Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
٦٠ - كتاب التاريخ: ١ - باب بدء الخلق
حرملةُ بنُ يحيى، حدَّثنا ابنُ وهبٍ، أخبرني عمرو بنُ الحارث، أنَّ
أبا السَّمح حدَّثه، عَنِ ابنِ حُجَيْرَةً
عن أبي هريرة، عن رسولِ الله وَلّ أنَّه قال: ((سأل موسى ربَّهُ
عَنْ ستٌّ خصالٍ كانَ يظنُّ أنَّها لَهُ خالصةً، والسابعةُ لَمْ يكنْ موسى
يُحِبُّها. قالَ: يا ربِّ، أُّ عبادِكَ أتقى؟ قالَ: الَّذي يَذْكُرُ ولا يَنْسَى،
قالَ: فأيُّ عِبَادِكَ أهدى؟ قالَ: الَّذي يَتَّبِعُ الهُدى(١)، قالَ: فأيُّ
عبادِكَ أحكم؟ قالَ: الَّذي يَحْكُمُ للنَّاسِ كما يَحْكُمُ لنفسهِ. قَالَ: فَأَيُّ
عبادِكَ أعلمُ؟ قال: عالمٌ لا يشبع من العلم، يجمع علم الناس إلى علمه،
قال فأيُّ عبادِكَ أعزُّ؟ قالَ: الذي إذا قَدَرَ غَفَرَ. قالَ: فأيُّ عبادِكَ أغنى؟
قالَ: الَّذي يرضى بما يُؤْتَى، قالَ: فأيُّ عبادِكَ أفقرُ؟ قالَ: صاحبٌ
مَنْقُوصٌ)). قالَ رسولُ اللَّهِ وَّهَ: ((ليس الغِنَى عَنْ ظهرٍ، إِنَّما الغِنى غِنى
النّفْسِ، وإذا أرادَ اللَّهُ بعبدٍ خيراً، جعلَ غِنَاهُ في نفسِهِ، وتُقَاهُ في
قلبهِ، وإذا أرادَ اللَّهُ بعبدٍ شرّاً، جعلَ فقرهُ بَيْنَ عينيهِ))(٢).
[٤:٣]
(١) في الأصل: ((الذي لا يتبع الهوى))، والمثبت من ((التقاسيم)) ٢٩٢/٣.
(٢) إسناده حسن. رجاله ثقات رجال مسلم غير أبي السمح واسمه درَّاج بن
سمعان، وهو صدوق. عمرو بن الحارث هو: أبو أيُّوب المصري،
وابن حجيرة: اسمه عبد الرحمن، وأورده الحافظ ابن كثير في («البداية
والنهاية)) ٢٧٢/١ من رواية المصنف.
وذكره الحافظ السيوطيُّ في ((الجامع الكبير)) ٥٣٩/٢ ونسبه للروياني
وأبي بكرابن المقرىء في ((فوائده)) وابن لال وابن عساكر.
وفي الباب عن ابن عباس عند الطبري في ((التاريخ)) ٣٧١/١ حدثنا
إبنُ حميد، حدثنا يعقوب (إبن عبد الله بن سعد) القمي، عن هارون بن
عنترة (هو ابن عبد الرحمن) عن أبيه، عن ابن عباس قال: سأل موسى عليه =

١٠٢
الإِحسان في تقريب صحيح ابن حبان
قال أبو حاتم: قوله: صاحبٌ منقوص. يريد به: ((منقوص
حالته، يَسْتَقِلُّ ما أُوتِي، ويَطْلُبُ الفضل)).
ذِكْرُ سؤالٍ كليم الله ربّه أن يعلمه
شيئاً يذكرُه
٦٢١٨ - أخبرنا ابنُ سلمٍ، حدَّثنا حرملةُ بنُ يحيى، حدَّثنا ابنُ وهبٍ،
أخبرني عمرو بنُ الحارث أنَّ درَّاجاً حدَّثه عن أبي الهيثم
عن أبي سعيد الخدريِّ، عن رسول الله وَّ أَنَّه قال: ((قال
موسى: يا ربِّ، عَلِّمني شيئاً أذكُرُكَ بهِ، وأدعوكَ بهِ. قالَ: قُلْ
يا موسى: لا إِلّهَ إلّ اللَّهُ. قالَ: يا ربِّ، كلُّ عبادِكَ يقولُ هذا. قالَ:
قُلْ: لا إله إلّ اللَّهُ. قالَ: إنَّما أريدُ شيئاً تَخْصُّني بهِ، قالَ:
يا موسى، لو أنَّ أهلَ السَّماواتِ السَّبعِ والأرضين السَّبعِ في كفَّةٍ،
ولا إلّه إِلا اللَّهُ في كفَّةٍ، مالتْ بهم لا إِلّهَ إلا الله))(١).
[٤:٣]
السلام ربه عزّ وجلّ ... فذكره موقوفاً بنحو حديث الباب.
=
وقوله: ((ليس الغنى عن ظهر ... )) تقدم عند المصنف من حديث
أبي هريرة برقم (٦٧٩)، ومن حديث زيد بن ثابت برقم (٦٨٠)، ومن
حديث أبي ذر برقم (٦٨٥).
(١) إسناده ضعيف، دراج أبو السمح في روايته عن أبي الهيثم ضعف.
وأخرجه النسائي في ((اليوم والليلة)) (٨٣٤) و(١١٤١)، والطبراني في
(الدعاء)) (١٤٨٠)، والحاكم ٥٢٨/١، وعنه البيهقي في ((الأسماء والصفات))
ص ١٠٢ - ١٠٣ من طرق عن عبد الله بن وهب، بهذا الإسناد.
وصححه الحاكم ووافقه الذهبي! وكذا صححه الحافظ ابن حجر في
((الفتح)) ٢٠٨/١١ !.
=

