Indexed OCR Text

Pages 41-60

مقدمة الطبعة الأولى
٥ - أو ضعيف وثّق .
٦ - أو ثقة ضُعَّف ، وبقية رواة الإسناد ثقات .
٧ - أو فيهم كلام لا يضر.
٨ - أو روي مرفوعاً ، والصحيح وقفه .
٩ - أو متصلاً، والصحيح إرساله .
١٠ - أو كان إسناده ضعيفاً، لكنْ صححه أو حسنه بعض من خرجه
- قال -: أصدّره بلفظة (عن )، ثم أشيرُ إلى إرساله أو انقطاعه أو عضْله ، أو ذلك
الراوي المختلف فيه ، فأقول : ( رواه فلان من روایة فلان ، أو من طريق فلان )) ، أو :
(( في إسناده فلان))، أو نحو هذه العبارة ، وقد لا أذكر الراوي المختلف فيه ، فأقول
إذا كان رواة إسناد الحديث ثقات؛ وفيهم من اختلف فيه: (( إسناده حسن ))، أ.
(( ... مستقيم))، أو: (( .. لا بأس به))، ونحو ذلك حسبما يقتضيه حال
الإسناد والمتن وكثرة الشواهد .
ب - وإذا كان في الإسناد من قيل فيه :
١ - ( كذاب)، أو ( وضّاع ).
٢ - أو ( متّهم)، أو ( مجمع على تركه ) ، أو ( ضعفه ) ، أو ( ذاهب
الحديث )، أو ( هالك ) ، أو ( ساقط )، أو ( ليس بشيء )، أو ( ضعيف
جداً ) .
٣ - أو (ضعيف) فقط، أو ( لم أر فيه توثيقاً) ، بحيث لا يتطرّق إليه
٤١

مقدمة الطبعة الأولى
احتمال التحسين ، صدّرته بلفظة ( رُويَ )، ولا أذكر ذلك الراوي ، ولا ما قيل
فيه البتة ، فيكون للإسناد الضعيف دلالتان : تصديره بلفظ ( روي ) ، وإهمال
الكلام عليه في آخره )) .
٨ - مناقشة اصطلاح المنذري ، وبيان ما فيه من الإجمال والغموض
قلت : فهو بهذا البيان قد جعل أحاديث كتابه قسمين :
الأول : ما صدره بلفظ ( عن ) المشعر بقوّته .
والآخر: ما صدره بلفظ ( رُوي ) المشعر بضعفه .
ثم إنه أدخل في القسم الأول ثلاثة أنواع من الحديث ، وهي :
الصحيح ، والحسن ، وما قاربهما .
وأدخل في القسم الآخر ثلاثة أنواع أيضاً ، وهي :
الضعيف ، والضعيف جداً ، والموضوع .
فهذا التقسيم محيّر غير مُفهم ، بل هو يدع القارىء ضائعاً بين أنواعه الثلاثة
في كل من القسمين ، لا يدري أي نوع منها هو المراد ، فلنتكلم على ذلك بشيء
من التفصيل ، فأقول :
أما القسم الأول ، فبیانه من وجوه :
أ - أن القراء - كل القراء - لا يمكنهم أن يتعرفوا على مرتبة الحديث ، وهل هو
صحيح أم حسن أم مقارب لهما من مجرد تصديره بلفظة : ( عن ) ، وهذا ظاهر لا
يخفى .
٤٢

مقدمة الطبعة الأولى
٩ - تصديره لنوع من الحديث ليس بحسن بـ ( عن )
وإدخاله تحته أنواعاً من الضعيف !
ب - أن النوع الثالث من أنواع هذا القسم وهو (( ما قارب الصحيح والحسن))،
فإنه مع كونه اصطلاحاً خاصاً بالمؤلف رحمه الله غير معروف عند أهل العلم ، فهو
غير مفهوم ، ذلك لأن الحديث عندهم : صحيح ، وحسن ، وضعيف(١) ، وتحت كل
قسم منها أنواع، كما هو مبسوط في علم ((مصطلح الحديث))، ومن المعروف
عندهم : ( أن الحسن مقارب للصحيح ، والضعيف مقارب للحسن ) ، فما
هو ( المقارب الصحيح والحسن ) معاً؟ هذا كلام غير مفهوم ، ولذلك فإني وَدِدت
أن يكون صواب تلك الجملة من كلام المؤلف المتقدم: أو ما قاربهما: ((أو ما قاربه))
ليعود الضمير إلى أقرب مذكور ، وهو ( الحسن )، فيكون المعنى بهذا النوع الثالث :
الحديث الضعيف الذي لم يشتد ضعفه ، ويكون مرشّحاً ليرتقي إلى درجة
الحسن ، إذا وجد لراويه الضعيف متابع ، أو لحديثه شاهد معتبر ، تمنيت أنْ يكون
صواب تلك اللفظة ما ذكرت ، ولكنْ حال بيني وبين ما تمنيت أنني وجدتها
كذلك في كل النسخ التي وقفت عليها ، ومنها مخطوطة الظاهرية ، ولولا ذلك
لاستقام الكلام ، ووضح المعنى المراد ، وإنْ كان من غير المسلّم به تصدير هذا النوع
بـ ( عن) كما هو ظاهر ، حتى عند المؤلف نفسه ، فقد رأيته صدَّر حديثاً بـ (روي)
مع أنه قال: إنه يحتمل التحسين. انظر في ((الضعيف)) الحديث (٧) ، وحديثاً
ثانياً برقم (٣٢٠)، وثالثاً برقم (٣٧٧)، ثم تناقض حين صَدّر حديثاً آخر برقم
(١٨٥) بقوله: (عن)، وقال: ((في إسناده احتمال للتحسين))!
(١) وانظر ((المجموع)) للإمام النووي (٥٩/١).
٤٣

