Indexed OCR Text
Pages 201-220
- ٢٠١-
(التاسع عشر) إذا كان سماعه على صفة فيها بعض الوهن فعليه ان يذكرها في حالة الرواية
فأن في اغفالها نوعاً من التدليس وفيما مضي لنا أمثلة لذلك .ومن أمثلته ما اذا حدثه المحدث من
حفظه في حالة المذاكرة فليقل حدثنا فلان مذاكرة أو حدثناه في المذاكرة فقد كان غيرواحد
من متقدمى العلماء يفعل ذلك . وكان جماعة من حفاظهم بيمنعون من أن يحمل عنهم في المذاكرة
شيء منهم عبد الرحمن بن مهدي وأبو زرعة الرازي ورويناه عن ابن المبارك وغيره وذلك لما
قد يقع فيها من المساهلة مع ان الحفظ خوان ولذلك امتنع جماعة من اعلام الحفاظ من رواية
ما يحفظونه الا من كتبهم منهم أحمد بن حنبل رضى الله عنهم أجمعين والله اعلم.
(العشرون) اذا كان الحديث عن رجلين احدهما مجروح مثل ان يكون عن ثابت البناني
وابان بن أبي عياش عن انس فلا يستحسن اسقاط المجروح من الأسناد والاقتصار على ذكر
الثقة خوفًا من ان يكون فيه عن المجروح شىء لم يذكره الثقة قال نحواً من ذلك احمد بن حنبل
ثم الخطيب أبو بكر .
قال الخطيب وكان مسلم بن الحجاج في مثل هذا ربما اسقط المجروح من الأسناد ويذكر
الثقة ثم يقول وآخر كتابة عن المجروح. قال وهذا القول لا فائدة فيه (١) .
قلت وهكذا ينبغي إذا كان الحديث عن رجلين ثقتين ان لا يسقط احدهما منه لتطرق
مثل الأحتمال المذكوراليه وان كان محذور الأسقاط فيه اقل . ثم لا يمتنع ذلك في الصورتين
امتناع تجريم (٢) لأن الظاهر اتفاق الراويين. وماذكرمن الأحتمال نادر بعيد فأنه من الأدراج
الذي لا يجوز تعمده كما سبق في نوع المدرج والله اعلم .
(الحادي والعشرون) إذا سمع بعض حديث من شيخ وبعضه من شيخ آخر خلطه ولم يميزه
(قوله) إذا سمع بعض حديث من شيخ وبعضه من شيخ آخر خلطه ولم يميزهوعزى
الحديث جملة اليهما مبينا ان عن احدهما بعضه وعن الآخر بعضه فذلك جائز كما فعل
الزهري في حديث الأفك فذكره. ثم قال وغير جائز لأحد بعد اختلاط ذلك ان يسقط
ذكر احد الراوبين ويروى الحديث عن الآخر وحده الى آخر كلامه .
(١) قال الجلال السيوطي في التدريب قال البلقيني بل له فائدة تكثير الطرق اهـ.
(٢) قوله لا يمتنع ذلك في الصورتين امتناع تحريم لأن الظاهر الخ العبارة فى التقريب مع شرحه
فأن اقتصر على ثقة فيهما لم يحرم لأن الظاهر المخوهى أوضح.
- ٢٠٢ -
وعزى الحديث جملة اليهما مبيناً ان عن احدهما بعضه وعن الآخر بعضه فذلك جائز كما فعل
الزهري في حديث الأفك حيث رواه عن عروة وابن المسيب وعلقمة بن وقاص الليثي وعبيد الله
ابن عبد الله بن عتبة عن عائشة رضي الله عنها . وقال وكلهم حدثني طائفة من حديثها قالوا
قالت الحديثَ ثم انه مامن شئ من ذلك الحديث الا وهو في الحكم كأنه رواه عن احد الرجلين
على الأبهام حتى اذا كان احدهما مجروحاً لم يجز الأحتجاج بشيء من ذلك الحديث وغير جائز
لأحد بعد اختلاط ذلك ان يسقط ذكر أحد الراويين ويروي الحديث عن الآخر وحده بل
يجب ذكر هما جميعاً مقروناً بالأفصاح بأن بعضه عن احدهما وبعضه عن الآخر والله اعلم.
وقد اعترض عليه بأن البخاري اسقط ذكر احد شيخيه او شيوخه فى مثل هذه الصورة
واقتصرعلى ذكرشيخ واحد فقال فى كتاب الرقاق من صحيحه فىبابكيف كان عيش النبى
واصحابه وتخليهم من الدنيا حدثني أبو نعيم بنصف من هذا الحديث تناعمر بن قرتنا مجاهد
أن أباهريرة كان يقول آلله الذى لا اله الاهو إن كنت لا عتمد بكبدي على الأرض
من الجوع الحديث انتهى . والجواب ان الممتنع انما هو اسقاط بعض شيوخه وابراد
جميع الحديث عن بعضهم لأنه حينئذيكون قد حدث عن المذكور ببعض مالم يسمعه منه.
فأما اذا بين أنه لم يسمع منه الابعض الحديث كما فعل البخاري هنا فليس بممتنع .
وقد بين البخاري فى موضع آخر من صحيحه القدر الذي سمعه من أبي نعيم من هذا الحديث او بعض
ماسمعه منه فقال في كتاب الاستئذان حدثنا أبو نعيم حدثنا عمر بن ذر(ح) وحدثنا محمد
ابن مقاتل أخبرنا عبد الله اخبرنا عمر بن ذر اخبرنا مجاهد عن أبي هريرة رضي الله عنه
قال دخلت مع رسول اللّه عَ ◌ّ فوجد لبناً فى قدح فقال اباهى الحق أهل الصفة فادعهم
اليّ قال فأتيتهم فدعوتهم فاقبلوا فاستأذنوا فأذن لهم فدخلوا انتهى.
فهذا هو بعض حديث أبي نعيم الذي ذكره فى الرقاق. واما بقية الحديث فيحتمل
ان البخاري اخذه من كتاب ابى نعيم وجادة او اجازة له او سمعه من شيخ آخر غير أبي نعيم
إِما محمد بن مقاتل الذي روى عنه فى الاستئذان بعضه او غيره ولم يبين ذلك بل اقتصر
على اتصال بعض الحديث من غيربيان ولكن ما من قطعة منه ألا وهي محتملة لأنها غير.
متصلة بالسماع الا القطعة التى صرح البخاري في الاستئذان باتصالها والله اعلم .
- ٢٠٣ -
النوع السابع والعشرون- معرفة آداب المحدثيوم
(ع)
وقد مضى طرف منها اقتضته الأنواع التي قبله .
علم الحديث على شريف (١) يناسب مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم وينافر مساوى الأخلاق
ومشاين الشيم، وهو من علوم الآخرة لا من علوم الدنيا فمن أراد التصدي لأسماع الحديث
او لأفادة شيء من علومه فليقدم تصحيح النية واخلاصها وليطهر قلبه من الأغراض الدنيوية
وادناسها وليحذر بلية حب الرياسة ورعوناتها .
وقد اختلف في السن الذى اذا بلغه استحب له التصدي لأسماع الحديث والأنتصاب لروايته
والذي نقوله انه متى احتيج إلى ما عنده استحب له التصدي لروايته ونشره في اي سن كان .
وروينا عن القاضي الفاضل الي محمد بن خلاد رحمه الله انه قال: الذي يصح عندى من طريق
الأثر والنظر في الحد الذي اذا بلغه الناقل حسن به ان يحدث هو ان يستوفي الخمسين لأنها انتهاء
الكهولة وفيها مجتمع الأشد قال سحيم بن وقيل:
أخو خمسين مجتمع اشدي ونجذني مداورة الشون (٢)
قال وليس بشكر ان يحدث عند استيفاء الأربعين لأنها حد الأستواء ومنتهى الكمال
نبيِّ رسول الله عربه وهو ابن اربعين وفي الأربعين تتناهى عزيمة الأنسان وقوته ويتوفر عقله
ويجود رأيه .
