Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤٠
تصدير المحقق لـ ((شرح علل الترمذي))
٨- (( كَشْف الكُربةِ في وصفِ حالِ أهلِ الغُربة)» شرح حديث ((إِن الدين
بدأَ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ)). ( مطبوع).
٩ - (( فضائلُ الشَّام)). طبع مؤخراً.
١٠ - (( شرحُ عِللِ التِّرمذيِّ)) وهو قطعةٌ من (( شرحِ جامع التِّرمذيِّ)) ،
أفردَهُ السُّيوطيُّ بالذكرِ ، لكونِ (( العللِ )) قد يُعتبرُ كتاباً مَفرداً .
وفاةُ الحافظِ ابنِ رَجَب :
هكذا قضى الحافظُ ابنُ رجبٍ حياته في علمٍ وعملٍ ودعوة ، وعبادةٍ
وتهجدٍ ، ووعظٍ وإِرشادٍ ، وزهدٍ وورعٍ ، وعزلةٍ عن أهل السُّلطةِ وعن
الناسِ ، كي يتفرَّغَ لما نذرَ نفسَه له ، حتى كان يسكُنُ في المدرسةِ التي
يعلُّم فيها ، حتى وافته منيَّتُه ولبَّى نداءَ ربِّه ، فتُوفي رحمه الله تعالى ليلة
الإِثنينِ رابع شهرِ رمضان ، وقيل في شهرِ رَجَب (١) ، سنة خمسٍ وتسعينَ
وسبعمائة . بأرض الخميرية في بستان كان استأجَرَه ، وصلي عليه من
الغد ، ودُفنَ بالبابِ الصَّغير جوار قبر الشيخ الفقيهِ أبي الفرج عبدِ الواحد
ابن محمد الشيرازيٍّ ثم المقدسيِّ الدمشقيِّ، المتوفى ((سنة ٤٨٦))، والذي
(١) تأريخ وفاته بشهر رجب وقع في (( الدُّررِ الكامنة )) للحافظ ابن حجر ج٢
ص٤٢٩، وتبعه في ذلك السيوطيُّ في (( ذيل التذكرة )» ص٣٦٨ .
وأرَّخ الحافظُ ابن حجر في (( إِنباء الغمر)) ج١ ص٤٦١ وفاته بشهر
رمضان، وقال ابن فَهْد في ((لَخْظ الألحاظ)) ص١٨١ (( في شهر رجب أو شهر
رمضان )) .
ويبدو لنا ترجيحُ تأريخ ابن العماد الحنبلي أنه في رابع شهرِ رمضانَ ، لمزيدٍ
اختصاص ابن العمادِ بالحنابلة ، ولأنه أتى في تاريخه بمزيدٍ ضبطٍ وفائدةٍ ،
وهي تعيين رابعٍ شهرِ رمضان .
=

٤١
ترجمة الإمام ابن رجب
يرجعُ الفضلُ إِليه في نشر مذهب الإِمام أحمدَ بالقُدْسِ ودمشقَ ، وكان
دفْنُ الحافظِ ابنِ رجب هنا بناءً على وصيَّته ، بل وإِعدادِه لذلك ، مما يدُلُّ
على مزيدٍ وفائِه وتعلَّقه بأئمةِ هذا المذهبِ الجليل ، حتى اختار هذا
الجوارَ المبارك .
وقد ظهر له في وفاته من صفاءِ الرُّوحِ وشفافیتها مما يؤگِّد علوً منزلته
ومقامه .
قال ابنُ ناصرِ الدين الدمشقيُّ: ((لقد حدَّثني مَنْ حَفَر لَحد ابنِ رجبٍ
أَنَّ الشيخَ زينَ الدين ابنَ رجب جاءَه قبلَ أن يموتَ بأيَّام ، فقال : احفز لي
هاهنا لحداً ، وأشارَ إِلى البُقعةِ التي دُفِن فيها . قال : فحفرتُ له ، فلما
فَرَغَ نَزَل في القبر واضطَجعَ فيه، فأعجَبَه وقال: هذا جَيِّد، ثم خَرَج .
فوالله ما شعرتُ بعدَ أيامٍ إِلا وقد أُتي به ميتاً محمولاً في نَعْشه ، فوضعتُه
في ذلك اللَّحد))(١).