مقدمة الطبعة الأولى
ج - أنه أدخل تحت هذا القسم ما هو ضعيف عند علماء الحديث ، كالمرسل
وسائر الأنواع العشر التي عطفها عليه ، فإنها كلها عند المحدّثين داخلة تحت جنس
الحديث الضعيف ، اللهم إلا النوع السادس والسابع منها، فإن مَنْ قيل فيه: (( ثقة
ضُعَّف))، أو ((فيه كلام لا يضر)) إذا صدر من متمكن في هذا العلم ، وغير
متساهل في الحكم ، فلا شك حينئذ أن حديثه يكون حسناً إذا كان بقية رجال
الإسناد ثقات ، وسلم من علة قادحة . فليس الكلام في هذين النوعين ، وإنما في
سائرهما ، فإنها كلها من جنس الحديث الضعيف كما ذكرناه .
١٠ - تقليده للمتساهلين في التصحيح مع نقده إياهم أحياناً
وقد يقول قائل : إنما يورد المنذري هذه الأنواع في هذا القسم بشرط أن يكون
صحّحه أو حسّنه بعض من خرّجه ، كما يدل على ذلك قوله عقب النوع العاشر:
((لكن صححه أو حسنه بعض مَن خرجه)) .
فأقول : قد يكون هذا الشرط بالنسبة للأنواع كلها ، فهل يليق بالحافظ
المنذري - وهو من عرفت حفظاً وعلماً - أن يدع ما يقتضيه النقد العلمي الحديثي
من الحكم على الحديث بالضعف لتصحيح أو تحسين غيره إياه ، ولا سيما إذا كان
هذا من المعروفين بالتساهل في ذلك ، كالترمذي وابن حبان والحاكم وغيرهم ؟
وهؤلاء الثلاثة في الواقع هم الذين يُعتمد عليهم في تصدير أحاديثهم بـ ( عن )،
وإن كانت غير سالمة من الضعف ، فانظر مثلاً الحديث ( ٢ - الضعيف )، فإنه مع
تصديره إياه بذلك ، قال في تخريجه: (( رواه الحاكم من طريق عُبيد الله بن زحر ..
وقال: ((صحيح الإسناد)). كذا قال))!
وعبيدالله هذا من المعروفين بالضعف ، ولذلك أشار المنذري إلى نقده للحاكم
٤٤
. ....

مقدمة الطبعة الأولى
في تصحیحه للحديث ، ومع ذلك صدّره بـ ( عن ) !
وعلاوة على ذلك فقد رأيته صدّر به لأحاديث مرسلة ، وأخرى موصولة ،
فيها من هو معروف بالضعف ، لم يقترن بها الشرط المذکور کالأحاديث (٤ و٥
و١٨ و١٩ و٢١ و٢٢ و٢٣ و٢٥)، وحديث عمر (٥٢)، وحديث ابن عباس (٥٨)،
وحديث ثعلبة (٦١)، وغيرها كثير وكثير جداً .
وجملة القول في هذا القسم؛ أنّ المنذري رحمه الله قد أغرب بإتيانه
باصطلاح غير معروف عند العلماء ، ولا هو عرّف القرّاء بمراده منه ، وهو الإسناد
المقارب لإسناد الحديث الصحيح أو الحسن ، ولم يكتف بذلك ، بل صدّره وتلك
الأجناس من الأسانيد الضعيفة بلفظة ( عن ) المُشْعِرة بقوة أسانيد الأحاديث
المصدّرة بها ، ثم أكّد ذلك حين صرّح كما تقدم بأنّ للإسناد الضعيف عنده
دلالتين : تصديره بلفظة ( روي ) ، وإهمال الكلام عليه في آخره !
وبذلك جاء بـ ( خَلْط ) عجيب غريب ، ذهب بالفائدة التي كانت مرجوّة
من كتابه ، وهي تميز الصحيح من الضعيف ، سامحه الله ، وعفا عنّا وعنه بمنّه
وكرمه .
١١ - أنواع الأحاديث الضعيفة ، وعدم تمييز المنذري بينها
وأما القسم الآخر ، الشامل للأحاديث المصدرة بلفظة ( روي ) ، فوجه
الغموض فيه أنه يشمل كل حديث ضعيف مهما كانت نسبة الضعف فيه يسيرة
أو شديدة ، ذلك لأن الضعيف من هذه الحيثية على ثلاثة أنواع ، وقد جاءت
الإشارة إليها في كلمة المنذري التي نقلتها آنفاً :
٤٥

