Indexed OCR Text

Pages 381-400

٣١٤
شرح علل الترمذي
=
وأخرجهُ أحمدُ ج٦ ص٢٨٨ رقم ٤٦٣١ حدثنا إسماعيلُ ومحمد بن جعفر
قالا : حدثنا مَعْمَرٌ عن الزهريِّ - قال ابنُ جعفر في حديثِهِ : أخبرنا ابنُ شهابٍ -
عن سالم عن أبيه أن غيلانَ بن سلمةَ الثقفيَّ أسلمَ وتحتَه عشرُ نسوةٍ ، فقال له
النبيُّ وَّلَهُ: ((اختر منهنَّ أربعاً)).
فلما كانَ في عهدٍ عمرَ طلَّقَ نساءَه، وقسمَ ماله بينَ بنيه ، فبلغَ ذلكَ
عمرَ ، فقال : إني لأظنُّ الشيطان فيما يسترقُ من السمع سَمِعَ بموتِكَ فقذفَه
في نفسِكَ، ولعلَّكَ أن لا تمكثَ إلا قليلاً، وايمُ اللهَ لتُراجِعَنَّ نساءك ،
ولترجعَنَّ في مالك، أو لأورِثُهُنَّ منك، ولا مرنَّ بقبرك فيرجمُ كما رُجمَ قبرُ
أبي ڕِغال)) ..
وهكذا أخرجهُ ابنُ حِبَّان بطولِهِ من طريقِ إسماعيل بن أمية عن مَعْمَر ،
بمثله سنداً ومتناً ((موارد الظمآن)) ص ٣١٠ - ٣١١. و((الإحسان)) ٩ /٤٦٣.
وهذا الإسناد : الزهريُّ عن سالم عن أبيه صحيحٌ غاية الصِّحَّة ، بل هو مما
حكم له العلماءُ أنه أصحُ الأسانيدِ مطلقاً ، ومَعْمَر هو ابن راشد ثقة حافظٌ من
الأئمةِ ، والرواةُ عنه ثقاتٌ أيضاً .
لكنَّ الحديثَ تعرَّضَ للقدح بالإعلال .
فقال الترمذيُّ: ((وسمعتُ محمد بن إسماعيلَ يقولُ : هذا حديثٌ غيرُ
محفوظٍ ، والصحيح ما روى شعيبُ بن أبي حمزةَ وغيرُه عن الزهريِّ وحمزة
قال: ((حُدِّثْتُ عن محمدِ بن سويد الثقفيِّ أن غيلانَ بن سلمةَ أسلمَ وعنده عشرُ
نسوة)) .
قال محمد : وإنما حديثُ الزهريِّ عن سالم عن أبيه أن رجلاً من ثقيف
طَلَّق نساءه فقال له عمر : لتراجعَنَّ نساءَكَ أو لأرجُمَنَّ قبرَكَ كما رُجِمَ قبرُ أبي
رِغَال )).
قال أبو عيسى: (( والعملُ على حديثٍ غيلان بن سلمةَ عند أصحابنا :
منهم الشافعيُّ، وأحمدُ ، وإسحاقُ)) . انتهى .

٣١٥
فصل في الحديث المرسل
=
فقد أعلَّهُ الإمامُ محمدُ بن إسماعيلَ البخاريُّ بمخالفةٍ شعيب وغيرهِ ، فقد
رووا عن مَعْمَر بالسندِ قصَّةَ تطليقٍ غيلانَ نساءه في عهدٍ عمرَ . ولم يذكروا قصَّةَ
إسلامهِ .
وقال الحاكمُ في ((المستدركِ)): ((وقد حَكَمَ الإمامُ مسلمُ بن الحجَّاجِ أن
هذا الحديثَ مما وهمَ فيهِ مَعْمَر بالبصرةِ ، فإن رواه عنه ثقةٌ خارجَ البصريين
حكمنا بالصِّحَّةِ )).
ووجه هذا أن مَعْمَراً حَدَّثَ في رحلته إلى البصرة أحاديثَ وَهِمَ فيها ، كما
سيأتي بيانُه للحافظِ ابنِ رجب إن شاء اللهُ تعالى في القسم الثاني من شرحه :
٦٠٣ .
وقد قال الحاكمُ عقب هذا: (( فوجدت سفيانَ الثوريَّ وعبد الرحمن بن
محمد المحاربيَّ وعيسى بن يونس وثلاثتهم كوفيون حَدَّثوا به عن معمر عن
الزهريِّ عن سالم عن أبيه رضي الله عنه ... )). قال في ((التلخيص الحبير)):
(( ولا يفيدُ ذلكَ شيئاً فإن هؤلاءِ كلِّهم إنما سمِعوا منه بالبصرةِ وإن كانوا من غيرِ
أهلها)). وقال البزَّارُ: ((جَوَّدَه مَعْمَرُ بالبصرةِ وأفسدَهُ باليمنِ فأرسلَهُ)). وقالَ
ابنُ أبي حَاتِم عن أبيه وأبي زُرعةَ: ((المرسلُ أصحُ)). ((التلخيص الحبير))
ص ٣٠٠ .
وفي ((التلخيص)) أيضاً ص٣٠١: ((وإنما اتجهتْ تخطئتُهم حديثَ معمر
لأنَّ أصحابَ الزهريِّ اختلفوا عليه : فقال مالكٌ وجماعة عنه: بلغني ..
فذكره ، وقال يونسُ عنه : عن عثمانَ بن محمد بن أبي سويد وقیل عن يونس
عنه بلغني عن عثمان بن أبي سويد ، وقال شعيبٌ : عنه عن محمد بن أبي
سويد . ومنهم من رواه عن الزهريِّ قال : أسلمَ غيلانُ ... فلم يذكر واسطةً ،
فاستبعدوا أن يكون عند الزهريِّ عن سالم عن ابن عمر مرفوعاً ، ثم يحدِّث به
على تلك الوجوهِ الواهيةِ . وهذا عندي غيرُ مستبعد)). انتهى كلام ابن حجر.
والحاصلُ من كلِّ ما ذكرناه أن الحديثَ حكم فيه علىْ معْمَرٍ بالوهمِ لورودِهِ
على أوجهٍ مختلفةٍ .
=