(١) قال في التدريب وكيف لا وهو الوصلة الى رسول الله صلى الله عليه والباحث عن تصحيح أقواله
وأفعاله والذب عن ان ينسب إليه ما لم بقله . وقد قيل في تفسير قوله تعالى [يوم ندعو كل اناس بأمامهم]
ليس لأهل الحديث منقبة اشرف من ذلك لأنه لا امام لهم غيره صلى الله عليه وسلم ولأن سائر العلوم
الشرعية محتاجة اليه اما الفقه فواضح واما التفسير فلأن أولى مافسر به كلام الله تعالى ما ثبت عن نبيه
صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضى الله عنهم اهـ .
(٢) سحيم بالتصغير ووثيل كأمير والأشد يضم الشين واحد جاء على بناء الجمع ومعناه القوة.
ونجذني من قولهم رجل منجذ كمعظم مجرب احكمته الأمور والمداورة المعالجة اى معاودة الأمور
وقبل هذا البيت :
متى اضع العمامة تعرفوني
إنا ابن جلا وطلاع الثنايا #
وماذا يدَّري الشعراء مني ٤#
وقد جاوزت حد الأربعين
اخو خمسين الح ويدرى ان تختل وتخدع وفى رواية وما ذا تزدري اهـ كامل المبرد.
٠
- ٢٠٤ -
(ع) وانكر القاضي عياض ذلك على ابن خلاد وقال كم من السلف المتقدمين ومن بعدهم من
المحدثين من لم ينته الى هذا السن ومات قبله . وقد نشر من الحديث والعلم مالا يحصي هذا عمر
ابن عبد العزيز توفي ولم يكمل الأربعين وسعيد بن جبير لم يبلغ الخمسين .
وكذلك إبراهيم النخعي وهذا مالك بن انس جلس للناس ابن نيف وعشرين وقيل ابن سبع
عشرة والناس متوافرون وشيوخه احياء .
وكذلك محمد بن إدريس الشافعي قد اخذ عنه العلم في سن الحداثة وانتصب لذلك والله أعلم.
قلت ماذكره ابن خلاد غير مستنكر وهو محمول على انه قاله فيمن يتصدى للتحديث ابتداء
من نفسه من غير براعة في العلم تعجلت له قبل السن الذي ذكره فهذا انما ينبغي له ذلك بعد
استيفاء السن المذكور فأنه مظنة الأحتياج إلى ما عنده .
واما الذين ذكرهم عياض ممن حدث قبل ذلك فالظاهر ان ذلك لبراعة منهم في العلم تقدمت ظهر
لهم معها الأحتياج إليهم فحدثوا قبل ذلك اولاً نهم سئلوا ذلك اما بصريح السؤال واما بقرينة الحال.
وأما السن الذي اذا بلغه المحدث انبغى له الأمساك عن التحديث فهو السن الذى يخشي عليه
فيه من الهرم والخرف ويخاف عليه فيه ان يخلِّط ويروي ماليس من حديثه والناس في بلوغ
هذه السن يتفاوتون بحسب اختلاف احوالهم. وهكذا اذا عى وخاف ان يدخل عليه ماليس
من حديثه فليمسك عن الرواية. وقال ابن خلاد اعجب الى ان يمسك في الثمانين لأنه حد الهرم فأن
كان عقله ثابتًا ورأيه مجتمعاً يعرف حديثه ويقوم به وتحرى ان يحدث احتسابً رجوت له خيراً.
ووجه ما قاله ان من بلغ الثمانين ضعف حاله في الغالب وخيف عليه الاختلال والأخلال او ان لا يفطن
له إلا بعد ان يخلط كما اتفق لغير واحد من الثقات منهم عبد الرزاق (١) وسعيد ابن أبى عروبة.
وقد حدث خلق بعد مجاوزة هذا السن فساعدهم التوفيق وصحبتهم السلامة منهم انس بن
مالك وسهل بن سعد وعبد الله بن أبي اوفي من الصحابة ومالك والليث وابن عيينة وعلى بن
الجعد في عدد جم من المتقدمين والمتأخرين وفيهم غير واحد حدثوا بعد استيفاء مائة سنة منهم
الحسن بن عرفة وابو القاسم البغوي وابو اسحق العجيمي والقاضي ابو الطيب الطبرى رضي
الله عنهم أجمعين والله اعلم .
(١) فى هامش النسخة المخطوطة قال المؤلف ضعف حال عبد الرزاق فى آخر عمره وعمنى فكان .
يلقن فيتلقن فضعف أحمد بن حنبل وغيره حديثه بآخره والله اعلم اه ذيل المطبوعة .
- ٢٠٥ -
(ع) ثم انه لا ينبغي للمحدث ان يحدث بحضرة من هواولى منه بذلك. وكان ابراهيم والشعبي
إذا اجتمعا لم يتكلم ابراهيم بشيء .
وزاد بعضهم فكره الرواية ببلد فيه من المحدثين من هو اولى منه لسنه أو لغير ذلك .
روينا عن يحيى بن معين قال اذا حدثت في بلد فيه مثل ابي مُسهر فيجب للحيتي ان تحلق.
وعنه ايضاً ان الذي يحدث بالبلدة وفيها من هو اولى بالتحديث منه فهو احمق .
وينبغى للمحدث اذا التمس منه ما يعلمه عند غيره في بلده او غيره بأسناد اعلى من اسناده
(او ارجح من وجه آخر ان يعلم الطالب به ويرشده اليه فأن الدين النصيحة .
ولا يمتنع من تحديث احد لكونه غير صحيح النية فيه فأنه يرجي له حصول النية من بعدُ .
روينا عن معمر قال كان يقال ان الرجل ليطلب العلم لغير الله فيأبي عليه العلم حتى يكون
الله عز وجل . وليكن حريصاً على نشره مبتغياً جزيل اجره.
وقد كان في السلف رضي الله عنهم من يتألف الناس على حديثه منهم عروة بن الزبير رضي الله عنهما
وليقتد بمالك رضى الله عنه فيما اخبرناه أبو القاسم الفراوي بنيسابور اخبرنا أبو المعالي الفارسي
اخبرنا ابو بكر البيهقى الحافظ قال انا ابو عبد الله الحافظ قال اخبرني اسمعيل بن محمد بن الفضل بن محمد
الشعراني (١) حدثنا جدي حدثنا اسمعيل بن ابي اويس قال كان مالك بن انس اذا ارادان يحدث توضأ
وجلس على صدر فراشه وسرح لحيته وتمكن في جلوسه بوقار وهيبة وحدث فقيل له في ذلك.
فقال احب ان اعظم حديث رسول الله عَي ولا احدث الا على طهارة متمكناً. وكان يكره
ان يحدث في الطريق اوهو قائم او يستعجل ، وقال احب ان اتفهم ما احدث به عن رسول الله﴾﴾
وروي ايضاً عنه انه كان يغتسل لذلك ويتبخر ويتطيب فأن رفع احد صوته في مجلسه زبره
وقال: قال الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي)
فمن رفع صوته عند حديث رسول الله عمره فكأنما رفع صوته فوق صوت رسول الله .
وروينا او بلغنا عن محمد بن احمد بن عبد الله الفقيه انه قال القارئ لحديث رسول اللهعربى
إذا قام لأحد فأنه تكتب عليه خطيئة .
· ويستحب له مع اهل مجلسه ما ورد عن حبيب بن ابي ثابت انه قال إن من السنة اذا حدث
(١) الشعراني نسبة الى الشعر والمراد به الفضل جده كان يرسل شعره اه من هامش الأصل المخطوط
١٠هـ من ذيل المطبوعة .
-٢٠٦-
(ع) الرجل القوم ان يقبل عليهم جميعاً والله اعلم.
ولا يسرد الحديث سرداً يمنع السامع من أدراك بعضه .