مقدمة الطبعة الأولى
الأول: الموضوع، وهو شر أنواعه، والإشارة إليه بقوله: (( وإذا كان في
الإسناد من قيل فيه : ( كذَّاب ) أو: (وضّاع)) .
الثاني: الضعيف جداً، وهو المشار إليه بقوله: (( أو متَّهم، أو مُجْمع على
تركه ، أو ضعفه ، أو ذاهب الحديث ، أو هالك ، أو ساقط ، أو ليس بشيء ، أو
ضعيف جداً )».
الثالث : الضعيف ، وهو ما کان في سنده راو حاله خير من حال من ذُكِر
آنفاً، وأشار إليه المنذري بقوله: (( أو ضعيف فقط، أو لم أر فيه توثيقاً)).
١٢ - بيان المحظور من عدم التمييز المذكور
قلت : فتصدير هذه الأنواع الثلاثة بصيغة ( رُوي) - على ما بينها من
تفاوت شديد - مما لا يتماشى مع واجب النُّصح في مثل هذا الأمر الهامّ ، لا سيما
ویترتّب علیه محظوران اثنان :
الأول : أن الحديث قد يكون من النوع الأول : ( الموضوع ) ، أو الثاني
( الضعيف جداً) ، فيقف بعض القرّاء على شاهد له ، فيتوهم أن الحديث يتقوّى
به ، وليس كذلك ، لأنه شديد الضعف ، أو موضوع ، ولا ينفع فيه الشاهد كما هو
مقرّر في (( المصطلح))، فلو أن المنذري بيّن ذلك لما توّرط القارىء ووقع في مثل
هذا الخطأ الفاحش؛ المخالف لما عليه العلماء، المستلزم للوقوع في وعيد قوله مخلية:
((مَن قال عليَّ ما لم أقل، فليتبوأ مقعده من النار))، والعياذ بالله تعالى (١).
(١) انظر مقدمة ((سلسلة الأحاديث الضعيفة)) - المجلد الاول.
٤٦

مقدمة الطبعة الأولى
١٣ - المحظور الأفحش : العمل بالحديث الضعيف ، وقد يكون موضوعاً!
۔
والآخر وهو أفحش : أن من الشائع المعروف بين جمهور أهل العلم وطلابه
أن الحديث الضعيف يُعمَل به في فضائل الأعمال ، ويعتبرون ذلك قاعدة علمية
لا جدال فيها عندهم ، وهي غير مسلّمة على إطلاقها عند المحققين من العلماء
كما سيأتي نقله عنهم ، فأولئك إذا بلغهم حديث ضعيف بادروا إلى العمل به ،
غير منتبهين لاحتمال كونه شديد الضعف أو موضوعاً ، وحينئذ لا تجوز روايته إلا
ببيان حاله ، والتحذير منه ، فضلاً عن العمل به ، فيقع المحظور الأول وزيادة كما
هو ظاهر، فلو أنه بيّن لهم ذلك ، لم يعملوا به إن شاء الله تعالى (١) .
١٤ - قاعدة (العمل بالحديث الضعيف) ليست على إطلاقها
ثم إن القاعدة المزعومة ليست على إطلاقها ، بل هي مقيّدة في موضعين
منها : أحدهما حديثي ، والآخر فقهي .(٢)
أ - القيد الحديثي
أما الحديثي، فهو قولهم: (( الحديث الضعيف)) فإنه مقيّد - اتفاقاً .
بالضعيف الذي لم يشتدّ ضعفه ، بله الموضوع ، كما بيّنه الحافظ ابن حجر
العسقلاني في رسالته: ((تبيين العجب فيما ورد في فضل رجب))، ولم أعثر
عليها الآن في مكتبتي ، فأنقل ذلك عنه بواسطة تلميذه الثقة الحافظ السخاوي ؛
فإنه قال في آخر كتابه القيّم (( القول البديع في فضل الصلاة على الحبيب
الشفيع )) ( ص ١٩٥ - طبع الهند ) ، بعد أن نقل عن النووي أنه قال :
(١) انظر مثالاً هاماً لهذا في ((سلسلة الأحاديث الضعيفة)) المجلد الأول حديثاً موضوعاً فيه
برقم (٣٢١) قوّى به بعض أفاضل علماء السِّنْد حديثاً ضعيفاً، بسبب سكوت العلماء عن وضعه ،
واقتصار بعضهم على تضعيفه !
(٢) يأتى الكلام عليه (ص٥٢).
٤٧

مقدمة الطبعة الأولى
(( قال العلماء من المحدثين والفقهاء وغيرهم: (( يجوز ويستحب العمل في
الفضائل والترغيب والترهيب بالحديث الضعيف ، ما لم يكن موضوعاً . وأما
الأحكام كالحلال والحرام ، والبيع والنكاح والطلاق وغير ذلك فلا يعمل فيها ، إلا
بالحديث الصحيح أو الحسن ؛ إلا أن يكون في احتياط في شيء من ذلك)).
وعن ابن العربي المالكي أنه خالف في ذلك ، فقال :
((إن الحديث الضعيف لا يُعمَل به مطلقاً)).
قال الحافظ السخاوي :
١٥ - شرائط العمل عند الحافظ ابن حجر
(( وقد سمعت شيخنا مراراً يقول : - وكتبه لي بخطه - :
إن شرائط العمل بالضعيف ثلاثة :
الأول : متفق عليه أنْ يكون الضعف غير شديد ، فيخرج مَن انفرد مِنَ
الكذّابين والمتّهمين بالكذب ، ومن فحُش غلطه .
الثاني : أنْ يكون مندرجاً تحت أصل عام ، فيخرج ما يُختَرع بحيث لا يكون
له أصل أصلاً .
الثالث: أنْ لا يُعتَقد عند العمل به ثبوته ، لئلا يُنسَب إلى النبي
لم يقله .
رة ما
قال : والأخيران عن ابن عبد السلام ، وعن صاحبه ابن دقيق العيد . والأول
نقل العلائيّ الاتفاق عليه)).
٤٨

