Indexed OCR Text

Pages 1-20

. و،
عون المعبود
◌ِشِبْنْ أبى دَاوُد
للعلامة أبى الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادى
مع شرح الاننا ابنقيم الجوزية
ضبط وتحقيق
عبدالرحمن محمد عثمان
الجزء الأول
الناشر
محمد عبد الحسين
صاحب المكتبة السلفية بالمدينة المنورة

الطبعة الثانية
١٣٨٨ هـ - ١٩٦٨ م
حقوق الطبع محفوظة للناشر

تقديم
بسم اللهالرحمن الرحيم
وبه نستعين، والصلاة والسلام على نبيه الكريم
لماكنا شرعنا - بعون الله - فى إصدار كتاب ((عون المعبود: شرح سنن
أبى داود)) فى أول طبعة عصرية له، حيث لم يسبق نشره إلا خطياً فى طبعته
الهندية القديمة - كان لزاماً علينا أن نعرّف القراء والباحثين بهذا الكتاب
متناً وشرحاً .
أما المتن - وهو قرابة الخمسة آلاف حديث - فقد انتخبه الإمام الجليل
أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو بن عمران ،
الذى ينتهى نسبه إلى أزد اليمن - انتخبه من خمسمائة ألف حديث، جمعها
- رحمه الله - أثناء رحلاته الطويلة للبحث والدراسة وجمع أحاديث الرسول الكريم
فى بلاد خراسان والعراق والجزيرة والحجاز والشام ومصر ، وهى الرحلات التى
سمع فيها من شيوخ كثيرين اشتهروا بالجمع والرواية ، منهم: أبو عمرو الضرير
ومسلم بن إبراهيم والقعنى وعثمان بن أبى شيبة وأبو بكر بن أبى شيبة وأبو الوليد
الطيالسى وأحمد بن يونس والنفيلى ومسدد وعبد الله بن مسلمة وأبو توبة الحلبى
وموسى بن إسماعيل، وسواهم كثير؛ كسليمان بن حرب وقتيبة بن سعيد ومحمد
ابن المثنى ومحمد بن العلاء ومحمد بن بشار والحسن بن عمرو السدوسى وعمرو بن
مرزوق ، وسوى هؤلاء من أعلام الحديث وأئمة الدين ؛ كيحيى بن معين
وأحمد بن حنبل . رحمهم الله جميعاً .
وكان مقام أبى داود بالبصرة .. عاش بها أكثر أيامه ، وقدم بغداد مراراً

- ٤ -
وقرأ بها كتاب السنن ، ولقى بها الإمام أحمد ، وعرض عليه كتابه ، فاستجاده
واستحسنة .. وروى عنه فرد حديث(١).
ومات - رحمه الله - بالبصرة، فى شوال من عام ٢٧٥، عن ٧٣ عاماً،
حيث كان ولد عام ٢٠٢ من الهجرة .
وقد أدركه وسمع منه وحدّث عنه كثيرون من الأئمة وأهل الحفظ والرواية
منهم: أبو عيسى الترمذى وأبو عبد الرحمن النسائى وأبو بكر النجاذ وأبو عوانة
وأبو بشر الدولابى ومحمد بن يحيى الصولى ومحمد بن يحيى بن يعقوب المنقرى
وعلى بن الحسين بن عبد وأبو أسامة محمد بن عبد الملك وأبو سالم محمد الجلودى
وأبو عمرو أحمد بن على وأبو بكر بن داسة وأبو على اللؤلؤى وأبو سعيد الأعرابى.
وروى هؤلاء السبعة عنه كتاب السنن .
وأخذ عنه الحدیث ابنه أبو بكر عبد الله بن أبى داود ، وكان من أ کابر
الحفاظ ببغداد ، عالماً متفقاً عليه، إمام بن إمام ، شارك أباه فى شيوخه بمصر
والشام ، وسمع ببغداد وخراسان وأصبهان وشيراز وتوفى سنة ٣١٦.
وكان - رحمه الله - فى الدرجة الفائقة من الصلاح والتقى والورع والحفظ
والإتقان .
* قال محمد بن إسحاق الصاغانى : لين لأبى داود الحديث كما لين الداود
الحديد .
* وقال أبو بكر الخلال: أبو داود هو الإمام المقدم فى زمانه رجل لم
يسبقه إلى معرفته بتخريج العلوم وبصره بمواضعه ، أحد فى زمانه .
* وقال ابن حبان: أبو داود أحد أئمة الدنيا فقها وعلماً وحفظاً ونسكاً
وورعاً وإتقاناً .
(١) هو حديث العتيرة .
1