٦٠ - كتاب التاريخ: ١ - باب بدء الخلق
١٠٣
ذِكْرُ وصفِ المصطفى وَّ تلبيةَ موسى كليمِ الله جلَّ وعلا
ورميه الجمار في حجّته صلوات الله على نبينا وعليه
٦٢١٩ - أخبرنا أبو يعلى، حدَّثنا أبو خثيمةً، حدَّثنا عفَّنُ، حدَّثنا
حَمَّادُ بنُ سلمةَ، حدثنا داودُ بن أبي هندٍ، عن رُفَيْعٍ أبي العَالِيَةِ
عن ابنِ عبَّاسٍ أَنَّ رسولَ اللَّهِ وَ﴿ أتى على وادي الأزْرَقِ،
فقالَ: ((كأنِّي أَنْظُرُ إلى موسى مُنْهَبِطَأَ ولَهُ جؤارٌ إلى ربِّه بالتَّلبيةِ))، ومرَّ
على ثنيةٍ فقالَ: ((ما هذه))؟ قيلَ: ثَنيَّةُ كذا وكذا. قالَ: ((كأني أُنْظُرُ
إلى موسى يرمي الجَمْرَةَ على ناقةٍ حمراءَ، خِطَامُها مِنْ ليفٍ، وعليهِ
جُبَّةٌ مِنْ صُوفٍ))(١).
=
وأخرجه الطبراني (١٤٨١)، وأبو يعلى (١٣٩٣) من طريقين عن
ابن لھیعة، عن دراج، به.
وذكره الهيثمي في ((المجمع)) ٨٢/١٠، وقال: رواه أبو يعلى
ورجاله وثقوا، وفيهم ضعف.
قلت وفي الباب عن جابر رفعه: ((أفضل الذكر لا إله إلاّ الله، وأفضل
الدعاء الحمد لله. وقد تقدم برقم (٨٤٦).
وأخرج مالك في الموطأ ٢١٤/١ - ٢١٥ عن زياد بن أبي زياد، عن
طلحة بن عبيد الله بن كريز أنّ رسول الله و لشهر قال: ((أفضل الدعاء دعاء يوم
عرفة، وأفضل ما قلت أنا والنبيُّون من قبلي: لا إله إلّ الله)). وهذا
مرسل صحيح .
وأخرجه الترمذي (٣٥٨٥) من رواية حماد بن أبي حميد، عن
عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه. وحماد بن أبي حميد قال عنه
الترمذي بإثر الحديث: ليس بالقوي عند أهل الحديث.
(١) إسناده صحيح على شرط مسلم. عفان: هو ابن مسلم الباهلي. وقد تقدم
تخریجه برقم (٣٨٠١).
=

١٠٤
الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان
ذِكْرُ وصفِ حالٍ موسی حین لَقِيَ
الخَضِرَ بعد فَقْدِ الحوتِ
٦٢٢٠ - أخبرنا عمرُ بنُ محمّد الهمدانيُّ مِنْ كتابه، حدَّثنا
عبدُ الجَبَّار بنُ العلاءِ، حدَّثنا سفيان(١)، قال: حفظته مِنْ عمرو بنِ دينارٍ، عن
سعيد بن جبير
قال: قلت لابن عبَّاسٍ : إنَّ نوفاً الِكالِيَّ يزعُمُ أَنَّ موسى عليهِ
السلامُ ليسَ بصاحِبِ الخَضِرِ، إِنما هُوَ موسى آخر، قالَ: كذبَ عدُ
اللَّهِ(٢)، أخبرنا أُبيُّ بنُ كعبٍ، عَنْ رسولِ اللَّهِ وََّ، قَالَ: ((قامَ موسى
وأخرجه أبو نعيم في ((الحلية)) ٢٢٣/٢ و٩٦/٣ عن محمد بن أحمد بن
الحسن، قال: حدثنا بشر بن موسى، قال: حدثنا الحسن بن موسى
الأشيب وعفان بن مسلم، قالا: حدثنا حماد بن سلمة، بهذا الإسناد.
وأخرجه الطبراني في ((الكبير)) (١٢٧٥٦) من طريق حجاج بن منهال،
عن حماد بن سلمة، به.
(١) تحرف في الأصل إلى ((سليمان))، والتصويب من ((التقاسيم)) ٣/ لوحة ٢٩٤.
(٢) قال الإمام النووي في ((شرح مسلم)) ١٣٧/١٥: قال العلماء: هو على وجه
الإِغلاظ والزجر عن مثل قوله، لا أنه يعتقد أنه عدو الله حقيقة، إنما قاله
مبالغة في إنكار قوله، لمخالفته قول رسول الله وي سافر، وكان ذلك في حال غضب
ابن عبّاس لشدّة إنكاره، وحال الغضب تُطلق الألفاظ، ولا يُراد بها حقائقها،
والله أعلم.
وقال ابن التين فيما نقله عنه الحافظ في ((الفتح)) ٢١٩/١: لم يرد
ابن عباس إخراج نوفٍ عن ولاية الله، ولكن قلوب العلماء تنفر إذا سمعت
غيرَ الحق، فَيُظْلِقُونَ أَمثالَ هذا الكلام لقصد الزجر والتحذير منه وحقيقته
غيرُ مرادة.

١٠٥
٦٠ - كتاب التاريخ: ١ - باب بدء الخلق
في بني إسرائيلَ خطيباً، فقيلَ لَهُ: أيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ قالَ: أنا، قال:
فِعَتَبَ اللَّهُ عليه، إِذَ لَمْ يَرُدَّ العِلْمَ إليهِ، فقالَ: عَبْدٌ لي بِمَجْمَعِ
البحرينِ هُوَ أعلمُ منكَ. قالَ: أَيْ ربِّ، فكيفَ لي بهِ؟ قالَ: تأخذُ
حُوتاً، فتجعلهُ فِي مِكْتَلٍ (١)، فحيثُ ما فَقَدْتَ الحُوتَ، فهوَ ثَمَّ .
قال: فأخذَ الحُوتَ، فجعلَه في المِكْتَلِ ، فدفعهُ إلى فتاهُ، فانطلقا
حتَّى أتيا الصَّخرةَ، فرقدَ موسى، فاضطربَ الحُوتُ في المِكْتَلِ ،
فخرجَ، فوقعَ في البحرِ، فأمسكَ اللَّهُ عليه جَرْيةَ الماءِ فصارَ (٢) مثل
الطّاقِ(٣)، فكان البحرُ للحوتِ سرباً، ولموسى ولفتاهُ عجباً،
فانطلقا يمشيان .
فلما كان مِنَ الغدِ، وَجَدَ موسى النَّصَبَ فقالَ: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا
لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هُذا نَصَباً﴾ [الكهف: ٦٢] قالَ: وَلَمْ يجدِ النَّصَبَ
حتَّى جاوز المَكَانَ الَّذي أمره الله جلَّ وعلا، فقال له فتاه: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ
أَوَيْنَا إلى الصَّخْرَةِ فإِنِّي نَسِيتُ الحُوتَ وما أنسانِيهُ إِلَّ الشَّيْطَانُ أنْ
أَذْكُرَهُ﴾. قال: ﴿ذلِكَ مَا كُنَّا نبغي فَارْتَدًّا عَلَى آثارِهِمَا قَصَصَا﴾،
فجعلا يَقُصَّان آثارَهُما حتَّى أتيا الصَّخرةَ، فإِذا رجلٌ مسجَّى عليهِ
بثوبٍ، فسلَّمَ، فقالَ: وأنَّى بأَرْضِكَ السَّلامُ؟ قالَ: أنا موسى، قال:
(١) المكتل يسع خمسة عشر صاعاً.
(٢) سقطت من الأصل و((التقاسيم))، واستدركت من مصادر التخريج.
(٣) قال الإمام النووي ١٣٨/١٥: الجرية: بكسر الجيم، والطاق: عقد البناء،
وجمعه طِيقان وأطواق: وهو الأزج، وما عقد أعلاه من البناء وبقي
ما تحته خالياً .

