Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
مقدمة التحقيق
ما خالطها من الكذب والأباطيل إلا بمعرفةِ الضُّعفاء من الثقات(١).
على أنه كان يُغرب أحياناً فيما يستنبطُه ويراه، فيلحَظُ في النَّصِّ
ما لا يخطر على قلب أحد، وقد يدفعُه ما ارتآهُ إلى إنكار معنى صحيح ثابت،
ودفع ما لا قِبَلَ له بدفعه، كقوله في حديث أنسٍ في الوصال: فيه دليلٌ على أنَّ
الأخبار التي فيها وضعُ الحَجَرِ على بطنه من الجوعِ كُلُّها بواطيل، وإنما معناها
الحُجَزِ، وهو طَرَفُ الرِّداء، إِذِ اللَّهُ يُطْعِمُ رسولَه، وما يُغْنِي الحَجَر من الجوع؟
ويَرُدُّ عليه الذهبيُّ بما أخرجه هو نفسه، فيقولُ: قد ساقَ في كتابه حديثٌ
ابنِ عباس في خُروج أبي بكر وعمر من الجوع، فلقيا النبيَّ صلى الله عليه
وسلم، فأخبراه، فقال: ((أَخْرَجَني الذي أَخْرَجَكُما))، فدلَّ على أنه كان يُطْعَم
ويُسْقى في الوصال خاصة(٢).
ولعلَّ هذا أيضاً هو ما دعا أبا عمرو ابنَ الصلاح إلى النَّيل منه حين قال:
(ورُبَّما غلط في تصرُّفه الغلطَ الفاحش على ما وجدته))، فيصدِّقهُ الذهبي
ويقولُ: ((صدق أبو عمرو)).
وبظني أنَّ تأثُّر ابن حبان بعلم الكلام، هو الذي جعله يعتمدُ في أُسلوبه
على فَذْلكة المعاني وفلسفتها، وكثيراً ما كان الذهبيُّ ينالُ من أسلوبه هذا،
فيقول: ((تقعقع ابنُ حبان))، وقد كادت فذلكتُه هذه أن تودي به إلى التهلكة،
فیحكّم بقتله، وبطرده من بلده، كما حصل له في محنته.
محسنتُه:
إِنَّ الناظر في تاريخ الأئمة الكبار لتتملكه الحيرة، ويمضُّه الألم،
ولا ينقضي منه العجب: كيف وقع فُحولُ المُحَدِّثين وكبارُهم ضحيةً حُرُوب
(١) انظر ((المجروحين)) له ١٠/١ و١١، وانظر ((سير أعلام النبلاء)» ٩٨/١٦، ٩٩، و«طبقات
الشافعية)) للسبكي ١٣٣/٣.
(٢) انظر ((سير أعلام النبلاء)) ٩٨/١٦، و((طبقات)) السبكي ١٣٣/٣.

٢٢
الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان
جدلية شكلية، حمي وطيسُها، وارتفعت ألسنةُ لهيبها، فاضطرتْ هذا إلى
الهروب والفرار، وذاك إلى الاختباء والتواري عن الأنظار، وثالثٌ أُلقي في
ظلمات السجون تلسعُه السياطُ ليل نهار، والمؤلمُ والعجيبُ أنَّ
مُعْظم تلك النيران المتضرمة كان منشؤُها شَرَرَ خلافاتٍ لفظية لا طائِل تحتها،
ولا تُقَدِّمُ من أمر الدين شيئاً ولا تؤخر، ولا شكَّ أنَّ الحسد الذميم هو الذي
يُذكي أوار مثل تلك الخلافات التي اتخذت مظهر الدفاع عن الدين، وذَبِّ البدع
المزعومة عن أصوله وأحكامه، ها هو ذا البخاريُّ أميرُ علم الحديث، وصاحبُ
أصح كتاب بعد كتاب الله عز وجل، يُسْأَلُ عن اللفظِ بالقرآن، فيقولُ: القرآنُ
كلامُ الله غير مخلوق، وأعمالُنا مخلوقة. فيتورِّمُ لجوابه أنفُ شيخه محمد بن
يحيى الذُّهلي، ويصيح قائلاً: القرآنُ كلامُ الله غيرُ مخلوق، ومن زعم: لفظي
بالقرآن مخلوق؛ فهو مبتدعٌ لا يجلس إلينا. ثم أعلن أنه سيُقاطع كُلَّ من يذهبُ
بعد هذا إلى البخاري، فانقطعُ الناسُ عنه إلا مسلم بن الحجاج وأحمد بن
سلمة، لكن لم تشتف نفسُ الذهلي، ولم يذهب غيظُ قلبه، وضاقت عليه البَلَدُ
التي تجمعهُ والبخاريَّ، فقال: لايُساكنني محمدُ بن إسماعيل في البلد، فخشي
البخاريُّ على نفسه، وسافرَ من نيسابور. ولا ننسى أيضاً تلك المأساة التي وقع
في أتونها من قبلُ الإِمامُ أحمد بن حنبل، فقضى ما ينيف على عشر سنوات في
سجون خصومه حبيس السياط والعذاب.
وابنُ حبان أيضاً لم يَنْجُ مما وقع فيه من قبله، فإنَّ المنزلة الرفيعة التي
تبوأها أشعلت الغيرةَ في صُدُور حاسديه، فهم يتربَّصون به هفوةً أو سقطة
أو خطأ، ليملؤوا الدنيا نكيراً عليه، ويُنفِّروا قلوبَ الخلق عنه، ويَتَوَرَّطُ
ابنُ حبان، فيتفوّهُ بعبارةٍ صاغَها أسلوبُه في فذلكة الكلام وفلسفة المعاني، فيجدُ
فيها المُتربِّصُون فُرصة ليقيموا عليه الدنيا، وثغرةً يَلِجُون منها ليطعنوه طعنةً قاتلة
ويستريحوا منه، وهم عند عامةِ الناس منصفون، مُقيمون للحدِّ الذي شرعه الله،
لقد تورَّطَ ابنُ حِبّان، فقال: ((النبوةُ: العِلْمُ والعمل))، وهذا قولُ إن أُجري على
ظاهره حُكم على صاحبه بالزندقة، واستحقَّ به القتل، وهذا ما حدث، فقد

