Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
٤٤ - كتاب الحظر والإِباحة: ٩ - باب الكذب
الأدب: باب في إصلاح ذات البين، والترمذي (١٩٣٨) في البر والصلة:
باب ما جاء في إصلاح ذات البين، والطحاوي ٨٦/٤ - ٨٧ ٨٧،
والطبراني في ((الصغير)) (٢٨٢)، وفي (الكبير)) ٢٥/(١٨٣) و(١٨٤)
و(١٨٥) و(١٨٦) و(١٨٧) و(١٨٩) و(١٩٠) .... و(٢٠١)، والبيهقي
في ((السنن)) ١٩٧/١٠ و١٩٧ - ١٩٨، وفي ((الآداب)) (١٣١)، والبغوي
(٣٥٣٩) من طرق عن الزهري، به. وعند بعضهم زيادة، وهي: ((وقالت أم
كلثوم: ولم أسمعه يرخص في شيء مما يقول الناس كذب إلا في ثلاث:
الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته، وحديث
المرأة زوجها)).
وأخرجه الطبراني ٢٥/(٢٠٢) من طريق فضيل بن سليمان، عن
حميد، به.
وأخرجه أيضاً ٢٥/(٢٠٣) من طريق سعد بن إبراهيم، عن أبي
سلمة بن عبد الرحمن، عن أم كلثوم.
وقوله: ((فينمي خيراً)) هو بفتح الياء وكسر الميم، أي: يبلغ ويرفع،
وكل شيء رفعته، فقد نميته، يقال: نميتُ الحديثَ أنميه: إذا بلغته على وجه
الإِصلاح، وطلب الخير، فإذا بلغته على وجه النميمة، وإفساد ذات البين،
قلت: نمیته بتشديد المیم.
وقوله: ((أو يقول خيراً)): هو شك من الراوي، قال الحافظ في ((الفتح)
٢٩٩/٥ - ٣٠٠: قال العلماء: المراد هنا أنه يخبر بما علمه من الخير،
ويسكت عما علمه من الشر، ولا يكون ذلك كذباً، لأن الكذب الإخبار
بالشيء على خلاف ما هو به، وهذا ساكت، ولا ينسب لساكت قول، ولا حجة
فيه لمن قال: يشترط في الكذب القصد إليه، لأن هذا ساكت، وما زاده مسلم
والنائي (في السنن الكبرى) من رواية يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه
في آخره: ((ولم أسمعه يرخص في شيء مما يقول الناس: إنه كذب، إلا في
ثلاث)) فذكرها، وهي الحرب، وحديث الرجل لامرأته، والإِصلاح بين =

٤٢
الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان
٠
الناس. وأورد النسائي أيضاً هذه الزيادة من طريق الزبيدي عن ابن شهاب،
وهذه الزيادة مدرجة، بين ذلك مسلم في روايته من طريق يونس عن
الزهري .. ، فذكر الحديث، قال: وقال الزهري، وكذا أخرجها النسائي مفردة
من رواية يونس، وقال: يونس أثبتُ في الزهري من غيره، وجزم موسى بن
هارون وغيره بإدراجها .
قال الطبري: ذهبت طائفة إلى جواز الكذب لقصد الإصلاح، وقالوا: إن
الثلاث المذكورة كالمثال، وقالوا: الكذب المذموم إنما هو فيما فيه مضرة،
أو ما ليس فيه مصلحة.
وقال آخرون: لا يجوز الكذب في شيء مطلقاً، وحملوا الكذب المراد
هنا على التورية والتعريض، كمن يقول للظالم: دعوتُ لك أمس، وهو يريد
قوله: اللهم اغفر للمسلمين، ويعد امرأته بعطية شيء، ويريد: إن قدر الله
ذلك، وأن يظهر من نفسه قوة. قلت: وبالأول جزم الخطابي وغيره، وبالثاني
جزم المهلب والأصيلي وغيرهما .
قال أبو سليمان الخطابي في ((معالم السنن)) ١٢٣/٤ - ١٢٤، ونقله
عنه البغوي في ((شرح السنّة)) ١١٩/١٣: هذه أمور قد يضطرُّ الإِنسان فيها إلى
زيادة القول، ومجاوزة الصدق طلباً للسلامة ورفعاً للضرر، وقد رخص في
بعض الأحوال في اليسير من الفساد، لما يؤمَّل فيه من الصلاح، فالكذبُ في
الإصلاح بين اثنين: هو أن يُنْمي من أحدهما إلى صاحبه خيراً، ويبلُّغه
جميلاً، وإن لم يكن سمعه منه، يريد بذلك الإصلاح، والكذب في الحرب:
هو أن يُظهر من نفسه قوة، ويتحدث بما يقوي أصحابه، ويكيدُ به عدوّه، وقد
رُوي عن النبي ◌َّ أنه قال: ((الحربُ خدعة)) (متفق عليه)، وأما كذب
الرجلِ زوجته فهو أن يَعِدَها ويُمِنِّيِها، ويُظهر لها من المحبة أكثر مما في
نفسه، يستديمُ بذلك صُحبتها، ويستصلح بها خُلقَها، والله أعلم.
وقال سفيان بن عيينة: لو أن رجلاً اعتذر إلى رجلٍ، فحرَّف الكلام
وحسَّنه ليرضيّه بذلك، لم يكن كاذباً، يتأوَّل الحديث ((ليس بالكاذب من =
=