* وقال الحافظ موسى بن هارون : خلق أبو داود فى الدنيا للحديث وفى
الآخرة للجنة ، وما رأيت أفضل منه .
: وقال أبو بكر بن داسة : سمعت أبا داود يقول : كتبت عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم خمسمائة ألف حديث، وانتخبت منها ما ضمنته هذا الكتاب
- يعنى كتاب السنن - جمعت فيه أربعة آلاف وثمانمائة حديث، ذكرت
الصحيح وما يشبهه ويقاربه .. ويكفى الإنسان لدينه من ذلك أربعة أحاديث:
أحدها: قوله صلى الله عليه وسلم (( الأعمال بالنيات .. إلخ)). والثانى: قوله
((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)). والثالث: قوله (( لا يكون المؤمن
مؤمناً حتى يرضى لأخيه ما يرضاه لنفسه)). والرابع: قوله ((الحلال بيِّن والحرام
بيِّن وبين ذلك أمور مشتبهات .. إلخ )) .
: وقال أبو بكر بن محمد بن عبد العزيز: سمعت أبا داود بن الأشعث بالبصرة
وسئل عن رسالته التى كتبها لأهل مكة وغيرها جواباً لهم، فأعلى علينا : فإنى
أحمد الله الذى لا إله إلاهو وأسأله أن يصلى على محمد صلى الله عليه وسلم . أما بعد
عافانا الله وإياكم، فهذه الأربعة الآلاف والثمانمائة الحديث كلها فى الأحكام،
فأما أحاديث كثيرة ، من الزهد والفضائل وغيرها، من غير هذا، فلم أخرجها ،
والسلام عليكم ورحمة الله وصلى الله على محمد النبى وآله .
* وقال أحمد بن محمد بن ياسين الهروى : سليمان بن الأشعث السجزى كان
أحد حفاظ الإسلام لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعلمه وعلله وسنده ،
فى أعلى درجة من النسك والعفاف والصلاح والورع .. من فرسان الحديث.
وقال أبوسليمان حمد بن محمد الخطابى: واعلموا - رحمكم الله - أن كتاب
السنن لأبى داود - رحمه الله - كتاب شريف لم يصنف فى علم الدين كتاب مثله
وقد رزق القبول من كافة الناس ، فصار حكماً بين فرق العلماء وطبقات

الفقهاء على اختلاف مذاهبهم .. فلكل فيه ورد ومنه شرب . وعليه معول
أهل العراق وأهل مصر وبلاد المغرب وكثير من معدن أقطار الأرض، وأما
أهل خراسان فقد أولع أكثرهم بكتابى محمد بن إسماعيل ومسلم بن الحجاج ومن
نها نحوها فى جمع الصحيح على شرطهما فى السبك والانتقاد.
* وقال الحافظ أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن منده: إن شرط أبى داود
والنسائى إخراج حديث أقوام يجتمع على تركهم، إذا صح الحديث باتصال الإسناد
من غير قطع ولا إِرسال .
* وحكى عن أبى داود أنه قال: ما ذكرت فى كتابى حديثاً اجتمع الناس
على تركه .
وقد شرحه كثير من الفقهاء .. فمن شروحه :
معالم السنن للإمام الخطابى ولخصه الحافظ شهاب الدين أحمد بن محمد المقدسى.
ومنها : شرح النووى ، لم يتم .
ومنها : شرح ابن الملقن سراج الدين عمر بن على .
ومنها : شرح الشيخ قطب الدين أبى بكر بن أحمد اليمنى .
ومنها : شرح الإمام ولى الدين أبى زرعة أحمد بن الحافظ أبى الفضل زين
الدين العراقى ، وهو شرح كبير لم يكمل .
ومنها : شرح الحافظ علاء الدين مغلطائي بن قليج، لم يكمل
ومنها : شرح الحافظ شهاب الدين بن رسلان ، وهو شرح متقن ينقل:
فيه عن شيخه ابن حجر .
ومنها : شرح العينى، لم يكمل.
ومنها: شرح السيوطى ((مرقاة الصعود)) إلى سنن أبى داود.