مقدمة الطبعة الأولى
١٦ - ما توجبه الشروط المذكورة على أهل العلم من التمييز
قلت : وليس يخفى على الفَطِن اللبيب أن هذه الشروط توجب على أهل
العلم والمعرفة بصحيح الحديث وسقيمه أن يميزوا للناس شيئين هامين :
الأول : الأحاديث الضعيفة من الصحيحة ، لكي لا يعتقد العاملون بها
ثبوتها ، فيقعوا في آفة الكذب على رسول الله :﴿ كما تقدم في كلام الإمام
مسلم وغيره .
والآخر : الأحاديث الشديدة الضعف من غيرها ؛ لكي لا يعملوا بها ، فيقعوا
في الآفة المذكورة .
والحق - والحقَّ أقول -: إنّ القليل من علماء الحديث - فضلاً عن غيرهم - من
له عناية تامة - بالتمييز الأول ، كالحافظ المنذري - على تساهله المتقدم بيانه -
والحافظ ابن حجر العسقلاني في كتبه ، وتلميذه الحافظ السخاوي في كتابه :
((المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة))، وغيرهم.
وفي عصرنا هذا الشيخ أحمد شاكر - رحمه الله - في تحقيقه وتعليقه على ((مسند
الإمام أحمد )) وغيره ، ومثله اليوم أقل من القليل .
وأقل من هؤلاء بكثير من له عناية تامة بتمييز الأحاديث الضعيفة جداً من
غيرها ، بل إني لا أعلم من له تخصص في هذا المجال ، مع كونه من الأمور الهامة
كما بينته آنفاً ، وهو عندي أهم من عنايتهم بتمييز الحديث الحسن من الصحيح ،
مع أنه ليس تحته كبير فائدة ، لأن كلاً منهما يُحْتَجُّ به في الأحكام كما سبق ،
اللهم إلا عند التعارض والترجيح ، بخلاف ما نحن فيه ، فإنه يُعمَل بالحديث
الضعيف في الفضائل ؛ دون الضعيف جداً ، فبيانه واجب من باب أولى .
٤٩

مقدمة الطبعة الأولى
١٧ - ما ذكره المنذري من تساهل العلماء في الترغيب
والترهيب ، والجواب عليه
فإن قيل : لِمَ هذا التفصيل والتشديد في رواية الحديث الضعيف ، والمنذري
رحمه الله قد ذکر في مقدمة كتابه :
(( أن العلماء أساغوا التساهل في أنواع من الترغيب والترهيب ، حتى إن
كثيراً منهم ذكروا الموضوع؛ ولم يبيّنوا حاله )).
وجواباً عليه أقول :
إن التساهل الذي أساغوه يحتمل وجهين :
الأول : ذكر الأحاديث بأسانيدها . فهذا لا بأس به ، كيف لا وهو صنيع
جميع المحدّثين من الحفاظ السابقين الذين كان أول أعمالهم في سبيل حفظ
السنة وأحاديثها ، إنما هو جمعها من شيوخها بأسانيدهم فيها . ثم من كان منهم
على علم بتراجم رواتها من جميع الطبقات ، ومعرفة بطرق الجرح والتعديل ،
وعلل الحديث ، فإنّه يتمكن من التحقيق فيها ، وأن يميز صحيحها من سقيمها ،
وإلى هذا وذلك أشاروا بقولهم المعروف: (( قمِّشْ ثم فتِّشْ))، فهو إذن من باب
(( ما لا يقوم الواجب إلا به فهو واجب)).
وعلى هذا الوجه ينبغي أن يُحمَل قول المنذري المذكور عن العلماء ؛ إحساناً
للظن بهم أولاً ، ولأنه هو الذي يدل عليه كلام الحفاظ ثانياً، بالإضافة إلى ما
ذكرناه مما جرى عليه عملهم . فهذا هو الإمام أحمد يقول :
٥٠