وليفتتح مجلسه وليختمه بذكر ودعاء يليق بالحال . ومن ابلغ ما يفتتحه به ان يقول
الحمد لله رب العالمين أكمل الحمد على كل حال والصلاة والسلام الأتمان على سيد المرسلين.
كلما ذكره الذاكرون وكلما غفل عن ذكره الغافلون. اللهم صل عليه وعلى آله وسائر النبيين وآل كل
وسائر الصالحين نهاية ما ينبغي أن يسأله السائلون .
ويستحب للمحدث العارف عقد مجلس لأملاء الحديث (١) فأنه من أعلى مراتب الراوين
والسماع فيه من أحسن وجوه التحمل واقواها وليتخذ مستمليً يبلغ عنه إذا كثر الجمع (٢).
فذلك دأب اكابر المحدثين المتصدين لمثل ذلك .
ومن روي عنه ذلك مالك وشعبة ووكيع وابو عاصم ويزيد بن هارون في عدد كثيرمن
الاعلام السالفين . وليكن مستمليه محصلاً متيقظًا كيلا يقع في مثل ما روينا أن يزيد بن.
هارون سئل عن حديث فقال حدثنا به عدة فصاح به مستمليه يا ابا خالد عدة ابن من . فقال
له عدة ابن فقدتك .
وليستمل على موضع مرتفع من كرسي أو نحوه فان لم يجد استعلى قائماً. وعليه ان يتبع
لفظ المحدث فيؤديه على وجهه من غير خلاف . والفائدة في استملاء المستملي توصل من يسمع
لفظ المعلي على بعد منه الى تفهمه وتحققه بابلاغ المستملي .
(١) قوله ويستحب للمحدث العارف عقد مجلس لأملاء الحديث المخ قال في التدريب روى ابن عدي
والبيهقي في المدخل من طريقه انبأنا عبد الصمد بن عبد الله ومحمد بن بشر الدمشقيان قالا حدثنا
هشام بن عمار ثنا أبو الخطاب معروف الخياط قال رأيت واثلة بن الأسقع رضي الله تعالى عنه بعلى على الناس
الأحاديث وهم يكتبونها بين يديه.
(٢) قوله وليتخذ مستمليا يبلغ عنه الخ قال في التدريب وقد روى أبو داود والنسائى من حديث.
رافع بن عمرو قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس بمنى حين ارتفع الضحى على بغلة
شهباء وعلىّ يعبر عنه، وفي الصحيح عن ابن حمزة كنت ارحم بين ابن عباس وبين الناس.
فأن كثر الجمع بحيث لا يكفى مستمل اتخذ مستمليين فاكثر فقد املى ابو مسلم الكجي في رحبة عسان
وكان فى مجلسه سبعة مستملون يبلغ كل واحد صاحبه الذى يليه وحضر عنده نيف واربعون الف محبرة
سوى النظارة . وكان يحضر مجلس عاصم بن علي أكثر من مائة الف انسان اهـ
- ٢٠٧ -
وأما من لم يسمع الالفظ المستملي فليس يستفيد بذلك جوازروايته لذلك عن المعلي مطلقً
من غيربيان الحال فيه . وفي هذا كلام قد تقدم في النوع الرابع والعشرين.
ويستحب افتتاح المجلس بقرآءة قاريء لشيء من القرآن العظيم فأذا فرغ استنصت المستعلي
«أهل المجلس (١) ان كان فيه لغط ثم يبسمل ويحمد الله تبارك وتعالى ويصلي على رسول الشعر
ويتحري الأ بلغ في ذلك ثم يقبل على المحدث ويقول من ذكرت أو ما ذكرت رحمك الله
أو غفر الله لك أو نحو ذلك وكل ما انتهي الى ذكر النبي عليه صلى عليه وذكر الخطيب انه
يرفع صوته بذلك وإذا انتهى الى ذكر الصحابي قال رضي الله عنه .
ويحسن بالمحدث الثناء على شيخه في حالة الرواية عنه بما هو أهل له فقد فعل ذلك غير واحد
من السلف والعلماء كما روى عن عطاء بن أبي رباح انه كان اذا حدث عن ابن عباس رضي الله
عنهما قال حدثني البحر .وعن وكيع انه قال حدثنا سفيان أمير المؤمنين في الحديث.
وأهم من ذلك الدعاء له عند ذكره فلا يغفلّن عنه .
#00 النوع السابع والعشرون معر في آداب المحدثمن
(قوله) واما من لم يسمع الا لفظ المستعلي فليس يستفيد بذلك جوازروايته لذلك
عن المعلى مطلقا من غير بيان للحال فيه وفى هذا كلام قد تقدم في النوع الرابع والعشرين انتهى.
والذى قدمه هناك انه حكى هناك قولين احدهما الجواز والثاني المنع وقال ان الأول
بعيد فاقتضى كلامه هناك رجحان الأمتناع والصواب كما قدمته هناك انه ان كان المعلي يسمع
لفظ المستعلى تحكم المستعلي حكم القارى على الشيخ فيجوز السامع المستعلي ان يرويه عن المعلي.
لكن لا يجوزان يقول سمعت ولا اخبرني فلان املاء انما يجوز ذلك لمن سمع لفظ المعلي
.ويجوز ان يقول انا فلان ويطلق ذلك على الصحيح . وهل يجوز ان يقيد ذلك بقوله
قراءةً عليه يحتمل ان يقال بالجواز لأن المستعلي كالقارى على الشيخ ويحتمل أن لا يجوز
ذلك لأن موضوع المستعلى تبليغ الفاظ الشيخ وليس قصده القرآءة على الشيخ والأول
اظهر كما تقدم هناك والله اعلم.
· (١) قوله فاذا فرغ استنصت المستملي أهل المجلس قال فى التدريب حيث احتيج للأستنصات فنى
الصحيحين من حديث جابر ان النبي صلى الله عليه وسلم قال له استنصت الناس اهـ
- ٢٠٨ -
ولا بأس بذكر من يروى عنه بما يعرف به من لقب كغندر لقب محمد بن جعفر صاحب
شعبة ولُوين لقب محمد بن سليمان المَصِيصى أونسبةٍ إلى أم عرف بها كيعلي بن منية الصحابي
وهو ابن أميقومنية أمه وقيل جدته أم أبيه أووصفٍ بصفة نقص في جسده عرف بها كسليمان
الأعمش وعاصم الأحول الا ما يكرهه من ذلك كما في اسماعيل بن براهيم المعروف بابن علية
وفي امه وقيل ام امه. روينا عن يحيى بن معين انه كان يقول حدثنا اسمعيل بن علية فنهاه أحمد
ابن حنبل وقال قل إسماعيل بن ابراهيم فأنه بلغني انه كان يكره أن ينسب إلى أمه فقال قد قبلنا
منك يا معلم الخير.
وقد استحب للمعلي ان يجمع في املائه بين الرواية عن جماعة من شيوخه مقدما للأعلى استناداً
أو الأولى من وجه آخر ويملي عن كل شيخ منهم حديثًا واحداً ويختار ما علا سنده وقصر
متنه فأنه أحسن وأليق وينتقي ما يمليه ويتحرى المستفاد منه وينبه على ما فيه من فائدة وعلو
وفضيلة ويتجنب ما لا تحتمله عقول الحاضرين (١٠) وما يخشي فيه من دخول الوهم عليهم في فهمه.
وكان من عادة غير واحد من المذكورين ختم الأملاء بشيء من الحكايات والنوادر
والأنشادات بأسانيدها وذلك حسن والله اعلم .
(قوله) او نسبة الى ام عرف بها كيعلي بن منية الصحابي وهو ابن امية ومنية امه وقيل
جدته ام ابيه انتهى. رجح المصنف هنا ان منية ام يعلى واقتصر فى النوع السابع والخمسين
على كونها جدته وحكاه عن الزبير بن بكار وانها جدته ام ابيه وما قاله الزبير هو الذي
جزم به أبو نصر بن ماكولا ولكن قال ابن عبد البرلم يصب الزبير انتهى.