١٠٦
الإِحسان في تقريب صحيح ابن حبان
موسى بني إسرائيل؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: يا موسى، إنِّي على عِلْمٍ مِنْ
علمِ اللَّهِ، علَّمنيهِ اللَّهُ لا تعلمُهُ، وأنتَ على علمٍ مِنْ علمِ اللَّهِ
علَّمكهُ لا أعلَمُهُ. قالَ: إِنِّي أريدُ أنْ أَتَّبِعَكَ على أنْ تعلمني ممَّا
عُلِّمْتَ رُشْداً، ﴿قال إِنَّك لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى
مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً قال سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صَابِرَاً ولا أَعْصِي لَكَ
أَمْرَأَ قَالَ فَإِنِ اتََّعْتَنِي فلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ
ذِكْراً﴾.
قالَ: فانطلقا يمشيانٍ على السَّاحلِ ، فمرَّتْ بهِ سفينةٌ، فعرفوا
الخَضِرَ، فحملوهُ بغيرِ نولٍ (١). قالَ: فلم يفجأ موسى إِلا وهَوَ يُنْزِلُ لوحاً مِنْ
ألواحِ السَّفينةِ، فقالَ لَهُ موسى: ماصنعتَ؟ قَوْمٌ حملوكَ بغيرِنَوْلٍ عَمَدْتَ إلى
سفينتهمْ، فخرقتَها ﴿لِتُغْرِقَ أهلها، لقد جِئْتَ شَيْئاً إمراً قَالَ أَلَمْ أَقُلْ
إِنَّك لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً. قالَ: لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْني
مِنْ أَمْرِي عُسْرَاً﴾ قالَ: فكانتِ الأولى مِنْ موسى نِسْياناً.
قالَ: وجاءَ عُصْفُورٌ، فوقعَ على حَرْفِ السَّفِينَةِ، فنقرَ بِمِنْقَارِهِ
في البحرِ، فقالَ الخَضِرُ لموسى: ما نَقَصَ عِلْمي وعِلْمُكَ مِنْ علمٍ
اللَّهِ إلا مثلَ ما نَقَصَ هذا العصفورُ بمنقارِهِ مِنَ البحرِ.
قالَ: ومَرُّوا على غِلْمَانٍ يلعبونَ، فقالَ الخَضِرُ لغُلامٍ منهمْ
(١) النول: الأجر، أو الجعل والعطاء.

١٠٧
٦٠ - كتاب التاريخ: ١ - باب بدء الخلق
بيدهِ هكذا، فاقتلعَ رأسَهُ، فقالَ لَهُ موسى: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْساً زاكِيَةً(١)
بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْرَاً، قَالَ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ: إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ
مَعِيَ صَبْرَاً؟ قَالَ: إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِيْنِي قَدْ بَلَغْتَ
مِنْ لَدُنِّي عُذْراً﴾ [الكهف: ٧٤ - ٧٦].
قالَ: فَأَتَيّا ﴿أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أهلهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا
فَوَجَدَا فِيها جِدَارَاً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾، فقالَ الخضرُ بيدِهِ هكذا، فأقامَه،
فقالَ لَهُ موسى: استطعمناهُمْ، فَأَبَوْا أنْ يُطْعِمُونا، واستضفناهُمْ،
فَأَبَوْا أنْ يُضَيِّقُونا، عمدتَ إلى حائِطِهِمْ، فأقمتَهُ! ﴿لَوْ شِئْتَ
لا تَّخَذْتَ عليه أجراً، قَالَ: هُذا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ
مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرَاً﴾، فقالَ رسولُ اللهِ وَّ: وَدِدْنَا أَنَّ مَوسى
كانَ صبرَ حتَّى يقصَّ علينا مِنْ أمرِهِمْ)).
وكانَ ابنُ عبَّاسٍ يقرأ: وأَمَّا الغلامُ كانَ كافراً وكانَ أبواهُ
مُؤمِنْنٍ، ويقرأُ: وكان أمامَهُمْ مَلِكٌ يأخذُ كلَّ سفينةٍ صالحةٍ غَصْبَاً (٢).
[٤:٣]
(١) هي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو، وقرأ الباقون: ((زكية)). انظر ((حجّة
القراءات)) ص ٤٢٤.
(٢) إسناده صحيح على شرط مسلم، عبد الجبّار بن العلاء من رجال مسلم،
ومن فوقه من رجال الشيخين. وقد تقدم الحديثُ عند المصنف بأخصر
مما هنا، وَمِن غير هذا الطريق برقم (١٠٢)، فانظر تخريجه والتعليق
عليه هناك.
٠٩١