٢٣
مقدمة التحقيق
حَكَمَ عليه بعضُ أئمة عصره بالزندقة، فهجره الناسُ، ثم كُتب بهذا الأمرِ الخطير
إلى الخليفة، الذي سارع إلى إقامة حد الله على هذا القائل، فأمر بقتله، ولولا
أنَّ الله سلَّم لحُزَّ رأسُه بحد السيف، فما كان أغنى ابن حبان عن مقالته هذه، لقد
أوقع نفسه، وأتعب عارفيه في الدفاع عنه، وتأويل عبارته الموهمة هذه، ودفع
تهمة الزندقة أن تلصق به، فالإِمامُ الذهبيُّ ينقلُ قصته هذه، ثم يقولُ: هذه
حكايةٌ غريبة، وابنُ حبّان فمن كبار الأئمة، ولسنا ندعي فيه العصمةً من الخطأ،
لكنَّ هذه الكلمة التي أطلقها قد يُطلقها المسلم، ويُطلقها الزنديق والفيلسوف،
فإطلاقُ المسلم لها لا ينبغي، لكن نعتذِرُ عنه، فنقولُ: لم يُرِد حصر المبتدأ في
الخبر، ونظيرُ ذلك قولُه عليه الصلاة والسلام: ((الْحَجّ عَرَفَهُ))، ومعلومٌ أنَّ الحاج
لا يصير بمجرد الوقوف بعرفة حاجّاً، بل بقي عليه فروضٌ وواجبات، وإنما ذكر
مُهِمَّ الحج، وكذا هذا ذكر مهم النبوة، إذ من أكمل صفات النبي كمالُ العلم
والعمل، فلا يكون أحدٌ نبياً إلا بوجودهما، وليس كلُّ من بَرَّز فيهما نبياً، لأنَّ
النبوةَ موهبةٌ من الحقِّ تعالى، لا حيلةَ للعبد في اكتسابها، بل بها يتولَّد العلم
اللدنِّي والعملُ الصالح، وأما الفيلسوفُ فيقول: النبوةُ مكتسبةٌ يُنتجها العلم
والعمل، فهذا كُفرِ، ولا يُريدُه أبو حاتم أصلاً، وحاشاه(١).
وفذلكةُ ابنٍ حبان أوقعته في حبالِ مُشكلة أخرى، وذاك أنه اقتحم في
متاهةٍ لا عَلَمَ فيها ولا دليل، وخاضَ في أمرٍ كان البُعْدُ عن خوض لُجَجِه أسلَم
لدينه ونفسه، فقد أنكر الحدَّ لله، وصرح بذلك في مقدمة كتابه ((الثقات))،
فثارت ثائرةُ الذين أثبتُوا للَّهِ الحَدَّ، واستشاطوا غضباً، ولم تسترح نفوسهم
إلا حين رأوه مطروداً وحيداً يُغادِرُ بلدته سجستان، ويفتخِرُ بطرده يحيى بنُ عَمّار
ذاكَ الواعظُ في سجستان حين سأله أبو إسماعيل الهَرَوي: هل رأيتَ ابنَ حِبّان؟
فيجيبه منتفخاً مُتعظِّماً رافعاً رأسَه: وكيفَ لم أره؟ نحن أخرجناه من سجستان.
ويُعلِّل ابنُ عمار سببَ طردهِ ابن حبان، وأنه تقرَّب بذلك إلى الله، وانتصر بزعمه
(١) ((سير أعلام النبلاء)) ٩٦/١٦.

٢٤
الإِحسان في تقريب صحيح ابن حبان
للدين، فيقول: كان له علم كثير، ولم يكن له كبيرُ دين، قدم علينا، فأنكر الحدَّ
لله، فأخرجناه من سجستان .
وينتصِرُ لابن حبان من بعده كبارُ الأئمة كابنٍ حَجَر الذي قال: ((الحقُّ مع
ابن حبان))(١) والسبكي فيقول(٢): انظُر ما أجهل هذا الجارح، وليت شعري،
مَنِ المجروحُ، مُثبِتُ الحدِّ لله أو نافيه؟! وأما إمامُ الاعتدال الذهبي فيردُّ على
كلا القولين، ويقول(٣): إنكارُه الحَدَّ وإثباتُكُم للحد نوعٌ من فضول الكلام،
والسكوتُ عن الطرفين أولى، إذ لم يأت نصَّ بنفي ذلك ولا إثباته ... إلى أن
قال: فمن نزَّه الله وسكت؛ سلم وتابع السلف. وقال أيضاً(٤): إنكارُكُم عليه بدعةٌ
أيضاً، والخوضُ في ذلك مما لم يأذن به الله، ولا أتى نصٌ بإثباتِ ذلك ولا بنفيه،
و ((من حُسْن إسلام المرءِ تركُه ما لا يَعْنِيه))، وتعالى اللَّهُ أن يُحَدَّ أو يُوصف
إلا بما وصف به نفسه، أو علّمه رسله بالمعنى الذي أراد الله بلا مثل ولا كيف،
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهُوَ السَّميعُ البصير﴾.
وفوق اتهامه بالبدعة والزندقة، ذكره بعضُهم في الكذابين، مع أنه
هو الذي قام بكشف أحوالِ الضُّعفاء والمجروحين، وبيَّن شروطَ الثُّقات
والمُعَدَّلين، لكن حُسِد لفضله وتقدمه كما قال تلميذُه الحاكم، وبعضُ هؤلاء
الحاسدين المُتَّهمين كان من كبار الحفّاظ، مثل أبي الفضل أحمد بن علي بن
عمرو السُّليماني البِيكندي(٥) من قرية بِيْكند قُرب بُخارى، فمع أنَّه تلمذ
لابنِ حِبّان، وأفاد منه، فقد ترجمه في شيوخه في باب الكذابين، فقال:
وأبو حاتم محمدُ بنُ حبان بن أحمد البُسْتي، قدم علينا من سمرقند سنة ٣٣٠
(١) انظر ((لسان الميزان)) ١١٤/٥.
(٢) في ((الطبقات) ١٣٢/٣.
(٣) في ((ميزان الاعتدال)) ٥٠٧/٣.
(٤) في ((سير أعلام النبلاء)) ١٦ / ٩٧.
(٥) ترجمه الذهبي في ((سير أعلام النبلاء)) ٢٠٠/١٧.

٢٥
مقدمة التحقيق
أو ٣٢٩، فقال لي أبو حاتم سهلُ بنُ السري الحافظ: لا تكتبْ عنه، فإنه
كذّاب، وقد صنَّف لأبي الطيب المُصعبي كتاباً في القرامطة، حتى قلَّده قضاء
سَمَرقند، فلما أُخبر أهلُ سمرقند بذلك أرادوا أن يقتلُوه، فهرب، ودخل
بخارى، وأقام دلالاً في البزّازين، حتى اشترى له ثياباً بخمسة آلاف درهم إلى
شهرين، وهربَ في الليل، وذهب بأموال الناس»، ويذكر أبو عبدالله الحاكم أنَّ
السليماني هذا سأله: كتبتَ عن أبي حاتم البُسْتِي؟ فقلتُ: نعم، فقال: إياكَ
أن تروي عنه، فإنَّه جاءني، فكتب مُصَنَّفاتي، وروى عن مشايخي، ثم إنه خرج
إلى سجستان بكتابه في القرامطة إلى ابن بابو حتى قبله، وقلَّده أعمالَ
سِجِستان، فماتَ به. قال السُّلَيماني: فرأيتُ وجهه وجه الكذابين، وكلامَه كلام
الكذابين(١).
وطعنُ السليماني هذا مردودٌ غيرُ مسموع، لأنه شاذٌّ مخالفٌ لأقوال جمهور
الأئمة، ثم إنَّ السليماني على جلالةِ قدره قد عُرف عنه طعنُه لعددٍ من العلماء
الثقات لم يكن ابنُ حبان عنده أحسنَ حالاً منهم، فقد قال الذهبي في ترجمته :
رأيتُ للسليماني كتاباً فيه حَطٍّ على كبار، فلا يُسمع منه ما شذّ فيه. وليس من
شأن ما هو شاذ أن يثبت أمام الحقائق الساطعة، فهي التي تمكث في الأرض،
ويذهب الزبدُ جُفاءً، فقد ظل ابنُ حبان متألّقاً في حياته، بل وبعد وفاته، حتى
إن الناس كانوا يزورون قبره رغم أنف الحاسدين.
نشره للعلم :
تكاثر عليه الطلبةُ للأخذِ عنه والإِفادةِ منه، ولتحصيلِ الأسانيدِ العالية
قصدَه الطلبةُ من الآفاق، قال الحاكم: ((وكانت الرحلةُ إليه لسماعٍ كُبه))(٢)،
وكان يُقرىء ويُعلِّم في كل بلد يَحُلُّ فيه، قال أبو سعد الإِدريسي: وفقُّه الناس
(١) انظر («معجم البلدان)) (بت).
(٢) ((سير أعلام النبلاء)) ٩٤/١٦.