٤٣
٤٤ - كتاب الحظر والإِباحة: ٩ - باب الكذب
ذِكْرُ الزجرِ عن تعوُّد المرءِ الكذِبَ في كلامه
إذ الكَذِبُ مِنَ الفُجُودِ
٥٧٣٤ - أخبرنا أبو يعلى، قال: حَدَّثنا إسحاقُ بنُ إسماعيل الطالقاني،
قال: حدثنا روحُ بنُ عُبادةَ، حَدَّثنا شعبةٌ، قال: حَدَّثْني يزيدُ بنُ خُميرٍ، قال:
سمعتُ سُلَيْمَ بنَ عامٍ يُحَدِّثُ
عن أوسط بنِ إسماعيلَ، قال: سَمِعْتُ أبا بكر الصِّديق يقولُ:
قالَ رسولُ اللهِ وَّه: ((عَلَيْكُمْ بالصِّدْقِ، فإنَّهُ مع البرِّ، وهُمَا في الجَنَّةِ،
وإِيَّكُمْ والكَذِبَ، فإنَّهُ مَعَ الفُجُورِ، وهُمَا في النَّارِ)) (١).
[٢ : ٨٤]
أصلح بين الناس)) قال: فإصلاحه ما بينه وبين صاحبه، أفضل من إصلاحه
ما بَيْنَ الناس.
قال الحافظ: واتفقوا على أن المراد بالكذب في حق المرأة والرجل إنما
هو فيما لا يسقط حقاً عليه أو عليها، أو أخذ ما ليس له أولها، وكذا في
الحرب في غير التأمين، واتفقوا على جواز الكذب عند الاضطرار، كما
لو قصد ظالم قتل رجل وهو مختف عنده، فله أن ينفي كونه عنده، ويحلف
على ذلك ولا يأثم، والله أعلم.
(١) إسناده صحيح، إسحاق بن إسماعيل الطالقاني روى له أبو داود، وهو ثقة، ومن
فوقه ثقات من رجال الصحيح غير أوسط بن إسماعيل، فقد روى له النسائي
وابن ماجه وهو ثقة.
وأخرجه أحمد ٧/١ عن روح بن عبادة، بهذا الإِسناد.
وأخرجه الطيالسي ص ٣، والحميدي (٧)، وأحمد ٣/١ و ٥،
والبخاري في ((الأدب المفرد)) (٧٢٤)، وابن ماجة (٣٨٤٩) في الدعاء: باب
الدعاء بالعفو والعافية، والمروزي في ((مسند أبي بكر)) (٩٢) و(٩٣)
و (٩٥)، وأبو يعلى (١٢١) من طرق عن شعبة، به. وقد تحرف يزيد بن خمير
في ((الأدب المفرد)) إلى: سويد بن حجير.
=

٤٤
الإِحسان في تقريب صحيح ابن حبان
ذِكْرُ البيانِ بأنَّ الكَذِبَ یُسوِّدُ وجهَ
صاحبه في الدارين
٥٧٣٥ - أخبرنا أبو يعلى، قال: حَدَّثنا عُقبةُ بنُ مكرم، قال: حدثنا
يونسُ بنُ بُكَيْرٍ، قال: حَدَّثنا زيادُ بنُ المنذر، عن نافع بن الحارث
عن أبي بَرْزَةً قال: سَمِعْتُ رسول اللهلَّهُ يقولُ: ((ألا إنَّ
الكَذِبَ يُسَوِّدُ الوَجْهَ، والنميمة مِنْ عَذاب القَبْرِ))(١).
[٩:٢]
ذِكْرُ البيانِ بأنَّ الكَذِبَ كان مِنْ أبغضِ الأخلاق
إلى رسولِ الله (#
٥٧٣٦ - أخبرنا عُمَرُ بنُ محمد الهَمْدَانِيُّ، حدثنا محمدُ بنُ
عبد الملك بن زَنْجُويَه، أخبرنا عَبْدُ الرَّزَّاق، أخبرنا مَعْمَرٌ، عن أيوبَ، عن
ابن أبي مُلَيْكَةً
=
وأخرجه أحمد ٨/١، والنسائي في ((عمل اليوم والليلة)) (٨٨٣) من
طريق معاوية بن صالح، عن سلیم، به.
وأخرجه أحمد ٩/١، والمروزي (٦)، والنسائي (٨٨٥)، وأبو يعلى
(٨) من طريق عمر بن الخطاب، عن أبي بكر.
وأخرجه أحمد ٨/١ و١١ من طريق أبي عبيدة، عن أبي بكر.
(١) إسناده ضعيف جداً، زياد بن المنذر - وهو أبو الجارود الثقفي - اتفقوا على
ضعفه، وكذبه يحيى بن معين، وقد التبس أمره على المؤلف، فذكره في
((الثقات)) ٣٢٦/٦ -٣٢٧، وفي ((المجروحين)) ٣٠٦/١، ظناً منه أنهما
اثنان، مع أنه هو هو كما نبه عليه الحافظ في («التهذيب)»، ونافع بن الحارث
ذكره المؤلف في ((الثقات)) ٤٧١/٥، وقال البخاري: لم يصح حديثه،
وهو كوفي. والحديث في ((مسند أبي يعلى)) ورقة ٢/٣٤٧.
وذكره الهيثمي في ((المجمع)) ٩١/٨ وقال: رواه أبو يعلى والطبراني،
وفيه زياد بن المنذر وهو كذاب.

٤٥
٤٤ - كتاب الحظر والإباحة: ٩ - باب الكذب
عن عائِشَةَ، قالت: ما كانَ خُلُقٌ أَبْغَضَ إلى رَسُولِ اللهِوَ مِنَ
الكَذِبِ، وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يَكْذِبُ عندَه الكذبة، فَمَا تَزَالُ فِي نَفْسِهِ
حَتَّى يَعْلَمَ أنه قَدْ أَحْدَثَ مِنها تَوْبَةً(١).
[٢ : ٩]
ذِكْرُ الخبرِ الدال على إباحةٍ قَوْلِ المرءِ الكذبَ في
المعارِیضِ يُريدُ به صيانةً دينه ودُنياه
٥٧٣٧ - أخبرنا عَبْدُ الله بنُ محمد الأزديُّ، حَدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيم
الحنظليُّ، أخبرنا النَّضْرُ بنُ ثُمَيْلٍ أخبرنا هِشَامُ بنُ حسان، عن محمدٍ
عن أبي هُريرة، عن رسولِ الله ◌َِّ قال: ((لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ
قَطُّ إِلّ ثلاثاً: اثنتين في ذاتِ اللَّهِ، قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾
[الصافات: ٨٩]، وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَه كَبِيرُهُم هذا﴾ [الأنبياء: ٦٣]،
قال: ومَرَّ على جَبَّارٍ من الجبابرةِ ومعهُ امرأتُه سَارَةُ، فقيلَ لَهُ: إِنَّ
(١) إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين غير محمد بن عبد الملك بن
زنجويه، فقد روى له أصحاب السنن، وهو ثقة. أيوب: هو ابن أبي تميمة
السختياني، وابن أبي مليكة: هو عبد الله بن عبيد الله بن عبد الله .
وهو في ((مصنف عبد الرزاق)) (٢٠١٩٥).
ومن طريق عبد الرزاق أخرجه أحمد ١٥٢/٦، والترمذي (١٩٧٣) في
البر والصلة: باب ما جاء في الصدق والكذب ، والبيهقي ١٩٦/١٠، والبغوي
(٣٥٧٦). وعند عبد الرزاق وأحمد: ((عن ابن أبي مليكة أو غيره)).
وأخرجه البيهقي ١٩٦/١٠ من طريق محمد بن مسلم، عن أيوب،
بهذا الإِسناد.
وأخرجه الحاكم ٩٨/٤ من طريق ابن وهب، عن محمد بن مسلم، عن
أيوب، عن محمد بن سيرين، عن عائشة. وصححه ووافقه الذهبي .