والذي ذكره الطبري ورجحه أبو الحجاج المرى أنها ام يعلى لا جدته فمارجحه المصنف
هو الراجح والله اعلم .
(١) قوله ويتجنب مالا تحتمله عقول الحاضرين الخ. قال في التدريب كأحاديث الصفات لمالا يؤمن
عليهم من الخطأ والوهم والوقوع في التشبيه والتجسيم فقد قال علي تحبون ان يكذب الله ورسوله
حدثوا الناس بما يعرفون ودعوا ما ينكرون رواه البخارى . وروى البيهقى فى الشعب عن المقدام بن
معدي كرب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال اذا حدثتم الناس عن ربهم فلا تحدثوهم بما يعزب.
هـ
أو يشق عليهم. قال ابن مسعود ماانت بمحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم الاكان لبعضهم فتنة رواه مسلم.
قال الخطيب ويجتذب ايضاً في روايته للعوام احاديث الرخص وما شجر بين الصحابة والأسرائيلياتاهـ
- ٢٠٩ -
واذا قصر المحدث عن تخريج ما يمليه (١) فاستعان ببعض حفاظ وقته خرج له فلا بأس بذلك.
قال الخطيب كان جماعه من شيوخنا يفعلون ذلك .
وإذا نجز الأملاء فلا غناء عن مقابلته واتقانه واصلاح مافسد منه بزيغ القلم وطغيانه .
هذه عيون من آداب المحدث اجتزأنا بها معرضين عن التطويل بما ليس من مهماتها او هو ظاهر
ليس من مشتبهاتها والله الموفق والمعين وهو أعلم .
-(النوع الثامن والعشرون- معرفة آداب طالب الحديث ام
وقد الدرج طرف منه في ضمن ما تقدم فأول ما عليه تحقيق الأخلاص والحذر من ان يتخذه
وصلة إلى شيء من الأغراض الدنيوية (٢) روينا عن حماد بن سلمة رضى الله عنه أنه قال من
طلب الحديث لغير الله مكر به وروينا عن سفيان الثورى رضى الله عنه قال ما أعلم عملاهو
أفضل من طلب الحديث لمن أراد الله به .
وروينا نحوه عن ابن المبارك رضي الله عنه . ومن اقرب الوجوه في اصلاح النية فيه ماروينا
عن أبي عمرو اسمعيل بن نجيد أنه سأل ابا جعفر أحمد بن حمدان وكانا عبدين صالحين فقال له
(قوله) وإذا نجز الأملاء فلا غناء عن مقابلته واتقانه انتهى.
هكذا ذكر المصنف هناانه لاغناء عن مقابلة الأُملاء وتقدم فى كلامه في النوع الخامس والعشرين
الترخص في الرواية من نسخة غير مقابلة بشروط ثلاثة فيحتمل ان يكون كلامه هنا محمولاً على ما
تقدم هناك ويحتمل أن يفرق بين النسخ من اصل السماع والنسخ من املاء الشيخ حفظاً لأن
الحفظ يخون فربما تذكر الشيخ عند المعارضة ما لعله سبق الى لفظه والله اعلم ..
وقوله نجز هو بكسر الجيم على المشهور وبه جزم الجوهري فقال نجز الشيء بالكسرينجز
فجزا اي انقضى وفني انتهى. وهذا هو الذي قُيّد عن المصنف في حاشية علوم الحديث حين
قريْ عليه. والذي صدر به صاحب المحكم كلامه الفتح فقال نجز الكلام انقطع ونجز الوعد
ينجز نجزاً حضر قال وقد يقال نجزقال ابن السكيت كأنّ نَجزفني وكان نجز قضى حاجته انتهى.
(١) قوله واذا قصر المحدث عن تخريج ما يمليه الزقال فى التدريب لقصوره عن المعرفة بالحديث وعلله
واختلافوجوهه اهـ .
(٢) فقد روى أبو داود وابن ماجه من حديث أبى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من تعلم علماً
مما يبتغى به وجه الله تعالى لا يتعلمه الاليصيب به عرضاً من الدنيالم يجد عرف الجنة يوم القيامة اهتدريب.
- ٢١٠ -
(ع) بأي نية اكتب الحديث. فقال الستم ترون ان عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة قال نعم
قال فرسول الله عم له رأس الصالحين. وليسأل الله تبارك وتعالى التيسير والتأييد والتوفيق
والتسديد وليأخذ نفسه بالأخلاق الزكية والآداب المرضية. فقد روينا عن ابي عاصم النبيل قال
من طلب هذا الحديث فقد طلب اعلى امور الدين فيجب ان يكون خير الناس . وفي السن الذي
يستحب فيه الأبتداء بسماع الحديث وبكتبته اختلاف سبق بيانه في اول النوع الرابع والعشرين.
وإذ اخذ فيه فليشمر عن ساق جهده واجتهاده (١) ويبدأ بالسماع من اسند شيوخ مصره ومن
الأولى فالأولى من حيث العلم أو الشهرة او الشرف أو غير ذلك .
واذا فرغ من سماع العوالي والمهمات التى ببلده فليرحل الى غيره .
روينا عن يحيى بن معين انه قال اربعة لا يؤنس منهم رشد حارس الدرب، ومنادي انقاضي
ولبن المحدث ، ورجل يكتب في بلده ولا يرحل في طلب الحديث (٢).
وروينا عن احمد بن حنبل رضى الله عنه إنه قيل له ايرحل الرجل في طلب العلو فقال بلى
والله شديداً لقد كان علقمة والأسود يبلغهما الحديث عن عمر رضي الله عنه فلا يقنعها حتى
يخرجا الى عمر فيسمعانه منه والله اعلم .
وعن إبراهيم بن أدهم رضي الله عنه أنه قال: ان الله تعالى يدفع البلاء عن هذه الأمة برحلة
أصحاب الحديث ولا يحملنه الحرص والشره على التساهل في السماع والتحمل والأخلال بما
يشترط عليه في ذلك على ما تقدم شرحه .
وليستعمل ما يسمعه من الأحاديث الواردة بالصلاة والتسبيح وغيرهما من الأعمال الصالحة
فذلك زكاة الحديث على ما روينا عن العبد الصالح بشربن الحارث الحافي رضي الله عنه .
وروينا عنه ايضاً انه قال يا أصحاب الحديث ادوا زكاة هذا الحديث اعملوا من كل
(١) قوله واذا اخذ فيه فليشمرعن ساق جهده واجتهاده الخ ففي صحيح مسلم من حديث أبى هريرة
مرفوعا أحرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز. وقال يحي بن كثير لا ينال العلم براحة الجسم
وقال الشافعى لا يطلب هذا العلم من يطلبه بالملل وغني النفس فيفلح ولكن من طلبه بذلة النفس
وضيق العيش وخدمة العلم افلح اه تدريب.
(٢) قال الخطيب فأن المقصود بالرحلة إمران أحدهما تحصيل علو الأسناد وقدم السماع والثاني
لقاء الحفاظ والمذاكرة لهم والاستفادة منهم اه تدريب وهنا اطال الكلام فأرجع اليه ان شئت.
- ٢١١ -
(ع) مائتي حديث بخمسة احاديث .
وروينا عن عمرو بن قيس الملائي رضي الله عنه. قال اذا بلغك شيء من الخير فأعمل به ولومرة
تكن من اهله وروينا عن وكيع قال اذا اردت ان تحفظ الحديث فاعمل به .
وليعظم شيخه ومن يسمع منه فذلك من اجلال الحديث والعلم ولا يثقل عليه ولا يطول
بحيث يضجره فأنه يخشى على فاعل ذلك ان يحرم الأنتفاع .
وقد روينا عن الزهرى انه قال اذا طال المجلس كان للشيطان فيه نصيب. ومن ظفر من
الطلبة بسماع شيخ فكتمه غيره لينفرد به عنهم كان جديراً بأن لا ينتفع به وذلك من اللوم
الذى يقع فيه جهلة الطلبة الوضعاء . ومن اول فائدة طلب الحديث الأفادة.