رَحِمَ اللهُ الحافظَ ابنَ رجب ورضي عنه ونفَعَنا والمسلمينَ بعلمه وهديه
آمين .
(١) ((شذرات الذهب)) ج٦ ص ٣٤٠، وانظر ((الدرر الكامنة)) ج٢ ص٤٢٩،
و(( لحظ الألحاظ)» ص ١٨٢ .

٤٢
تصدير المحقق لـ((شرح علل الترمذي))
(( شَرْحُ عِلَلِ التِّرِمِذِيِّ)»
لابْنِ رَجَب
هذا الشَّرحُ لِ ((عَللِ التِّرمذيِّ)) جزءٌ من شرحٍ صنَّفْهُ الحافظُ ابنُ رجبٍ
لـ((جامع التِّرمذيِّ)) بأكمله، كما بيّنا، وكما صَرَّحَ الحافظُ ابنُ رجب في
ختامِ هذا الشَّرح لـ((العلل)) حيثُ قال(١): ((وقد انتهى الكلامُ على كتاب
الجامع لأبي عيسى التِّرمذيِّ رحمه الله ورضي عنه)). وهذا الشرحُ
لـ((جامع التِّرمذيِّ)) من الشروحِ القليلةِ التي استُكْمِلَتْ، وهو شرحٌ حافلٌ
غزيرٌ ، لذلكَ نجدُ في أثناءِ (( شرحِ العللِ )) إِحالاتٍ كثيرةً إِلى ما سَبَق في
شرح الكتابِ .
وهذا القسمُ الذي ظَفِرنا به من (( شَرحِ جامعِ التِّرمذيِّ)) نموذجٌ دالٌ
على علوِّ كعبِ الحافظِ ابن رَجَبٍ في الحديثِ وأصوله ، وعلى مكانة
شرحِه لـ(( الجامع )).
ويتبيَّن للناظِرِ أنَّ ((شرحَ العللِ)) هذا يتجزّأْ إِلى جُزءين يمكِنُ أن يُعَدَّا
کِتابین :
الجزء الأوَّلُ: شرحُ نصِّ كتابِ ((العلل الصَّغير)):
ويتناولُ هذا الشرحُ كتابَ ((العِللِ)) من جميعِ الجوانبِ ، كما أنه يَسْتَكْمِلُ
أبحاثَهُ بدراساتٍ متمِّمةٍ ، غدا بها الكتابُ مرجِعاً حافِلاً في علوم الحديث .
(١) ص٨٠٨ .

٤٣
«شرح علل الترمذي)) لابن رجب
ونلفِتُ النظرَ فيما يلي إِلى بعضٍ من أهمِّ خصائصِ هذا الشرحِ وفوائِدِهِ
العلميّة :
فمِنْ ذلك :
١ - ما استهلَّ به الحافظُ ابنُ رجب شرحَه لـ((العللِ)) من ذلكَ السَّردِ
الأحاديثَ اتُّفِقَ على عدمِ العملِ بها ، ثم ثنَّى عليه بفصلٍ آخرَ في أحاديثَ
ادُعي الاتفاقُ على عدمِ العملِ بها وليسَ الأمرُ كذلكَ ، وقد أتى الحافظُ
في الفصلينِ بسردٍ بديعٍ عظيمٍ الفائدةِ لطالبِ الحديثِ والفقهِ ، وهي
أحاديثُ يعوِزُها البحثُ لخصوصيّتها في حالِ السَّندِ والمتن ، وقد وفَّينا
ذلك في تعلیقنا بحمد الله تعالى .
٢- الفوائدُ التي أوردها في أبحاثِ الإِسنادِ والرُّواةِ ، وأقسامِ الرواةِ
وأحكامِها فقد وسَّع البحثَ فيما أوردَه التِّرمذيُّ وكمَّل فوائدَه بتحقيقٍ علميٍّ
على غايةٍ من الأهميَّة والفائدة ، ونذكرُ هنا على سبيل المثالِ : بحثَهُ في
روايةِ المبتدع ، وبيانِ الغلطِ الذي يُرَدُّ به الحديثُ أو يُتْركُ . وغيرِ ذلك .