٤٦
الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان
رجلاً ها هنا مَعَهُ امرأةٌ مِنْ أَحْسَنِ الناسِ ، قالَ: فأرسلَ إليهِ فأتاهُ،
فدخلَ عليهِ، فسألهُ، فقالَ: هذه أُختي، قالَ: فأتاها، فقالَ لها: إنَّ
هذا قد سألني عنكِ وإني أَنْبَأْتُه أنكِ أُخْتِي، وإنكِ أُختي فِي كِتَابٍ
اللَّهِ، فلا تُكَذِّبيني، قالَ: فلما رآها ذَهَبَ لِيَأْتِيَهَا، فَدَعَتِ اللَّهَ،
فَأُخِذَ، فقالَ: ادعِي اللَّهَ لي، ولَكِ عَلَيَّ أنْ لا أَعُودَ، فَدَعَتْ لَهُ، ثُم
ذهبَ لِيَأْتِيْهَا، فَدَعَتْ، فَأُخِذَ أخذةً هي أَشَدُّ مِنَ الْأُولى، فقالَ:
ادْعِي اللَّهَ لي، ولَكِ عَلَيَّ أنْ لا أَعُودَ فَدَعَتْ لَهُ، فَذَهَبَ لِيأتيها،
فَدَعَتْ، فَأُخِذَ أخذةً هي أَشَدُّ مِنَ الْأُولبين، فقالَ: ادعي اللَّهَ لي
ولَكِ عَلَيَّ أَنْ لا أَعُودَ، فَدَعَتْ لَهُ، فَأُرْسِلَ، فقالَ لأدنى حَجَبَتِه
عِنْدَهُ: إنكَ لَمْ تَأتني بإنسانٍ إِنَّمَا أَتَيْتَنِي بِشَيْطَانٍ، وأخدمها هاجر،
فلما رآها إبراهيمُ، قَالَ: مَهْيَمْ؟ قالَتْ: كفى الله كيدَ الكافرِ الفاجرِ،
وأخدمها هَاجَرَ))، قال: فكان أبو هريرة إذا حَدَّث بهذا الحديثِ،
قال: تِلْكَ أُمُّكُمْ يا بَنِي ماءِ السَّمَاءِ، قال: ومَدَّ النضرُ صوتَه(١). [٣: ٤]
(١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. محمد: هو ابن سيرين.
وأخرجه أبو داود (٢٢١٢) في الطلاق: باب في الرجل يقول لامرأته:
يا أختي، والنسائي في ((الكبرى)) كما في ((التحفة)) ٣٥٧/١٠ من طريقين عن
هشام بن حسان، بهذا الإِسناد.
وأخرجه البخاري (٣٣٥٧) و (٣٣٥٨) في الأنبياء: باب قول الله
تعالى: ﴿واتخذ الله إبراهيم خليلاً﴾، و(٥٠٨٤) في النكاح: باب اتخاذ
السراري، ومسلم (٢٣٧١) في الفضائل: باب من فضائل إبراهيم
الخليل ◌َ، والبيهقي ٣٦٦/٧ من طريق أيوب، عن محمد بن سيرين، به.
=
----------

٤٧
٤٤ - كتاب الحظر والإِباحة: ٩ - باب الكذب
قال أبو حاتم: كُلُّ مَنْ كان مِن ولد هاجر يقالُ له: وَلَدُ ماءٍ
السَّمَاءِ، لأن إسماعيلَ مِن هاجر، وقد رُبِّيَ بماء زمزم وهو ماءُ
السماء الذي أكرم اللَّهُ به إسماعيلَ حيث ولدته أمُّه هاجر، فأولادُها
أولادُ ماءِ السَّماء.
=
وأخرجه أحمد ٤٠٣/٢ - ٤٠٤، والبخاري (٢٢١٧) في البيوع: باب
شراء المملوك من الحربي وهبته وعتقه، و (٢٦٣٥) في الهبة: باب إذا قال:
أخدمتك هذه الجارية على ما يتعارف الناس فهو جائز، و (٦٩٥٠) في
الإكراه: باب إذا استكرهت المرأة على الزنى فلا حد عليها، والترمذي
(٣١٦٦) في التفسير: باب ومن سورة الأنبياء، من طرق عن أبي الزناد، عن
الأعرج، عن أبي هريرة مطولاً ومختصراً.
وأخرجه البيهقي ٣٦٦/٧ من طريق أيوب، عن ابن سيرين، عن
أبي هريرة، موقوفاً.
وقوله ((مَهْيَم)): قال أبو عبيد في ((غريب الحديث)) ١٩١/٢: كأنها كلمه
يمانية، معناها: ما أمرك، أو ما هذا الذي أرى بك.
وقوله: ((لم يكذب إبراهيم قط إلا ثلاثاً)): قال ابن عقيل فيما نقله عنه
الحافظ في ((الفتح)) ٣٩٢/٦: دلالة العقل تصرف ظاهر إطلاق الكذب على
إبراهيم، وذلك أن العقل قطع بأن الرسول ينبغي أن يكون موثوقاً به ليعلم
صدق ما جاء به عن الله، ولا ثقة مع تجويز الكذب عليه، فكيف مع وجود
الكذب منه، وإنما أطلق عليه ذلك لكونه بصورة الكذب عند السامع، وعلى
تقديره فلم يصدر ذلك من إبراهيم عليه السلام - يعني إطلاق الكذب على
ذلك - إلا في حال شدة الخوف لعلو مقامه، وإلا فالكذب المحض في مثل
تلك المقامات يجوز، وقد يجب لتحمل أخف الضررين دفعاً لأعظمهما، وأما
تسميته إياها كذبات، فلا يريد أنها تذم، فإن الكذب وإن كان قبيحاً مخلاً،
لكنه قد يحسن في مواضع وهذا منها.