١٠٨
الإِحسان في تقریب صحيح ابن حبان
ذِكْرُ البيانِ بأنَّ الغلامَ الذي قتله
الخضر لم يكن بمسلم.
٦٢٢١ - أخبرنا الحسنُ بنُ سفيانَ، حدَّثنا محمَّدُ بنُ خلَّاد الباهليُّ
أبو بكر، حدَّثنا معتمرُ بنُ سليمانَ، عن أبيه، عن رقبةً، عن أبي إسحاقَ، عن
سعيدِ بنِ جُبْرٍ ، عَنِ ابنِ عبّاسٍ
عَنْ أُبِيٍّ، قال: قال نبيُّ الله وََّ: ((إِنَّ الغُلامَ الَّذي قَتَلَهُ
الخَضِرُ طُبِعَ يومَ طُبِعَ كافراً))(١).
[٤:٣]
ذِكْرُ السببِ الذِي مِنْ أجلِه
سُمِّيَ الخَضِرُ خَضِراً
٦٢٢٢ - أخبرنا الحسنُ بنُ سفيان، حدثنا العباسُ بنُ عبدِ العظيم،
حَدَّثنا عبدُ الرزاق، أخبرنا مَعْمَرٌ، عن همَّام بنِ مُنَبِّهِ
(١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. رقبة هو ابن مصقلة، ويقال: مسقلة
العبدي. وأبو إسحاق: هو السبيعي، واسمه عمرو بن عبد الله.
وأخرجه أحمد وابنه عبد الله في ((زوائد المسند)) ١٢١/٥، ومسلم
(٢٣٨٠) (١٧٢) في الفضائل: باب من فضائل الخضر، و (٢٦٦١) في
القدر: باب معنى كل مولود يولد على الفطرة، وأبو داود (٤٧٠٥) في السنَّة:
باب في القدر، والبغوي في ((معالم التنزيل)) ١٧٤/٣ من طرق عن معتمر بن
سليمان، بهذا الإسناد.
وأخرجه أبو داود (٤٧٠٦)، والترمذي (٣١٥٠) في التفسير: باب ومن
سورة الكهف، من طريقين عن أبي إسحاق السبيعي، به، وقال الترمذي :
هذا حديث حسن صحيح غريب.

١٠٩
٦٠ - كتاب التاريخ: ١ - باب بدء الخلق
عن أبي هُريرة قال: قالَ رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّمَا سُمِّي الخَضِرُ
خَضِراً، لأنهُ جلسَ على فَرْوَةٍ بيضاءَ، فإِذا هي تَهْتَزُّ تَحْتَهُ خضراءَ(١))).
[٤:٣]
(١) إسناده صحيح على شرط مسلم، رجاله ثقات رجال الشيخين غير عبَّاس بن
عبد العظيم، فمن رجال مسلم. وهو في ((صحيفة همام)) برقم (١١٤).
وأخرجه أحمد ٣١٢/٢ و٣١٨، والترمذي (٣١٥١) في التفسير: باب
ومن سورة الكهف، والبغوي في ((معالم التنزيل)) ١٧٢/٣ من طريق عبد
الرزاق، بهذا الإسناد. وقال الترمذي: حسن صحيح.
وأخرجه البخاري (٣٤٠٢) عن محمد بن سعيد الأصبهاني، عن
ابن المبارك، عن معمر، به.
والفروة: أرضُ بيضاء ليس فيها نبات، وجاء في رواية أحمد ٣١٨/٢
زيادة: ((الفروة: الحشيش الأبيض وما يشبهه)).
وقال عبد الله بن أحمد بإثر هذه الرواية: أظن هذا تفسيراً من عبد
الرزاق.
قلت: اختلف أهل العلم هل كان الخضر نبياً أو ولياً، والصحيح
الذي تدعمه الأدلة أنه كان نبياً، فقد قال الله تعالى في خبره مع موسى
حكاية عنه: ﴿وما فعلته عن أمري﴾، قال الحافظ في ((الإصابة)) ٤٢٩/١:
وهذا ظاهره أنه فعل بأمر الله، والأصل عدم الواسطة ويحتمل أن يكون
بواسطة نبي آخر ولم يذكر وهو بعيد، ولا سبيل إلى القول بأنه إلهام، لأن
ذلك لا يكون من غير النبي وحياً حتى يعمل به ما عمل من قتل النفس،
وتعريض الأنفس للغرق، فإن قلنا: إنّه نبي، فلا إنكار في ذلك، وأيضاً،
فكيف يكون غير النبي أعلم من النبي، وقد أخبر النبي ◌َّ في الحديث أنّ
الله قال لموسى : ((بلى عبدنا خضر))، وأيضاً فكيف يكون النبي تابعاً
لغير نبي؟
وقد قال الثعالبي: هو نبي في سائر الأقوال.
=

١١٠
الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان
وكان بعض أكابر العلماء يقول: أول عقد يحل من الزندقة اعتقاد كون
الخضر نبياً، لأن الزنادقة يتذرعون بكونه غير نبي إلى أن الولي أفضل من
النبي كما قال قائلهم:
فويق الرسول ودون الولي
مقام النبوة في برزخ
وقال أبو حيان الأندلسي في تفسيره ((البحر المحيط)) ١٤٧/٦ :
والجمهور على أنه نبي وكان علمه معرفة بواطن قد أُوحيت إليه، وعلَّم
موسى الأحكام والفتيا بالظاهر.
والصواب الذي عليه المحققون من الأئمة أنه كما في ((الفتاوى))
١٠٠/٢٧ - ١٠١ ميت، وأنه لم يدرك الإِسلام، ولو كان موجوداً في زمان
النبي ، لوجب عليه أن يؤمن به، ويجاهد معه، كما أوجب ذلك عليه
وعلى غيره، ولكان يكون في مكة والمدينة، ولكان يكون حضوره مع
الصحابة للجهاد معهم، وإعانتهم على الدين أولى به من حضوره عند قوم
كفار، ليرفع لهم سفينتهم، ولم يكن مختفياً عن خير أمّة أخرجت للناس،
وهو قد كان بين المشركين، ولم يحتجب عنهم.
ثم ليس للمسلمين به وأمثاله حاجة لا في دينهم ولا في دنياهم، فإن
دينهم أخذوه عن الرسول وَّ النبي الأمي الذي علمهم الكتاب والحكمة،
وقال لهم نبيهم: ((لو كان موسى حيّاً ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم)).
وعيسى ابن مريم عليه السلام إذا نزل من السماء إنما يحكم فيهم
بكتاب ربّهم وسنة نبيّهم، فأي حاجة لهم مع هذا إلى الخضر وغيره.
وإذا كان الخضر حيَّاً دائماً، فكيف لم يذكر النبي وه# ذلك قط،
ولا أخبر به أمته، ولا خلفاؤه الراشدون.
وفي ((المنار المنيف)) ص ٦٧ - ٦٨: سئل إبراهيم الحربي عن تعمير
الخضر وأنه باق، فقال: من أحال على غائب لم ينتصف منه، وما ألقى هذا
بين الناس إلاّ شيطان.
وسئل البخاري عن الخضر وإلياس: هل هما أحياء؟ فقال: كيف يكون =