- ٧ -
ومنها: شرح أبى الحسن السندى ((فتح الودود)» على سنن أبي داود.
هذا خلاف الشرحين الذين بين أيدينا فى هذا الكتاب ، وهما من أوفى
شروح كتاب السنن . كتب أولهما العلامة أبو الطيب شمس الحق العظيم آبادى
وتوفر على معاونته فى إ كماله العلامة أبو العلى محمد عبد الرحمن بن عبد الرحيم
المباركفورى صاحب تحفة الأحوذي مدة أربع سنين ، حتى تم على أحسن
ما يكون إحاطة وشمولا، وإيضاحاً لكل مشكل، وإبانة عن كل معنى نفيس.
وأما الشرح الثانى فهو شرح الإمام الجليل ، الناقد البصير، المحسن المتقن ،
الأديب الأريب، الحافظ شمس الدين أبى بكر محمد بن قيم الجوزية .. وهو من
هو .. الغنى عن البيان .. وكفى بهما من فارسين .. فى ميدان .!!
نسأل الله أن يعيننا ويعين الناشر المحسن على التمام .
وأن ينفع بهذا الكتاب النفيس أهل الإسلام .
وأن يرحم مؤلفيه وشارحيه ويلهمنا وأخانا الناشر الشيخ محمد عبد المحسن
السداد فى الأمر ، والعزيمة على الرشد .. إنه هو البر الرحيم .
وصلى الله على نبيه الكريم وآله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
غرة المحرم من عام ١٣٨٨
عبد الرحمن محمد عثمان

KNE
تجاريالمشكو الدواء العدّـ
مََِّ

بِسْمِ اللَّهِالرَّ الرَّحِيم
الحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات ، وصلى الله تعالى على رسوله محمد الذى
جعل اتباعه سبباً لكفارة السيئات ، وعلى آله وأزواجه وسائر أصحابه الذين نالوا
به المنازل الرفيعة والدرجات .
أما بعد : فيقول العبد الفقير إلى الله تعالى أبو عبد الرحمن شرف الحق
الشهير بمحمد أشرف بن أمير بن على بن حيدر الصديقى العظيم آبادى، غفر الله
لهم وستر عيوبهم : إن هذه الفوائد المتفرقة والحواشى النافعة على أحاديث سنن
الإمام الهمام المجتهد المطلق أبى داود سليمان بن الأشعث السجستانى رضى الله
تعالى عنه، جمعتها من كتب أئمة هذا الشأن رحمهم الله تعالى ، مقتصراً على
حل بعض المطالب العالية ، وكشف بعض اللغات المغلقة ، وتراكيب بعض
العبارات ، مجتنباً عن الإطالة والتطويل إلا ما شاء الله تعالى ، وسميتها بعون
المعبود على سنن أبى داود ، تقبل الله منى ، والمقصود من هذه الحاشية
المباركة الوقوف على معنى أحاديث الكتاب فقط ، من غير بحث لترجيح
الأحاديث بعضها على بعض إلا على سبيل الإيجاز والاختصار، ومن غير ذكر
أدلة المذاهب المتبوعة على وجه الاستيعاب، إلا فى المواضع التى دعت إليها.
الحاجة . أعان الله تعالى وتبارك على إتمام هذه الحواشى، ونفع بها إخواننا أهل
العلم وإياى خاصة .
وأما الجامع لهذه المهمات المذكورة من الترجيح والتحقيق ، وبيان أدلة
المذاهب والتحقيقات الشريفة ، وغير ذلك من الفوائد الحديثية فى المتون
والأسانيد وعللها ، الشرح الكبير لأخينا العلامة الأعظم الأكرم أبى الطيب
محمد شمس الحق العظيم آبادى المسمى بغاية المقصود فى حل سنن أبى داود ،

- ١٢ -
وفقه الله تعالى لإتمامه كما وفقه لابتدائه ، وهو شرح كبير جليل عظيم الشأن ،
وشارحه العلامة صرف همته إلى إتمامه والمشغول فيه بحسب الإمكان ، جزاه
الله تبارك وتعالى وتقبل منه وجعله خير العقبى . وإنى استفدت كثيراً من هذا
الشرح المبارك، وقد أعاننى شارحه فى هذه الحاشية فى جل من المواضع وأمدّنى
بكثير من المواقع فكيف يكفر شكره .
والباعث على تأليف هذه الحاشية المباركة أن أخانا الأعظم الأمجد أبا الطيب
شارح السنن ذكر غير مرة فى مجلس العلم والذكر أن شرحى غاية المقصود يطول
شرحه إلى غير نهاية، لا أدرى كم تطول المدة فى إتمامه، والله يعيننى. والآن
لا نرضى بالاختصار ، لكن الحبيب المكرم الشفيق المعظم جامع الفضائل
والكالات ، خادم سنن سيد الكونين الحاج تلطف حسين العظيم آبادى مُصِرٌ
على تأليف الشرح الصغير سوى غاية المقصود ، فكيف أرد كلامه ، فأمرنى
أخينا العلامة الأعظم الأ كرم أبو الطيب أدام الله مجده لإبرام هذا المرام ،
فاعتذرت كثيراً، لكن ما قبل عذرى ، وقال : لابد عليك هذا الأمر ، وإنى
أعينك بقدر الإمكان والاستطاعة ، فشرعت متوكلاً على الله فى إتمام هذه الحاشية
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم ، أستغفر الله ربى من كل ذنب
وأتوب إليه .
وأما إسناد هذا الكتاب المبارك منى إلى المؤلف الإمام المتقن فمذ كور
فى غاية المقصود شرح سنن أبى داود لا نعيد الكلام بذكره . غير أن الشيخ
العلامة الرحالة السيد محمد نذير حسين المحدث الدهاوى يروى عن أربعة من
الأمة سوى الشيخ العلامة محمد إسحاق المحدث الدهلوى رحمهم الله ، كماهو
مذكور فى المكتوب اللطيف إلى المحدث الشريف لأخينا الأ كرم الأعظم
أبى الطيب أدام الله مجده فأقول :