٤٨
الإِحسان في تقريب صحيح ابن حبان
ذِكْرُ الإِخبار عن وَصْفِ المُتَشَبِّعةِ مِنْ زوجِها
ما لم يُعْطِهَا
٥٧٣٨ - أخبرنا أحمدُ بنُ علي بنِ المُثنى، حدثنا أبو خيثمةَ، حَدَّثنا
محمدُ بن خازمٍ، حَدَّثنا هشام بنُ عروة، عن فاطمةً بنتِ المنذر
عَنْ أسماء بنتِ أبي بكرٍ قالت: أَتَتِ النبيِّ وَّهِ امرأةٌ،
فقالت: يا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي ضَرَّةً، فَهَلْ عليَّ جُنَاحٌ أنْ أَتشَبَّعَ مِنْ
زوجي ما لَمْ يُعْطِني؟ فقالَ رسولُ اللّهِ وَ: ((المُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ
کَلابِسِ ثَوْبَيْ زُوٍ))(١).
[٢٨:٣]
(١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. أبو خيثمة: هو زهير بن حرب.
وأخرجه أحمد ٣٤٥/٦، ومسلم (٢١٣٠) في اللباس والزينة: باب
النهي عن التزوير في اللباس، من طريق أبي معاوية محمد بن خازم،
بهذا الإِسناد.
وأخرجه أحمد ٣٤٦/٦ و ٣٥٣، والبخاري (٥٢١٩) في النكاح: باب
المتشبع بما لم ينل وما ينهى من افتخار الضرة، ومسلم (٢١٣٠)، وأبو داود
(٤٩٩٧) في الأدب: باب في المتشبع بما لم يعط، والنسائي في ((الكبرى))
كما في ((التحفة)) ٢٥٥/١١، والطبراني ٢٤/(٣٢٢) و(٣٢٣) و (٣٢٤)
و (٣٢٥) و(٣٢٦) و (٣٢٧) و(٣٢٨)، والحميدي (٣١٩)، والبيهقي في
(«السنن)) ٣٠٧/٧، وفي ((الآداب)) (٥٢٢)، والبغوي (٢٣٣١) من طرق
عن هشام بن عروة، به .
قال البغوي في ((شرح السنّة)) ١٦١/٩ - ١٦٢: المتشبع: المتكثر
بأكثر مما عنده يتصلَّف به، وهو الرجل يُرى أنه شبعان، وليس كذلك ((کلابس
ثوبي زور)»، قال أبو عبيد: هو المرائي يلبس ثياب الزهاد، يُرى أنه زاهد،
قال غيره: هو أن يلبس قميصاً يصل بكُمَّيه كُمِّين آخرين، يُرى أنه لا بس =

٤٩
٤٤ - كتاب الحظر والإباحة: ٩ - باب الكذب
ذِكْرُ الإِخبارِ عن نفي جوازٍ تشبُّعِ المرأةِ عندَ
ضَرَّتِها بما لم يُعطِهَا زوجُهَا
-- -- -
٥٧٣٩ - أخبرنا عبدُ الله بنُ قحطبة، قال: حَدَّثنا أحمدُ بنُ المِقدامِ،
قال: حَدَّثنا الطّفاويُّ، قال: حَدَّثنا هِشَامُ بنُ عُروة، عن فَاطِمَةَ بنتِ المنذر
عن أسماء بنتِ أبي بكرٍ، قالت: جَاءَتِ امرأةٌ إلى رَسُولِ
اللهِ وَّهَ، فَقَالَتْ: يا رَسُول اللَّهِ، إن لي ضَرَّةً، فَهَلْ عليَّ جناحٌ إِنِ
اسْتَكْثَرْتُ مِنْ زَوْجي بما لَمْ يُعْطِنِي، فقالَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ: ((إنَّ
المُتَشَبِّعَ بما لَمْ يُعْطَّ كلابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ))(١).
[٦٥:٣]
=
قميصين، فكأنه يسخر من نفسه، ويُروى عن بعضهم أنه كان يكون في الحي
الرجلُ له هيأة ونبل، فإذا احتيج إلى شهادة زور، شهد بها، فلا تُرد من أجل
نبله وحسن ثوبيه، وقيل: أراد بالثوب نفسه، فهو كناية عن حاله ومذهبه،
والعرب تُكني بالثوب عن حال لابسه، تقول: فلان نقيُّ الثياب، إذا كان بريئاً
من الدنس، وفلان دَنِسُ الثياب، إذا كان بخلافه، ومعناه: المتشبع بما لم يُعط
بمنزلة الكاذب القائل ما لم يكن. وانظر ((الفتح)) ٣١٧/٩ -٣١٨.
(١) إسناده صحيح على شرط البخاري. الطفاوي: هو محمد بن عبد الرحمن،
قد توبع. وهو مکرر ما قبله .
٠٠٠

٥٠
الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان
١٠ - باب اللَّعن
٥٧٤٠ - أخبرنا عبدُ الله بنُ محمد بنِ سَلْمٍ ، قال: حدثنا
عبدُ الرحمن بنُ إبراهيمَ، قال: حَدَّثنا الوليدُ، قال: حَدَّثنا الأوزاعيُّ، قال:
حَدَّثني يحيى بنُ أبي كثيرٍ، قال: حَدَّثنا أبو قلابة، عن عمِّه،
عن عِمرَانَ بنِ حُصينٍ، قال: بينما نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَلَ فِي سَفَرٍ
وامرَأة على ناقةٍ لها، فَضَجِرَت، فَلَعَنْها، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةٍ:
(خُذُوا مَتَاعَكُم عَنْهَا وَأَرْسلُوها فإِنَّها مَلْعُونَةٌ)). قال: ففعلُوا، فكأنِّي
أنظرُ إليها ناقةً ورقاءً(١).
[٣١:١]
قال أبو حاتِم رَضِي الله عنه: عَمُّ أبي قلابة هذا:
هو عمرو بنُ معاوية(٢) بنِ زيد الجرمي، كنيتُه أبو المهلب وَهِمَ
الأوزاعيُّ في كُنيته، فقال: أبو المهاجر، إذ الجَوادُ يَعْثُرُ.
(١) إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين غير عبد الرحمن بن إبراهيم،
فمن رجال البخاري، وعم أبي قلابة، فمن رجال مسلم. أبو قلابة:
هو عبد الله بن زيد الجرمي. وانظر ما بعده.
(٢) وقيل: عبد الرحمن بن معاوية، وقيل: عبد الرحمن بن عمرو، وقيل:
معاوية، وقيل: النضر.