روينا عن مالك رضى الله عنه أنه قال من بركة الحديث افادة بعضهم بعضاً (١).
وروينا عن اسحق بن ابراهيم بن راهوية انه قال لبعض من سمع منه في جماعة انسخ من كتابهم
ما قد قرأت. فقال انهم لا يمكنونني قال اذا والله لا يفلحون قد رأينا أقوامً منعوا هذا السماع
فوالله ما افلحوا ولا انجحوا.
قلت وقد رأينا نحن أقواماً منعوا السماع فما افلحوا ولا انجحوا ونسأل الله العافية والله اعلم.
ولا يكن من يمنعه الحياء او الكبر عن كثير من الطلب .
وقد روينا عن مجاهد رضي الله عنه انه قال لا يتعلم مستحي ولا مستكبر . وروينا عن عمر
ابن الخطاب وأبنه رضى الله عنهما انهما قالا من رق وجهه رق علمه .
ولا يأنف من ان يكتب عمن دونه ما يستفيده منه روينا عن وكيع بن الجراح رضي الله
عنه أنه قال لا يقبل الرجل من اصحاب الحديث حتى يكتب عمن هو فوقه وعمن هو مثله وعمن
هو دونه وليس بموفق من ضيع شيئاً من وقته في الأستكثار من الشيوخ لمجرد اسم الكثرة
وصيتها وليس من ذلك قول أبي حاتم الرازي اذا كتبت فقمش وإذا حدثت ففتش (٢).
(١) قوله وقد رأينا أقواماً الخ. قال ابن المبارك من بخل بالعلم ابتلى بثلاث أما أن يموت فيذهب
علمه أو ينسى و يتبع السلطان اهـ. اقول ويزاد او يتبع التجارة فتشغله عن الأفادة وقد رأينا بعض من
فضل في عصرنا وشغلته التجارة عن الأفادة مع جدارته بذلك.
(٢) قال في التدريب قال العراقى كأنه ارادا كتب الفائدة ممن سمعتها ولا تؤخر حتى تنظر هل هو =
٠
٤ - ٢١٢ -
(ع) وليكتب وليسمع مايقع اليه من كتاب أو جزء على التمام ولا ينتخب فقد قال ابن المبارك
رضي الله عنه ما انتخبت على عالم قط الاندمت، ورُوينا عنه أنه قال لا يُنتخب على عالم الا بذنب.
وروينا او بلغنا عن يحيى بن معين انه قال سيندم المنتخب في الحديث حين لا تنفعه الندامة
فأن ضاقت به الحال عن الأستيعاب وأُحوج الى الأنتقاء والأنتخاب تولى ذلك بنفسه أن
كان اهلاً مميزاً عارفًا بما يصلح للأنتقاء والأختيار، وان كان قاصراً عن ذلك استعان ببعض
الحفاظ لينتخب له . وقد كان جماعة من الحفاظ متصدين للانتقاء على الشيوخ والطلبة
تسمع وتكتب بأنتخابهم منهم ابراهيم بن أُرْمة الأصبهاني وابو عبد الله الحسين بن محمد
المعروف بُعيد العجلُ وابو الحسن الدارقطني وابو بكر الجعافيّ في آخرين. وكانت العادة
جارية برسم الحافظ علامة في اصل الشيخ على ما ينتخبه فكان النعيمي ابو الحسن يعلِّم بصاد
ممدودة وابو محمد الخلال بطاء ممدودة وابو الفضل الفلكى بصورة همزتين وكلهم يعلم بحبر في الحاشية
اليمنى من الورقة وعلم الدارقطني في الحاشية اليسرى بخط عريض بالحمرة . وكان ابو القاسم
اللالكئي الحافظ يعلم بخط صغير بالحمرة على اول اسناد الحديث ولا حجر في ذلك ولكل الخيار.
ثم لا ينبغي لطالب الحديث ان يقتصر على سماع الحديث وكتبه دون معرفته وفهمه فيكون
قد اتعب نفسه من غير أن يظفر بطائل وبغير أن يحصل في عداد اهل الحديث بل لم يزد على
إن صار من المتشبهين المنقوصين المتحلين بماهم منه عاطلون .
انشدني أبو المظفر بن الحافظ أبي سعد السمعاني رحمه الله لفظاً بمدينة مر وقال انشدنا والدي
لفظً او قراءة عليه قال انشدنا محمد بن ناصر السلامي من لفظه قال انشدنا الأديب الفاضل
فارس بن الحسين لنفسه .
يا طالب العلم الذي ذهبت بمدته الروايه
كنفي الرواية ذا العناية بالرواية والدرايه
وارو القليل وراعه فالعلم ليس له نهايه
=أهل للأخذ عنهام لافربما فات ذلك موته أو سفره او غير ذلك فأذا كان وقت الرواية أو العمل ففتش
حينئذ، ويحتمل انه أراد استيعاب الكتاب وترك انتخابه أو استيعاب ما عند الشيخ وقت التحمل ويكون
النظر فيه حال الرواية . قال وقد يكون قصد المحدث تكثير طرق الحديث وجمع اطرافه فتكثر به شيوخه
ولا بأس به فقد قال أبوحاتم لولم نكتب الحديث من ستين وجهاً ما عقلناه اهـ.
- ٢١٣ -
(ع) ولتقدم العناية بالصحيحين ثم بسنن أبي داود وسنن النسائي وكتاب الترمذي ضبطً لمشكلها
وفهما لخفى معانيها ولا يخدعن عن كتاب السفن الكبير للبيهقي فأنا لا نعلم مثله في بابه . ثم بسائر
ما تمس حاجة صاحب الحديث اليه من كتب المساند كمسند احمد ومن كتب الجوامع المصنفة
في الأحكام المشتملة على المسانيد وغيرها . وموطأ مالك هو المقدم منها. ومن كتب علل الحديث
ومن اجودها كتاب العلل عن أحمد بن حنبل وكتاب العلل عن الدارقطني، ومن كتب معرفة
الرجال وتواريخ المحدثين ومن افضلها تاريخ البخاري الكبير وكتاب الجرح والتعديل لأبن
أبي حاتم. ومن كتب الضبط لمشكل الأسماء ومن أكملها كتاب الأكمال لأبي نصر بن ماكولا
وليكن كلما من به اسم مشكل او كلمة من حديث مشكلة بحث عنها واودعها قلبه فأنه يجتمع
له بذلك علم كثير في يسر، وليكن تحفظه للحديث على التدريج قليلاً قليلا مع الأيام والليالي
فذلك احرى بأن يمتع بمحفوظه .
وممن ورد ذلك عنه من حفاظ الحديث المتقدمين شعبة وابن عُلَيْة ومعمر .
وروينا عن معمر قال سمعت الزهري يقول من طلب العلم جملة فاته جملة وانما يدرك العلم
حديثً وحديثين . وليكن الأتقان من شأنه فقد قال عبد الرحمن بن مهدي الحفظ الأتقان .
ثم ان المذاكرة بما يتحفظه من اقوى اسباب الأمتاع به .