٣١٦
شرح علل الترمذي
=
وقد أجيبَ عن ذلكَ كلِّه بما يطولُ تفصيلُه ، وحاصلُ ذلكَ أنه لا تعارضَ
بين هذه الروايات . والحديثُ ثابتٌ عن مَعْمَر على الوجهينِ الوصل
والإرسالِ ، وكذا عن الزهريِّ من روايته عن سالمٍ وعن غيرهِ أيضاً . لذلكَ قالَ
ابنُ حجر: ((وهذا عندي غيرُ مستبعَد)).
وهو رأيُ الحاكمِ أيضاً، فقد قال في ((المستدرك)) ج٣ ص١٩٣ :
(( والذي يؤدي إليه اجتهادي أن مَعْمَرَ بن راشد حدَّث به على الوجهين : أرسلَه
مرَّة ، ووصله مرَّة . والدليلُ عليه أن الذين وصلوه عنه من أهل البصرة فقد
أرسلوه أيضاً ، والوصلُ أولى من الإرسالِ ، فإنَّ الزيادةَ من الثقةِ مقبولةٌ . والله
أعلم )).
ويقوي ذلكَ أمورٌ ، منها :
١ - أن روايةَ الوصلِ زيادةُ ثقةٍ، كما قال الحاكمُ ، وزيادةُ الثقةِ مقبولةٌ .
٢- أن الحديثَ قد ثبتَ بشقيه مُسنداً متصلاً مرفوعاً في المسندِ من روايةٍ
إسماعيل ومحمدٍ بن جعفر حدثنا مَعمر ... إلى آخره، كما ذكرناه في أولٍ
هذه التعليقةِ، فدَلَّ على أنه لا منافاةَ بين ما ذكرهُ البخاريُّ وبين رواية معْمَرٍ وأنه
ثابتٌ على الوجهينِ .
وإسماعيلُ هنا فسَّره ابن حجر في ((التلخيص)) ص٣٠١ بابن عُلَيَّة ، لكنه
في ((موارد الظمآن)): إسماعيل بن أمية .
٣- ما أخرجهُ الدَّار قُطنيُّ في «سننه » ج٣ ص٢٧١ - ٢٧٢ بسندهِ من طريق
سيفٍ بن عبيد الله الجرمي نا سَزَّارُ بن مُجَشِّر عن أيوبَ عن نافع وسالم عن ابن
عمر أن غيلانَ . فذكرَ الحديثَ مطولاً بنحو روايةٍ أحمد المطولة في المسند .
وكذا أخرجَهُ من هذا الطريقِ النسائيُّ كما في ((التلخيص )) ص٣٠١. ولم
نجده في ((المجتبى))، وكذا ذكر أحمد شاكر ج٦ ص٢٧٩ قال: ((لم أجده
في سننِ الَّسائي ، والظاهرُ أنه في السنن الكبرى ».
وهذا الإسنادُ صحيحٌ، قال الحافظُ في ((التَّلخيصِ الحبيرِ)) ص٣٠١
(( ورجالُ إسنادِهِ ثقاتٌ)).

٣١٧
فصل في الحديث المرسل
بصحيح ، والعملُ عليه ، كان عبدُ الرَّزَّاقِ يقولُ: عن مَعْمَرٍ عن
الزهريِّ ، مرسلاً)).
وظاهرُ هذا أنه يعملُ به مع أنَّه مرسلٌ وليسَ بصحيحٍ ، ويحتَمِلُ
أنه أرادَ ليس بصحيحٍ وصلُه .
وقد نَصَّ أحمدُ على تقديمِ قولِ الصحابيِّ على الحديثِ
المرسلِ .
وهكذا كلامُ ابنِ المباركِ ، فإنه قد تقدَّم عنه(١) أنه ضعَّفَ مرسلَ
حَجَّاج بن دينارٍ ، وقد احتَمَلَ مرسلَ غيرِه ، فروى(٢) الحاكمُ عن
الأصمِّ ثنا عبدُ اللهِبن أحمد بن حنبل قال : وجدتُ في كتابٍ أبي نا
الحسنُ بن عيسى قال : حدَّثتُ ابن المبارك بحديثٍ لأبي بكر بن
عَيَّاش عن عاصم عن النبيِّ وَّةَ، فقال: ((حَسَنٌ)) . فقلتُ لابنِ
المباركِ : ((إنه (٣) ليسَ فيه إسنادٌ؟)) فقال: ((إن عاصماً يُحتمَلُ
٤ - أن الحديث روي من غيرِ وجهٍ: قال في التلخيص ص٣٠١: ((وفي
=
البابِ عن قيسٍ بن الحارثِ أو الحارثِ بن قيس عندَ أبي داود وابن ماجَهْ ، وعن
عروةَ بن مسعود ، وصفوان بن أمية . ذكرهما البيهقيُّ)).
وذلك مما يقوِّي صحَّتَه ، وانظر ما سبق في ص ١٤٤ مما يتَّصلُ بحديثٍ
الثقةِ إذا رواهُ على أكثرَ من وجهٍ ، وكانَ مُكثراً من الحديثِ أنه يُحمل على تعدُّد
الإسناد عندَه ، فإنه مهمٌّ جداً .
وانظر (( سنن البيهقي)) ج ٧ ص١٤٩ - ١٥٠، و١٨١ - ١٨٥. و((تفسير
ابن کثیر ہ ج١ ص ٤٥٠ .
(١)
في ص ٥٧ - ٥٨، ٢٩١ .
(٢) ((وروئ)) ظ.
(٣) ((إنه )) ليس في ظ .