٢٦
الإِحسان في تقريب صحيح ابن حبان
بسَمَرقند. وقال الحاكم: انصرف إلينا في سنة سبع (يعني سبع وثلاثين وثلاث
مئة)، فأقام عندنا بنيسابور، وبنى الخانقاه، وقُرىء عليه جملةٌ من مُصنَّفاته .
وكانت رغبتُه في نشر العلم، وحرصُه على بِّه وبذله، مُصاحباً لفراسةٍ صادقة،
وبصيرة نافذة، يستشِفُّ بهما من هو أهلٌ للتعلم، فيخصُّه بمزيد من العناية،
يقول الحاكم: ((ورد نيسابور سنة ٣٣٤، وحضرناهُ يومَ جمعة بعد الصلاة، فلما
سألناهُ الحديثَ؛ نظر إلى الناس وأنا أصغرُهم سِنّاً، فقال: استملٍ ، فقلتُ:
نعم، فاستمليتُ عليه)) وإذ كان يُولي عنايته من تفرَّس فيه النباهة، وتوسَّم فيه
التفوق، فقد كان بعضُ تلامذته من كبار العلماء، وأعلام الحفاظ، فمنهم:
١ - الإِمام الحافظ أبو عبد الله الحاكم النيسابوري محمد بن عبدالله بن
محمد بن حمدويه الضبي، المتوفى سنة ٤٠٥هـ، تابع شيخه ابن حبان في
جمع الصحيح من الأخبار، فأَلَّف كتابه ((المستدرك على الصحيحين))
وهو الكتابُ المعروف المتداول، وألّف كتباً أخرى نفيسة. مترجم في (سير
أعلام النبلاء)) ١٧ /١٦٢.
٢ - الإِمامُ الحافظ محدثُ الإِسلام أبو عبد الله محمد بن أبي يعقوب
إسحاق بن محمد بن يحيى بن مَنْده العبدي الأصبهاني، صاحبُ كتاب ((معرفة
الصحابة)) و ((التوحيد)) و((الكنى)) وغيرها، مُتوفى سنة ٣٩٥هـ، مترجم في (سير
أعلام النبلاء)» ٢٨/١٧ - ٤٣.
٣ - الإِمام الحافظُ عَلَم الجهابذة أبو الحسن عليٍّ بنُ عمر بن أحمد بن
مهدي الدارقطني، من بحورِ العلم، وأئمةِ الدنيا في الحفظ والفهم والورع،
صاحبُ ((السنن))، و((العلل)) وغيرهما، متوفى سنة ٣٨٥هـ. مترجم في (سير
أعلام النبلاء)) ١٦ / ٤٤٩ - ٤٦١.
٤ - العالمُ الرحَّال الحافظ أبو علي منصورُ بنُ عبد الله بن خالد بن
أحمد الذُّهلي الخالدي الهروي، متهم، متوفى سنة ٤٠١ أو ٤٠٢ هـ، مترجم في
(سير أعلام النبلاء)) ١١٤/١٧، ١١٥.

٢٧
مقدمة التحقيق
٥ - الأديب أبو عمر محمدُ بن أحمد بن سليمان بن غيثة النوقاتي،
صاحبُ التصانيف الكثيرة، متوفى سنة ٣٨٢هـ، مترجم في ((معجم الأدباء))
١٧/ ٢٠٥.
٦ - المحدث أبو الحسن محمد بن أحمد بن محمد بن هارون
الزوزني، روى عنه كتاب ((التقاسيم)) ذكره الذهبي في ((المشتبه)) ٥١/١.
وخلق كثير سواهم.
ويُسجل التاريخُ هنا مأثرةً عظيمة لابن حبان، كان له فيها فضلُ السبق
والتقدم، فهو بالإِضافة إلى قيامهِ ببذلِ علومه الغزيرة، وإقراء مُصنَّفاته النفيسة
لعددٍ لا يُحصى من الطلاب، هو من أوائل ــ بل لعله أولُ - من حَوَّل مكتبته
الخاصة الأثيرةَ لديه، والتي أنفق في تحصيلها وجمعها عُمَرَه وماله، حوّلها إلى
مكتبة عامةٍ يفيد منها طلابُ العلم كافَّة غنيُّهم وفقيرُهم، ذكر ذلك مسعودٌ
السِّجزي كما نقل عنه ياقوتُ، فقال: ((سَبّل كُتُبَه، ووقَفَها، وجمعها في دارٍ
رسمها لها))، ثم عَمَد إلى داره فأوصى أن تُحوَّل إلى مدرسةٍ لأصحابه، ومسكنٍ
للطلاب الغُرباء الذين يَفِدُون لطلب العلم من حديثٍ وفقه وغير ذلك،
ولم يكتف ابنُ حِبّان بوقف المكتبة والمدرسة والمسكن، فقد بقي أمام الطلبة
هَمُّ المعيشة، فكفاهم ذلك بأن وَقَف لهم جِراياتٍ يستنفقونها، ليتفرغوا لطلب
العلم، ويتوجهوا إلى تحصيله بصفاء ذهن وراحة بال(١)، ويكون ابنُ حبان
بإنشائه هذه المدرسة قد سبق الملك العادلَ نورالدين الزنكي رضي الله عنه بأكثر
من قرنين وثلث القرن، ويمكن أن نُصحح هنا ما أورده ابنُ الأثير (٢) وتابعه عليه
المقريزي(٣) من أن نور الدين أول من بنى داراً للحديث.
(١) انظر ((معجم البلدان)) لياقوت، ومقدمة الأمير علاء الدين لهذا الكتاب.
(٢) في كتابه ((التاريخ الباهر)) ص ١٧٢ .
(٣) في ((الخطط والاعتبار)) ٣٧٥/٢.