٥١
٤٤ - كتاب الحظر والإِباحة: ١٠ - باب اللعن
ذِكْرُ الخبرِ المُدْحِضِ قَوْلَ مَنْ زَعَمَ أن هذا الخبرَ
تفرَّد به یحیی بنُ أبي کثیرٍ
٥٧٤١ - أخبرنا محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ الجُنيد، قال: حَدَّثنا قتيبةُ بنُ
سعيدٍ قال: حَدَّثنا حمادُ بنُ زيدٍ، عن أيوبَ، عن أبي قلابة، عن
أبي المُهلَّب
عن عِمرَانَ بنِ حُصَيْنٍ، قال: بينما رَسُولُ اللَّهِ وَ ﴿ في بعضِ
أسفارِه، إذ سَمِعَ لعنةً، فَقَالَ: مَنْ هذا؟ فَقِيلَ: هذهِ فُلانٌ لَعَنَتْ
راحِلَتَها، فقالَ رسولُ اللَّهِ وَهِ: ((ضَعُوا عنها، فإنها ملعونةٌ))، قالَ:
فوضعَ عنها، قالَ عِمْرَانُ: فكأنِّي أَنْظُرُ إليها ناقةً ورقاءَ(١). [٣١:١]
ذِكْرُ العلةِ التي مِن أجلِها أمر بهذا الأمرِ
٥٧٤٢ - أخبرنا الحسنُ بنُ سفيانَ، قال: حَدَّثنا عمرو بنُ زُرَارة، قال:
حَدَّثنا حاتِمُ بنُ إسماعيلَ، قال: حَدَّثنا يعقُوب بنُ مجاهدٍ أبو حَزْرَةً، عن
عُبادةَ بنِ الوليد بنِ عُبادة بنِ الصَّامت
عن جابر بنِ عبدِ الله قال: سِرْنا مَعَ رسولِ اللَّهِ وَله وهو يَطْلُبُ
(١) إسناده صحيح على شرط مسلم، رجاله ثقات رجال الشيخين غير أبي المهلب
فمن رجال مسلم.
وأخرجه الدارمي ٢٨٦/٢، وأبو داود (٢٥٦١) في الجهاد: باب النهي
عن لعن البهيمة، عن سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، بهذا الإِسناد.
وأخرجه أحمد ٤٢٩/٤ و٤٣١، ومسلم (٢٥٩٥) في البر والصلة: باب
النهي عن لعن الدواب وغيرها، والبيهقي ٥ /٢٥٤ من طرق عن أيوب، به .
وأخرجه النسائي في ((الكبرى)) كما في ((التحفة)) ٢٠٢/٨ من طريق
عمران بن حدير، عن أبي قلابة، به .

٥٢
الإِحسان في تقريب صحيح ابن حبان
المَجْدِيَّ بن عمرو الجُهَنِي، وكانَ الناضِحُ يَعْتَقِبُه(١) منا الخَمْسَةُ
والسِّتة والسَّبعةُ، فدنا عُقْبَةُ رَجُلٍ مِنَ الأنصارِ على ناضِحٍ لهُ،
فأناخهُ، فَرَكِبَهُ، ثُمَّ بَعثَهُ، فتلدَّنَ عليهِ بَعْضَ التَّلَذُنِ فقالَ: شَأْ، لَعْنَكَ
اللَّهُ، فقالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((مَنْ هذا اللاعِنُ بعيرهُ))؟ قالَ: أنا
يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: «انزِلْ عَنْهُ، فلا تَصْحَبْنَا بِمَلْعُونٍ، لا تَدْعُوا على
أَنْفُسِكُمْ، ولا تَدْعُوا على أولادِكم، ولا تَدْعُوا على أموالِكُمْ
لا(٢) تُوَافِقُوا مِنَ السَّاعةِ، فيستجيبَ لَّكُمْ))(٣).
[١ :٣١]
(١) أي: يتعاقبونه في الركوب واحداً بعد واحد، يقال: جاءت عُقبة فلان، أي:
جاءت نوبته ووقت رکوبه.
ولفظ مسلم ((يعقبه))، قال النووي ١٣٨/١٨: هكذا هو في رواية أكثرهم
(يَعقُبه» بفتح الياء وضم القاف، وفي بعضها ((يعتقبه)) بزيادة تاء وكسر القاف،
وكلاهما صحيح، يقال: عقبه واعتقبه، واعتقبنا وتعاقبنا، كله من هذا . قلت:
وجاء في الأصل و((التقاسيم)) ١ /٤٢١: يتعقبه.
(٢) في الأصل: إلا، والمثبت من ((التقاسيم)).
(٣) إسناده صحيح على شرط مسلم، رجاله رجال الشيخين غير يعقوب بن
مجاهد، فمن رجال مسلم.
وأخرجه مسلم (٣٠٠٩) في الزهد: باب حديث جابر الطويل وقصة
أبي اليسر، عن هارون بن معروف ومحمد بن عباد، كلاهما عن حاتم بن
إسماعيل، بهذا الإِسناد.
الناضح: هو البعير الذي يُستقى عليه.
وتلذَّن: أي تلكّا وتوقف، ولم ينبعث.
وقوله: ((شأ، لعنك الله)»، قال النووي: هو بشين معجمة بعدها همزة،
هكذا هو في نسخ بلادنا، وذكر القاضي رحمه الله تعالى أن الرواة اختلفوا
فيه، فرواه بعضهم بالشين المعجمة كما ذكرناه، وبعضهم بالمهملة، قالوا : =

٥٣
٤٤ - كتاب الحظر والإِباحة: ١٠ - باب اللعن
ذِكْرُ الخبرِ الدَّال على صحةِ ما تأوّلنا خَبَرَ عِمرانَ بنِ الحُصينِ
بأن لعنةَ هذه اللاعنة قد استُجيب لها في ناقتها
٥٧٤٣ _ أخبرنا أحمدُ بنُ علي بنِ المثنى، قال: حَدَّثنا أبو بكر بنُ أبي
شيبة قال: حَدَّثنا يزيدُ بنُ هارون، قال: أخبرنا سليمانُ التيميُّ، عن أبي عثمانَ
عن أبي بَرْزَةَ أنَّ جاريةً بينا هِيَ على بَعِيرٍ أو رَاحِلَةٍ، عليها
متاعُ الْقَوْمِ بَيْنَ جَبَلَيْنِ، فَتَضَايَقَ بها الجَبَلُ، وأتى عليها
رَسُولُ اللَّهِ وَ، فلمَّا أَبْصَرَتْهُ، جَعَلَتْ تَقُولُ: حَلْ، اللهُمّ العَنْهُ،
اللهمَّ العنهُ، فقالَ رَسُولُ اللَّهِ: ((لا تَصْحَبْنَا رَاحِلَةٌ عليها لَعْنَةٌ
مِنَ اللَّهِ)(١).
[٣١:١]
قال أبو حاتم رضي الله عنه: أَمْرُ المُصطفىَِّ بتسييب
الرَّاحلةِ التي لُعِنَتْ أَمْرٌ أُضْمِرَ فيه سَبَبُه، وهو حقيقةً استجابةُ الدعاءِ
لِلََّّعْنِ، فَمَتَى عُلِمَ استجابةُ الدعاء من لاعنِ ما راحلةً له أمرناه
وكلاهما كلمة زجر للبعير، يقال منهما: شاشات بالبعير، بالمعجمة والمهملة:
إذا زجرته، وقلت له: شا.
(١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. سليمان: هو ابن طرخان التيمي،
وأبو عثمان: هو عبد الرحمن بن مَلِّ .
وأخرجه أحمد ٤٢٣/٤، والبيهقي ٢٥٤/٥ من طريق يزيد بن هارون،
بهذا الإِسناد.
وأخرجه أحمد ٤٢١/٤ و٤٢٣، ومسلم (٢٥٩٦) في البر والصلة: باب
النهي عن لعن الدواب وغيرها، من طرق عن سليمان التيمي، به .
وقوله ((حَلْ)) كلمة زجر للإِبل واستحثاث على السير.