روينا عن علقمة النخعي قال تذاكروا الحديث فأن حياته ذكره. وعن ابراهيم النخعي قال
من سره أن يحفظ الحديث فليحدث به ولو ان يحدث به من لا يشتهيه . وليشتغل بالتخريج
.والتأليف والتصنيف اذا استعد لذلك وتأهل له فأنه كما قال الخطيب الحافظ ثبت الحفظ
ويذكي القلب ويشحذ الطبع ويجيد البيان ويكشف الملابس ويكسب جميل الذكر ويخلده
إلى آخر الدهر وقل ما يمهر في علم الحديث ويقف على غوامضه ويستبين الخفي من فوائده
الا من فعل ذلك (١) وحدث الصوري الحافظ محمد بن على قال رأيت انا محمد عبد الغني بن سعيد
(١) في التدريب قال النووي في شرح المهذب بالتصنيف يطلع على حقائق العلوم ودقائقه ويثبت
معه لأنه يضطره إلى كثرة التفتيش والمطالعة والتحقيق والمراجعة والأطلاع على مختلف كلام الأئمة
ومنفقه وواضحه من مشكله وصحيحه من ضعيفه وجزله من ركيكه ومالا اعتراض فيه من غيره وبه
يتصف المحقق بصفة المجتهد قال الربيع لم ار الشافعى آكلاً بنهارولا نائماً بليل لاهتمامه بالتصنيف اهـ
.ثم قال في التقريب وشرحه وينبغى أن يتحرى في تصنيفه العبارات الواضحة والموجزة والاصطلاحات =
- ٢١٤ -
(ع) الحافظ في المنام فقال لي يا اباعبد الله خرج وصنف قبل ان يحال بينك وبينه ها انا ذا تراني
قد حيل بيني وبين ذلك .
والعلماء بالحديث في تصنيفه طريقتان احديهما التصنيف على الأبواب وهو تخريجه على احكام
الفقه وغيرها وتنويعه انواعًا وجمع ما ورد في كل حكم وكل نوع في باب فباب .
والثانية تصفيفه على المسانيد وجمع حديث كل صحابي وحده وان اختلفت انواعه ولمن اختار ذلك.
ان يرتبهم على حروف المعجم في اسمائهم وله ان يرتبهم على القبائل فيبدأ بني هاشم ثم بالأقرب
فالأقرب نسباً من رسول الله عليه وله ان يرتب على سوابق الصحابة فيبدأ بالعشرة ثم بأهل يدر
ثم بأهل الحديبية، ثم من أسلم وهاجر بين الحديبية وفتح مكة ويختم بأصافى الصحابة كأبى الطفيل
ونظرائه ثم بالنساء وهذا احسن والأول أسهل. وفي ذلك من وجوه الترتيب غير ذلك.
ثم ان من أعلى المراتب في تصنيفه تصنيفه معللا بأن يجمع في كل حديث طرقه واختلاف
الرواة فيه كما فعل يعقوب بن شيبة في مسنده. ومما يعتنون به في التأليف جمع الشيوخ اي جمع
حديث شيوخ مخصوصين كل واحد منهم على انفراده . قال عثمان بن سعيد الدارمى يقال من
لم يجمع حديث هؤلاء الخمسة فهو مفلس في الحديث سفيان وشعبة ومالك وحماد بن زيد
وابن عيينة وهم اصول الدين. واصحابُ الحديث بجمعون حديث خلق كثير غير الذين ذكرهم الدارمى
منهم أيوب السختياني والزهري والأوزاعي ويجمعون ايضًا التراجم وهي أسانيد يخصون
ما جاء بها بالجمع والتأليف مثل ترجمة مالك عن نافع عن ابن عمر وترجمة سهيل بن أبي صالح عن أبيه
عن أبي هريرة وترجمة هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنهافي أشباه ذلك كثيرة.
ويجمعون أيضاً أبواباً من أبواب الكتب المصنفة الجامعة للأحكام فيفردونها بالتأليف
فتصير كتبا مفردة نحوباب رؤية الله عز وجل وباب رفع اليدين . وباب القرآءة خلف الأمام
وغير ذلك. ويفردون احاديث فيجمعون طرقها في كتب مفردة نحو طرق حديث قبض العلم
وحديث الغسل يوم الجمعة وغير ذلك وكثير من انواع كتا بناهذا قد افردوا احاديثه بالجمع والتصنيف
المستعملة ولا يبالغ في الايجاز بحيث يفضى إلى الاستغلاق ولا في الايضاح بحيث ينتهي إلى الركاكة.
وليكن اعتناؤه من التصنيف بما لم يسبق إليه أكثر. قال في شرح المهذب والمراد بذلك أن لا يكون هناك
تصنيف بغنى عن مصنفه من جميع أساليبه فأن اغنى عن بعضها فليصنف من جنسه ما يزيد زيادات
يحتفل بها مع ضم ما فاته من الأساليب قال وليكن تصنيفه فيما يعم الانتفاع به ويكثر الاحتياج إليه أهـ
- ٢١٥-
(ع) وعليه في كل ذلك تصحيح القصد والحذر من قصد المكاثرة ونحوه. بلغنا عن حمزة بن محمد
الكناني انه خرج حديثً واحداً من نحو مائتي طريق فأعجبه ذلك فرأى يحيى بن معين في منامه
فذكر له ذلك فقال له اخشى ان يدخل هذا تحت ( الحكم التكاثر) .
ثم ليحذران يخرج الى الناس ما يصنفه الا بعد تهذيبه وتحريره وإعادة النظر فيه وتكريره.
وليتق ان يجمع ما لم يتأهل بعدُ لأَجتناء ثمرته واقتناص فائدة جمعه كيلا يكون حكمه
ما رويناه عن على بن المديني قال اذا رأيت الحدث اول ما يكتب الحديث يجمع حديث
الغسل وحديث من كذب فاكتب على قفاه لا يفلح (١) .
ثم ان هذا الكتاب مدخل الى هذا الشأن مفصح عن اصوله وفروعه شارح لمصطلحات
أهله ومقاصدهم ومهماتهم التى ينقص المحدث بالجهل بها نقصًاً فاحشًا فهو ان شاء الله جدير بأن
تقدم العناية به ونسأل الله سبحانه فضله العظيم وهو أعلم .
( النوع التاسع والعشرون معرفة الأسناد العالي والنازلهـ
اصل الأسناداولاً خصيصة فاضلة من خصائص هذه الأمة (٢) وسنة بالغة من السنن المؤكدة
روينا من غيروجه عن عبد اللهبن المبارك انه قال الأسناد من الدين لولا الأسناد لقال من شاء ماشاء
وطلب العلو فيه سنة ايضًاً ولذلك استحبت الرحلة فيه على ماسبق ذكره.
(١) على هامش الأحمدية التي عليها خط الحافظ احمد العراقي عند قوله هنا فاكتب على قفاه لا يفلح
تصدر المرء قبل الوقت يفضحه في الوقت لي يسمى الحصرم العنبا
العلم والحلم والأفضال والأنبا
الصدر يفضح من لم يؤت أربعة
(٢) قال فى التقريب وشرحه التدريب الأسناد فى اصله خصيصة فاضلة لهذه الأمة ليست لغيرها
من الأمم قال ابن حزم نقل الثقة عن الثقة يبلغ به النبي صلى الله تعالى عليه وسلم مع الأتصال خص
الله به المسلمين دون سائر الملل . واما مع الارسال والاعضال فيوجد في كثير من اليهود ولكن لا
يقربون فيه من موسى قرينا من محمد صلى الله عليه وسلم بل يقفون بحيث يكون بينهم وبين موسى
أكثر من ثلاثين عصراً. وإنما يبلغون الى شمعون ونحوه . قال واما النصارى فليس عندهم من صفة
هذا النقل الاتحريم الطلاق فقط . واما النقل بالطريق المشتملة على كذاب او مجهول العين فكثير فى نقل
اليهود والنصارى ، قال واما أقوال الصحابة والتابعين فلا يمكن اليهود ان يبلغوا الى صاحب نى اصلاً
ولا إلى تابع له ولا يمكن النصارى أن يصلوا الى اعلى من شمعون وبواص .
وقال ابو علي الجيانى خص الله هذه الأمة بثلاثة أشياء لم يعطها من قبلها الأسناد والأنساب والاعراب
ومن ادلة ذلك مارواه الحاكم وغيره عن مطر الوراق في قوله تعالى (أواثارة من علم) قال اسناد الحديث اهـ
-٢١٦-
قال احمد بن حنبل رضى الله عنه طلب الأسناد العالي سنة عمن سلف . وقد روينا ان يحيى
ابن معين رضي الله عنه قيل له في مرضه الذى مات فيه ما تشتهى قال بيت خالي واسنادعالي.