٣- اشتمالُه على جملةٍ من الرُّواةِ الضُّعفاءِ الذين كَثُرت الروايةُ عنهم
وخصوصاً من اشتَهَرَ منهم بالعبادةِ ، مما قد يُغْتَرُّ به ، وإِن الدِّراساتِ
المستفيضةَ التي قدَّمها الحافظُ ابنُ رجبٍ في هذا المضمار ذاتُ فوائدَ على
غايةٍ من الأهميَّةِ .
٤ - دراستهُ لطائفةٍ من جِلَّة أهلِ الحديثِ تُكُلُّم فيهم من جِهةِ حفظِهم .
وقد جاءَ هذا الفصلُ تطبيقاً جيّداً لبحثِ أقسام الرواةِ وأحكامها الذي
سبقه، وأفادَ فائدةٌ جليلةً بترجمته للذينَ ذَكَرَهُمَ الترمذيُّ ، ثم استكملَ
هذه الأسماءَ بمجموعةٍ أخرى أصبحَ بها أمامَ القارىءِ بيانٌ بالرواةِ الذين
هم أكثرُ روايةً وَوُروداً في كُتُبِ الحديثِ ، مما له أثرُهُ الكبيرُ في تنمية
مَوْهبةٍ طالبِ الحديثِ .

٤٤
تصدير المحقق لـ ((شرح علل الترمذي))
وأنوِّه ههنا بهذهِ اللفتةِ البارعة التي خَتَم بها ابنُ رجب دراسةَ هؤلاءِ
الرواةِ في اختلافِ الرجلِ الواحدِ في إِسنادِ الحديث(١) ، حيث نبَّهَ على
ضابطٍ هامّ جداً، نميزُ به بيْن تعدُّد رِوايةِ السَّند عن الرَّاوي بسببِ الوَهَم
وَخلْطِهِ في الرِّواية - كما وَقَعَ من هؤلاءِ الذين ترجمَ لهم - وبيْن تعدُّدِ
الروايةِ عنه لكونه حافظاً للحديثِ من أكَثَرِ من وجهٍ ، كما يقعُ للحُفَّاظِ
المتقِنِينَ المتوسِّعينَ في الرِّواية .
٥ - اشتمالُه على تراجمَ من أعيانِ حُفَّاظِ الحديثِ ، وثقاتِهِ المتقنينَ .
وقد اشتمَلَ على جملةٍ منهم كثيرةِ الروايةِ والذِّكرِ في كُتُبِ الحديثِ ،
وأطالَ في ذلَكَ حتى شفى قلبَ القارىءِ بما ذكرَه من تراجمَ لهؤلاءِ الزُّواةِ
الذينَ يدورُ عليهِم الكثيرُ من الحديثِ الصَّحيح ، وبما ذَكَره من
فَضَائِلهم ، مما يؤثِّر تأثيراً تربوياً عظيماً ، كيف والحافظُ ابنُ رجبٍ من
خيارِ أولئكَ الصَّفوةِ التي تُحيي القلوبَ بمَجالِسِها وحَديثِها .
٦ - إِفادتُه في قوانينِ الرِّواية ، كما في موضوعِ العَرْض ، والإِجازةِ ،
والإِجازةِ مع المناولةِ ، ولاسيَّما تنبيهُه على روايةِ المحدِّثِ الذي لا يحفظُ
إِذا حدَّثَ من كتابٍ غيرِهِ (٢) .
٧ - تحقيقُه في الحديثِ المرسَلِ ، وخصوصاً في هاتين المسألتين :
الأولى : تفاوتُ درجاتِ المَراسيلِ مع التَّوضيحِ بِالنَّماذجِ ، وكلامِ
العلماءِ فيها(٣)، وهذا بحثٌ مهمٌ لا غنى لأهلِ الحديثِ عنه، فَإِنَّ الشائعَ
بينهم أن المراسيلَ كلَّها على حدٍّ سواء .
(١) ص ١٤٣ -١٤٤.
(٢) انظر ص٢٥١-٢٥٣.
(٣) انظر ص ٢٨١-٢٩٣.