٢٨
الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان
ولخوف ابنِ حِبّان على ضياع الكتب أو فُقدانها من المكتبة التي وقفها
- وهو يعلَمُ أنَّ الإِعارةَ مضيعةٌ للكتب - فقد اشترط ألا تُخرج من الدار التي
وُقفت فيها، أي إنه منع الإِعارةَ الخارجية التي تذهَبُ بالكُتُب شيئاً فشيئاً، وجعل
خزانة الكتب في يدي وصيٍّ سلَّمها إليه، ليبذُلَها لمن يُريد نسخَ شيءٍ منها من
غير أن يُخرجه منها، هكذا أحكم ابنُ حِبّان الأمر، وأحاطَ تلك المكتبة بسیاجِ
الصيانةِ والحفظ، إلا أن حوادِثَ الدهرِ امتدت إليها على حين غفلةٍ من أهلها،
لتُبعثِرها وتُبدِّدها، وتُخفي نفائسها وكنوزها، وذاك بعد قرابة مئة عام من موت
واقفها ابن حبان، ويذكر ذلك مسعودٌ السجزي للخطيب البغدادي بحُرقة،
فيقول: فكان السببَ في ذهابها مع تطاول الزمان ضعفُ السلطان، واستيلاء
ذَوي العَيْث والفساد على أهل تلك البلاد(١). فلا حول ولا قوة إلا بالله.
وفاته :
وبعد حياة جهادٍ مُتواصل، قضى جُلَّها في الأسفار، وملأ ساعاتِها بالطلب
والسماعِ والإِملاء والاستملاء، وعَمَر أيامها بالتأليف والتصنيف، وتعرَّض فيها
لمحنٍ وأحداث، شاء الله له أن يرجع إلى مسقط رأسِه بُسْت، ليُمْضي فيها بقية
عُمره، ويُوافيه أجلُه وهو بين أهله وأصحابه وطُلّبه، وذلك ليلة الجمعة لثماني
ليال بقينَ من شوال سنة ٣٥٤هـ، فُيُدفن بعد صلاة الجمعة في الصفة التي ابتناها
قُرب داره. قال ياقوت: وقبره بُبُسْت معروفٌ يُزار إلى الآن.
تآليفه :
إِنَّ الناظر في تأليف ابنِ حِبّان يجدُ أنَّه لم يكن حاطب ليل، ولا ناقلاً
للنّصوص من هنا وهناك لجمعها في مكانٍ واحد فحسب، وإنما يلحظُ من خلال
تأليفهِ عَقْلاً مُحقّقً، وفكراً عميقاً، ونظراً ثاقباً، كان يُشبع المسائل بحثاً وتمحيصاً
-
(١) انظر ((معجم البلدان)) (بست).

٢٩
مقدمة التحقيق
ودراسة واستقصاء واستنباطاً، وتصانيفُه تشهد على تلك الجُهود العظيمة،
والمعاناةِ الشديدة التي بذلها لإِخراجِ مُصنَّفاته تنبضُ بالأصالة والإِبداع، وهذا
ما دعا ياقوتَ إلى القول كما سبق: أخرجَ من علوم الحديث ما عَجَزَ عنه غيرُه،
وشهد بذلك أيضاً تلميذُه الحاكم، فقال: صنَّف فَخَرَج له من التصنيف في
الحديث ما لم يُسْبَق إليه، وليس أدلّ على إبداعه ومُعاناتِه في التصنيف من كتابنا
هذا، ((التقاسيم والأنواع)) فقد وصلَ في إبداعهِ إلى درجةٍ من الإِغراب لم يستطع
الناسُ معها تمثُّل طريقته، ولا التكيُّفَ مع منهجه في تأليفهِ، وسيرد الحديثُ عنه
مستقلاً.
وهذا كتابٌ آخر من مصنَّفاته الغزيرة هو «الهدايةُ إلى علم السُّنن)»، أسرد لك
طريقته فيه - كما ذكرها ياقوتُ - لتبَّن الجهودُ المكثفةُ التي بذلها لإِخراج
الكتاب، فهو كتابٌ قصدَ فيه إظهارَ الصناعتين اللتين هما صناعةُ الحديث
والفقه، يذكر حديثاً، ويُترجم له، ثم يذكر من يتفرَّد بذلك الحديث، ومن
مفاريد أي بلدٍ هو، ثم يذكُر كُلَّ اسمٍ في إسناده من الصحابة إلى شيخه بما
يُعرف من نسبتِهِ ومولدهِ وموتِه وكنيته وقبيلته وفضله وتيقَّظه، ثم يذكر ما في ذلك
الحديث من الفقه والحكمة، فإن عارضهُ خبرٌ ذكره، وجمع بينهما، وإن تضادًّ
لفظُه في خبر آخر؛ تلطّف للجمع بينهما، حتى يُعلم ما في كل خبر من صناعةٍ
الفقه والحديث معاً. قال ياقوت: وهذا من أنبل كُتُبِه وأعزِّها.
وهاكَ مصنفاً آخر يكشِفُ عن تلك المعاناة التي ينوءُ بها العصبةُ من
الرجال، إنه كتاب ((شُعَب الإِيمان))، يذكر لنا ابنُ حبان كيف صنَّفَه، فيقولُ: إنه
تتبّع حديثَ أبي هريرة ((الإِيمان بضع وسبعون شعبة)) مدة، فجعل يَعُدُّ
الطاعات، فإذا هي تَزِيدُ على هذا العدد شيئاً كثيراً، فرجع إلى السُّنن، فعَذَّ كُلَّ
طاعةٍ عدَّها رسول الله صلى الله عليه وسلم من الإِيمان، فإذا هي تنقُصُ عن
البضع والسبعين، فرجع إلى كلام الله، فتلاهُ بالتدبُّر، وعدَّ كل طاعة عدها الله
تعالى من الإِيمان، فإذا هي تنقُص أيضاً، فضمَّ الكتاب إلى السُّنن، وأسقط