قلت العلو يبعد الأسناد من الخلل لأن كل رجل من رجاله يحتمل ان يقع الخلل من جهته
سهواً او عمداً ففي قلتهم قلة جهات الخلل وفي كثرتهم كثرة جهات الخلل وهذا جلي واضح.
ثم ان العلو المطلوب في رواية الحديث على اقسام خمسة (١):
أولها القرب من رسول الله عَ ف بأسناد نظيف غير ضعيف وذلك من اجل انواع العلو .
وقد روينا عن محمد بن اسلم الطوسي الزاهد العالم رضي الله عنه انه قال قرب الأسناد قُرْبٌ
او قربة إلى الله عز وجل وهذا كما قال لأن قرب الأسناد قرب الى رسول الله عز ال والقرب
اليه قرب الى الله عز وجل .
الثاني وهو الذي ذكره الحاكم ابو عبد الله الحافظ القرب من امام من أئمة الحديث وان كثر
العدد من ذلك الأمام الى رسول الله ع ت .
فأذا وجد ذلك في اسناد وصف بالعلونظر الى قربه من ذلك الأمام وان لم يكن عالياً بالنسبة
الى رسولاللهټ .
وكلام الحاكم يوم ان القرب من رسول الله على لا يعد من العلو المطلوب اصلاً.
وهذا غلط من قائله لأن القرب منه { } بأسناد نظيف غير ضعيف أولى بذلك.
ولا ينازع في هذا من له مُسكة من معرفة وكأن الحاكم اراد بكلامه ذلك اثبات العلو للأسناد
يقربه من امام وان لم يكن قريباً الى رسول اللهعربي والأنكار على من يراعي في ذلك مجرد
قرب الأسناد الى رسول الله {19 وان كان اسناداً ضعيفاً ولهذا مثل ذلك بحديث أبي هُدْبَة
ودينار والأشج واشباههم (٢) والله اعلم .
هي (١) العلو المطلق (٢) القرب من امام من أئمة الحديث (٣) العلو بالنسبة الي رواية الصحيحين
أواحدهما أو غيرهما (٤) العلوم المستفاد من تقدم وفاة الراوي (٥) العلو المستفاد من تقدم السماع.
(١) عبارة التدريب مع التقريب. وهواي العلو اقسام خمسة اجلها القرب من رسول الله صلى الله
عليه وسلم من حيث العدد باسناد صحيح نظيف بخلاف ما اذا كان مع ضعف فلا التفات الى هذا
العلو لاسيما ان كان فيه بعض الكذابين المتآخرين من ادعى سماعاً من الصحابة كأبن هدية ودينار
وخراشة ونعيم بن سالم ويعلي بن الأشدق وابي الدنيا الأشج اهـ .
.
- ٢١٧ -
(الثالث) العلو بالنسبة الى رواية الصحيحين او احدهما أو غيرهما من الكتب المعروفة المعتمدة (١)
وذلك ما اشتهر آخراً من الموافقات والأ بدال والمساواة والمصافحة .
وقد كثر اعتناء المحدثين المتأخرين بهذا النوع . ومن وجدت هذا النوع في كلامه ابو بكر
الخطيب الحافظ وبعض شيوخه وابو نصربن ماكولا وابو عبد الله الحميدى وغيرهم من طبقتهم
ومن جاء بعدهم.
سحر النوع التاسع والعشرون معرفة الأسناد العالي والنازليـ
(قوله) الثالث العلوبالنسبة الى رواية الصحيحين او احدهما أو غيرهما من الكتب المعروفة
ثم قال ثم اعلم ان هذا النوع من العلوعلو تابع لنزول اذاءٍ لا نزول ذلك الأمام فى اسناده
لم تعل انت فى اسنادك انتهى. اطلق المصنف ان هذا النوع من العلوتابع لزول وليس
ذلك على اطلاقه وانما هو الغالب وربما يكون هذا النوع من العلو غير تابع لنزول بل يكون
عالياً من حديث ذلك الأمام ايضاً. ومثاله حديث ابن مسعود عن النبىحز به قال كان على
موسى يوم كله الله كساء صوف وجبة صوف الحديث. رواه الترمذي عن على بن حجر
عن خلف بن خليفة عن حميد الأعرج عن عبد الله بن الحارث عن ابن مسعود.
وقد وقع لنا عالياً بدرجتين اخبرني به ابو الفتح محمد بن محمد بن ابراهيم الميدومي انا ابوالفرج
عبد اللطيف ابن عبد المنعم الحراني (ح) واخبرني ابو عبد الله محمد بن اسماعيل بن ابراهيم
الأنصارى بقرآءني عليه بدمشق فى الرحلة الأولى انا احمد بن عبد الدايم المقدمي قراءة
عليه وأنا حاضر قالا انا عبد المنعم بن عبد الوهاب انا علي بن احمد بن محمد بن بيان انا محمد
(١) قال في شرح البيقونية هو بحيث لو روى الراوي حديثاً من طريق كتاب من الستة لوقع
انزل ما لو رواه من غير طريقها. وقد يكون عالياً مطلقاً أيضاً كحديث ابن مسعود مرفوعاً بوم كلم الله
موسى كان عليه جبة صوف الحديث فلو رواه الراوى من جزء ابن عرفة عن خلف بن خليفة يكون
أعلى مما لو رواه من طريق الترمذى عن علي ابن حجر عن خلف ، فهذا مع كونه علواً نسبيا مطلق إذ لا يقع
هذا الحديث اليوم اعلى من روايته من هذا الطريقاهـ . [ص٤٧]
قال المحشي مثلاً لو روينا من طريق الترمذى وقع بيننا وبين خلف تسعة فأذا رويناه من جزء ابن
عرفة وقع بيننا وبينه سبعة بعلو درجتين فهذا مع كونه علواً بالنسبة فهو ايضاً على مطلق أي بالنسبة
للنبي صلى الله عليه وسلم فأنه لم يكن للحديث سند أعلى منه اهـ.
- ٢١٨ -
اما الموافقة فهى ان يقع لك الحديث عن شيخ مسلم فيه مثلا عالياً بعدد أقل من العدد الذي
يقع لك به ذلك الحديث عن ذلك الشيخ إذا رويته عن مسلم عنه (١) .
ابن محمد بن محمد بن إبراهيم بن مخلد انا اسماعيل بن محمد الصفار قال ثنا الحسن بن عرفة ثنا خلف
ابن خليفة عن حميد الأعرج عن عبد الله بن الحارث عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول
الله ◌َّ يوم كلم الله موسى عليه السلام كانت عليه جبة صوف وسراويل صوف وكا.
صوف وكُمة صوف ونعلاه من جلد حمار غير ذكي .
فهذا الحديث بهذا الأسناد لا يقع لأحد فى هذه الأزمان اعلى منه على وجه الدنيا
من حيث العدد وهو علو مطلق ليس تابعاًلنزول فأنه عال للترمذي ايضاً فأن خلف بن خليفة
من التابعين واعلى ما يقع للترمذى روايته عن اتباع التابعين.
واما علو طريقنا فأمر واضح فان شيخنا ابا الفتح آخر من روى عن النجيب
عبد اللطيف بالسماع والنجيب آخر من روى عن عبد المنعم بن كليب بالسماع وابن كليب
آخر من روى عن ابن بيان وابن بيان آخر من روى عن ابن مخلد وابن مخلد آخر من
روى عن الصفار والصفار آخر من روى عن ابن عرفة فيما ذكره الحافظ أبو سعيد العلائي
وابن عرفة آخر من روى عن خلف بن خليفة وخلف بن خليفة آخر من رأى الصحابة
فهو علو مطلق والله اعلم.
(١) مثاله حديث رواه البخارى عن محمد بن عبد الله الأنصارى عن حميد عن أنس مرفوعاً (كتاب
الله القصاص) فأذا رواه الراوى من جزء الأنصاري تقع موافقة للبخارى في شيخه مع علو درجته.