٥٤
الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان
بتسيبيِها، ولا سَبِيلَ إلى علمِ هذا، لانقطاع الوحي، فلا يجوزُ
استعمالُ هذا الفعلِ لأحدٍ أَبداً.
ذِكْرُ الزجرِ النِّساءِ عن إكثارِ اللعن
وإكفارِ العشيرِ
٥٧٤٤ - أخبرنا الحسنُ بنُ سفيان، حَدَّثنا محمدُ بنُ يحيى الذُّهلي،
حَدَّثنا ابنُ أبي مريم، حَدَّثنا مُحَمِّدُ بنُ جعفر بن أبي كثير، أخبرني زيدُ بنُ
أسلمَ، عن عياض بنِ عبد الله
عن أبي سعيدٍ الْخُذْرِيِّ، قال: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ فِي
أضحى أو فطرٍ إلى المُصلى، فصلَّى ثُمَّ انصرفَ، فقامَ فَوَعَظَ
النَّاسَ، وأمرهُمْ بالصَّدقةِ، قالَ: ((أيُّها النَّاسُ، تَصَدَّقُوا))، ثُمَّ انصرفَ،
فمرَّ على النِّساءِ، فقال: ((يا مَعْشَرَ النساءِ، تَصَدَّقْنَ، فإني أُراكُنَّ أكثرَ
أهلِ النَّارِ))، فقلنَ: وَلِمَ ذلكَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: ((تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ،
وَتَكْفُرْنَ العَشِيرَ، مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينِ أَذْهَبَ لِلبِّ
الرَّجُلِ الحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ يا مَعْشَرَ النِّسَاءِ))، فقلنَ لُهُ: ما نُقصانُ
ديننا وعقلنا يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: ((أَلَيْسَ شهادةُ المرأةِ مثلَ نِصْفٍ
شهادةِ الرجلِ ))؟ قُلْنَ: بلى، قالَ: ((فَذَاكَ نُقْصَانُ عقلِها، أَوَلَيْسَتْ إذا
حَاضَتِ المَرْأَةُ لَمْ تُصَلِّ ولَمْ تَصُمْ))؟ قلنَ: بلى، قالَ: ((فذاكَ نُقْصَانُ
دينها))، ثُمَّ انصرفَ رسولُ اللَّهِ ﴿ِ، فلما صَارَ إلى منزلِهِ، جاءتْ
زَيْنَبُ امرأةُ عبدِ اللهِ بن مسعودٍ تستأذِنُ عليهِ، فَقِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ،
هذهِ زينبُ تَسْتَأْذِنُ عَلَيْكَ، فَقَالَ: ((أَيُّ الزّيانبِ))؟ قيلَ: امرأةٌ

٥٥
٤٤ - كتاب الحظر والإِباحة: ١٠ - باب اللعن
عَبْدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ، قالَ: ((نَعَمْ ائذنوا لَهَا»، فأُذِنَ لَهَا، فقالتْ:
يا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنَّكَ أمرتنا اليومَ بالصُّدَقةِ، وكان عندي حُليَّ، فأردتُ أنْ
أتصدقَ، فزعمَ ابنُ مسعودٍ أنهُ وولدَهُ أحقُّ مَنْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عليهمْ،
فقالَ النبيُّ ◌َ: ((صَدَقَ زَوْجُكِ وَوَلَدُكِ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتِ
بهِ عليهمْ))(١).
[٢: ٦]
ذِكْرُ الزجرِ عن لعنِ المرءِ الرِّياحَ، لأنَّها
مأمورةٌ تأتي بالخيرِ والشر معاً
٥٧٤٥ - أخبرنا الحسنُ بنُ سفيانَ، قال: حَدَّثْنَا أبو قُدامة، قال:
حدثنا بشرُ بنُ عُمَرَ، قال: حدثنا أبانُ بنُ يزيد، عن قتادةً، عن أبي العاليةِ
(١) إسناده صحيح على شرط البخاري، رجاله ثقات رجال الشيخين غير
محمد بن يحيى الذهلي، فمن رجال البخاري. ابن أبي مريم: هو سعيد.
وأخرجه البخاري (٣٠٤) في الحيض: باب ترك الحائض الصوم،
و(١٤٦٢) في الزكاة: باب الزكاة على الأقارب، و(١٩٥١) في الصوم: باب
الحائض تترك الصوم والصلاة، و(٢٦٥٨) في الشهادات: باب شهادة النساء،
ومسلم (٨٠) في الإِيمان: باب بيان نقصان الإِيمان بنقص الطاعات وبيان
إطلاق لفظ الكفر على غير الكفر بالله ككفر النعمة والحقوق، والبيهقي
٢٣٥/٤ - ٢٣٦، والبغوي (١٩) من طريق سعيد بن أبي مريم،
بهذا الإِسناد، مطولاً ومختصراً.
وأخرجه مختصراً مسلم (٨٨٩) في العيدين، والنسائي ١٨٧/٣ في
العيدين: باب استقبال الإِمام الناس بوجهه في الخطبة، وابن ماجة (١٢٨٨)
في إقامة الصلاة: باب ما جاء في الخطبة في العيدين، من طريق داود بن
قیس، عن عیاض بن عبد الله، به.
وقوله («تكفرن العشير)): يعني الزوج، سمي عشيراً، لأنه يعاشرها،
وهي تعاشره.