٣١٨
شرح علل الترمذي
له أنْ يقولَ: قال رسولُ اللهِ وَلِّ)). قال: فغدوتُ إلى أبي بكر فإذا
ابنُ المباركِ قد سبَقَني إليه وهو إلى جَنْبِهِ فظننتُهُ قد سألهُ عَنْهُ)). فإذا
احتمَلَ مرسلَ عاصم بن بَهْدَلةَ فمرسَلُ مَنْ هو أعلى مِنْهُ من التابعين
أولى .
وأما مراسيلُ ابنِ المسيّب فهي أصُ المراسيلِ كما قاله أحمدُ
وغيرُه، وكذا قال ابنُ مَعِين: « أصَحُّ المراسيلِ مراسيلُ سعيدِ بن
المسيّبِ(١))).
قال الحاكمُ : (( قد تأمّل الأئمةُ المتقدِّمونَ مراسيلَه فوجدُوها
بأسانيدَ صحيحةٍ)). قال: (( وهذه الشرائطُ لم توجدْ في مراسيلٍ
غيرِه ))، كذا قال . وهذا وَجْهُ ما نَصَّ عليه الشافعيُّ في روايةٍ
يونسَ بن عبدِ الأعلى كما [آ -٦٩] سَبَقَ(٢).
وقد أنكرَ الخطيبُ وغيرُه ذلكَ . وقالوا : لابنِ المسيّب مراسيلُ
لا توجَدُ مسنَدَةً(٣).
وقد ذكرَ أصحابُ مالكٍ : أنَّ المرسلَ يُقْبَلُ إذا كانَ مُرْسِله ممن
لا يروي إلا عن الثّقاتِ .
وقد ذكرَ ابنُ عبدِ البَرِّ ما يقتضي أنَّ ذلكَ إجماعٌ ، فإنه (٤) قال :
((كُلُّ من عُرِفَ بالأخذِ عن الضعفاءِ والمسامحةِ في ذلكَ لم يُحْتَجَّ بما
(١) ((مراسيل ابن المسيب)» ظ وب .
(٢) في ص٢٩٢. وقوله ((بن عبد الأعلى)) زيادة من ظ وب.
(٣) قوله ((وقد أنكر ... )) إلى هنا ليس في ظ وب.
(٤) ((فإنه )) ليس في ب .

٣١٩
فصل في الحديث المرسل
أرسَلَه، تابعاً كان أو مَنْ دُونَه، وكُلُّ مَنْ عُرِفَ أنه لا يأخذُ إلا عن ثِقَةٍ
فتدليسُه ومرسَلُه مقبولٌ ، فمراسيلُ سعيدٍ بن المسيّب ، ومحمدٍ بن
سيرين ، وإبراهيمَ النَّخَعي عندهم صِحاٌ .
وقالوا : مراسيلُ الحسنِ وعطاء لا يُحتَجُّ بها (١) ، لأنهما كانا
يأخذانِ عن كلِّ أحَدٍ ، وكذلكَ مراسيلُ أبي قِلابة وأبي العالية .
وقالوا : لا يُقْبَلُ تدليسُ الأعمشِ ، لأنه إذا وُقَُّ أحالَ على غيرِ
مَليٍ ، يعنونَ على غيرِ ثقةٍ ، إذا سألتَهُ عمن هذا؟ قال : عن
موسى بن [ب - ٥١] طَرِيف، وعَباية بن رِبْعي ، والحسنِ بن
ذكوان .
قالوا : ويُقْبَلُ تدليسُ ابنِ عُيينة ، لأنه إذا وُقِّفَ أحالَ على ابن
جُرَيْجِ ، ومَعْمَرٍ ، ونُظَرائِهما)).
ثم ذكرَ بعدَ ذلكَ كلامَ إبراهيمَ النَّخَعِيِّ الذي خَرَّجَهُ الترمذيُّ
ههنا، ثم قال: (( إلى هذا نزعَ مِن أصحابنا مَنْ زعمَ أن مرسلَ
الإمام(٢) أولى من مسندِه، لأن في هذا الخبرِ ما يدُلُّ على أنَّ مراسيلَ
النَّخَعي أقوى من مسانيده ، وهو لَعَمْرِي كذلكَ، إلا أنَّ إبراهيمَ ليسَ
بمعيارٍ على غيرِه )) انتهى.
وقولُ مَنْ قَبِلَ مراسيلَ من لا يُرسِلُ إلا عن ثقةٍ يدُلُّ على أنَّ مذهبَهُ
أن الرَّاوي إذا قال: حدَّثني الثقةُ، أنه يُقْبَلُ حديثُه ويُخْتَجُ به وإن لم
يسمِّ عينَ(٣) ذلكَ الرجلِ، وهو خلافُ ما ذكره المتأخرونَ من
(١) كذا في ظ. وفي الأصل وب ((بهما)).
(٢) الظاهر أنه يعني الإمام مالكاً. وانظر كلام النخعي فيما سبق ص ٢٧٧ .
(٣) ((غير)) ظ وب ، وهو تصحيف.

٣٢٠
شرح علل الترمذي
المحدِّثينَ كالخطيبِ وغيرِه(١)، وذَكَرَهُ أيضاً طائفةٌ من أهلِ الأصولِ
كأبي بكرٍ الصيرفيِّ وغيرِه ، وقالوا : قد يوثّقُ الرجلُ من يجرحه
غيرُه ، فلا بد من تسميتهِ لنعرفَ هل هو ثقةٌ أم لا .
أما لو علمَ أنه لا يرسلُ إلا عن صحابيٌّ كانَ حديثُه حجةً ، لأن
الصَّحابةَ كلَّهم عدولٌ ، فلا يضرُّ عدمُ المعرفةِ بعينِ مَنْ رُوِيَ عنه
منهم ، وكذلكَ لو قال تابعيٌّ : أخبرني بعضُ الصحابةِ ، لكانَ حديثه
متَّصلاً يُحتَجُّ به ، كما نصَّ عليه أحمدُ ، وكذا ذكره ابن عَمَّار
الموصلي ، ومن الأصوليين أبو بكرٍ الصيرفي وغيرُه . وقال
البيهقيُّ: ((هو مُرسَل))(٢).
(١) انظر ((الكفاية)) ص٣٧٣ - ٣٧٤ و((علوم الحديث)) لابن الصلاح ص٩٩ -
١٠٠ وغيرهما .
نعم قالوا : يُقبَلُ التعديلُ على الإبهام من الإمامِ المجتهدِ ، كمالكِ
والشافعيِّ وأبي حنيفةَ ، إذا قال ذلكَ كفى في حقٌّ من يقلِّدَه . وقد ذكر الحافظُ
ابنُ حجر في (( تعجيل المنفعة)) فائدةً جليلة ، في ضوابطٍ تعيينِ المبهماتِ في
قولِ مالكٍ والشافعيِّ: ((حذَّثني الثقةُ))، فارجع إليه ص ٥٤٧ - ٥٤٨ .
(٢) قد أتى الشارعُ بهذا على أشهرِ الآراءِ في الحديثِ المرسلِ وأصولِ أدلتها ،
وناقشَها بما يناسبُ المقامَ . وقد استوفى الحافظُ العلائيُّ البحثَ في الحديثِ
المرسلِ من كلِّ الجوانبِ ، بتوسعٍ وتحقيقٍ في كتابٍ عظيمٍ حافلٍ أفردَه بالتأليفِ
في المسألةِ هو ((جامع التحصيلَ لأحكام المراسيل)). وقد صَوَّرنا نسخَهُ
الخطيةَ .