٣٠
الإِحسان في تقريب صحيح ابن حبان
المُعَاد، فإذا كُلُّ شيء عدَّه الله عَزَّ وجل ونبيُّه صلى الله عليه وسلم من الإِيمان
تسعٌ وسبعون شعبة، لا تزيد عليها ولا تنقص، قال: فعلمتُ أنَّ المراد هذا
الذي في الكتاب والسنة .
فكيفَ إذا ضممتَ إلى كتبه هذه كُتُباً لا تقومُ لولا المعاينة والمعالجة
والدراسة، كما يظهر ذلك من عناوينها، وهذه بعضُها: ((علل أوهام أصحاب
التواريخ)) عشرة أجزاء، ((علل حديث الزهري)) عشرون جزءاً، ((علل حديث
مالك)) عشرة أجزاء، كتاب ((ما خالف فيه الثوري شعبة)) ثلاثة أجزاء، كتاب
((ما انفرد فيه أهل المدينة من السنن)) عشرة أجزاء، كتاب ((ما انفرد به أهل مكة
من السنن)) عشرة أجزاء، كتاب ((ما عند شعبة عن قتادة وليس عند سعيد عن
قتادة)) جزءان، كتاب ((غرائب الأخبار)) عشرون جزءاً، كتاب ((ما أغرب الكوفيون
عن البصريين)) عشرة أجزاء، كتاب ((أسامي من يعرف بالكنى)) ثلاثة أجزاء،
كتاب ((كنى من يعرف بالأسامي)) ثلاثة أجزاء، كتاب ((الفصل والوصل)) عشرة
أجزاء، وكتاب ((التمييز بين حديث النضر الحُدَّاني والنضر الخَزَّاز)) جزآن،
كتاب ((الجمع بين الأخبار المتضادة)) جزآن، كتاب ((وصف العلوم وأنواعها))
ثلاثون جزءاً، كتاب ((الفصل بين النَّقَلة)) عشرة أجزاء، إلى آخر ما ذكره ياقوت
في ((معجم البلدان)).
ولما كانت مصنفاتُه على هذه الدرجة من الأهمية فقد صارت ((عدة
لأصحاب الحديث)) كما قال ياقوت، وحرص الأئمةُ على اقتنائها والإِفادةِ منها،
إلا أن كثيراً منهم لم يتمكن من الحصول عليها، قال الخطيبُ البغدادي: ومن
الكُتُب التي تكثرُ منافعُها إن كانت على قدر ما ترجمها به واضعُها مصنفاتُ
أبي حاتم محمد بن حِبّان البُسْتي التي ذكرها لي مسعودُ بنُ ناصر السِّجزي،
ووقّفَني على تذكرةٍ بأسمائها، ولم يُقَدَّر لي الوصولُ إلى النظر فيها، لأنها غيرُ
موجودة بيننا ولا معروفةٍ عندنا .
ولم تكن هذه الكتب نادرةً في بغداد فحسب، بل كانت في سجستان

٣١
مقدمة التحقيق
أيضاً عزيزة المنال، فقد سأل الخطيبُ البغداديُّ مسعوداً السِّجْزي: أكُلُّ هذه
الكتب موجودةٌ عندكم، ومقدورٌ عليها ببلادكم؟ فقال: إنما يُوجد منها الشيء
اليسيرُ والنزر الحقير. ويُبين السِّجزي سببَ نُدرتها، فيقول: وقد كان
أبو حاتم بن حبان سَبَّل كتبه، ووقَفَها، وجمعها في دارٍ رسمها لها، فكان السببَ
في ذهابها - مع تطاول الزمان - ضعفُ السلطان، واستيلاءُ ذوي العَيْث والفَسَاد
على أهل تلك البلاد. فيتحسَّرُ الخطيبُ على ضياع هذه الكُتُب، ويَنعى على
أهلِ تلك البلاد جهلهم وبَلَادتهم، فيقول: ومثلُ هذه الكتب كان يجب أن يكثُرَ
بها النسخُ، فيتنافس فيها أهل العلم ويكتبوها، ويجلِّدوها إحرازاً لها،
ولا أحسب المانعَ من ذلك كان إلا قلةَ معرفة أهل تلك البلاد بمحل العلم
وفضله، وزُهدهم فيه، ورغبتهم عنه، وعدمَ بصيرتهم به. والله أعلم.
ويبدو لي أنَّ ثمتَ سبباً آخر كان وراء ضياع كتبه، وهو خصومته الشديدة
لأتباع أبي حنيفة، وتأليفه كتباً في ((مثالبه)) و((علل مناقبه)) و((علل ما استند
إليه))، وهو مقيم مع مكتبته في بلادٍ أغلبُ أهلها على مذهب أبي حنيفة،
يضاف إلى ذلك تلك المنازعة الشديدة التي جرت بينه وبين واعظ سجستان
يحيى بن عمار في مسألة الحد لله، وأدت إلى طرده، مما يدلُّ على مدى تأثير
الواعظ على الرأي العام هناك، كل ذلك مما جعل أهل تلك البلاد ينظرون
إلى كتبه شزراً، ولا يقدرونها حقَّ قدرها، فلا يحرزونها، ولا يأبهون لفقدانها،
بل لعله كان لهم يد في تبديدها، فللَّه الأمر.
ما طُبع من مؤلفاته :
١ - كتاب ((الثقات)): وقد اختصره مع كتابه الآخر ((المجروحين
والضعفاء)) من كتابه ((التاريخ الكبير)) لما رآهُ من صعوبة حفظ كل ما في ((الكبير))
من الأسانيد والطرق والحكايات، فذكر في ((الثقات)) الذين يجوزُ الاحتجاج
بخبرهم، فقال: فكلُّ من أذكرهُ في هذا الكتاب الأول فهو صدوقٌ يجوزُ
الاحتجاج بخبره إذا تعرَّى عن خصال خمس فذكرها المؤلف وهي:
-:- ١-
١٠

٣٢
الإِحسان في تقريب صحيح ابن حبان
١ - أن يكون فوق الشيخ الذي ذكر اسمه في الإِسناد رجلٌ ضعيف
لا يحتج بخبره.
٢ - أو يكون دونه رجل واه لا يجوزُ الاحتجاجُ بروايته.
٣ - أو يكون الخبر مرسلاً لا تلزم به الحجة .
٤ - أو يكون منقطعاً لا تقوم بمثله الحجة.
٥ - أو يكون في الإِسناد رجل مدلس لم يُبين سماعه في الخبر من
الذي سمعه منه.
ثم قال: فكلُّ من ذكرتُه في كتابي هذا إذا تعرَّى عن الخصال الخمس
التي ذكرتُها؛ فهو عدلٌ يجوزُ الاحتجاج بخبره.
ثم ذكر شرط العدل الموثَّق عنده، فقال: ((العدل من لم يُعرف منه الجرح
ضد التعديل، فمن لم يعلم بجَرحٍ فهو عدلٌ إذا لم يُبَيَّن ضده)» ويُعلل ما ذهب
إليه بقوله: ((إِذْ لم يُكَلَّف الناسُ من الناس معرفةَ ما غاب عنهم، وإنما كُلّفوا
الحكم بالظاهر من الأشياء غير المغيب عنهم)).
وسيرد مناقشةٌ منهج ابن حبان في توثيق المستور عند الحديث عن شروطه
في كتابه ((الصحيح)) هذا.
وقد رَتَّب كتابه هذا على الطبقات، فبدأ بذكرِ المصطفى صلى الله عليه
وسلم وهولده ومبعثه وهجرته إلى أن قبضه الله، ثم ذَكَرَ الخلفاء الراشدين
والخلفاء الذين جاؤوا بعده حتى المطيع بن المقتدر، ثم ذَكّر الصحابةَ على
ترتيب حروف المعجم بالتزام الحرف الأول، ثم التابعين الذين شافهوا
أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأقاليم كلها على المعجم أيضاً،
ثم القرن الثاني الذين رأوا التابعين، ثم القرن الثالث الذين هم أتباع التابعين،
وكُلُّ قرن رتَّبه أيضاً على حروف لمعجم. وقد طُبع الكتابُ بتمامه في تسعة
أجزاء في مطبعة دائرة المعارف العثمانية بحيدر أباد الدكن بالهند، فصدر
الجزء الأول منه سنة ١٩٧٣م، والتاسع سنة ١٩٨٣م.