١١١
٦٠ - كتاب التاريخ: ١ - باب بدء الخلق
=
هذا؟ وقد قال النبي : ((لا يبقى على رأس مئة سنة من هو اليوم على
ظهر الأرض أحد)). قلت: رواه البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عمر.
وسئل عن ذلك كثير غيرهما من الأئمة فقالوا: ﴿وما جعلنا لبشر من قبلك
الخلد أفإن مت فهم الخالدون﴾، فالخضر إن كان بشراً فقد دخل في هذا العموم
لا محالة، ولا يجوز تخصيصه منه إلَّ بدليل صحيح، والأصل عدمه حتى
يثبت ولم يذكر ما فيه دليل على أن التخصيص عن معصوم يجب قبوله.
وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فقال: لوكان الخضر حيًّاً
لوجب عليه أن يأتي النبي ◌َّر، ويجاهد بين يديه، ويتعلم منه، وقد قال
النبي 148 يوم بدر: ((اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض))
(قلت: أخرجه مسلم من حديث ابن عمر) وكانوا ثلاث مئة وثلاثة عشر
معروفين بأسمائهم وأسماء آبائهم وقبائلهم، فأين كان الخضر حينئذٍ؟
وقال تعالى: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة
ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنّه. قال أأقررتم وأخذتم
على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين﴾.
قال ابنُ عباس: ما بعث، الله نبياً إلّ أخذ عليه الميثاق: لئن بعث محمد
وهو حيّ ليؤمنن به ولينصرنَّه. ذكره البخاري .
قال في («البداية)) ٣١٢/١. فالخضر إن كان نبيّاً أو ولياً، فقد دخل في
هذا الميثاق، فلو كان حيَّاً في زمن رسول الله ﴿ لكان أشرفَ أحواله أن
يكون بين يديه، يؤمِنُ بما أنزله الله عليه، وينصره أن يَصِلَ أحد من الأعداء
إليه، لأنه إن كان وليّاً فالصديقُ أفضل منه، وإن كان نبياً، فموسى أفضل
منه. وقد روى الإمام أحمد في («مسنده» ٣٨٧/٣ حدثنا شريح بن النعمان،
حدثنا هشيم، أنبأنا مجالد، عن الشعبي، عن جابر بن عبد الله أن
رسول الله * قال: ((والذي نفسي بيده لو أنَّ موسى كان حياً ما وسعه إلاّ أن
يتبعني)). وهذا الذي يقطع به ويعلم من الدين بالضرورة.
وقد دلت هذه الآية الكريمة أن الأنبياء كلهم، لو فرض أنهم أحياء =

١١٢
الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان
ذِكْرُ خبرٍ شنع به على منتحلي سُنن المصطفى
وَلَ مَنْ حُرم التوفيق لإدراك معناه
٦٢٢٣ - أخبرنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ الأزديُّ، حدثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ،
أخبرنا عبدُ الرَّزَّاقِ، أخبرنا معمرٌ، عَنِ ابنِ طاووس، عن أبيه
مكلفون في زمن رسول الله وَّر؛ لكانوا كلهم أتباعاً له، وتحت أوامره، وفي
عموم شرعه، كما أنه - صلوات الله وسلامه عليه - لما اجتمع معهم ليلة الإسراء
رُفع فوقهم كلهم، ولمّا هبطوا معه إلى بيت المقدس، وحانت الصلاة أمره
جبريل عن أمر الله أن يؤمهم، فصلَّى بهم في محل ولايتهم، ودار إقامتهم،
فدلَّ على أنه الإمام الأعظم، والرسول الخاتم المبجَّل المقدَّم، صلوات الله
وسلامه عليه وعليهم أجمعين .
فإذا عُلم هذا - وهو معلوم عند كل مؤمن - عُلم أنه لو كان الخضر
حيًَّ لكان من جملة أمَّ محمد ◌َّه، وممن يقتدي بشرعه لا يسعه إلاّ ذلك.
وهذا عيسى ابن مريم عليه السلام إذا نزل في آخر الزمان يحكم بهذه
الشريعة المطهرة، لا يخرج منها، ولا يحيد عنها، وهو أحد أولي العزم
الخمسة المرسلين وخاتم أنبياء بني إسرائيل.
والمعلوم أن الخضر لم يُنْقَل بسند صحيح ولا حسن تسكن النفوس
إليه أنه اجتمع برسول الله وَّر في يوم واحد، ولم يشهد معه قتالاً في مشهد
من المشاهد، وهذا يوم بدر يقول الصادق المصدوق - فيما دعا به لربه
عزّ وجلّ، واستنصره واستفتحه على من كفره -: ((اللهم إن تهلك هذه
العصابة لا تعبد بعدها في الأرض)). وتلك العصابة كان تحتها سادة
المسلمين يومئذٍ، وسادة الملائكة حتى جبريل عليه السلام، كما قال
حسَّان بن ثابت في قصيدة له، في بيت يقال: إنه أفخر بيت قالته العرب:
جبريلُ تحت لوائنا ومحمّدُ
وثبیرُ بدٍ إِذْ يَردُّ وجوهَهُم
فلو كان الخضر حيًّاً، لكان وقوفه تحت هذه الراية أشرف مقاماته،
وأعظم غزواته.
=