وكحديث يرويه البخاري عن قتيبة عن مالك فلو رواه من طريقه [ أي البخاري] كان بينه وبين
قتيبة ثمانية ولو روى ذلك الحديث بعينه من طريق أبي العباس السراج كان بينه وبين قتيبة سبعة.
فقد حصلت لنا الموافقة مع البخارى في شيخه بعينه مع علو الأسناد على الأسناد الى البخارى .
والحاصل ان الموافقة هي ان يروى الراوى حديثاً فى احد الكتب الستة بأسناد لنفسه من غير طريقها
بحيث يجتمع مع احد الستة فى شيخه مع علو هذا الطريق الذى رواه على ما لو رواه من طريق احد
الكتب الستة. ولو اجتمع مع احد الستة في شيخ شيخه مع علو طريقه فهو البدل كما سياتى اهـ من
شرح البيقونية وحاشية لقط الدرر علي نخبة الفكر للشيخ حسن خاطر(ص ١٠٩)
- ٢١٩ -
(ع) واما البدل تمثل ان يقع لك مثل هذا العلو عن شيخ غير شيخ مسلم هو مثل شيخ مسلم (١)
في ذلك الحديث. وقد يرد البدل الى الموافقة فيقال فيما ذكرناه انه موافقة عالية في شيخ شيخ
مسلم ولو لم يكن ذلك عاليًا فهو ايضاً موافقة وبدل لكن لا يطلق عليه اسم الموافقة والبدل لعدم
الالتفات إليه (٢) واما المساواة فهي في اعصارنا أن يقل العدد في اسنادك لا الى شيخ مسلم
وامثاله ولا الى شيخ شيخه بل الى من هو أبعد من ذلك كالصحابي او من قاربه وربما كان الى
رسول الله عبغ بحيث يقع بينك وبين الصحابي مثلا من العدد مثل ماوقع من العدد بين مسلم
وبين ذلك الصحابي فتكون بذلك مساوياً لمسلم مثلا في قرب الأسناد وعدد رجاله (٣).
وإما المصالحة فهي ان تقع هذه المساواة التي وصفناها لشيخك لا لك فيقع ذلك لك مصافحة
اذ تكون كأنك لقيت مسلماً في ذلك الحديث وصادفته به لكونك قد لقيت شيخك المساوي لمسلم.
(١) قال في النخبة وحاشيتها البدل هو الوصول الى شيخ شيخه كذلك اى مع على بدرجة فأكثر
من غير طريق ذلك المصنف المعين بل من طريق آخر أقل عدداً منه كأن يقع لنا ذلك الأسناد
بعينه من طريق اخرى الى القعني عن مالك فيكون القعنى بدلاً فيه من قتيبة والقعنى ليس شيخاً
للبخاري محصلت الموافقة مع شيخ شيخه وهو مالك. ومن امثلته حديث ابن مسعود مرفوعاً يوم كلم
الله موسى كان عليه جبة صوف ونعلان من جلد حمار ميت وفى بعض الأخبار غير مدبوغ .
(٢) قال فى شرح النخبة وأكثر ما يعتبرون الموافقة والبدل إذا قارنا العلو والا فاسم الموافقة
والبدل واقع بدونه قال في لقط الدرر وحاصل المعنى ان اكثر استعمالهم الموافقة والبدل في صورة العلو
لقصد بعث الطالبين او تحريضهم على سماعه والاعتناء به وان كان التساوى فى الطريقين بل النزول في
طريقك لا يمنع التسمية وتمامه فيه [ص ١٠٩].
[٣] قال الحافظ ابن حجر فى شرحه على النخبة كأن يروي النسائي مثلاً حديثاً يقع بينه وبين النبي
صلى الله عليه وسلم فيه أحد عشر نفساً فيقع لنا ذلك الحديث بعينه بأسناد آخر الى النبى صلى الله عليه
وسلم يقع بيننا فيه وبين النبى صلى الله عليه وسلم احد عشر نفساً فنساوي النسائي من حيث العدد مع قطع
النظر عن ملاحظة ذلك الأسناد الخاص.
قال في التدريب وهذا (اى المساواة) كان يوجد قديماً وأما الآن فلا يوجد في حديث بعينه بل
يوجد مطلق العدد كما قال العراقى فأنه تقدم ان بينى وبين النبي صلى الله عليه وسلم فيه عشرة انفس في
ثلاثة احاديث. وقد وقع للنسائى حديث بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم فيه عشرة انفر وذلك مساواة
لنا وساق حديث النسائي فانظره ان شئت .
- ٢٢٠ -
(ع) فأن كانت المساواة لشيخ شيخك كانت المصافة لشيخك فتقول كأن شيخي سمع مسلماً
وصافه. وإن كانت المساواة لشيخ شيخ شيخك فالمصاخة لشيخ شيخك فتقول فيها كأن شيخ
شيخي سمع مسلمًا وصافحه ولك ان لا تذكرلك في ذلك نسبة بل تقول كأن فلاناً سمعه من
مسلم من غير ان تقول فيه شيخي او شيخ شيخي (١).
ثم لا يخفى على المنأمل ان في المساواة والمصافحة الواقعتين لك لا يلتقي اسنادك واسناد مسلم
أو نحوه الا بعيداً عن شيخ مسلم فيلتقيان في الصحابي او قريباً منه فأن كانت المصافحة التى
تذكرها ليست لك بل لمن فوقك من رجال اسنادك المكن التقاء الأسنادين فيها في شيخ مسلم
او اشباهه وداخلت المصافحة حينئذ الموافقة فأن معنى الموافقة راجع الى مساواة ومصافحة
مخصوصة إذ حاصلها ان بعض من تقدم من رواة اسنادك العالي ساوي او صاح مسلماً او البخاري
- لكونه سمع من سمع من شيخهما مع تأخر طبقته عن طبقتها. ويوجد في كثير من العوالي المخرجة
لمن تكلم اولاً في هذا النوع وطبقتهم المصافحات مع الموافقات والأبدال لما ذكرناه.
ثم اعلم ان هذا النوع من العلو علو تابع لنزول اذ لولا نزول ذلك الأمام في اسناده لم تعل
انت في اسنادك . وكنت قد قرأت بمرو على شيخنا المكثراني المظفر عبد الرحيم بن الحافظ
المصنف اني سعد السمعاني رحمهما الله في أربعي أبي البركات الفراوي حديثًا ادعي فيه إنه كأنه
سمعه هو أو شيخه من البخاري فقال الشيخ ابو المظفر ليس لك بعال ولكنه للبخاري نازل
وهذا حسن لطيف يخدش وجه هذا النوع من العلو والله اعلم .
(الرابع) من انواع العلو العلو المستفاد من تقدم وفاة الراوي مثاله ما ارويه عن شيخ اخبرني
به عن واحد عن البيهقى الحافظ عن الحاكم الي عبد الله الحافظ اعلى من روايتى لذلك عن شيخ
اخبرني به عن واحد عن ابي بكر بن خلف عن الحاكم وان تساوى الأسنادان في العدد لتقدم
وفاة البيهقي على وفاة ابن خلف لأن البيهقي مات سنة ثمان وخمسين واربعمائة ومات ابن خلف
(١) قال الشيخ محمد بن عبد الهادى الحنبلي في كتابه طبقات الحفاظ [ من مخطوطات الأحمدية ]
في ترجمة الحافظ احمد بن محمد الظاهرى المتوفي سنة ٦٩٦ التى نقلناها عنه الى تاريخنا (اعلام النبلاء
بتاريخ حلب الشهباء ج ٤ ص٥٣١) وكان حسن الانتخاب خبيراً بالموافقات والمصافحات صدوقاً ديناً الخ.
وفي المكتبة المذكورة في قسم المجاميع الحديثية مجموع فيه المصافحات التي وقعت للحافظ شرف الدين
عبد المؤمن الدمياطي المتوفي سنة ٧٠٥ مع الأمام النسائي .