- ١٣ -
إنى أروى سنن أبى داود وغير ذلك من كتب الحديث عن جماعة من
الأئمة منهم السيد العلامة محمد نذير حسين المحدث الدهلوى(١)، وهو يروى عن
خمسة من الأمة .
أولهم : الشيخ المحدث محمد إسحاق الدهلوى(٢) عن جده من جهة الأم ،
(١) قال أخونا الأعظم أبو الطيب محمد شمس الحق فى كتابه ((نهاية الرسوخ
فى معجم الشيوخ)): هو الإمام العلامة الرحالة ملحق الأصاغر بالأكابر السيد هد
نذير حسين المحدث الدهلوى ابن السيد جواد على بن السيد عظمت الله ، وينتهى نسبه
إلى الإمام زين العابدين على بن الإمام حسين بن الإمام الهمام أمير المؤمنين على بن
أبى طالب رضى الله عنه . ولد فى وطنه سورج كده من مضافات البهار سنة عشرين
بعد الألف والمائتين، وقيل سنة خمس وعشرين بعد الألف والمائتين ، والأول أصح
لأن بعض الثقات من سكان على نكر الذى [هو] متصل بسورج كده قال إنى رأيت
مكتوباً على بعض الدفاتر بخط بعض القدماء أن ولادته عام عشرين بعد الألف
والمائتين . وهكذا سمعنا من أفواه بعض أقاربنا . انتهى .
قال أبو الطيب : وإنما أرخت فى غاية المقصود شرح سنن أبى داود سنة خمس
وعشرين ، لأن شيخنا العلامة لما سألته عن عام ولادته أجابنى أنى لم أحفظه بالتعيين
لكن أظن أنى ولدت سنة خمس وعشرين أو قبل ذلك بقليل، وهو من أجل تلامذة
الشيخ العلامة محمد إسحاق المحدث الدهاوى ، حصل له الإجازة فى شوال سنة ثمان
وخمسين بعد الألف والمائتين، وهو أحد من ملا فيضه شرقاً وغرباً ، متعنا الله
تعالى بطول بقائه .
(٢) هو الشيخ العلامة الورع الناسك الزاهد التقى المحدث أبو سليمان محمد بن
إسحاق الدهاوى بن محمد أفضل الفاروقى اللاهورى . ولد تقريباً عام اثنين وتسعين
بعد الألف والمائة ، وهو ابن بنت الكريمة للشيخ عبد العزيز الدهاوى ، قرأ على
أجداده : الشيخ عبد القادر بن ولى الله الدهلوى ، والشيخ رفيع الدين بن ولی الله
الدهلوى ، والشيخ الإمام عبد العزيز بن ولى الله الدهلوى ، وحصل له الإجازة العامة
بعد القراءة والسماع من جده الشيخ عبد العزيز .
ويروى أيضاً عن الشيخ عمر بن عبد الكريم المكى وحصل له منه الإجازة