٣٢١
فصل في أقسام الرواة من حيث الاختلاف فيهم، وتراجم كل قسم
· فَصْلٌ في أَقْسَام الرواةِ من حيثُ الاختلافُ فيهم ٥
° وتراجمٍ کلِّ قسمِ ٥
قال أبو عيسى رحمهُ اللهُ :
( وقد اختلفَ الأئمةُ من أهلِ [ظ - ١٨٤] العلمِ في تَضْعيفِ
الرِّجال ، كما اختلفوا في ◌ِوى ذلكَ منَ العلمِ .
ذُكِرَ عن شُعْبَةَ أنه ضَعَّفَ أبا الزبير المكِّي (١)، وعبدَ الملك
ابن أبي سليمان ، وحكيمَ بن جُبير ، وتركَ الروايةَ عنهم ، ثم
حَدَّثَ شُعْبَةُ عَمَّن دونَ هؤلاءِ في الحفظِ والعدالةِ : حَدَّثَ عن
جابرٍ الجُعْفي ، وإبراهيمَ بن مسلم الهَجَري ، ومحمدٍ بن
عُبيدِ اللهِ العَرْزَمِيِّ ، وغيرٍ واحدٍ ممن يُضَعَّفونَ في الحديثِ .
حَدَّثنا محمد بن عمرو (٢) بن نَيْهانَ البصريُّ نا أميةُ بن خالد
قال : قلتُ لشعبةَ: ((تدَعُ عبدَ الملكِ بن أبي سليمانَ وتحدِّثُ
عن محمدٍ بن عُبيدِ اللهِ العَرْزَمي؟ قال: نعم)).
(١) حققنا أن كلام شعبة هو في محمد بن الزبير الحنظلي في تعليقنا على ((المغني
في الضعفاء)» فانظره لزاماً. وانظر هنا ص ٣٣٦.
(٢) ((عمر)) ظ، ((المنصري)) ب والمثبت هو الصواب. انظر ((التقريب)).

٣٢٢
شرح علل الترمذي
قال أبو عيسى : وقد كانَ شعبةُ حَدَّثَ عن عبدِ الملكِ بن أبي
سليمانَ ، ثم تَرَكه . ويقال : إنما تركه لمَّا تَفرَّدَ بالحديثِ الذي
رَوَى عن عطاء بن أبي رباحٍ عن جابرِ بن عبدِ اللهِ عن النبيِّ وَل
قال : (( الرَّجلُ أحقُّ بِشُفْعَتِهِ يُنْتَظَرُ بها وإن كان غائباً إذا كانَ
طريقُهما واحِداً))(١).
وقد ثبَّتَ غيرُ(٢) واحدٍ من الأئمةِ وحدَّثوا عن أبي الزُّبيرِ ،
وعبدِ الملكِ بن أبي سليمانَ ، وحكيمٍ بن جُبَير :
حَذَّثنا أحمدُ بن مَنِيع أنا هُشَيْم أنا حَجاج وابنُ أبي ليلى عن
عطاء بن أبي رباح قال : (( كنا إذا خَرَجنا من عندٍ جابر بن عبد الله
تذاكرنا حديثه، وكانَ أبو الزبيرِ أحفظَنا للحديثِ ».
حَدَّثنا محمدُ بن أبي عُمرَ المكيُّ ثنا سفيانُ بن عُيينةَ قال : قال
أبو الزبيرِ : ((كان عطاءٌ يقدِّمني إلى جابرِ بن عبدِ الله فأحفظُ لهم
الحديثَ )) .
حَدَّثنا ابنُ أبي عمر [آ - ٧] ثنا سفيان قال : سمعتُ أيوبَ
السَّخْتِياني يقولُ: (( حَدَّثني أبو الزبير وأبو الزبير أبو الزبير)).
قال سفيانُ بيدِه فقبضَها )).
(١) السببُ في تركِ شعبةَ لعبدِ الملكِ أنه في هذا الحديثِ خالفَ الروايةَ الصحيحةَ
المشهورةَ عن جابرِ ((أن النبيَّ ◌ََّ قضىُ بالشُفْعَةِ في كُلِّ ما لم يُقْسَم ، فإذا
وقعتِ الحدودُ وصُرِّفتِ الطرقُ فلا شُفعة)) متفق عليه : البخاري في الشفعة ج٣
ص٨٧ ومسلم من طريق آخر بنحوه ج٥ ص ٥٧ .
(٢) ((عن غير واحد)) ظ وب، والمثبت أصح.

٣٢٣
فصل في أقسام الرواة من حیث الاختلاف فيهم، وتراجم كل قسم
قال أبو عيسى : إنما يعني به الإتقانَ والحِفْظَ .
ويُروى عن عبدِ اللهِ بن المباركِ أنه قال : كانَ سفيانُ يقولُ :
((كانَ عبدُ الملك بن أبي سليمانَ ميزاناً في العلم)).
حَدَّثنا أبو بكر عن عليٍّ بن عبد الله قال : سألتُ يحيى بنَ
سعيد عن حكيم بن جُبير فقال : (( تَرَكه شعبةُ من أجلِ الحديثِ
الذي رَوى في الصَّدقة ، يعني حديثَ عبدِ اللهِ بن مسعود عن
النبيِّ وَّةِ قال: (( مَنْ سَأل الناسَ وله ما يُغنيه كانَ يومَ القيامةِ
خُموشاً في وجهه . قالوا : يا رسولَ اللهِ وما يغنيه ؟ قال :
خمسونَ درهماً أو قيمتُها من الذَّهَبِ » .
قال عليٌّ: قال يحيى: ((وقد حَدَّث عن حكيم بن جُبير
سفيانُ الثوريُّ، وزائدةٌ)). قال علي: (( ولم يرَ يحيىُ بحديثِهِ
بأساً )).
أخبرنا محمودُ بن غيلانَ ثنا يحيىُ بنُ آدَمَ عن سفيانَ الثوريِّ
عن حكيم بن جُبير بحديثِ الصَّدقةِ . قال يحيى بن آدم(١) فقال
عبدُ الله بن عثمان صاحبُ شعبةَ لسفيانَ الثوريِّ: (( لو غَيْرُ حكيم
حَدَّثَ بهذا! )). فقال له سفيانُ: (( وما لحكيم لا يحدِّثُ عنهُ
شعبةُ؟ )) قال: نعم . فقال سفيانُ الثوريُّ: ((سمعتُ زُبيداً
يحدِّثُ [ب - ٥٢] بهذا عن محمدٍ بن عبد الرحمن بن يزيدَ))).
(١) من قوله ((عن سفيان)) إلى هنا سقط من ب.