٤٥
«شرح علل الترمذي» لابن رجب
المسألةُ الثانية : التوفيقُ بين كلامِ الحفّاظ وكلام الفقهاءِ في الحدیثِ
المرسَل(١) . وهو مذهبٌ جَيِّد اعتمدنا عليه في أبحاثنا في كتابٍ :
((الإِمام الترمذي والموازنة بين جامعهِ وبين الصَّحيحين)).
٨- التقسيمُ البديعُ للرواةِ من حيثُ الاختلافُ فيهم ، وتفصيلُه
بالأمثلةِ ، وهو بحثٌ مبتَكَر في الرِّجالِ والجرحِ والتعديلِ .
٩- بحثُه في أنواع الحديثِ عند التِّرمذيِّ ولفتُ الأنظارِ إِلى تقسيم
التِّرمذيِّ للحديث وشرحُ اصطلاحاته ، واستكمالُه ذلك ببحثِ الحديثِ
الصَّحيح بحثاً موسَّعاً أتى فيه بفوائدَ جليلةٍ لمناسبةِ شرح شروط الحديثِ
الصَّحيح .
١٠ - بحثُه في اصطلاحاتِ التِّرمذيِّ المركَّبة: (( حَسَنٌ صحيحٌ))،
((حسنٌ صحيحٌ غريبٌ))، ((حَسَنٌ غريبٌ))، ((صحيحٌ غريبٌ))، وهو
بحثٌ معقَّدٌ ذو أوجهٍ ، كثُرتْ فيه الأقوالُ ، وقد حقَّقَ الحافظُ ابن رجبٍ
البحثَ فيه تحقيقاً متيناً وقد استَلْهَمْنا من هذا التَّحقيقِ في أطروحتنا ،
وتابَعْنا بحثَ الموضوع ، واستكمَلْنا دراسَتَه حتى استَوْفَيناهُ في أطروحتنا
من جميعٍ جوانبهِ ودلائلِهِ .
الجزء الثاني : في أصولِ عِلْمِ العِلَلِ :
وهو بحثٌ جليلٌ أتبعَ به الحافظُ (( شرحَ علل الترمذي)» لتقريبِ علمٍ
العِلَلِ على من يَنْظُرُ فيه كما ذكرَ هو ذلك(٢) ، أتى فيه بفوائدَ مهمةٍ وقواعدَ
كُلِّيَّةٍ .
(١) انظر ص ٢٩٧ .
(٢) في ص ٤٦٧ .

٤٦
تصدير المحقق لـ ((شرح علل الترمذي))
ويمتازُ هذا الجزءُ بمزايا عظيمةٍ أذكرُ من أهمِّها :
١ - إِنَّ عامَّة ما ذكرَه في هذا الجزءِ فوائدُ نادرةٌ ، قلَّ من يَعْرِفُها من أهلٍ
هذا الشأنِ ، كما ذكر الحافظُ ، ولا تُحَصَّلُ أيضاً من كتبِ أُصولِ
الحديثِ ، أو ما شاكلها من المصنَّفاتِ الحديثيةِ ، أو كتبِ الدِّراساتِ
الحديثيةِ بصورةٍ عامٍ ، إِلا ما قد يجدُه المطَّلعُ المشتَغِلُ كثيراً من متفرِّقاتٍ
هنا وهناك .
٢ - القسمُ الأوَّلُ من هذا الجزء في معرفة مراتبِ أعيانِ الثَّقاتِ الذينَ
يدورُ عليهم غالبُ الأحاديثِ الصحيحة .
وبهذا أكملَ فائدةً ما ذكرَهُ في الجزءِ الأوَّلِ من التَّعريفِ بالأئمَّةِ
والحفّاظِ ، وقدَّمَ للقارىءِ مجموعةً تُغنيهِ غناءً في معرفةِ الرِّجالِ ، وتسهّلُ
عليه سبيلَ النّظرِ في الحديثِ .
٣- اعتناؤهُ في هذا القسمِ ببيانِ مراتبِ هؤلاءِ الثَّقَاتِ في الحِفْظِ ، وذكرُ
مَنْ تُرجَّحُ روايتهُ من الرواة عنهم عند الاختلافِ .