- ١٤ -
الشيخ العلامة المحدث المفسر عبد العزيز الدهلوى(١) عن أبيه الإمام الأجل
عام أحد وأربعين بعد الألف والمائتين فى مكة المشرفة ، وهاجر فى سنة ثمان
وخمسين بعد الألف والمائتين من الدهلى إلى مكة المشرفة . وجده الشيخ عبد العزيز
رحمه الله يفرح به كثيراً ويتلو هذه الآية الكريمة: ﴿الحمد لله الذى وهب لى على
الكبر إسماعيل وإسحاق﴾. ولابد عليه أن يشكر بمثل هذه الأولاد ، فإن ابن بنته
محمد إسحاق، وابن أخيه العلامة الذى لم تر مثله العيون محمد إسماعيل الغازى الشهيد
من آيات الله تبارك وتعالى. وهذا كل ذلك ببركة العمل الصالح والنية الخالصة من
جدهما الأعلى الشيخ ولی الله الدهاوی رحمه الله .
وكان شيخه العلامة عمر بن عبد الكريم المكى المتوفى سنة ١٢٤٧ يشهد بكاله
فى عسلم الحديث ورجاله ، وكان يقول: قد حلت فيه بركة جده الشيخ عبد العزيز
الدهلوى . وقال الشيخ العلامة عبد الله السراج المكى المتوفى سنة ١٢٦٤ وقت غسل
جنازته فى حقه: والله إنه لو عاش وقرأت عليه الحديث طول عمرى ما نلت ما ناله .
توفى رحمه الله تعالى عام اثنين وستين بعد الألف والمائتين ، ودفن بالمعلى عند
قبر سيدتنا أم المؤمنين خديجة رضى الله عنها ، وله تلامذة لا يحصون فى العرب والعجم
منهم الشيخ الأجل السيد محمد نذير حسين الدهلوى ، والشيخ العلامة المحدث محمد
الأنصارى السهار نفورى ثم المكى، والشيخ العلامة محمد إبراهيم النكرنهسوى العظيم
آبادى، والشيخ محمد بن حمد الله الشهير بشيخ محمد تهانوى مظفر نكرى ، والمولوى
سبحان بخش شكاربورى مظفر لكرى ، والمولوى على أحمد نزيل التونك، والشيخ
المحدث عبد الغنى بن أبى سعيد المجددى الدهلوى ثم المدنى المتوفى سنة ١٢٩٧، والشيخ
الحافظ أحمد على السهار نفورى ، والفاضل عالم على المراد آبادى ، والفاضل النواب
قطب الدين خان الدهاوى ، والقارى عبد الرحمن الفانى فتى ، والمفتى عنايت أحمد
صاحب التأليفات الشهيرة، والمولوى فضل رحمن المراد آبادى ، والشيخ العلامة
المحدث المحقق محمد بن ناصر الحازمى . رحمهم الله تعالى. كذا فى نهاية الرسوخ فى
معجم الشيوخ .
(١) هو الشيخ العلامة أستاذ الأساتذة إمام الجهابذة عبد العزيز بن ولى الله
الدهلوى . ولد عام تسع وخمسين بعد الألف والمائة ، وتوفى عام تسع وثلاثين بعد
الألف والمائتين . له تلامذة كثيرة ، وكان رحمه الله تعالى بحراً فى جميع العلوم ،

- ١٥ -
ولى الله المحدث الدحلوى(١) بالإسناد الذى هو مذكور فى الإرشاد إلى مهمات
علم الإسناد للشيخ ولى الله، وكتاب الأمم لإيقاظ الهمم للشيخ العلامة إبراهيم
الكردى الكورانى (٢).
وثانيهم : العلامة الجليل مسند اليمن السيد عبد الرحمن بن سليمان بن يحي
ابن عمر بن مقبول الأهدل(٣) مؤلف كتاب النفس اليمانى والروح الريحانى فى
إجازة القضاة بنى الشوكانى، عن جماعة من الأمة، منهم الشيخ الإمام محمد بن
س .(٤)
سِنّة(٤).
وله مؤلفات جليلة مشهورة ، وترجمته مبسوطة فى نهاية الرسوخ وإتحاف النبلاء
للعلامة القنوجى ثم البوفالى رحمه الله .
(١) هو الشيخ الإمام الأجل ولى الله بن عبدالرحيم الدهاوى بن وجيه الدين
وينتهى نسبه إلى عمر الفاروق . ولد رحمه الله تعالى يوم الأربعاء رابع شوال من سنة
أربع عشرة بعد الألف والمائة فى مقام بهلت من مضافات مظفر نكر، وراح إلى
الحرمين الشريفين عام ثلاث وأربعين، وعاد إلى الوطن عام خمس وأربعين ، وكانت
وفاته عام ست وسبعين بعد مائة وألف فى الدهلى ، له مناقب جليلة ومآ ثر عظيمة
لا يسع هذا المختصر [ذكرها] ومن أعظم مؤلفاته: حجة الله البالغة، وإزالة الخفاء
عن خلافة الخلفاء، وفتح الرحمن فى ترجمة القرآن ، والمسوى شرح الموطا، والمصفى
شرح الموطا، والإرشاد إلى مهمات علم الإسناد ، وقرة العينين فى تفضيل الشيخين
وغير ذلك .
(٢) هو الشيخ العلامة إبراهيم بن حسن الكورانى الشهر زورى الشافعى
نزيل المدينة المنورة عمدة المسندين خاتمة المحققين . ولد فى شوال سنة خمس وعشرين
وألف ، وتوفى سنة إحدى ومائة وألف، ودفن بالبقيع . كذا فى نهاية الرسوخ .
(٣) هو الشيخ الإمام العلامة عبد الرحمن بن سليمان بن يحي بن عمر بن
مقبول الأهدل . ولد سنة تسع وسبعين بعد الألف والمائة ، وتوفى سنة خمسين بعد
الألف - والمبائة - [والمائتين] وكان من كبار العلماء وعديم النظير فى عصره ،
(٤) هو الشيخ العلامة محمد بن سنة بكسر السين وشدة النون. توفى عام ستة
وثمانين ومائة وألف . رحمه الله تعالى.