مقدمة الطبعة الأولى
(( إذا جاء الحلال والحرام شدّدنا في الأسانيد ، وإذا جاء الترغيب والترهيب
تساهلنا في الأسانيد))(١) .
فهذا نص فيما قلنا، ومثله قول ابن الصلاح في (( علوم الحديث ))
(ص١١٣) :
(( ويجوز عند أهل الحديث وغيرهم التساهل في الأسانيد ، ورواية ما سوى
الموضوع من أنواع الأحاديث الضعيفة من غير اهتمام ببيان ضعفها فيما سوى
صفات الله وأحكام الشريعة من الحلال والحرام وغيرهما ، وذلك كالمواعظ
والقصص وفضائل الأعمال ، وسائر فنون الترغيب والترهيب ، وسائر ما لا تعلق
له بالأحكام والعقائد )) .
فتأمّل في قوله: (( التساهل في الأسانيد))؛ يتجلّى لك صحة ما ذكرنا .
والسبب في ذلك أن مَن ذكر إسناد الحديث فقد أعذر وبرئت ذمته ، لأنّه قدم لك
الوسيلة التي تمكّن من كان عنده علم بهذا الفن من معرفة حال الحديث صحة أو
ضعفاً ، بخلاف من حذف إسناده، ولم يذكر شيئاً عن حاله ، فقد كتم العلم
الذي عليه أن يبلّغه .
١٨ - الأدب في رواية الحديث الضعيف عند ابن الصلاح
من أجل ذلك عقّب ابن الصلاح على ما تقدم بقوله :
(( إذا أردت رواية الحديث الضعيف بغير إسناد فلا تقل فيه : قال رسول الله
قال ذلك ، وإنما
◌َة : كذا وكذا ، وما أشبه هذا من الألفاظ الجازمة بأنّه
(١) ((مجموع الفتاوى)) لشيخ الإسلام ابن تيمية (٦٥/١٨).
٥١

مقدمة الطبعة الأولى
تقول فيه: رُوي عن رسول الله ﴿ ﴿ كذا وكذا ، أو بلغنا عنه كذا وكذا .. وهكذا
الحكم فيما تشكّ في صحته وضعفه. وإنما تقول: قال رسول الله مح ليه .. فيما
ظهر لك صحته ))(١).
١٩ - لا بد من التصريح بالضعف
قلت : فثبت أنه لا بد من بيان ضعف الحديث في حال ذكره دون إسناده ،
ولو بطريق ما اصطلحوا عليه مثل : ( رُوي ) ونحوه . ولكني أرى أن هذا لا يكفي
اليوم ؛ لغلبة الجهل ، فإنه لا يكاد يفهم أحد من كتب المؤلف ، أو قول الخطيب
على المنبر: ((روي عن رسول الله :﴿ أنه قال: كذا وكذا .. )) أنه حديث
ضعيف ، فلا بد من التصريح بذلك كما جاء في أثر علي رضي الله عنه قال :
((حدَّثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يُكذِّب الله ورسوله)). أخرجه البخاري، (٢)
ولنعم ما قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله في (( الباعث الحثيث )) (ص ١٠١) :
(( والذي أراه أن بيان الضعف في الحديث الضعيف واجب في كل حال ،
لأن ترك البيان يوهم المطّلع عليه أنه حديث صحيح ، خصوصاً إذا كان الناقل من
علماء الحديث الذين يُرجَع إلى قولهم في ذلك ، وأنه لا فرق بين الأحكام وبين
فضائل الأعمال ونحوها في عدم الأخذ بالرواية الضعيفة ، بل لا حُجّة لأحد إلا
بما صح عن رسول الله
﴿﴿ من حديث صحيح أو حسن)).
قلت : والوجه الآخر الذي يحتمله كلام المنذري المتقدِّم إنما هو ذكر
الأحاديث الضعيفة بدون أسانيدها ، ودون بيان حالها حتى الموضوع منها ، فهذا
(١) قلت : تأمل هذا؛ يتبين لك خطأ المنذري في اصطلاحه المتقدم.
(٢) رقم (٨٣ - مختصر البخاري - الطبعة الجديدة) .
٥٢

مقدمة الطبعة الأولى
في اعتقادي مما لا أتصوّر أن يقوله أحد من العلماء الأتقياء ، لما فيه من المخالفة لما
تَقدّم في كلام الإمام مسلم من نصوص الكتاب والسنة في التحذير من الرواية
عن غير العدول ، لا فرق في ذلك بين أحاديث الأحكام والترغيب والترهيب
وغيرها ، وكلام مسلم المتقدم صريح في ذلك .
٢٠ - تأثيم الإمام مسلم لمن يروي عن الضعيف ولا يبيّن حاله
ولو في الترغيب والترهيب
وأصرح منه قوله بعد بحث هامّ في وجوب الكشف عن معايب رواة
الحديث ، وذكر أقوال الأئمة في ذلك ، قال (٢٩/١) :
(( وإنما ألزموا أنفسهم الكشف عن معايب رواة الحديث وناقلي الأخبار ،
وأفتوا بذلك لما فيه من عظيم الخطر ، إذ الأخبار في أمر الدين إنما تأتي بتحليل أو
تحريم ، أو أمر أو نهي ، أو ترغيب أو ترهيب ، فإذا كان الراوي لها ليس بمعدن
للصدق والأمانة ، ثم أقدم على الرواية عنه من قد عرفه ، ولم يبين ما فيه لغيره
ممن جهل معرفته ؛ كان آثماً بفعله ذلك ، غاشّاً لعوام المسلمين ، إذ لا يؤمن على
بعض من سمع تلك الأخبار أن يستعملها أو يستعمل بعضها ، ولعلها أو أكثرها
أكاذيب لا أصل لها ، مع أن الأخبار الصحاح من رواية الثقات وأهل القناعة أكثر
من أن يُضطَّر إلى نقل مَن ليس بثقة، ولا أحسب كثيراً ممن يُعَرِّج من الناس على
ما وصفنا من هذه الأحاديث الضعاف والأسانيد المجهولة ، ويعتدّ بروايتها بعد
معرفته بما فيها من التَّوَهُن والضعف - إلا أنّ الذي يحمله على روايتها والاعتداد
بها إرادة التكثّر بذلك عند العوامّ ، ولأن يقال : ما أكثر ما جمع فلان من الحديث
وأَلَّف من العدد ! ومن ذهب في العلم هذا المذهب ، وسلك هذا الطريق فلا
نصيب له فيه ، وكان بأن يسمّى جاهلاً، أولى من أنْ يُنسَب إلى علم)).
٥٣