٣٣
مقدمة التحقيق
وأما كتابُه الآخر الذي هو صنُو هذا الكتاب، فهو:
٢ - كتاب ((معرفة المجروحين من المحدثين والضعفاء والمتروكين))
وهذا هو العنوانُ الذي طُبع به، وقد أشار إليه ابنُ حبان في مقدمة ((الثقات)) باسم
((الضعفاء بالعلل))، وعنونةُ المؤلف لكتابه بهذا الاسم إشارةٌ إلى أنه ذكر العلل
التي من أجلها ذكرهُ في الضُّعفاء، وصرَّح بذلك في مُقدمته، فقال: وإني ذاكرٌ
ضعفاء المُحدثين وأضدادَ العدول من الماضين، ممن أُطلق أئمتنا عليهم القَدْح،
وصحَّ عندنا فيهم الجَرْح، وأذكر السبب الذي من أجله جُرح، والعِلَّة التي بها
قُدح.
وقد قدم له بذكر أنواع الجَرْح، فكانت عنده عشرين نوعاً، ثم أورد أسماء
المجروحين مُرتَبةً على حروف المعجم، أعقبها بباب الكنى، وطريقتُه أن يذكر
الاسم كاملاً مع كنيته، وقد يذكُر بعضَ شيوخه، وبعضَ الرواةِ عنه، ثم يذكر
نوعَ الجرح الذي رُمي به، مُحتجاً لما ذهب إليه، ثم يُورِدُ الأحاديث المُنكرة
التي رُويت من طريقه .
وقد طُبع الكتابُ بتحقيق الأستاذ محمود إبراهيم زايد، وصدَر في ثلاثة
أجزاء، عن دار الوعي بحلب.
٣ - كتاب ((مشاهير علماء الأمصار)) وهو كتابٌ مختصر ذكر فيه مشاهير
علماء الأمصار، وأعلامَ فُقهاء الأقطار، دون الضُّعفاء والمتروكين، والأمصار
التي اقتصر على ذكر أعلامها هي مكةُ والمدينةُ والبصرة والكوفة وبغداد وواسط
وخراسان والشام ومصر واليمن، ويضم (١٦٠٢) من التراجم، ورتَبه على
الطبقات، فذكر الصحابة، ثم التابعين، ثم أتباع التابعين. وقد طُبع الكتاب في
القاهرة سنة ١٩٥٩ باعتناء المستشرق م. فلاد يشهمر.
٤ - كتاب ((روضة العقلاء ونزهة الفضلاء)) وهو كتابٌ لطيف في
التهذيب والآداب ومكارم الأخلاق، وذكر في طيَّاته بعضَ تآليفه في الرقائق

٣٤
الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان
أيضاً، وقد طُبع غير مرة، منها بتحقيق محمد محيي الدين عبدالحميد ومحمد
عبدالرزاق حمزة ومحمد حامد الفقي في مطبعة السنة المحمدية سنة ١٩٤٩م.
هذا ما عرفتُه مما طُبع من مؤلفاته، وآنَ لنا أن نشرع في الحديث عن كتابه
الذي نحنُ بصدد إخراجه، وهو:
التقاسيم والأنواع :
وهو هذا الكتابُ الذي نُصدره بترتيب الأمير علاء الدين الفارسي، واسمُه
الكاملُ كما سمَّه مؤلّفُه ((المسند الصحيح على التقاسيم والأنواع من غير وجود
قَطْعٍ في سندها ولا تُبُوتِ جَرْح في ناقليها)) وثبتَ هذا في عنوان الكتاب من
النسخة الموجودة بدار الكتب المصرية(١)، وغيرها، وهو ما ذكرهُ الأميرُ
علاءُ الدين الذي رتَّبه وبوَّبه، لكن اقتصر على لفظ ((التقاسيم والأنواع)) كما سيردُ
في مقدمته الآتية، وهو ما أورده الذهبي في ترجمة ابن حبان وفي مواضع أخرى
من ((السير))، والهيثمي في ((موارد الظمآن)) ص ٢٩، والسيوطيُّ في ((تدريب
الراوي)» ١٠٩/١، وذكره الذهبي أحياناً باسم ((الأنواع والتقاسيم))، وسماه
أبو سعد الإِدريسي - كما نقل الأميرُ في مقدمته الآتية - ((المسند الصحيح))،
وابنُ حبان في تَسْمية كتابهِ هذا متابعٌ شيخَه ابنَ خزيمة، فقد ذكر ابنُ حجر في
((النكت الظراف) ٢٩١/١ أنَّ ابن خُزيمة سمَّى صحيحه («المسند الصحيح المتصل
بنقل العَدْل عن العَدْلِ من غير قَطْعٍ في السند ولا جَرْحِ فِي النَّقَلة)(٢)، وبما أنَّ
ابن حِبّان اشترط فيه الصحيح، فقد شاع على ألسنة المحدثين والحُفّاظ باسم
(١) وهم الزركلي في ((أعلامه))، فجعل هذا الكتاب كتابين، فقال في ترجمة ابن حبان .: ((ومن كتبه
(((المسند الصحيح)» في الحديث، و((الأنواع والتقاسيم)) جمع فيه ما في الكتب الستة محذوفة
الأسانيد))، وهو خطأ بين من عدة وجوه كما ترى، فليس ((الأنواع والتقاسيم)) كتاباً غير ((المسند
الصحيح))، ولا جمعاً لما في الكتب الستة، ولا محذوف الأسانيد.
(٢) لم يتبين لمحقق ((صحيح)) ابن خزيمة اسم الكتاب كما سماه به مؤلفه، فيستدرك من هنا.
.- أ.

٣٥
مقدمة التحقيق
((صحيح)) ابن حبان، وهذا ما دعا العلامة المرحوم أحمد شاكر أن يُطلق عليه في
الجزء الذي طبعه من الكتاب، اسم ((صحيح)) ابن حبان، وآثرنا نحن أن نُسمِّيه
بالاسم الذي أطلقه عليه مُرتُبه الأمير علاء الدين الفارسي، وهو ((الإِحسان في
تقریب صحيح ابن حبان».
وذكر ابنُ حبان أنَّ الذي دعاه إلى تأليفه(١) ما رآه من كثرة طُرُق الأخبار،
وقلةٍ معرفةِ الناس بالصحيح منها، واشتغالهم عنها بكِتْبة الموضوعات، وحفظٍ
الخطأ والمقلوبات، وهم مع ذلك مُعتمدون على ما في الكتب دون حِفْظها
وتحصيلها في صدورهم، فدفعه ذلك إلى جمع الأسانيد الصحيحة، ووضعها
في أيدي الناس لصَرْفِهم عن الأخبار والأسانيدِ الضعيفة والموضوعة، ثم حَمْلِهم
على حِفْظها بحيلةٍ يخترِعُها في طريقةٍ ترتيب هذه الأخبار، ومن هنا ينبغي
البحثُ في هذين الأمرين: الأول: شروطه في جمع هذه الأسانيد الصحيحة،
ومناقشتها، ثم ذكر منزلة كتابه من هذه الناحية بين كتب الصحاح، ومدى عناية
العلماء به، والثاني : طريقة ترتيبه التي اخترعها لحمل الناس على حفظ السنن.
شروطه في جمع الكتاب :
لقد أجمل شرطه في عنوان الكتاب حين قال: من غير وجود قَطْع في
سندها، ولا تُبُوت جرح في ناقليها، ثم فصَّله في تقدمته للكتاب، فقال(٢): وأما
شرطُنا في نقل ما أودعناه كتابنا هذا من السُّنن، فإنّا لم نحتجَّ فيه إلا بحديثٍ
اجتمع في كل شيخٍ من رواته خمسةُ أشياء:
الأول: العدالة في الدين بالستر الجميل.
والثاني: الصدق في الحديث بالشهرة فيه.
(١) راجع مقدمته الآتية.
(٢) راجع مقدمته الآتية .