وهذا بحثٌ مهمٌّ لا يوجدُ كثيرٌ منه في كُتُبِ الرِّجالِ ، ولا يَستغني عنهُ
باحثٌ في نقدِ الأحاديثِ ، يُبرزُ دَّةَ بحثِ المحَدِّثينَ وعمقَ علمِ العِللِ ،
وقد وسَّعَ الحافظُ ابنُ رجبِ البحثَ في هذا، فأثرى الدراساتِ الحديثِيَّةَ
وأغناها .
وفي هذا عبرةٌ لمن يكتفي في نقدِ الحديثِ بالنَّظرِ في بعضٍ كُتُبِ رجالٍ
الحديثِ؛ أن لا يتسزَّعَ في الحكمِ قبلَ التَّحَرِّي ، ولا يستهترَ بمخالفةِ
الأئمَّةِ المعروفينَ في هذا العلمِ ، فكيفَ إِذا كان الباحثُ لا يجاوزُ في
أحكامِهِ على الرِّجالِ أكثرَ المراجع اختصاراً مثلَ ((تقريبِ التَّهذيبِ)) إِلا
قليلاً جداً ، وهذه الكتبُ لا تعرِضُ لمثلِ هذا التَّفْصِيْلِ الهامّ .

٤٧
«شرح علل الترمذي» لابن رجب
وأما خصائصُ أسلوبِ الشَّرَحِ وطريقتُه :
فهي مزايا كثيرةٌ ، نذكر منها :
١ - أسلوبَ الجمع بين الشُّمولِ والعُمْقِ ثم الشُّهولةِ ، فَإِنَّ الكتابَ مع
عمقِهِ ، وكونِهِ في الذّروةِ من علمِ المصطلحِ وعلمِ العللِ يعالجُ قضايا
دقيقةً، فإِنَّهُ مع ذلك جاءَ بسبكِ سهلٍ ، يجعلكَ تتطلّع لمتابعةِ أبحاثِهِ .
٢ - طريقتَه في تقسيمٍ كتابِ ((العللِ ) إِلى مقاطعَ ذاتِ موضوعٍ واحدٍ ،
دون أن يتقيَّدَ بفقراتِ الرِّوايةِ التي تبدأ بعبارةِ: ((قال أبو عيسى)).
٣- جمعَه بين النَّظريّةِ والتَّطبيقِ ، فهو يحِّقق القاعدةَ الحديثيَّة، ويَشْفَعُ
تحقيقَه بالأمثلةِ والشَّواهدِ ، وقد جاءَ كتابُه هذا منسجماً مع طريقةِ التِّرمذيِّ
مؤلّفِ (( العللِ)) الذي يشرحُه الحافظُ ابنُ رجب، فإِنَّ من أهمِّ ما تمتازُ به
مؤلفاتُ الإِمامِ التِّرمذيِّ أنها كتبٌ حديثيَّة تطبيقيَّةٌ ، يطبّقُ فيها التِّرمذيُّ
أصولَ الحديثِ ، فيوضِّحُ أحوالَ الإِسنادِ من تفرُّدٍ أو متابعةٍ ، وأحوالَ
الرجالِ ، والترجيحَ بين الروايات المختلفةِ، حتى اغْتُبِرَ كتابُهُ ((الجامعُ))
نفسُه كتاباً في علل الحديثِ على الأبوابِ . وفي الواقع إن كتابَ
(( الجامع)) يُعتبر لمن تفهَّمه كتاباً هاماً في عِلل الحديث ومرجعاً غزيرَ
الفائدة لتطبيق أصولٍ فنِّ المصطلح
٤ - أَنَّ الحافظَ ابنَ رجب قد تخطّى في شرحِه هذا مصادرَ الحديثِ
وعلومِه المتأخرةَ الشائعةَ في زمنِهِ ، والتي أصبحتْ العمدةَ عندَ أهلِ
عصرهِ، مثلَ (( علوم الحديثِ)) لابن الصَّلاحِ ، وما وَلِيَهُ من مؤلَّفَاتٍ ،
فرجَعَ الحافظُ ابنُ رجبٍ إِلى المصادرِ الأولى في الحديثِ وعلومِهِ
وفنونِهِ .
وبذلكَ حقَّق هدفين كبيرين :

٤٨
تصدير المحقق لـ ((شرح علل الترمذي))
الأوَّل : دقَّةَ المنهج العلمي في اختيارِ المراجعِ ، على ما هو معروفٌ
في أصولِ البحث العِلْمي .