- ١٦ -
- يثالثهم: الشيخ العلامة محمد عابد السندى ثم المدنى(١) مؤلف حصر الشارد
فى أسانيد محمد عابد. عن جماعة منها صالح بن محمد الفلانى المغربى(٢) صاحب
قطف الثمر فى رفع أسانيد المصنفات فى الفنون والأثر.
رابعهم: مسند الدمشق الشيخ العلامة عبد الرحمن الكزبرى(٣) بن الشيخ
محمد بن عبد الرحمن الكزبرى الدمشقى الشامى .
خامسهم : الشيخ العلامة عبد اللطيف البيروتى الشامى(٤) رحمهم الله .
(١) هو الشيخ العلامة محمد عابد بن أحمد على بن محمد مراد السندى ثم المدنى
توفى يوم الإثنين من ربيع الأول سنة سبع وخمسين - ومائة - [ومائتين] وألف ،
ودفن بالبقيع ، له تلامذة كثيرة، منها الشيخ عبد الغنى المجددى الدهلوى ، ومفق
بغداد السيد داود، والشيخ محمد خوج المكى ، والشيخ جمال المكى ، والشيخ
أبو المحاسن السيد محمد القاوقجى ، وغيرهم .
(٢) هو الشيخ الإمام المحقق صالح الفلانى المسوفى ابن محمد بن نوح، وينتهى
نسبه إلى سالم بن عبد الله بن عمر . كانت ولادته عام ست وستين ومائة وألف ،
وتوفى فى المدينة عام ثمانية عشر بعد الألف والمائتين ، له مؤلفات جليلة نفيسة منها :
إيقاظ هم أهل الأبصار فى تحقيق مسألة التقليد، ومنها قطف الثمر. رحمه الله تعالى.
(٣) هو الشيخ العلامة عبد الرحمن الكزبرى بن محمد بن عبد الرحمن بن
محمد بن زين العابدين الكزبرى الشافعى الدمشقى ، بركة الشام وعمدة ساداتها
الكرام. ولد بدمشق الشام عام أربع وثمانين بعد الألف والمائة ، وتوفى بمكة تاسع
عشر ذي الحجة عام اثنتين وستين بعد الألف - والمائة - [والمائتين]. كذا فى تاج
التواريخ. والذى بخط الشيخ العلامة عبد الرحمن بن عبد الله السراج أنه توفى عام
أربع وسبعين بعد الألف - والمائة - [والمائتين] وله تلامذة كثيرة، منهم: الشيخ
المفسر العلامة السيد محمود الألوسى البغدادى مؤلف تفسير روح المعانى ، ومنهم :
الشيخ أحمد بن دحلان الشافعى .
(٤) هو الشيخ العلامة عبد اللطيف بن فتح الله البيرونى. توفى بدمشق سنة
نيف وخمسين بعد الألف والمائتين .
وتراجم هؤلاء كلهم مذكورة فى نهاية الرسوخ منه ..

بسْمِ اللَّه العَ الَحْمِين
كتاب الطهارة
١ - باب التخلى عند قضاء الحاجة
١ - حدثنا عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْلَمَةَ بنِ فَعْنَبِ الْقَعْنَىُّ حدثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ
يَعْنِى ابنَ مُمَّدٍ عِن ◌ُمَّدٍ - يَعْنِى ابنَ عَمْرِ و عن أَبِى سَلَمَةَ عن المُغِيرَةِ بنِ شُعْبَةَ
كتاب الطهارة
( باب التخلى عند قضاء الحاجة )
أى هذا باب فى التخلى عن الناس عند قضاء الغائط، والمراد بالتخلى التفرد .
(مسلمة) بفتح الميم وسكون السين (القعنبى) بفتح القاف وسكون العين
وفتح النون، منسوب إلى قعنب جد عبد الله بن مسلمة (أبى سلمة) هو ابن -
بسم الله الرحمن الرحيم
ربنا آتنا من لدنك رحمة وهىء لنا من أمرنا رشدا
قال الشيخ الإمام العلامة ، شمس الدين ، أبو بكر محمد بن قيم الجوزية ، الحنبلى،
غفر الله له :
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولاعدوان إلا على الظالمين ، وأشهد أن
لا إله إلا الله وحده لا شريك له، رب العالمين، وإله المرسلين. وأشهد أن محمداً عبده
ورسوله، المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين ، وحجة على جميع المكلفين ،
فرق الله برسالته بين الهدى والضلال ، والغى والرشاد والشك واليقين . فهو الميزان=
(٢ - عون المعبود ١)