مقدمة الطبعة الأولى
٢١ - عاقبة التساهل برواية الأحاديث الضعيفة وكتم بيانها
والحقيقة ؛ أن تساهل العلماء برواية الأحاديث الضعيفة ساكتين عنها قد
كان من أكبر الأسباب القوية التي حملت الناس على الابتداع في الدين ؛ فإن
كثيراً من العبادات ، التي عليها كثير منهم اليوم إنما أصلها اعتمادهم على
الأحاديث الواهية ، بل والموضوعة ، كمثل التوسعة يوم عاشوراء ، الحديث
(٦١٧ و٦١٨) ((ضعيف الترغيب))، وإحياء ليلة النصف من شعبان، وصوم
نهارها ، الحديث (٦٢٤)، وغيرها. وهي كثيرة جداً، تجدها مبثوثة في كتابي
(( سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيّىء في الأمة))، وساعدهم
على ذلك تلك القاعدة المزعومة القائلة بجواز العمل بالحديث الضعيف في
الفضائل ، غير عارفين أن العلماء المحققين قد قيدوها بقیدین اثنين :
أحدهما حديثي ، وقد سبق تفصيله ، وخلاصة ذلك أن كل من يريد
العمل بحديث ضعيف ينبغي أنْ يكون على علم بضعفه ، لأنه لا يجوز العمل به
إذا كان شديد الضعف . ولازمُ هذا الحدّ من العمل بالأحاديث الضعيفة وانتشارها
بين الناس ، لو قام أهل العلم بواجب بيانها .
ب - القيد الفقهي
وأما القيد الآخر وهو الفقهي ، فهذا أوان البحث فيه ، فأقول : قد دندن
الحافظ ابن حجر حوله في الشرط الثاني المتقدم (ص ٤٨) بقوله :
(( وأن يكون الحديث الضعيف مندرجاً تحت أصل عام .. )).
إلا أن هذا القيد غير كاف في الحقيقة ، لأن غالب البدع تندرج تحت أصل
٥٤

مقدمة الطبعة الأولى
عامّ ، ومع ذلك فهي غير مشروعة ، وهي التي يسميها الإمام الشاطبي بالبدع
الإضافية ، وواضح أن الحديث الضعيف لا ينهض لإثبات شرعيتها ، فلا بد من
تقييد ذلك بما هو أدق منه ، كأن يقال : أن يكون الحديث الضعيف قد ثبتت
شرعية العمل بما فيه بغيره مما يصلح أن يكون دليلاً شرعياً ، وفي هذه الحالة لا
يكون التشريع بالحديث الضعيف ، وغاية ما فيه زيادة ترغيب في ذلك العمل مما
تطمع النفس فيه ، فتندفع إلى العمل أكثر مما لو لم يكن قد رُوي فيه هذا الحديث
الضعيف، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في ((مجموع الفتاوى)) (٢٥١/١):
(( وذلك أن العمل إذا علم أنه مشروع بدليل شرعي ، وروي في فضله حديث
لا يعلم أنه كذب جاز أنْ يكون الثواب حقاً ، ولم يقل أحد من الأئمة إنه يجوز أن
يجعل الشيء واجباً أو مستحباً بحديث ضعيف ، ومن قال هذا فقد خالف
الإجماع )) .
٢٢ - قول ابن تيمية المفصّل في ذلك ، وأنه لا يجوز استحباب شيء
لمجرد وجود حديث ضعيف في الفضائل
وقد فصّل الشيخ - رحمه الله - هذه المسألة الهامة في مكان آخر من
((مجموعة الفتاوى)) (٦٥/١٨ - ٦٨) تفصيلاً لم أره لغيره من العلماء ، فأرى لزاماً
علي أن أقدّمه إلى القرآء؛ لما فيه من الفوائد والعلم ، قال بعد أن ذكر قول الإمام
أحمد المتقدم (ص ٥١) :
(( وكذلك ما عليه العلماء من العمل بالحديث الضعيف في فضائل
الأعمال : ليس معناه إثبات الاستحباب بالحديث الذي لا يُحْتجُّ به ، فإن
٥٥