٣٢٤
شرح علل الترمذي
قَد تَقَدَّمَ أنَّ
رواةَ الحديثِ أربعةُ أقسامِ :
مَنْ هو متَّهِمٌ بالكذبِ .
ومن هو صادقٌ لكنْ يغلبُ على حديثِهِ الغَلطُ والوَهمُ لسوءِ حفْظِهِ .
وهذان القسمانِ متروكانِ .
ومن هو صادقٌ ويغلَطُ أحياناً . وهذا القسمُ هو المُخْتَجُّ بحديثِه .
ومن هو صادقٌ ويخطىءُ كثيراً، ويهِم ، لكنْ لا يغلبُ الخطأ
عليه ، وهؤلاءِ مختلَفٌ في الروايةِ عنهم والاحتجاجِ بهم .
وسَبَقَ الكلامُ على ذلكَ كُلُّهُ (١) مستوفىَ.
وبَقِيَ الكلامُ في أنَّ بعضَ الرواِ
يختلفُ الحفّاظُ فيه من أيِّ هذه الأقسام هو (٢)؟
فمنهم من يُختَلَفُ فيه هل هو مُتَّهِمٌ بالكذبِ أم لا .
ومنهم من يُختَلَفُ فيه هل هو ممن غَلَبَ على حديثِهِ الغلطُ أم لا .
ومنهم من يُخْتَلَفُ فيه هل هو ممن كَثُرَ غلطُهُ(٣) وفَحُشَ ، أم ممن
قَلَّ خطؤهُ ونَدرَ .
وقد ذكرَ الترمذيُّ هنا بعضَ من اخْتُلِفَ في تركٍ حديثِه وفي الروايةِ عنه.
ونحن نذكرُ أمثلةَ هذه الأقسام الثلاثةِ التي ذكرناها إن شاءَ اللهُ تعالى :
(١) ((كله)) ليس في ظ وب. وانظر ما سبق في ص ٨٧ وما بعد، و١٠٥ وما بعد.
(٢) ننبه هنا على أن المحدِّثين ضبطوا اختلافهم، فعندهم قواعدُ تُحكَّم عند
الاختلاف ليست عند غيرهم ، وهذا البحث هنا من جملتها ، فتنبه .
(٣) (( خطؤه)) ظ وب .

٣٢٥
فصل في أقسام الرواة من حيث الاختلاف فيهم، وتراجم كل قسم
فمثالُ القسْم الأوَّلِ :
وهو مَنْ اختُلِفَ فيه هل هو مُتَّهِمٌ بالكَذِبِ أم لا :
عْرِمَةُ مولى ابنِ عَبَّاسٍ(١) :
أَّهمَهُ بالكذبِ جماعةٌ ، منهم : سعيد بن المسيّب ، والقاسمُ بن
محمد ، وعطاءٌ، وعليُّ بن عبد الله بن عباس ، ويحيى بنُ سعيدٍ
الأنصاري ، وغيرُهم .
وأنكرَ ذلكَ جماعةٌ آخرونَ، قال أيوبُ: «لم يكن بكذَّابٍ ولم
أكن أَتَّهِمُه )). ووثقهُ ابنُ أبي ذِئبٍ. وقال بَكْرٌ المزنيُّ: ((أشهدُ أنه
صدوقٌ)). ووثَّقه أيضاً من الحفّاظِ يحيى بن مَعِين وغيرُه، وخَرَّج له
البخاريُّ في صحيحه .
وقال ابنُ عديٍّ (٢): ((إذا روى عنهُ الثقاتُ فهو مستقيمُ
الحديثِ ، ولم يمتنع الأئمةُ من الروايةِ عنه)).
وقال أحمدُ في روايةٍ عنه: ((عمرو بن أبي عَمرو كلُّ شيءٍ يرويه
عن عكرمةَ مضطربٌ(٣) وكذا كلُّ من يروي عن عكرمةَ سماكٌ
وغيره)). قيل له: (( فترى هذا من عكرمةَ أو منهم ؟ قال :
(١) (( أصله بَزْبَرِي. ثقةٌ ثَبَت، عالمٌ بالتفسير، لم يثبتْ تكذيبُه عن ابن عمر ، من
الثالثة، مات سنة سبع ومئة، وقيل بعد ذلك/ع)). (( تقريب)).
قلتُ : احتجَّ به البخاريُّ ، وروى له مسلمٌ مقروناً بآخر . وقد أطالَ في
((تهذيب التهذيب )) ترجمته فأفاد جداً فارجع إليه ج٧ ص ٢٦٣ - ٢٧٣ .
(٢) في ((الكامل)) ١٩١٠/٥.
(٣) في ب ((مضطرب فيه)). وفي ظ وب ((وكذا كل من روى عن عكرمة .. )).