١١٣
٦٠ - كتاب التاريخ: ١ - باب بدء الخلق
عن أبي هريرة، عَنْ رسولِ الله ◌ِوَّ، قال: ((أُرْسِلَ ملكُ
الموتِ إلى موسى ليقبضَ رُوحَهُ، فلطمهُ موسى، ففقاً عينَهُ، قالَ:
فرجَع إلى ربِّهِ، فقالَ: يا ربِّ، أرسلتني إلى عبدٍ لا يُريدُ الموتّ؟
قالَ: ارجِعْ إليهِ، فقلْ: إِنْ شئتَ فَضَعْ يَدَلَ على متنِ ثورٍ، فلكَ
بكُلُّ ما غَّتْ يَدُكَ بكلِّ شعرةٍ سنة، قالَ: فقالَ لَهُ: ثُمَّ ماذا؟ قالَ: ثُمَّ
الموتُ. قالَ: فالآنَ يا ربّ. قالَ: فسألَ اللَّهَ أنْ يُدْنِيَهُ مِنَ الأرضِ
المُقدَّسةِ رميةً حجٍ)). فقالَ رسولُ اللَّهِ وَهِ: (لو (١) كنتُ ثَمَّتَ،
لُأَرَيْتُكم موضعَ قبرِه إلى جانب الطور تحت الكثيب الأحمر(٢)).
(١) من هنا إلى قوله: ((مثله)) في آخر الحديث سقط من الأصل، واستدرك من
((التقاسيم)) ٣/ لوحة ٢٩٧.
(٢) إسناده صحيح على شرط الشيخين. ابن طاووس: اسمه عبد الله، وهو في
((مصنف عبد الرزاق)) (٢٠٥٣٠).
قلت: المشهور عن عبد الرزاق وقفه على أبي هريرة، فقد أخرجه من
طريقه أحمد ٢٦٩/٢، والبخاري (١٣٣٩) في الجنائز: باب من أحب الدفن
في الأرض المقدسة، و(٣٤٠٧) في الأنبياء: باب وفاة موسى، ومسلم
(٢٣٧٢) (١٥٧) في الفضائل: باب من فضائل موسى ◌َّ، والنسائي
١١٨/٤ - ١١٩ في الجنائز: باب نوع آخر في التعزية، وابن أبي عاصم
في ((السنَّة)) (٥٩٩)، والبيهقي في ((الأسماء والصفات)) ص ٤٩٢ عن معمر،
عن همام، عن أبي هريرة موقوفاً.
وأخرج أحمد ٥٣٣/٢، والطبري في ((التاريخ)) ٤٣٤/١ من طرق عن
حماد بن سلمة، عن عمار بن أبي عمار، عن أبي هريرة، قال: قال
رسول اللّه الله: ((كان ملك الموت يأتي الناس عياناً، قال: فأتى موسى،
فلطمه ففقاً عينيه ... )).
=

١١٤
الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان
قال معمر: وأخبرني مَنْ سَمِعَ الحسن يُحَدِّثُ عن رسول
[٤:٣]
الله ﴿ل﴾ مثله(١).
قال أبو حاتم: إنَّ الله جلَّ وعلا بعث رسولَ اللهِ وَلَهُ مُعَلَّمَاً
لخلقِه، فأنزله مَوْضِعَ الإِبانةِ عن مراده، فبلَّغَ نَّهِ رِسالَته، وبيَّن عَنْ
آياته بألفاظٍ مُجْمَلَةٍ ومفسَّرة، عَقَلَها عنه أصحابُه أو بعضُهم،
وهذا الخَبَرُ مِنَ الأخبار الَّتِي يُدْرِكُ معناه مَنْ لَمْ يُحَرَمِ التَّوفيقَ لإِصابة
الحقِّ.
وذاك أنَّ الله جلَّ وعلا أرسلَ مَلَكَ المَوْتِ إلى موسى رسالةً
ابتلاءٍ واختبارٍ، وأمرَهُ أن يقولَ له: أَجِبْ رَبَّكَ، أمر اختبارٍ وابتلاءٍ،
لا أمراً يُرِيدُ الله جلَّ وعلا إمضاءَه كما أمر خليلَه صلى الله على نبينا
وعليه بذبح ابنهِ أمر اختبارٍ وابتلاءٍ دُونَ الأمر الذي أراد الله جلَّ وعلا
إمضاءَه، فلمَّا عزم على ذبح ابنِه، وتَلَّهُ للجبينِ، فداه
بالذِّبحِ العظيمِ .
وقد بعثَ الله جلَّ وعلا الملائِكَةَ إلى رُسُله في صُوَرٍ
لا يعرفُونَهَا، كدُخول الملائكة على رسولِه إبراهيمَ ولم يعرِفْهم،
=
وقوله ((على متن ثور)): المتن: الظهر، يذكر ويؤنث، وقوله: ((والكثيب
الأحمر)) الكثيب: القطعة المجتمعة من الرمل محدودية.
(١) هو في ((مصنف عبد الرزاق (٢٠٥٣٢)، ومن طريقه أخرجه البيهقي في
((الأسماء والصفات)) ص ٤٩٣ .. وانظر ما بعده.

١١٥
٦٠ - كتاب التاريخ: ١ - باب بدء الخلق
حتَّى أوجسَ منهم خيفَةً، وكمجيءٍ جبريلَ إلى رسول الله ◌َّ وسؤاله
إِيَّه عَنِ الإِيمانِ والإِسلامِ، فلم يعرفْهُ المصطفى ◌َِّ حَتَّى وَلَّى.
فكان مجيءُ مَلَكِ الموت إلى موسى على غيرِ الصُّورَةِ الَّتي
كان يعرِفُه موسى عليه السَّلامُ عليها، وكان موسى غيوراً، فرأى في
داره رَجُلًا لم يعرِفْهُ، فشال يَدَهُ فَلَطَمَهُ، فَأَتَتْ لَظْمَتُهُ على فَقْءٍ عِينِه
الَّتي في الصُّورةِ الَّتِي يَتَصَّورُ بها، لا الصُّورةِ الَّتِي خَلَقَه الله عليها،
ولمَّا كان المصرَّحِ عَنْ نِبِيَّنَا وَِّ في خبرِ ابنِ عبَّاس، حيث قال:
((أمَّني جبريلُ عِنْدَ البيتِ مرَّتين))، فذكر الخَبَرَ. وقال في آخره:
(هذا وَقْتُكَ وَوَقْتُ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَكَ)): كان في هذا الخبرِ البيانُ الواضحُ
أنَّ بعضَ شرائِعِنا قد تَتَّفِقُ ببعض شرائعٍ مَنْ قبلنَا مِنَ الأَمَمِ.
ولمَّا كانَ مِنْ شريعَتِنَا أن مَنْ فقأْ عَيْنَ الدَّاخل دارَه بغيرِ إذنه،
أوِ النَّاظِرِ إلى بيته بغيرِ أمرِهِ مِنْ غير جُنَاحٍ على فاعِلِهِ، ولا حَرَجٍ
على مُرْتَكِه، للأخبار الجَمَّةِ الوارِدَةِ فيه الَّتي أمليناها في غيرِ موضعٍ
مِنْ كُتُبنا -: كان جائزاً اتَّفاق هذه الشَّريعة بشريعة موسى بإسقاط
الحَرَجِ عمَّن فقأْ عَيْنَ الدَّاخلِ داره بغير إذنه، فكان استعمالُ موسى
هذا الفعلَ مباحاً له، ولا حرج عليه في فعلِه.
فلمَّا رَجَعَ مَلَكُ الموتِ إلى ربِّه، وأخبره بما كان مِنْ موسی فیه،
أَمَرَهُ ثانياً بأمرٍ آخرَ، أمرَ اختبارٍ وابتلاءٍ كما ذكرنا قبلُ، إِذ قال الله له:
قل له: إن شئت، فضع يَدَََ على متنِ ثورٍ، فلك بكلِّ ما غطَّت يدُك بكلِّ
شعرةٍ سنة، فلما عَلِمَ موسى كَلِيمُ الله صلَّى الله على نبيِّنا وعليه أنَّه