- ١٨ -
(( أَنَّ النَّبِيَّ صلى اللهُ عليه وسلم كَانَ إِذَا ذَهَبَ الَذْهَبَ أَبْعَدَ )).
٢ - حدثنا مُسَدَّدُ بنُ مُسَرْهَدٍ أخبرنا عِيسَى بنُ يُونُسَ حدثنا إِسْمَاعِيلُ
- عبد الرحمن بن عوف الزهرى ثقة فقيه (المذهب) موضع التغوط أو مصدر
ميمى بمعنى الذهاب المعهود، وهو الذهاب إلى موضع التغوط. قال العراقى: هو
بفتح الميم وإسكان الذال وفتح الهاء مفعل من الذهاب، ويطلق على معنيين :
أحدهما المكان الذى يذهب إليه . والثانى المصدر، يقال ذهب ذهاباً ومذهباً ،
فيحتمل أن يراد المكان ، فيكون التقدير إذا ذهب فى المذهب، لأن شأن
الظروف تقديرها بفى ويحتمل أن يراد المصدر ، أى إذا ذهب مذهباً ، والاحتمال
الأول هو المنقول عن أهل العربية . وقال به أبو عبيد وغيره وجزم به فى النهاية
ويوافق الاحتمال الثانى قوله فى رواية الترمذى: أتى حاجته فأبعد فى المذهب.
فإنه يتعين فيها أن يراد بالمذهب المصدر (أبعد ) فى موضع ذهابه أو فى الذهاب
المعهود ، أى أكثر المشى حتى بعد عن الناس فى موضع ذهابه .
والحديث أخرجه الدارمى والنسائى وابن ماجه والترمذى وقال حسن صحيح -
= الراجح الذى على أقواله وأعماله وأخلاقه توزن الأخلاق والأعمال والأقوال،
وبمتابعته والاقتداء به يتميز أهل الهدى من أهل الضلال. أرسله على حين فترة من
الرسل ، فهدى به إلى أقوم الطرق وأوضح السبل . وافترض على العباد طاعته ومحبته
وتعزيره وتوقيره ، والقيام بحقوقه . وأغلق دون جنته الأبواب ، وسد إليها الطرق ،
فلم يفتح إلا من طريقه . فشرح له صدره، ورفع له ذكره ، ووضع عنه وزره ،
وجعل الذلة والصغار على من خالف أمره . هدى به من الضلالة ، وعلم به من الجهالة
وأرشد به من الغى. وفتح به أعيناً عمياً ، وآذاناً صماً ، وقلوباً غلفاً . فبلغ الرسالة،
وأدى الأمانة ، ونصح الأمة ، وجاهد فى الله حق الجهاد ، لا يرده عنه راد ، ولا يصده
عنه صاد . حتى سارت دعوته مسير الشمس فى الأقطار ، وبلغ دينه القيم ما بلغ الليل
والنهار . فصلى الله عليه وعلى آله الطيبين ، صلاة دائمة على تعاقب الأوقات والسنين ،
وسلم تسليماً كثيراً .
=