٣٢٦
شرح علل الترمذي
((ما أحسَبُه إلا من قِبَلٍ (١) عكرمة(٢))).
وقال أحمدُ بنُ القاسم: (( رأيتُ أحمدَ ضَعَّفَ روايةَ عكرمةَ ولم
يرَ روايتَه حُجَّةً)).
قال أبو بكر الخلاَّل : (( هذا في حديثٍ خاصٍّ . قال : وعكرمةٌ
عندَ أبي عبد الله ثقةٌ يحتَُ بحديثِهِ )) .
كذا قال ؛ والظَّاهرُ هو خلافُهُ ، وقد يكونُ عن أحمدَ فيهِ
روايتان، فإنَّ المروذي [آ - ٧١] نقلَ عن أحمدَ أنه قال: «عكرمةٌ
يُحتَجُّ به )) .
وذكرَ يحيى بنُ مَعِين عن محمدِ بن فُضيل ثنا عثمانُ بن حكيم
قال : جاء عكرمةُ إلى أبي أمامةَ بن سهل وأنا جالسٌ عندَه ، قال :
(( يا أبا أمامةً ، أسمعتَ ابنَ عباسٍ يقولُ: ما حَدَّثكم عكرمةُ عني
بشيءٍ فصدِّقوه فإنه لن يكذبَ عليَّ؟ قال: نعم)).
وقال ابنُ مَعِين: ((إذا سمعتَ من يقعُ في عكرمةَ فاتَّهمه على
الإسلامِ )) .
(١) (( قبل)) ليس في ظ وب.
(٢) يردُّ هذا ما سبقَ من قولِ الحافظِ ابن عدي: ((إذا روى عنه الثقاتُ فهو مستقيمُ
الحديثِ )) ..
ولا يصلحُ الطعنُ في عكرمةَ برواية عمرو بن أبي عَمرو ، ولا سماك .
أما عمرو بن أبي عمرو فهو مولى المطّلب بن حَنْطَب ، روى له الجماعةُ ،
فإنه على ثقتِهِ وقعتْ له أوهامٌ حتى ضعَّفه بعضُهم ، وجعله الذهبيُّ في رتبةٍ
الحَسَنِ ، فالظَّاهرُ أنَّ الوهَمَ فيها من عمرو ، لا من عكرمةَ . انظر ما سبق في
ص ١٤٤ لزاماً
وأما سِماك فهو سِماكُ بن حَرْب فإنه صدوقٌ جليلٌ من رِجالِ مسلمٍ والسنن
الأربعةِ ، سبقت ترجمته في ص ١٤١ .

٣٢٧
فصل في أقسام الرواة من حیث الاختلاف فيهم، وتراجم كل قسم
وقال أبو حَاتِم الرَّازيُّ: (( يحتَجُّ بحديثِهِ إذا روى عنه الثقاتُ(١)
قال : والذي أنكرَ عليه مالكٌ ويحيى بنُ سعيد فلسببِ رأيِهِ)). يعني
أنه نُسِبَ إلى رأيِ الخوارجِ .
وأما تكذيبُ ابنٍ عُمرَ له فـ[قد] رُوِيَ من وجوهٍ لا تَصِحُ ، وقد
أنكره مالكٌ. قال إسحاقُ بن عيسى: قلتُ لمالكِ: ((أَبَلَغَكَ أن ابنَ
عمرَ قال لنافع : لا تكذبْ عليَّ كما يكذبُ عكرمةُ على ابنِ
عباس؟)). قال: ((لا. قال: ولكن بلغني [ظ - ١٤٩] أنَّ ابنَ
المسیّبِ قال ذلكَ لِبُزْدِ مولاه ».
وذكرَ أحمدُ أن ابنَ سيرين كان يروي عنه ولا يسمِّيه ، وكذلكَ
مالكٌ. وأشارَ أحمدُ(٢) إلى أنهما طعنا في مذهبِهِ ورأيِهِ ، لكن رُوي
عن ابنٍ سيرينَ أنه كذَّبه من روايةِ الصَّلْتِ بن دينارٍ عنه ، والصَّلْتُ
لا تُقبلُ رواياته(٣) ، وابنُ سيرين لا يروي عن كذَّابٍ أبداً .
وممن اختُلِفَ في اتُّهامه بالكذبِ أيضاً محمدُ بن إسحاقَ :
وقد سبقَ ذِكْره(٤) .
ومنهم : جابرٌ الجُعْفي(٥) :
وقد سبقَ ذكرُه مستوفىّ في أبوابِ الأذانِ .
(١) ((عن الثقات)) ظ.
(٢) ((مالك)) ظ . وهو سهو قلم.
(٣) (( الصَّلْتُ بن دينار، الأزديُّ، الهنائيُّ البصريُّ، أبو شعيب، المجنونُ،
مشهورٌ بكنيته ، متروكٌ وناصِبِيّ ، من السادسة دت )).
(٤) في ص١٢٦ - ١٢٧ .
(٥) جابرُ بن يزيدَ الجُعفي : كذَّبه أبو حنيفةَ وابنُ مَعِين، ووثَّقه سفيانُ وشعبةُ ، =

٣٢٨
شرح علل الترمذي
ومنهم : كَثِرُ بنُ عبدِ اللهِبن عمرو بن عَوْف(١) :
فإنَّ الترمذيَّ يصحِّحُ حديثَه، وقد مَشَى أمرَه غيرُ واحدٍ ، وتركَهُ
الأكثرون ، وضربَ أحمدُ على حديثِهِ ولم يخرِّجه في ((المسندِ )).
ومنهم : إبراهيمُ بن محمد بن أبي يحيى(٢):
والأكثرونَ على اتِّهامه بالكَذِبِ .
ومثالُ القِسمِ الثاني :
وهو مَن اختُلِفَ فیه هل هو ممَّن غَلَبَ على
حديثِهِ الوَهم والغَلَطُ أم لا :
ولعل سببَ تكذيبِه غلوّه في التشيُّع جِدّاً ، لكنه ضعيف على أي حال ، مات
=
سنة سبع وعشرين ومئة/ د ت ق. انظر (( الجرح والتعديل)) ج١/ ١ / ٤٩٧ -
٤٩٨ و((الميزان)) ج١ ص٣٧٩ - ٣٨٤ و ((التهذيب)) ج٢ ص٤٦ - ٥٠ .
(١) كثيرُ بن عبد الله بن عمرو بن عوف المُزَنيّ: وثقه ابن خُزيمة ، فأخرجَ له في
((صحيحه)) ، وروى عنه أيضاً يحيى بن سعيد، وحسّن له البخاريُّ. ومع
ذلك فالراجحُ تضعيفُه. وقولُ الحافظِ ابن رجب ((الترمذيُّ يصحُّح حديثه ))
ليس على إطلاقِهِ ، إنما يحسِّن له ، وحديثُه على شرطِ الحسنِ عند الترمذيِّ ،
وهو أن يروى من غيرِ وجهٍ . ولم يصحّح له إلا حديثاً واحداً ، على اختلافٍ
في نسخ الترمذي في تصحيحه وتحسينه .. وقد حققنا ذلكَ بتفصيلٍ مدغَّمٍ
بالأدلة مستقصىّ من المصادرِ المطبوعةِ والمخطوطةِ في كتابِ (( الإمامِ
الترمذي )) ص ٢٨٠ - ٢٨٢ مع استقراءٍ مروياته عند الترمذي.
(٢) إبراهيمُ بن محمد بن أبي يحيى، مُتَّهِمٌ بالرَّفْضِ والقدر، ((متروكٌ، من
السابعة ، مات سنة أربع وثمانين وقيل إحدى وتسعين ومائة/ ق )).