١١٦
الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان
مَلَكُ الموت، وأَنَّه جاءَه بالرِّسالة مِنْ عندِ الله، طابت نفسُه بالموت،
ولم يَسْتَمْهِل، وقال: فالآنَ.
فلو كانتِ المرَّةُ الأولى عرفه موسى أنَّه مَلَكُ الموت، لَاسْتَعْمَلَ
ما استعمَل في المَرَّة الأُخْرى عند تيقُنه وعلمِه به، ضِدَّ قَوْلِ مَنْ زعم أنَّ
أصحابِ الحديثِ حَمَّالةُ الحطب، ورُعَاةُ الَّليل، يَجْمَعُون
ما لا يَنْتَفِعُون به، ويروون ما لا يُؤجرون عليه، ويقولون بما يُبطِلُه
الإِسلامُ، جهلاً منه لمعاني الأخبار، وتركَ التَّفَقُّهِ في الآثار، معتمداً
منه على رأيه المنكوس ، وقياسِهِ المعكوسٍ (١).
ذِكْرُ لفظةٍ تُوهم عالماً مِنَ النَّاسِ أنَّ التَّأويلَ
الَّذي تأوَّلناه لهذا الخبرِ مدخولٌ
٦٢٢٤ - أخبرنا محمَّدُ بنُ الحسنِ بنِ قتيبةً، حدَّثنا ابنُ أبي السَّريِّ،
حدَّثنا عبدُ الرَّزَّاقِ، أخبرنا معمرٌ، عن همَّام بنِ مُنِّهِ
عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((جاءَ مَلَكُ الموتِ
إلى موسى. لِيَقْبِضَ رُوحَهُ، فقالَ لَهُ: أَجِبْ رَبَّك، فَلَطَمَ موسى عَيْنَ
مَلَكِ الموتِ، ففقاً عينَهُ، فرجَع مَلَكُ الموتِ إلى ربِّهِ، فقالَ:
يا ربِّ، أرسَلْتَني إلى عَبْدٍ لا يُرِيدُ الموتَ، وَقَدْ فقأَ عيني، فردَّ اللَّهُ
(١) نقل الأستاذ العلامة أحمد شاكر كلام المصنف هذا بطوله في تعليقه على
((المسند)) ٦٦/١٤، وأورده مختصراً الحافظ ابن كثير في ((البداية والنهاية))
٢٩٦/١، ونقل الحافظ في ((الفتح)) ٤٤٢/٦ نحواً منه عن ابن خزيمة شيخ
المؤلف. وانظر ((الأسماء والصفات)) ص ٤٩٣، و((شرح السنة)) ٢٦٦/٥.

١١٧
٦٠ - كتاب التاريخ: ١ - باب بدء الخلق
عليه عَيْنَهُ، فقالَ لَهُ: ارجِعْ إليه، فقل له: الحياةَ تريدُ، فإن كنتَ
تريدُ الحياةَ، فَضَعْ يَدََ على مَتْنِ ثورٍ، فإنَّكَ تَعِيشُ بكلِّ شَعْرَةٍ وارَتْ يَدَُ
سنةً، قالَ: ثُمَّ مَهْ؟ قالَ: المَوْتُ، قالَ: فالآن مِنْ قريبٍ، ثُمَّ قالَ:
ربِّ أَدْنِي مِنَ الأرض المُقدَّسةِ رميةً بِحَجَرٍ، قالَ رسولُ اللّهِ وَ﴾: لو
أَنِّي عِنْدَهُ لَأَرَيْتُكُمْ قبرهُ إلى جنبِ الطَّريقِ عندَ الكثيب الأحمرِ (١)).
قال أبو حاتم : هذه اللَّفظة ((أجب ربك)) قد تُوهِمُ
مَنْ لم يتبخّر في العلمِ أنَّ التَّأويلَ الَّذي قلناه للخبر مَدْخُولٌ، وذلك
في قولِ مَلَكِ الموت لموسى: ((أَجِبْ رَبَّك)) بيان أنَّه عرفه، ولیس
كذلك، لأنَّ موسى عليه السَّلامُ لمَّا شال يده ولطمه، قال له:
((أجب رَبَّك))، تَوَهَّمَ موسى أنَّه يتعوذ بهذه اللَّفظة دُون أن يكونَ
رسولَ الله إليه، فكان قولُه: ((أجب ربَّك)) الكشفَ عن قصدِ البداية
في نفس الابتلاء والاختبار الذي أُريد منه.
ذِكْرُ تخفيفِ اللَّهِ جلَّ وعلا قراءةَ الزَّبُور
على داودَ نبيِّ الله عليه السَّلامُ
٦٢٢٥ - أخبرنا ابنُ قتيبةَ، حدَّثنا ابنُ أبي السَّرِيِّ، حدَّثنا عبدُ الرَّزَّاقِ،
(١) حديث صحيح. ابن أبي السري وهو محمد بن المتوكل قد توبع، ومن
فوقه على شرطهما. وهو في ((صحيفة همام)) (٦٠)، وفي ((مصنف
عبد الرزاق)) (٢٠٥٣١).
ومن طريق عبد الرزاق أخرجه أحمد ٣١٥/٢، والبخاري بإثر الحديث
(٣٤٠٧) في الأنبياء: باب وفاة موسى، ومسلم (٢٣٧٢) (١٥٨) في
الفضائل: باب من فضائل موسى بَله، والبيهقي في ((الأسماء والصفات))
ص ٤٩٣، والبغوي (١٤٥١).