- ١٩ -
ابْنُ عَبْدِ لَلِكِ عن أَبِى الزُّبَيْرِ عن جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ ((أَنَّ الَّبِيَّ صلى اللهُ عليه
وسلم كَانَ إِذَا أَرَادَ الْبَرَازَ انْطَلَقَ حَتَّى لاَ يَرَاهُ أَحَدٌ)).
- (أبى الزبير) هو محمد بن مسلم المكى، وثقه الجمهور وضعفه بعضهم لكثرة
التدليس (البراز) قال الخطابي: مفتوحة الباء، اسم الفضاء الواسع من الأرض،
كنوا به عن حاجة الإنسان كما كنوا بالخلاء عنه، يقال: تبرز الرجل إذا تغوط
وهو أن يخرج إلى البراز، كما قيل: تخلى إذا صار إلى الخلاء، وأكثر الرواة
يقولون البراز بكسر الباء وهو غاط، إنما البراز مصدر بارزت الرجل فى الحرب
مبارزة وبرازاً . وفيه من الأدب استحباب التباعد عند الحاجة عن حضور الناس
إذا كان فى مراح من الأرض ، ويدخل فى معناه الاستتار بالأبنية وضرب
الحجب وإرخاء الستر وأعماق الآبار والحفائر، ونحو ذلك من الأمور الساترة
للعورات وكل ما ستر العورة عن الناس . انتهى .
قلت : وخطّأ الخطابى الكسر وخالفه الجوهرى فجعله مشتركا بينهما.
وقال فى المصباح : البراز بالفتح والكسر لغة قليلة ، الفضاء الواسع الخالى من
الشجر ثم كنى بالغائط. انتهى . والحديث فيه إسماعيل بن عبد الملك الكوفى
نزيل مكة ، قد تكلم فيه غير واحد ، وأخرجه أيضاً ابن ماجه .
= أما بعد : فإن أولى ماصرفت إليه العناية، وجرى المتسابقون فى ميدانه إلى أفضل
غاية ، وتنافس المتنافسون فيه ، وشمر إليه العاملون : العلم الموروث عن خاتم المرسلين
ورسول رب العالمين، الذى لا نجاة لأحد إلا به ، ولا فلاح له فى داريه إلا بالتعلق
بسببه ، الذى من ظفر به فقد فاز وغنم ، ومن صرف عنه فقد خسر وحرم ، لأنه
قطب السعادة الذى مدارها عليه ، وآخية الإيمان الذى مرجعه إليه . فالوصول إلى اللّه
وإلى رضوانه بدونه محال ، وطلب الهدى من غيره هو عين الضلال . وكيف يوصل
إلى الله من غير الطريق التى جعلها هو سبحانه موصلة إليه، ودالة لمن سلك فيها عليه.
بعث رسوله بها منادياً، وأقامه على أعلامها داعياً وإليها هادياً ؟ فالباب عن السالك =

- ٢٠ -
٢ - باب الرجل يتبوأ لبوله
٣ - حدثنا مُوسَى بِنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمَّدٌ أخبرنا أَبُو التَّحِ حدثنى
شَيْخُ قال: ((لَ قَدِمَ عَبْدُ اللهِ بنُ عَبَسِ الْبَصْرَةَ فَكَانَ يُحَدِّثُ عن أَبِى مُوسَى
فَكَتَبَ عَبْدُ اللهِ إِلَى أَبِى مُوسَى يَسْأَلُهُ عَنْ أَشْيَاءَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَبُو مُوسَى
أَنِى كُنْتُ مَعَ رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم ذَاتَ يَوْمٍ فَأَرَادَ أَنْ يَبُولَ فَأَنَى
دَمِثَا فِى أَصْلِ جِدَارِ فَبَالَ ، ثُمَّ قَالَ صلى اللهُ عليه وسلم: إِذَا أَرَادَ أَحَدُ كُمْ
أَنْ يَبُولَ فَلْيَرْتَدْ لِبَوْلِهِ مَوْضِعاً ».
( باب الرجل يتبوأ لبوله )
أى يتخذ لبوله مكاناً سهلاً لئلا يرجع إليه رشاش البول. ( حماد ) هو ابن
سلمة . قال السيوطى: إن موسى إذا أطلق حماداً يريد ابن سلمة وهو قليل الرواية
عن حماد بن زيد حتى قيل إنه لم يرو عنه إلا حديثاً (أبو التياح) بفتح المثناة
والتحتانية الثقيلة اسمه يزيد بن حميد ثقة (فكان يحدث ) على بناء المجهول ،
أى كان ابن عباس يحدث عن أبى موسى بأحاديث، والمحدثون عن أبى موسى
كانوا بالبصرة، لأن فى رواية البيهقى : سمع أهل البصرة يتحدثون عن أبى موسى
( دمئاً) بفتح الدال وكسر الميم . قال الخطابي : الدمث : المكان السهل
الذى يجذب فيه البول فلا يرتد على البائل ، يقال للرجل إِذا وصف باللين
والسهولة إنه لدمث الأخلاق وفيه دمائة (فليرتد) أى ليطلب وليتحر مكاناً -
= فى غيرها مسدود ، وهو عن طريق هداه وسعادته مصدود ، بل كلما ازداد كدحاً
واجتهاداً ، ازداد من الله طرداً وإبعاداً. ذلك بأنه صدف على الصراط المستقيم،
وأعرض عن المنهج القويم، ووقف مع آراء الرجال ، ورضى لنفسه بكثرة القيل
والقال، وأخلد إلى أرض التخليد ، وقنع أن يكون عيالا على أمثاله مالعبيد، =