٣٦
الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان
والثالث: العقل بما يحدث من الحديث.
والرابع: العلم بما يحيل من معاني ما يروي.
والخامس: تعري خبره عن التدليس.
قال: فكلُّ من اجتمع فيه هذه الخصال الخمس احتججنا بحديثه، وبنينا
الكتابَ على روايته، وكل من تَعَرَّى عن خصلةٍ من هذه الخصال الخمس
لم نحتج به.
ثم بسط المؤلفُ كلامَه عن هذه الشروط، ودافعَ عن مَنهجه في
التصحيح، وقد نُوزع في شرط العدالة كما نوزع في الجرح، إِذْ عُدَّ من بين
المتشدِّدين المتعنِّتين في الحكم على الرجال، الذين يجرحون الراوي بأدنى
جرح، شأنُه في ذلك شأنُ النسائي وابنٍ معين وأبي حاتم الرازي وابنِ القطان
أبي الحسن علي بن محمد بن عبدالملك الفاسي، ويحيى بن سعيد
القطان(١).
وقد أشار الأئمةُ إلى تشدُّده وتعنُّته في الجرح، فقال الذهبي في ((ميزان
الاعتدال)» في ترجمة أفلح بن سعيد المدني : ((ابنُ حبان ربما قصَّب (أي جرح)
الثقة، حتى كأنه لا يدري ما يخرجُ من رأسه)) ونقل قوله هذا ابنُ حجر في
((القول المُسَدَّد في الذبِ عن مُسند أحمد)».
وقال الذهبي أيضاً في ترجمة سويد بن عمرو الكلبي بعد نقل توثيقه
عن ابن معين وغيره. أما ابنُ حِبّان فأسرف واجترأ، فقال: كان يقلب
الأسانيد ويضع على الأسانيد الصحيحة المتون الواهية.
وقال في ترجمة عثمان بن عبدالرحمن الطرائفي : أما ابنُ حِبّان فإنه تقعقع
كعادته .
وقال في ترجمة عارم محمد بن الفضل السدوسي شيخ البخاري بعد
(١) انظر ((الرفع والتكميل))، ص ١١٧.
١٠-٠٠

٣٧
مقدمة التحقيق
أن نقل توثيقَه عن الدارقطني: فهذا قولُ حافظ العصر الذي لم يأت بعد
النَّسَائِ مثلُه، فأين هذا القولُ من قولِ ابن حبان الخسَّاف المُتهور في
عارم؟ وبعد أن أورد الذهبي قولَ ابنٍ حبان، قال: ولم يقدر ابنُ حِبّان أن
يَسوق له حديثاً مُنكراً، فأين ما زعم؟
وفي ((شرح الألفية)) للحافظ العراقي ٢٦٩/٣: وأنكر صاحب
((الميزان)) هذا القول من ابن حبان: ووصفه بالتخسيف والتهور.
وقال التقي السُّبكي في ((شفاء السقام)) ص ٢٤ : وأما قولُ ابنِ حبّان في
النعمان: إنه يأتي عن الثقات بالطامات فهو مثلُ قولِ الدارقطني، إلا أنه بالغَ
في الإِنكار.
وقد قسم الإِمام الذهبي في رسالته ((ذكر من يعتمد قوله في الجرح
والتعديل)) ص ١٥٨ : من تكلّم في الرجال أقساماً، فذكر منهم قسماً مُتعنّاً
في الجَرْحِ، مُتَتَبِّتاً في التعديل، يغمِزُ الراوي بالغلطتين والثلاث، ويُلِّنُ
بذلك حديثه قال: فهذا إذا وَثَّق شخصاً فعضَّ على قوله بناجذيك وتمسَّكْ
بتوثيقه، وإذا ضعَّف رجلاً فانظر هل وافقه غيره على تضعيفه؟ فإن وافقه
ولم يُؤثِّق ذلك الرجل أحدٌ من الحذّاق فهو ضعيف، وإن وثَّقَه أحدٌ فهذا هو
الذي قالوا فيه: لا يقبل تجريحه إلا مُفَسَّراً ...
من هنا برزت أهميةُ توثيق ابنٍ حبّان، ولأهميتها فقد اعتمد الحافظُ
المزي على كتاب ((الثقات)) له، والتزم في ((تهذيب الكمال)) إذا كان الراوي
ممن له ذكرٌ في ((الثقات)) أن يقول: ذكره ابن حبان في ((الثقات)). وتابعه
الحافظ ابن حجر في ((تهذيب التهذيب».

٣٨
الإِحسان في تقريب صحيح ابن حبان
ولكن بعضَهم - مع هذا - نَسَبَ ابنَ حبان إلى التساهُل، فقال:
وهو واسعُ الخطو في باب التوثيق، يُوثِّق كثيراً ممن يستحق الجَرْح(١)، وقد
أجاب اللكنويُّ عن هذا، فقال(٢): وهو قولٌ ضعيف، فإنك قد عرفتْ أنَّ
ابن حبان معدودٌ ممن له تعنّت وإسرافٌ في جَرْح الرجال، ومَن هذا حالُه
لا يُمكن أن يكون مُتساهلا في تعديل الرجال، وإنما يقع التعارضُ كثيراً بين
توثيقه وبين جَرح غيره، لكفاية ما لا يكفي في التوثيق عند غيره عنده.
وقد نقل السخاويُّ في ((فتح المغيث)) ٣٦/١ أنَّ ابن حجر نازع في نسبة
ابن حبان إلى التساهُل، فقال: إن كانت (أي نسبته إلى التساهل) باعتبار وُجدان
الحسن في كتابه؛ فهو مشاحّةٌ في الاصطلاح، لأنه يُسميه صحيحاً، وإن كانت
باعتبار خِفَّة شُرُوطه فإنه يُخرج في الصحيح ما كان راويه ثقةً غَيْرَ مدلس، سمع
ممن فوقَه، وسمع منه الآخذ عنه، ولا يكون هناك انقطاعٌ ولا إرسال(٣)، وإذا
لم يكن في الراوي المجهولِ الحالِ جَرْحٌ ولا تعديل، وكان كُلُّ من شيخه
والراوي عنه ثقةً، ولم يأتِ بحديثٍ منكر، فهو ثقةٌ عنده، وفي كتاب ((الثقات)) له
كثيرٌ ممن هذا حالُه، ولأجل هذا ربما اعترض عليه في جعلهم ثقاتٍ من
لم يعرف اصطلاحَه، ولا اعتراضَ عليه، فإنه لا يُشاحُ في ذلك.
وقال السيوطي في ((تدريب الراوي)) ١٠٨/١ تحت قول النووي: ويُقاربُه
(أي صحيح الحاكم) في حكمه صحيحُ أبي حاتم ابن حبان: قيل: ما ذُكر من
تساهل ابنِ حِّان ليس بصحيحٍ ، فإنَّ غايته أنه يُسمي الحسن صحيحاً، ثم نقل
السيوطيُّ نحو قول ابنِ حجر السالف.
(١) انظر (مقدمة ابن الصلاح)» ص ٢٢ (طبعة الدكتور نورالدين عتر)، و((الرفع والتكميل))
ص ١٣٩.
(٢) في ((الرفع والتكميل، ص ١٣٩.
(٣) وقد ذكر ابن حبان شرط الثقة الذي يحتج به في مقدمة كتابه ((الثقات))، وذكرتُها عند إيراد الكتاب
في مؤلفاته، فانظرها.

