابن ماجه . - ١٤٠ - ٣٨ - باب سؤر الهرة ٧٥ - حدثنا عَبْدُ اللهِ بن مَسْلَمَةَ الْفَعْنَبِىُّ عن مَالِكٍ عن إِسْحَاقَ بِنِ عَبْدِ اللهِ بنِ أَبِى طَلْحَةَ عن ◌ُحَيْدَةَ بِذْتِ عُبَيْدِ بنِ رِفَاعَةَ عن كَبْتَةَ بِذْتِ كَعْبٍ بِنِ مَلِكٍ - وكَانَتْ تَحْتَ ابنِ أَبِى قَتَادَةَ أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ دَخَلَ فَسَكَبَتْ ( باب سؤر الهرة) الهر : الذكر وجمعه هررة مثل قرد وقردة، والأنثى : هرة مثل سدرة . قاله الأزهرى . قال ابن الأنبارى: الهر يقع على الذكر والأنثى وقد يدخلون الهاء فى المؤنث ، وتصغيرها هريرة . كذا فى المصباح. ( عن حميدة) قال ابن عبد البر: هى بضم الجاء المهملة وفتح الميم عند رواة الموطأ إلا يحيى الليثى فقال إنها بفتح الحاء وكسر الميم ( بنت عبيد بن رفاعة ) الأنصارية الزرقية أم يحيى عن خالتها كبشة بنت كعب وعنها زوجها إسحاق بن عبد الله المذكور آنفاً وابنها يحيى بن إسحاق وثقها ابن حبان . وقال الحافظ : هى مقبولة . قال فى النيل : الحديث صححه البخارى والعقيلى وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والدار قطنى ، وأعله ابن مندة بأن حميدة الراوية عن كبشة مجهولة ، وكذلك كبشة قال ولم يعرف لهما إلا هذا الحديث، وتعقبه الحافظ ابن حجر بأن لحميدة حديثاً آخر فى تشميت العاطس رواه أبو داود ، ولها حديث ثالث رواه أبو نعيم فى المعرفة ، وقد روى عنها مع إسحاق ابنة يحيى وهو ثقة عند ابن معين ، فارتفعت الجهالة (كبشة) بفتح الكاف وسكون الموحدة ( بنت كعب ابن مالك ) الأنصارية زوج عبد الله بن أبى قتادة ( وكانت) كبشة (تحت ابن أبى قتادة) أى فى نكاحه ( دخل) فى بيت كبشة (فسكبت) بصيغة المتكلم ، والسكب : الصب أى صببت ، ويحتمل أن يكون بصيغة الغائب -