الثاني : مُلَاءَمَةَ المراجعِ للكتابِ المدروسِ ، لأن أحقَّ ما يدرسُ
الكتابُ على ضوئِهِ هو المصادر التي استمدَّ منها أو التي استمدَّت منه حتى
تعتبرَ شارحةً له ، وقد حَفَلَ شرحُ الحافظ بالمصادرِ من كل نوعٍ : فهو
ينقلُ عمَّن سبقَ الترمذيَّ، كنقلِهِ عن « رسالةِ الشَّافعي)) ، وعن
البخاريٍّ ، ومسلمٍ ، وأحمدَ بن حنبل . وينقُل عن المعاصرين
للتّرمذيِّ، كأبي حَاتِم، وأبي داودَ ، وأمثالهما، وينقلُ عمن بَعْدَ
الترمذيِّ ، كابن أبي حَاتِم ، والرَّامَهُزْمُزِيٍّ ، والخطيبِ البغداديِّ ..
٥- أَنَّ الحافظ ابن رجب أفرغَ في شرحِه هذا عُصارةَ مؤلفاتٍ هامَّةٍ
للأقدمين ، غَفَلَ عنها أكثرُ المشتغلين بالحديثِ ، مثلَ (( مقدمةٍ صحيحٍ
مسلم))، و((التمييز)) للإِمام مسلم، و((العِلَل)) لعليٍّ بن المديني،
و(( العِلَل الكبير)) للتِّرمذيِّ، و((رسالة أبي داود إِلى أهل مكَّة))، حتى إنَّه
قد يستوفي فوائدَ بعضِ هذه المؤلفاتِ في شرحه ، لكنَّ الحافظُ ابنَ رجب لم
يسرُدها هكذا سرداً ، بل أتى بنصوصها مستشهداً بها في مواضعها المناسبةِ
استشهاداً يدُلُّ على إِحاطته العلميَّةِ ودقَّةِ فقهه لِما حَفِظَ عن الأقدمينَ .
٦ - نذكرُ أخيراً من خصائصِ هذا الشرح ، أَنَّ الحافظ ابن رجبٍ قد عاد
في كتابه إِلى أسلوبِ السَّلفِ المتقدِّمين في بحثِ أصولِ الحديثِ ، وهو
أسلوبٌ يعتمدُ على ذكر أقوالهم في مسائلَ تتعلقُ بها القاعدةُ ، لكنَّه لم
يُغْفِلْ استنباطَ القواعدِ وتحريرَها ، وهو ما أفرده المتأخِّرون في التأليف ،
وهو أسلوبٌ جليلُ الفائدة ، لأنَّه بذلك جَمَع بين مزايا الطَّريقتين
وفوائِدهما ، ونمَّى في عقلِ القارىءِ موهبةَ الاستنباطِ والنَّقد ، وتطبيقَ
قواعدِ العلمِ ، وغيرَ ذلك مما لا نطيلُ به .

٤٩
«شرح علل الترمذي) لابن رجب
ويمكنُ في الختام أن نَخْلُصَ إِلى أهميَّة هذا الشَّرحِ وأنه بحقٍ - كما قلنا
- أحسنُ شرحٍ لأوَّلِ تَأليفٍ في أصولِ الحديثِ ، وأمثَّلُ مرجعٍ في أصولٍ
علمِ العللِ ، وَأَنَّه جمعَ تحقيقاتٍ وفوائدَ على غايةٍ من الأهميّة ، تسهّل
سبيلَ هذا العلمِ حتى يلزمَ المشتغلَ فيه أن يكونَ على وعيٍ وإِحاطةٍ
بمسائلهِ وفوائدِهِ .