٣٩
مقدمة التحقيق
إذن غايةُ ما في الأمر عند ابن حبان أنه يُوثِّق مستور الحال، وهو ما لم يكن
فيه جَرْحٌ ولا تعديل، وكان كُلٌّ من شيخه والراوي عنه ثقةً، ولم يأتِ بحديث
منكر، وقد وثَّق الأئمةُ كثيراً ممن هذا شأنُهم، وثمتَ نُقولٌ كثيرةٌ عنهم تُعزِّز رأيَه
في رواية المستور، فقد نقل الذهبيُّ في ((الميزان)» ٥٥٦/١ في ترجمة
حفص بن بُغيل قولَ ابنِ القطان فيه: لا يُعرف له حالٌ ولا يعرف، ثم عقَّبه بقوله :
لم أذكر هذا النوع في كتابي هذا، فإنّ ابنَ القطان يَتَكلَّم في كل من لم يقُلْ فيه
إمامُ عاصر ذاك الرجلَ أو أخذ عمن عاصره ما يدلُّ على عدالته، وهذا شيءٌ
كثير، ففي ((الصحيحين)) من هذا النَّمَط خلقٌ كثير مستورون، ما ضعَّفهم أحدٌ،
ولا هم بمجاهيل.
ونقل أيضاً في ترجمة مالك بن الخير الزبادي قولَ ابن القطان فيه :
هو ممن لم تَثبت عدالتُه، ثم قال: يُريد أنه ما نصَّ أحدٌ على أنه ثقة، وفي رُواة
(الصحيحين)) عددٌ كثيرٌ ما علمنا أحداً نصّ على توثيقهم، والجمهورُ على أنَّ من
كان من المشايخ قد روى عنه جماعةٌ، ولم يأت بما يُنكر عليه؛ أنَّ حديثه
صحیح .
وجاء في كتاب ((قرة العين في ضبط أسماء رجال الصحيحين)) ص ٨:
لا يُقبل مجهولُ الحال، وهو على ثلاثة أقسام، أحدها: مجهولُ العدالة ظاهراً
وباطناً، فلا يقبل عند الجمهور، ثانيها: مجهولُ العدالة باطناً، وهو المستورُ،
والمختارُ قَبوله، وقطع به سُلَيمٌ الرازي أحدُ أئمة الشافعية وشيخُ الحافظ
الخطيب البغدادي، وعليه العملُ في أكثر كُتُب الحديث المشهورة فيمن تقادم
عهدهم، وتعذَّرت معرفتهم.
وجاء في كتاب ((الغاية في شرح الهداية في علم الرواية)) للحافظ
السَّخَاوي في بحث المجهول: ثالثها (أي ثالث أحوال المجهول) مجهولُ الحال
في العدالة باطناً لا ظاهراً، لكونه عُلِمَ عَدَمُ المُفَسِّق فيه؛ ولم تُعلم عدالتُه،
لفقدان التصريح بتزكيته، فهذا معنى إثبات العدالة الظاهرة، ونفي العدالة
٠٠-١ ٠-٠٥-١٠٠٠١ ----

٤٠
الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان
الباطنة، لأنَّ المُراد بالباطنة ما في نفس الأمر، وهذا هو المستورُ، والمختارُ
قَبِولُه، وبه قطع سُليم الرازي. قال ابنُ الصلاح: ويُشبه أن يكون عليه العملُ
في كثير من كتب الحديث المشهورة فيمن تقادم العهدُ بهم، وتعذّرت الخبرةُ
الباطنةُ لهم.
وقال مثلَه السخاويُّ أيضاً في ((شرح الألفية)) ٣٢١/١ و٣٢٣ و٣٤٧.
وفوق ما تقدم من أقوال الأئمة التي تُعَزِّزُ رأي ابن حبان في توثيق
المستور، فإن التوثيقَ الذي أخذ به ابنُ حبان في ((صحيحه)) هذا أقوى بكثير من
توثيقه في كتابه ((الثقات))، ويتبَّن ذلك من مقدمته التي تُبين كيف كان يجتهد في
توثيق الرواة أو تضعيفهم، ويُزاحم الكبار في ذلك، ويعتمد الحُجة في الرد على
من يخالفه، كما فعل في نقاشه مع حافظ الزمان الإِمام البخاري مما سيردُ في
المقدمة، ولئن كان في كتابه ((الثقات)) ينفردُ بتوثيق المجاهيل، فإنه في
((صحيحه)) هذا قد وافق الجمهورَ في أكثر من تسعين بالمئة من توثيقه، وهنا
تكمن أهميةُ هذا الكتاب، إذ تبيَّن من دراسة أسانيده أنَّ الكثرة الغالبةَ منها إنما
هي على شرط الشيخين، علاوةً على أنَّ الشيوخ - الواحد والعشرين - الذين
عَوَّل عليهم أكثر من غيرهم وأدار عليهم رواية السنن؛ هُم من أثبت الشيوخ
وأتقنهم، كما يُعلم من تراجمهم المُوجزة التي عرضْتها في بحث ((شيوخه))،
وهذا ما جعل هذا الكتاب يتبوأ منزلةً رفيعةً بين كتب الصحاح، إذ جمع من
الأحاديث ما كان في أعلى درجات الصحة.
منزلته بين الصحاح :
إِنَّ انشروط التي التزمها المؤلف ووفّى بها، جعلت الأئمةَ يحكُمون على
الحديثِ بالصحة، لمجرد روايتهِ في ((صحيحه))، فقال ابنُ الصلاح(١): ويكفي
مجردُ كونه موجوداً في كتب من اشترط منهم الصحيح فيما جمعه، ككتاب
(١) في ((علوم الحديث)) ص ٢١ تحقيق الدكتور نورالدين عتر.