٣٢٩
فصل في أقسام الرواة من حيث الاختلاف فيهم، وتراجم كل قسم
عبدُ اللهِ بن محمدٍ بن عقيل(١) :
وقد ذكرَ الترمذيُّ في أولِ كتابهِ عن البخاريِّ أن أحمدَ وإسحاقَ
والحميديَّ كانوا يحتَجُونَ بحديثِهِ . وقد صحَحَ الترمذيُّ حديثَه .
وقال ابنُ مَعِين [ب - ٥٣] وغيرُه: ((لا يحتجُّ به )) .
وقال(٢) الجوزجانيُ: ((عامَّةُ ما يُرْوَى عنه غريبٌ))، وتوقَّف
عنه .
وكذلكَ : عاصمُ بن عبيدِ اللهِ العُمري(٣)
فإنَّ الترمذيَّ يصحِّحُ حديثَه في غيرِ موضع ، والأكثرونَ ذكروا أنه
كانَ مغفَّلاً يغلِبُ عليه الوهم والغَلَطُ .
قال شعبةُ : (( كان عاصمٌ لو قلتَ له : مَنْ بنى مسجدَ البصرةِ ؟
لقال: حدَّثني فلانٌ عن فلانٍ أن النبيَّ وَّل بناهُ)).
وقال شعبةُ أيضاً : (( كانَ عاصمٌ لو قلتَ له : رأيتُ رجلاً راكباً
حماراً لقال: حدَّثني أبي)).
(١) عبد الله بن محمد بن عقيل: صدوقٌ قال الحاكمُ: ((عُمِّرَ فساءَ حفظُه فحدَّث
على التخمين))، صحَّحَ له الترمذيُّ حديثَه في المستحاضَةِ تجمعُ بين الصلاتينِ
بِغُسلٍ واحدٍ ، ونقلَ تصحيحَه عن البخاريِّ وأحمدَ وقد تقوَّى بشواهدَ تعضده .
مات بعد سنة أربعين ومئة/ بخ د ت ق . وقد حققنا البحث فيه في كتابنا
(( الإمام الترمذي)» ص ٢٨٢ - ٢٨٥.
(٢) ((قال)) ظ وب . بدون واو .
(٣) عاصمُ بن عبيد الله العمري: ((ضعيفٌ من الرابعة ، ماتَ سنة اثنتين وثلاثين -
ومئة -/ عخ دت سي ق )) . صحَّحَ له الترمذيُّ حديثاً واحداً اعتضدَ بشواهد .
انظر تحقيق ذلك ودفع إشكال هذا التصحيح في كتابنا (( الإمام الترمذي )»
ص ٢٨٥ - ٢٨٧ .
=

٣٣٠
شرح علل الترمذي
ومثالُ القِسمِ الثَّالثِ :
وهو من اختُلِفَ فيه هل هو ممن كَثُرَ خَطؤه
وفَحُشَ أم ممَّن قَلَّ خَطؤه :
حكيمُ بن جُبَير الأسدي الكوفيُ(١):
فإنه قليلُ الحديثِ ، وله أحاديثُ منكرةٌ . قال محمدُ بن عبد
الرحمن العنبري عن عبد الرحمن بن مهدي وسُئِلَ عن حكيمٍ بن جُبير
فقال : ((إنما روى أحاديثَ يسيرةً، وفيها أحاديثُ منكراتٌ)).
وقال ابنُ المدينيِّ: سألتُ يحيى بن سعيد عنه فقال: (( كم
روى ؟ إنما روى شيئاً يسيراً . وقال يحيى: وقد روى عنه زائدةٌ .
قلت ليحيى : مَنْ تَرَكَهُ ؟ قال : شعبةُ . قلتُ : من أجلِ حديثٍ
الصَّدقة ؟ قال : نعم . ثم قال يحيى : نحن نحدِّث عمن دونَ
هؤلاءِ )).
وقد خَرَّجَ الترمذيُّ حديثَ الصدقةِ في كتابِ الزكاةِ وحسَّنه(٢).
وسبقَ الكلامُ عليه هناكَ مستوفىّ .
(١) حكيمُ بن جبيرِ الأسديُّ الكوفيُّ: ((ضعيفٌ رُميَ بالتشتُّع، من الخامسةِ/ عه )).
بيَّن الترمذيُّ في مواضعَ من كتابهِ كلامَ شعبةَ فيهِ ، وحسَّنَ له أحاديثَ لتقويتها من
طريق آخر . انظر تفصيل ذلك في كتابنا (( الإمام الترمذي )) ص ٢٨٧ - ٢٨٨ وانظر
مثالاً آخر في (( الجامع )) شرح أحمد شاكر ج١ ص٢٩٢ - ٢٩٤ .
(٢) ( باب ما جاء من تحل له الزكاة ) ج٣ ص ٤٠ - ٤١ وتوسّع الترمذيُّ في الكلام
عليه فانظره لزاماً . وقد عرفتَ أنه تقوى بمتابعة زبيدٍ لحكيم ، فصلحَ الحكم
بتحسينه. وانظر كتابنا ((الإمام الترمذي)) ص ٢٨٧ - ٢٨٨ .
=