مقدمة الطبعة الأولى
الاستحباب حكم شرعي ، فلا يثبت إلا بدليل شرعي ، ومن أخبر عن الله أنّه
يحب عملاً من الأعمال من غير دليل شرعي فقد شرع من الدين ما لم يأذن به
الله ، كما لو أثبت الإيجاب أو التحريم ، ولهذا يختلف العلماء في الاستحباب،
كما يختلفون في غيره ، بل هو أصل الدين المشروع .
٢٣ - مراد العلماء من العمل بالحديث الضعيف في الفضائل
وإنما مرادهم بذلك أنْ يكون العمل مما قد ثبت أنّه مما يحبه الله ، أو مما يكرهه
الله بنص أو إجماع، كتلاوة القرآن ، والتسبيح ، والدعاء ، والصدقة ، والعتق ،
والإحسان إلى الناس ، وكراهة الكذب والخيانة ، ونحو ذلك ، فإذا رُوي حديث
في فضل بعض الأعمال المستحبة وثوابها ، وكراهة بعض الأعمال وعقابها؛
فمقادير الثواب والعقاب وأنواعه ، إذا روي فيها حديث لا نعلم أنّه موضوع؛
جازت روايته والعمل به ؛ بمعنى : أن النفس ترجو ذلك الثواب ، أو تخاف ذلك
العقاب، كرجل يعلم أن التجارة تربح ، لكن بلغه أنها تربح ربحاً كثيراً ، فهذا إنْ
صَدِق نَفَعه ، وإنْ كذَب لم يضرّه .
٢٤ - مثال للعمل بالحديث الضعيف بشرطه
ومثال ذلك الترغيب والترهيب بالإسرائيليات والمنامات ، وكلمات السلف
والعلماء، ووقائع العلماء ، ونحو ذلك مما لا يجوز بمجرده إثبات حكم شرعي ؛ لا
استحباب ولا غيره ، ولكنْ يجوز أنْ يُذكَر في الترغيب والترهيب ، والترجية
والتخويف فما عُلِم حسنه أو قبحه بأدلّة الشرع ، فإنَّ ذلك ينفع ولا يضر ، وسواء
كان في نفس الأمر حقاً أو باطلاً ، فما عُلِم أنّه باطل موضوع لم يجز الالتفات
٥٦

مقدمة الطبعة الأولى
إليه ، فإنّ الكذب لا يفيد شيئاً ، وإذا ثبت أنّه صحيح أُثْبِتَتْ به الأحكام ، وإذا
احتمل الأمرين رُوي لإمكان صدقه ، ولعدم المضرّة في كذبه ، وأحمد إنما قال :
(( إذا جاء الترغيب والترهيب تساهلنا في الأسانيد)). ومعناه: أننا نروي في ذلك
بالأسانيد ، وإن لم يكن محدثوها من الثقات الذين يحتج بهم . وكذلك قول من
قال : يُعمل بها في فضائل الأعمال ، إنما العمل بها العمل بما فيها من الأعمال
الصالحة ، مثل التلاوة والذكر ، والاجتناب لما كره فيها من الأعمال السيئة .
ونظير هذا قول النبي ### في الحديث الذي رواه البخاري عن عبد الله بن
عمرو: (( بلغوا عني ولو آية ، وحدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي
متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)) .
مع قوله # في الحديث الصحيح: ((إذا حدثكم أهل الكتاب فلا
تُصدِّقوهم ولا تُكذِّبوهم))؛ فإنه رخّص في الحديث عنهم ، ومع هذا نهى عن
تصديقهم وتكذيبهم ، فلو لم يكن في التحديث المطلق عنهم فائدة لما رخّص فيه
وأمر به ، ولو جاز تصديقهم بمجرد الإخبار لما نهى عن تصديقهم ؛ فالنفوس تنتفع
بما تظن صدقه في مواضع .
٢٥ - لا يجوز التقدير والتحديد بأحاديث الفضائل
فإذا تضمّنت أحاديث الفضائل الضعيفة تقديراً وتحديداً ، مثل صلاة في
وقت معيّن بقراءة معينة ، أو على صفة معينة لم يجز ذلك ؛ لأن استحباب هذا
الوصف المعیّن لم يثبت بدلیل شرعي ، بخلاف ما لو رُوي فيه : « مَن دخل
٥٧

مقدمة الطبعة الأولى
السوق فقال: لا إله إلا الله .. كان له كذا وكذا))(١)، فإنّ ذِكْرَ الله في السوق
مستحبٌّ ، لما فيه من ذِكْرَ الله بين الغافلين ، كما جاء في الحديث المعروف :
(( ذاكر الله في الغافلين، كالشجرة الخضراء بين الشجر اليابس))(٢).
فأما تقدير الثواب المرويّ فيه فلا يضر ثبوته ولا عدم ثبوته ، وفي مثله جاء
الحديث الذي رواه الترمذي: (( من بلّغه عن الله شيء فيه فضل ، فعمل به رجاء
ذلك الفضل أعطاه الله ذلك وإن لم يكن ذلك كذلك ))(٣) .
فالحاصل ؛ أن هذا الباب يُروى ويُعمَل به في الترغيب والترهيب لا في
الاستحباب ، ثم اعتقاد موجبه وهو مقادير الثواب والعقاب يتوقف على الدليل
الشرعي)) .
٢٦ - خلاصة كلام ابن تيمية في العمل بالحديث الضعيف في الفضائل
أقول : ذلك كله من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى وجزاه
عن المسلمين خيراً ، ونستطيع أن نستخلص منه أن الحديث الضعيف له حالتان :
الأولى : أنْ يحمل في طيّاته ثواباً لعمل ثبتت مشروعيته بدليل شرعي .
فهنا يجوز العمل به ، بمعنى أن النفس ترجو ذلك الثواب ، ومثاله عنده : (التهليل
في السوق ) بناء على أن حديثه لم يثبت عنده ، وقد عرفت رأينا فيه .
(١) قلت : استغربه الترمذي ، لكن له طرق يرتقي بها إلى درجة التحسين كما كنت ذكرت
في تعليقي على ((الكلم الطيب)) (رقم الحديث ٢٢٩)، وحسن إسناده المنذري كما سيأتي في
(( الصحيح)) (١٦ - البيوع / ٣ - باب / الحديث الأول) .
(٢) سيأتي في ((الضعيف)) (١٦ - البيوع / ٣ - باب ).
(٣) قلت: عزوه للترمذي وهم أو سبق قلم ، وهو مخرج في المصدر السابق ، من ثلاث طرق
كلها موضوعة . انظر الأرقام (٤٥١ - ٤٥٣). وأورده ابن الجوزي في ((الموضوعات))، ووافقه السيوطي.
٥٨