٥٦
الإِحسان في تقريب صحيح ابن حبان
عن ابنٍ عِبَّاسٍ أنَّ رجلاً لعنَ الريحَ عندَ النبيِّ ◌ِّ،
فقالَ وَّه: ((لا تَلْعَنِ الرِّيحَ، فإنّها مأمورَةٌ، وَلَيْسَ أَحَدٌ يَلْعَنُ شيئاً لَيْسَ
لَهُ بِأَهْلٍ إِلا رَجَعَتْ عليهِ اللَّعْنَةُ))(١).
[٢ :٤٣]
ذِكْرُ الزجرِ عن أن يلعن المرءُ أخاه المسلم دونَ أن
يأتيَ بمعصيةٍ تستوجِبُ منهُ إِيَّاها
٥٧٤٦ - أخبرنا الحسينُ بنُ محمد بن أبي معشر بحرَّان، قال: حَدَّثنا
مخلدُ بنُ مالكِ، قال: حدثنا حفصُ بنُ ميسرة
عن زيد بنِ أسلَم، قال: كَانَ عَبْدُ المَلِكِ يُرْسِلُ إلى أمِّ الدرداءِ
قالَ: ورُبَّما باتتْ عندهُ، قالَ: فدعا عبدُ الملكِ خادماً، فأبطأ عليهِ،
فقالَ: اللَّهُمَّ الْعنهُ، فقالَتْ: لا تَلْعَنْهُ، فَإِنِي سَمِعْتُ أبا الدرداء يُحَدِّثُ
عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ قالَ: ((إِنَّ اللعَّانِينَ لا يكونون(٢) شُهَدَاءَ ولا شُفَعَاءَ
يَوْمَ القِيَامَةِ»(٣).
[٢ :٨٦]
(١) أبو قدامة: هو - فيما أرجح ــ عبيد الله بن سعيد بن يحيى بن برد
اليشكري مولاهم، خرج حديثه الشيخان، وهو متفق على إمامته وحفظه
وإتقانه، قال المؤلف في ((ثقاته)) ٤٠٦/٨: حدثنا عنه شيوخنا ابن خزيمة
ومحمد بن إسحاق الثقفي وغيرهما. ومن فوقه ثقات من رجال الشيخين أيضاً.
أبو العالية: هو رفيع بن مهران الرياحي.
وأخرجه أبو داود (٤٩٠٨) في الأدب: باب في اللعن، والترمذي
(١٩٧٨) في البر والصلة: باب ما جاء في اللعنة، والطبراني (١٢٧٥٧) من
طريق زيد بن أخزم، عن بشر بن عمر، بهذا الإِسناد. وقال الترمذي:
هذا حديث حسن غريب.
وأخرجه أبو داود (٤٩٠٨) عن مسلم بن إبراهيم، عن أبان بن یزید، به .
(٢) في الأصل و((التقاسيم)) ٢ / لوحة ٢٠٧: يكونوا، والجادة ما أثبت.
(٣) إسناده قوي، مخلد بن مالك: هو ابن شيبان القرشي، روى له النسائي في =

٥٧
٤٤ - كتاب الحظر والإِباحة: ١٠ - باب اللعن
ذِكْرُ ما يُستحب للمرء ترك اللعن على المنافقين
في قُنوته إذا كان ممن يفعلُ ذُلك
٥٧٤٧ - أخبرنا ابنُ قُتيبة، قال: حَدَّثنا ابنُ أبي السري، قال: حَدَّثنا
عبدُ الرَّزَّاق، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن الزّهريِّ، عن سالمٍ
عن ابنِ عُمَرَ أَنْهُ سَمِعَ النَّبِيِّ نَّهَ قالَ فِي صَلاةِ الفَجْرِ حينَ
رفعَ رأسَهُ مِنَ الركوعِ: (ربَّا وَلَكَ الحَمْدُ)) في الرَّكعةِ الآخرةِ، ثُمَّ
قالَ: ((اللهُمَّ الْعَنْ فلاناً وفلاناً»، ودعا على أُناسٍ مِنَ المنافقينَ،
فأنزلَ اللَّهُ جلَّ وعلا: ﴿لَيْسَ لَكَ مِن الْأَمْرِ شَيءٌ أو يَتُوبَ عَلَيْهِم
أو يُعَذِّبَهُمْ فإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨](١).
[٥ :٤]
=
(«مسند علي))، قال أبو حاتم: شيخ، وقال أبو زرعة: لا بأس به، وذكره
المؤلف في ((الثقات))، وقد توبع، ومن فوقه ثقات من رجال الشيخين.
وأخرجه مسلم (٢٥٩٨) (٨٥) في البر والصلة: باب النهي عن لعن
الدواب وغيرها ، عن سويد بن سعيد، عن حفص بن ميسرة، بهذا الإِسناد.
وأخرجه أحمد ٤٤٨/٦، وعبد الرزاق (١٩٥٣٠)، والبخاري في ((الأدب
المفرد)» (٣١٦)، ومسلم (٢٥٩٨) (٨٥) و(٨٦)، وأبو داود (٤٩٠٧) في
الأدب: باب في اللعن، والحاكم ٤٨/١، والبيهقي ١٩٣/١٠، والبغوي
(٣۵۵٦) من طرق عن زيد بن أسلم، به.
وأخرجه مسلم (٢٥٩٨) (٨٦)، وأبو داود (٤٩٠٧)، والحاكم ٤٨/١
من طريق هشام بن سعد، عن أبي حازم، عن أم الدرداء، به.
قال البغوي في ((شرح السنّة)) ١٣٥/١٣: قيل في قوله: ((لا يكونون
شهداء)»: أي لا يكونون في الجملة التي يُستشهدون يومَ القيامة على الأمم
التي كذَّبت أنبياءهم عليهم السلام، لأن من فضيلة هذه الأمة أنهم يشهدون
للأنبياء عليهم السلام بالتبليغ إذا كذبهم قومُهم.
(١) حديث صحيح، ابنُ أبي السري - وهو محمد بن المتوكل العسقلاني - قد =
٠٠٠٠١٠٠

٥٨
الإِحسان في تقريب صحيح ابن حبان
ذِكْرُ الخبر المدحض قولَ مَنْ زَعَمَ أن المرءَ بالمعصِية
لا يَجِبُ أن يُلْعَنَ
٥٧٤٨ - أخبرنا الفَضْلُ بنُ الحُباب الجُمَحِيُّ، حَدَّثنَا مُسَدَّدُ بنُ
مُسَرْهَدٍ، حدثنا عبدُ الواحد بنُ زيادٍ، عن الأعمشِ ، عن أبي صالحٍ
عن أبي هُريرة قال: قال رسولُ اللهِوَّهَ: ((لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ
يَسْرِقُ البَيْضَةَ، فَتُقْطَعُ يَدُهُ، ويَسْرِقُ الحَبْلَ فَتُقْطَعُ يِدُهُ)) (١). [٤٢:٣]
توبع، ومن فوقه على شرط الشيخين .
وأخرجه أحمد ١٤٧/٢، والنسائي ٢٠٣/٢ في الصلاة: باب لعن
المنافقين في القنوت، من طريق عبد الرزاق، بهذا الإِسناد.
=
وأخرجه أحمد ١٤٧/٢ ، والبخاري (٤٠٦٩) في المغازي: باب ﴿ليس
لك من الأمرشيء﴾، و(٤٥٥٩) في تفسير آل عمران: باب ﴿ليس لك من"
الأمر شيء﴾، و (٧٣٤٦) في الاعتصام: باب ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾،
والبيهقي ١٩٨/٢ و٢٠٧، والبغوي في ((تفسيره)) ٣٥٠/١، من طريق
ابن المبارك، عن معمر، به.
وأخرجه أحمد ٩٣/٢، والطبري (٧٨١٩) من طريق عمر بن حمزة،
عن سالم، به.
وأخرجه البخاري (٤٠٧٠) من طريق حنظلة بن أبي سفيان، عن
سالم مرسلاً.
وأخرجه أحمد ١٠٤/٢ و١١٨، والترمذي (٣٠٠٥) في التفسير: باب
ومن سورة آل عمران، والطبري (٧٨١٨) من طريق نافع، عن ابن عمر.
(١) إسناده صحيح على شرط البخاري، رجاله ثقات رجال الشيخين غير
مسدد بن مسرهد، فمن رجال البخاري .
وأخرجه البخاري (٦٧٩٩) في الحدود: باب قول الله تعالى: ﴿والسارق
والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾، عن موسى بن إسماعيل، عن عبد الواحد بن
زياد، بهذا الإِسناد.
=