٣٣١
فصل في أقسام الرواة من حيث الاختلاف فيهم، وتراجم كل قسم
وقد احتَجَّ به أحمدُ في روايةٍ عنه ، وعَضَده بأنَّ سفيانَ رواه عن
زُبيدٍ عن محمدٍ بن عبد الرحمن بن يزيدَ ، وقد أنكرَ ابنُ مَعِين وغيرُه
حديثَ زبيد هذا .
وقال ابنُ حِبَّان في حكيم بن جبير : (( كان غالياً في التشيّع ، كثيرَ
الوهم فيما يَروي، كان أحمدُ لا يرضاه)). وخَرَّجَ له ابنُ حِبَّان(١)
حديثَ الصَّدَقة، وقال: (( ليسَ له طريقٌ يُعرف ، ولا روايةٌ إلا من
حديثٍ حكيم بن جُبير ، وحكيمٌ هذا روى عنه الثوريُّ والأعمشُ
وزائدةٌ [آ - ٧٢] وغيرُهم، وتركَه شعبةُ ويحيىُ وابنُ مهدي . وقيل :
إن یحیی كانَ یحدِّث عنه )) .
وقال الجُوزَجانيُّ: ((هو كذابٌ)).
وقد تقدَّمَ أن الترمذيَّ حسَّن حديثَه . وقال أحمدُ في روايةٍ عنه في
حديثِ الصَّدقةِ : (( هو حَسَنٌ )) واحتَجَّ به .
وقال مرةً [في حكيم]: ((هو ضعيفُ الحديثِ مضطربٌ)).
وقال ابنُ مَعِين: ((ليسَ بشيءٍ)).
وقال أبو زُزْعَةَ: ((في رأيهِ شيءٌ، ومحلُّه الصدقُ إن شاءَ اللهُ تعالى)).
وقال أبو حَاتِم : (( ضعيفُ الحديثِ منكرُ الحديثِ ، له رأيٌ غيرُ
محمودٍ ، قال : وهو قريبٌ من يونسَ بن خَبَّاب وثُوَيْرِ(٢) بن
أبي فاختة)).
وقال النسائيُّ: ((ليسَ بالقويِّ)). وقال الدَّار قطنيُّ: ((متروك)).
(١) في ((المجروحين)) ج١ ص٢٤١. وفي ب ((وخرج ابن حبان)) بدون (( له)).
(٢) (( نوير )) ب ، تصحيف .

٣٣٢
شرح علل الترمذي
وممن اختُلِفَ في أمرِه ، هل هو (١) ممَّن فَحُشَ خَطؤه أم لا ؟ :
عبدُ الملكِ بنُ أبي سليمانَ(٢) العَرْزَمي(٣):
واسم أبي سليمان مَيْسَرَة .
قال أميةُ بنُ خالد: ((قلتُ لشعبةَ: ما لك لا تحدِّث عن عبدِ الملكِ
ابن أبي سليمان ؟ قال : تركتُ حديثَه . قلت : تحدِّثُ عن محمد بن
عبيد الله العَزْزمي وتدعُ عبدَ الملكِ بن أبي سليمان وكانَ حَسَنَ
الحديثِ ؟! قال: من حُسنها فررتُ!)). خرَّجه ابنُ أبي حَاتِم
والعُقَيليُّ وابنُ عَدِيٍّ وغيرُهم(٤) .
(١) في الأصل ((وهل هو)).
(٢) عبدُ الملكِ بن أبي سليمان العَزْزَمي: ((ثقةٌ مشهورٌ، تكلّم فيه شعبةُ للتفردِ
بخبرِ الشفعة)) ((المغني في الضعفاء)) رقم ٣٨١٨، (( من الخامسة مات سنة
خمس وأربعين ومئة/ خت م عه )) .
وقد أزحنا الإشكال عن حديثِ عبدِ الملكِ في الشُّفْعةِ وبيَّنا وجهَ التوفيقِ بينَه
وبينَ الروايةِ المشهورةِ في كتابنا (( الإمام الترمذي)) ص٢٨٨ - ٢٩٠ وانظر
(( نصب الراية ) ج ٤ ص ١٧٤ .
(٣) ((العزرمي)) ب، وهو تصحيفٌ، وقد تكرر في المواضع الآتية.
(٤) ((الجرح والتعديل)) مختصراً ج٢/٢/ ص٣٦٧، و((الضعفاء)) للعقيلي ورقة
١/١٢٤ = ٣٢/٣، باللفظ المثبت. و((الكامل)) ورقة ١/٣١٥ =
١٩٤٠/٥ .
قال العقيليُّ - عقيب ذِكْره لكلام شعبةً هذا -: (( وفي الشفعةِ أحاديث من
غيرِ هذا الوجهِ ، صالحةُ الأسانيدِ )) . انتهى .
وانظر ما يأتي من أقوالِ العلماءِ .

٣٣٣
فصل في أقسام الرواة من حیث الاختلاف فیھم، وتراجم كل قسم
[و] قال وكيعٌ عن شعبةَ: ((لو روى عبدُ الملكِ بنُ أبي سليمانَ
حديثاً آخرَ مثلَ حديثِ الشُّفْعَةِ لطرحتُ(١) حديثَه!)).
وقد خَرَّجَ الترمذيُّ حديثَ الشُّفْعةِ في كتابِ الأحكامِ
والأقضيةِ(٢) . وسبقَ الكلامُ عليه هناك مستوفىّ.
وقد ذكرَ الإمامُ أحمدُ أن له منكراتٍ ، وأنه يوصِلُ أحاديثَ
يُرسِلُها غيرُه ، وقد ذكرنا ذلكَ في كتاب النكاحِ : في باب تُنكحُ
المرأةُ على ثلاثٍ(٣).
وقال أبو بكر بن خَلَّد : سمعتُ يحيى - هو ابن سعيد - يقول :
((كأنَّ صفة (٤) حديثِ عبدِ الملكِ بن أبي سليمان فيها شيءٌ منقطِعٌ
يوصِلُهُ، وموصَل يقطَعُه )) .
وقال أحمدُ : ((كانَ من الحفَّاظ ، وكان سفيانُ الثوريُّ يسمِّيه
الميزانَ )) .
وذكرَ ابنُ أبي حاتِم بإسنادهِ عن نوفلِ بن مطهر(٥) عن ابنِ المبارك
عن سفيانَ قال : (( حُفَّاظُ الناسِ ثلاثةٌ : إسماعيلُ بن أبي خالدٍ ،
(١) في ظ وب ((طرحت)).
(٢) ( باب ما جاء في الشفعة للغائب) ج ٣ ص ٦٥١ - ٦٥٢ .
(٣) ج٣ ص٣٩٦ ( إن المرأةَ تُنكَحُ على ثلاث خصالٍ) أخرجَ فيه من طريقِ عبدِ
الملكِ حديثَ جابر : ((إن المرأة تنكحُ على دينها ، ومالِها ، وجمالِها ،
فعليكَ بذاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يداك )) وصحَّحه . وشاهدُه معروفٌ من حديثٍ أبي
هريرة: (( تنكحُ المرأة على أربع ... )) متفق عليه .
(٤) ((صفة)) ليست في ظ وب.
(٥) ((مطر)) ظ تصحيف. والمثبت موافق ((للجرح والتعديل)) ج٣٦٦/٢/٢.