مقدمة الطبعة الأولى
والأخرى : أنْ يتضمن عملاً لم يثبت بدليل شرعي ، يظن بعض الناس أنّه
مشروع ، فهذا لا يجوز العمل به ، وتأتي له بعض الأمثلة الأخرى .
وقد وافقه على ذلك العلامة الأصولي المحقق الإمام أبو إسحاق الشاطبي
الغرناطي في كتابه العظيم: ((الاعتصام))، فقد تعرض لهذه المسألة توضيحاً وقوة
بما عُرِف عنه من بيان ناصع ، وبرهان ساطع ، وعلم نافع ، في فصْل عقده لبيان
طريق الزائفين عن الصراط المستقيم ، وذكر أنّها من الكثرة بحيث لا يمكن
حصرها ، مستدلاً على ذلك بالكتاب والسنة ، وأنّها لا تزال تزداد على الأيام ،
وأنه يمكن أن يجد بعده استدلالات أُخَر ، ولا سيما عند كثرة الجهل وقلة العلم ،
وبعد الناظرين فيه عن درجة الاجتهاد ، فلا يمكن إذن حصرها ، قال (٢٢٩/١) :
((لكنا نذكر من ذلك أوجهاً كلية يقاس عليها ما سواها)).
٢٧ - من طرق المبتدعَة الاعتماد على الأحاديث الواهية
( فمنها ) : اعتمادهم على الأحاديث الواهية ، والمكذوب فيها على رسول
الله ية، والتي لا يقبلها أهل صناعة الحديث في البناء عليها : كحديث
الاكتحال يوم عاشوراء، وإكرام الديك الأبيض، وأكل الباذنجان بنيّته(١)، وأنَّ
النبي ◌َ تواجد واهتز عند السماع حتى سقط الرداء عن منكبيه(٢)، وما أشبه
ذلك . فإن أمثال هذه الأحاديث - على ما هو معلوم - لا ينبني عليها حكم ، ولا
تُجْعَلُ أصلاً في التشريع أبداً . ومن جعلها كذلك فهو جاهل ومخطىء في نقل
(١) هذه الأحاديث كلها موضوعة، تجد الكلام عليها في ((المقاصد الحسنة)) وغيرها .
(٢) حديث موضوع كما صرح به جمع، وقد خرجته في ((الأحاديث الضعيفة والموضوعة))
برقم (٥٥٨) .
٥٩

مقدمة الطبعة الأولى
العلم. فلم ينقل الأخذ بشيء منها عمّن نعتدٌ به في طريقة العلم ، ولا طريقة
السلوك .
وإنما أخذ بعض العلماء بالحديث الحسن لإلحاقه عند المحدِّثين بالصحيح ،
لأنّ سنده ليس فيه من يعاب بجرح متفق عليه ، وكذلك أخذ من أخذ منهم
بالُرسَل ؛ ليس إلا من حيث أُلحِقٍ بالصحيح في أن المتروك ذكره كالمذكور
والمعدل(١) . فأمّا ما دون ذلك ، فلا يُؤخَذ به بحال عند علماء الحديث .
ولو كان من شأن أهل الإسلام الأخذ من الأحاديث بكل ما جاء عن كل
من جاء لم يكن لانتصابهم للتعديل أو التجريح معنى ، مع أنهم قد أجمعوا على
ذلك ، ولا كان لطلب الإسناد معنى ، فلذلك جعلوا الإسناد من الدين ، ولا
يعنون: ((حدّثَني فلان عن فلان)) مجرَّداً ، بل يريدون ذلك لما تضمَّنه من معرفة
الرجال الذين يحدِّث عنهم ، حتى لا يسند عن مجهول ، ولا مجروح، ولا متّهم،
إلا عمّن تحصل الثقة بروايته ؛ لأن روح المسألة أن يغلب على الظن من غير ريبة
أن ذلك الحديث قد قاله النبي ﴿﴿ لنعتمد عليه في الشريعة، ونسند إليه
الأحكام .
والأحاديث الضعيفة لا يغلب على الظن أن النبي ﴿ ﴿ قالها، فلا يمكن أن
يسند إليها حكم، فما ظنّك بالأحاديث المعروفة الكذب ؟! نعم ، الحامل على
اعتمادها في الغالب إنما هو ما تقدم من الهوى المتّبَع )) . قال :
(١) قلت: ومع ذلك فهو مردود عند المحدثين كما بيَّنه الخطيب فى ((الكفاية)) (ص ٣٩١ -
٣٩٧) .
٦٠