٥٩
٤٤ - كتاب الحظر والإباحة: ١٠ - باب اللعن
قال أبو حاتم: يُشبه أن يكونَ أراد به وَلّ بخطابه هذا بيضةً
الحديدِ، أو بيضةَ النّعامة التي قيمتُها تبلغ ربعَ دينار فصاعداً،
وكذلك الحَبْلُ، أرادَ به الحبالَ الكِبارَ التي تكونُ للآبَارَ العَمِيقةِ
القعرِ أو للمراكبِ العَمَّالة في البحر(١)، وذلك أنَّ أهلَ الحجاز
=
وأخرجه أحمد ٢٥٣/٢، والبخاري (٦٧٨٣) في الحدود: باب لعن
السارق إذا لم يسم، ومسلم (١٦٨٧) في الحدود: باب حد السرقة ونصابها،
والنسائي ٦٥/٨ في السارق: باب تعظيم السرقة، وابن ماجة (٢٥٨٣) في
الحدود: باب حد السارق، والبيهقي ٢٥٣/٨، والبغوي (٢٥٩٧) و(٢٥٩٨)
من طرق عن الأعمش، به.
(١) زاد بعضهم كالبخاري والبغوي في حديث أبي هريرة : قال الأعمش: كانوا
يرون أنه بيض الحديد، والحبل كانوا يرون أنه منها ما يساوي دراهم.
قال ابن قتيبة بعد أن ذكر قول الأعمش: وهذا تأويل بعيد لا يجوز
عند من يعرف صحيح كلام العرب، لأن كل واحد من هذين يبلغ دنانير
كثيرة، وهذا ليس موضع تكثير لما سرقه السارقٌ.
وقال الخطابي: تأويل الأعمش هذا غيرُ مطابق لمذهب الحديث،
ومخرج الكلام فيه، وذلك أنه ليس بالشائع في الكلام أن يقال في مثل ما ورد
فيه الحديث من اللوم والتثريب: أخزى الله فلاناً عرَّض نفسه للتلف في مال له
قدر ومزية، وفي عرض له قيمة، إنما يضرب المثل في مثله بالشيء الذي
لا وزنَ له ولا قيمة، هذا حكم العرف الجاري في مثله، وإنما وجه الحديث
وتأويله ذُّ السرقة، وتهجينُ أمرها، وتحذيرُ سوء مغبتها فيما قلَّ وكَثُر من
المال، كأنه يقول: إن سرقةَ الشيء اليسير الذي لا قيمةَ له كالبيضة المَذِرَة،
والحبل الخَلَق الذي لا قيمة له، إذا تعاطاه، فاستمرت به العادة، ولم ييأس
أن يؤديه ذلك إلى سرقة ما فوقها حتى يَبْلُغَ قدرَ ما تقطع فيه اليدُ، فتقطع
يده، كأنه يقول: فليحذر هذا الفعل وليتوقه قبل أن تملكه العادة، ويمرن
عليها ليسلم من سوء مغبته، ووخيم عاقبته. وانظر ((الفتح)) ٨٣/١٢ - ٨٤.

٦٠
الإِحسان في تقريب صحيح ابن حبان
الغالبُ عليهم الآبارُ العميقةُ القعر، وعليها بَكَرَاتٌ لهم بحبال الدِّلاء
تدورُ، فتتركُ بالليل على حالها، وهكذا حبالُ المراكب، لأن
المركبَ إذا أرسى رُبَّما طرحت المراسي بحالها براً فتمرّ به
السابِلَةُ، فزجر رسولُ اللهِ وََّ بهذا الخِطَابِ مَسَّ شيء منها على
سبيلِ الاستحلالِ دونَ الانتفاعِ بها .
ذِكْرُ لعن المصطفى ◌ََّ مع سائرِ الأنبياء أقواماً
مِن أجل أعمالٍ ارتكبوها
٥٧٤٩ - أخبرنا الحسنُ بنُ سفيان، قال: حَدَّثنا قتيبةُ بنُ سعيدٍ، قال:
حَدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ أبي الموالِ ، عن عُبيد الله بنِ عبدِ الرحمن بن
مَوْهَبٍ، عن عَمْرَةً
عن عائشةً أن رسولَ اللهِ وَّ قال: ((سِتَّةٌ لَعَنْتُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ،
وكُلُّ نَبِيِّ مُجَابٌ: الزَّائِدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ، والمُكَذِّبُ بِقَدَرِ اللَّهِ،
والمُسلَّط بالجَبَرُوتِ لِيُذِلَّ بذلكَ مَنْ أعزَّ اللَّهُ، وَلِيُعِزَّ بِهِ مَنْ أذلَّ
اللَّهُ، والمُسْتَحِلُّ لِحُرَمِ اللَّهِ، والمُسْتَحِلُّ مِنْ عِتْرَتِي ما حَرَّمَ اللَّهُ،
والتَّارِكُ لِسُنتي))(١).
[٢ : ١٠٩ ]
(١) إسناده ضعيف، عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب مختلف فيه، ورواه عنه
غير واحد مرسلاً.
فقد أخرجه الترمذي (٢١٥٤) في القدر: باب رقم (١٧)، عن قتيبة،
بهذا الإِسناد. وقال: هكذا روى عبد الرحمن بن أبي الموال هذا الحديث
عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب، عن عمرة، عن عائشة، عن
النبي لة، ورواه سفيان الثوري وحفص بن غياث وغير واحد عن
عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب، عن علي بن حسين، عن النبي زَار =