١١٨
الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان
أخبرنا معمر، عن همّام بنِ مُنَبِّهِ
عن أبي هريرةَ، عن رسولِ اللهِ لَّهِ، قال: ((خُفِّفَ على داودَ
القراءةُ، فكانَ يأمرُ بدأبَّتِهِ أنْ تُسْرَجَ، فيفرغُ مِنْ قراءَةِ الزَّبُورِ
قبلَ أنْ تُسْرَجَ دابْتُهُ))(١).
[٤:٣]
ذِكْرُ نفي الفِرار عندَ الملاقاة عن نبيِّ
الله داود عليه السّلام
٦٢٢٦ - أخبرنا أبو يعلى، حدَّثنا القواريريُّ، حدَّثنا عبدُ الرَّحمن بنُ.
مهديٍّ. حذَّثنا شعبةُ، حدَّثنا حبيبُ بنُ أبي ثابتٍ، قال: سَمِعْتُ أبا
العبّاس یحدِّث
عن عبدِ الله بن عمرو، قال: قال لي رسولُ اللهِوَِّ: ((أَلَمْ
أُخْبَرْ أنَّكَ تَصُومُ النَّهَارَ، وتَقُومُ الَّيلَ؟ إِذا فعلتَ ذلكَ، هَجَمَتْ لكَ
العَيْنُ، ونَقِهَتْ لكَ النَّفْسُ، لا صامَ مَنْ صامَ الأبدَ، صَوْمُ ثلاثةِ أَيَّامٍ
(١) حديث صحيح. ابن أبي السري متابع، ومن فوقه على شرط الشيخين،
والحديث في ((صحيفة همام)) برقم (٤٨).
وأخرجه أحمد ٣١٤/٢، والبخاري (٣٤١٧) في الأنبياء: باب قول
الله تعالى: ﴿وآتينا داود زبوراً﴾، و(٤٧١٣) في تفسير سورة الإسراء: باب
﴿وآتينا داود زبوراً﴾، والبغوي (٢٠٢٧) من طريق عبد السرزاق،
بهذا الإسناد.
وأخرجه البخاري في ((خلق أفعال العباد)) ص ١١٥، والبيهقي في
((الأسماء والصفات)» ص ٢٧٢ عن أحمد بن حفص النيسابوري، حدثني
أبي، حدثني إبراهيم بن طهمان، عن موسى بن عقبة، عن صفوان بن
سليم، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة.

١١٩
٦٠ - كتاب التاريخ: ١ - باب بدء الخلق
مِنْ كلِّ شهرٍ صومُ الدَّهرِ، إنَّ داودَ كانَ يصومُ يوماً ويُفْطِرُ يوماً،
ولا یفِرُّ إِذا لاقی)»(١).
[٤:٣]
ذِكْرُ السَّبب الَّذِي منه كان يتقوَّتُ
داودُ عليه السَّلام
٦٢٢٧ - أخبرنا ابنُ قتيبةَ، حدَّثنا ابنُ أبي السَّريِّ، حدَّثنا عبدُ الرَّزَّاقِ،
أخبرنا مَعْمَرٌ، عن همَّام بنِ منِّهٍ
عن أبي هريرة، قال: وقال رسولُ اللهِوَله: ((كانَ داودُ
لا يأكلُ إلا مِنْ عَمَلِ يَدِهِ)(٢).
[٤:٣]
(١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. القواريري: هو عُبيد الله بن عمر،
وأبو العبّاس: هو السائب بن فروخ، وقد تقدَّم تخريجه برقم (٣٥٧١).
(٢) حديث صحيح. ابن أبي السري متابع، ومن فوقه على شرط الشيخين.
وهو في ((صحيفة همام)) برقم (٤٨).
وأخرجه البخاري (٢٠٧٣) في البيوع: باب كسب الرجل وعمله بيده،
من طريق عبد الرزاق، بهذا الإسناد.
وأخرجه الطبراني في ((الصغير)) (١٧)، وفي ((الأوسط)) (١٢٠٥) عن
أحمد بن مطير الرملي، حدثنا محمد بن المتوكل بن أبي السري، حدثنا
الوليدُ بن مسلم، عن الأوزاعي، عن معمر، به.
وقال الطبراني: لم يروه عن الأوزاعي إلَّ الوليد، تفرَّد به
ابن أبي السري!
وانظر تخريج الحديث المتقدم برقم (٦٢٢٥).
قال الحافظ في ((الفتح)) ٣٠٦/٤: الحكمة في تخصيص داود بالذكر
أن اقتصاره في أكله على ما يعمله بيده لم يكن من الحاجة، لأنه كان خليفة
في الأرض كما قال الله تعالى، وإنما ابتغى الأكل من طريق الأفضل، ولهذا =

١٢٠
الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان
ذِكْرُ الخبرِ المُدحض قولَ مَنْ زعم أنَّ
بين إسماعيل وداود ألف سنة
٦٢٢٨ - أخبرنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ الأزديُّ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ
إبراهيمَ، قال: أخبرنا عيسى بنُ يونسَ، قال: حدَّثنا الأعمشُ، عن إبراهيم
النَّميِّ، عن أبيه
عن أبي ذر، قال: قلت: يا رسولَ اللَّهِ، أَيُّ مسجدٍ وُضِعَ
في الأرضِ أوَّلُ؟ فقالَ: ((المسجدُ الحرام)). قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ،
ثُمَّ أيُّ؟ قالَ: ((المسجدُ الأقصى))، قلتُ: فَكَمْ بَيْنِهُما؟ قالَ:
((أربعونَ سنةً، ثُمَّ حيثُ ما أدركَتْكَ الصَّلاةُ، فصلٍّ، فهوَ
لكَ مَسجدٌ))(١).
[٣٩:٤]
ذِكْرُ البيان بأنَّ أيوب عند اغتساله
أمطر علیه جراد مِن ذهب
٦٢٢٩ - أخبرنا الحسنُ بنُ سفيانَ، حدَّثنا عبَّاسُ بنُ عبدِ العظيم،
حدَّثنا عبدُ الرَّزَّاقِ، أخبرنا معمر، عن همَّام بن مُنَبِّهٍ
أورد النبي ◌َّر قصته في مقام الاحتجاج بها على ما قدَّمه من أن خير الكسب
عمل اليد، وهذا بعد تقرير أن شرع من قبلنا شرع لنا، ولا سيما إذا ورد في
شرعنا مدحه وتحسينه مع عموم قوله تعالى: ﴿فبهداهم اقتده﴾. وفي
الحديث: أن التكسب لا يقدح في التوكل، وأن ذكر الشيء بدليله أوقع في
نفس سامعه .
(١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. عيسى بن يونس: هو ابن أبي إسحاق
السبيعي، وإبراهيم التيمي: هو ابن يزيد بن شريك. وقد تقدم تخريجه
برقم (١٥٩٨).
=