التعريفُ بمخطوطاتِ (( شَرْحِ العلل)):
عَثَرنا بعد البحثِ في نفائسِ المكتباتِ الخطيّة في مختلَفِ البُلدانِ على
ثلاثِ نسخٍ لـ((شرحٍ علل التِّر مذيِّ)) نعرِّفُ بها فيما يأتي:
النُّسخَةُ الأولى ( الأصل) ( أ):
وهي نسخةُ إِستانبول المحفوظةُ في مكتبة السُّلطانِ أحمدَ الثالث ،
رقم ٥٣٢ بخطّ عالمٍ كبيرٍ محدِّثٍ وفقيهِ وأصوليٍّ ، وثيقِ الصِّلةِ بمؤلِّفٍ
الشَّرحِ الحافظِ ابنِ رجبٍ ، هو تلميذُه القاضي ابنُ اللخَّام ، وعليها خطُ
المؤلف ابن رجبٍ نفسِه .
وابنُ اللّحّامِ هو عليٌّ بن محمد بن عبَّاس البَعْلِيّ(١) ، ثم الدمشقيّ ،
علاءُ الدين ، المعروفُ بابنِ اللخَّام ، شيخُ الحنابلة في وقته(٢) ، وتلميذُ
ابن رجب ، وخليفتهُ في حَلْقَته .
ولدَ بعدَ الخمسين وسبعمائة ، وكانَ أبوه لحّاماً ، فماتَ وَوَلده علاءُ
الدين رضيعٌ، فربَّاه خالهُ، وعلَّمه صنعةَ الكتابة، ثم حُبِّبَ إِليه طلبُ
العِلْم ، فطلبهُ بنفسِهِ ، وأنجبَ ، واشتغلَ على الحافظِ زينِ الدينِ بنِ
رجب وغيرهِ ، ومازالَ حتى صارَ شيخَ الحنابلةِ بالشَّام .
(١) نسبة إِلى بَعْلَبَك.
(٢) كما وصفه ابن العماد في ((شذرات الذهب)) ج٧ ص٣١ .

٥٠
تصدير المحقق لـ ((شرح علل الترمذي))
وقد برعَ في المذهبِ الحنبليِّ ، ودرَّس وأفتى ، ونابَ في الحُكمِ ،
ووعظَ في الجامع الأمويِّ بدمشقَ في حلقةِ ابن رَجبٍ من بَعْده ، واجتمعَ
عليه الطلبةُ وانتفعوا بهِ ، وصنّ في الأصولِ والفقهِ .
عُيّنَ للقضاءِ فامتنعَ على ما قيلَ ، وماتَ بعدَ ذلكَ بيسير ، فِي ( سنةِ
٨٠٣) ثلاثٍ وثمانمائة ، في يوم عيد الفطرِ ، وقيلَ الأضحى ، وقد جاوزَ
الخمسينَ ، رحمهُ الله ورضيَ عنه(١).
ونسخةُ ابن اللَّّام هذه هي النسخةُ الوحيدةُ الكاملةُ من بين نُسخ
(( شرحِ العللِ)) ، وإِن كانتْ مخرومةً من الآخرِ بورقةٍ واحدةٍ فيما نقدِّرُ ،
لكنَّ الخرمَ لم ينقص من الشرح وكلام الحافظ ابن رجب شيئاً ، إِنما ذهبَ
بقسمٍ من قصيدةٍ في فضائلِ التِّرمذيِّ وجامعِهِ كتبها ناسخُ ((الشَّرِحِ))
القاضي ابنُ اللخّام .
وهذا نصُّ ما وقعَ في ختام هذه النسخةِ :
((ووجدتُ في آخر نسخةٍ من نسخِ كتابِ (( الجامع)) للترمذيِّ مما
كتبتْ باليَمَنِ بثغْرِ عَدْنٍ ما هذا صورته :
أنشدنا الفقيهُ الحافظُ أبو العبّاس أحمدُ بن مَعَدّ بن عيسى التجيبي
لنفسه في مدح أبي عيسى محمد بن عيسى بن سَوْرة الترمذيِّ رضي الله
عنه :
حكتْ أزهارُه زُهْرَ النُّجُومِ
كتابُ الترمذيِّ رياضُ عِلْمِ
بألقابِ أُقيمتْ كالرُّسومِ
بِهِ الآثارُ واضحةٌ أُبينَتْ
نُجوماً للخصوصِ وللعُمومِ
فأعلاها الصِّحاحُ وقد أنارتْ
(١) انظر ترجمته في ((إِنباء الغمر بأنباء العمر)) ج٢ ص١٧٤ _١٧٥، و((شذرات
الذهب)) ج٧ ص٣١، و ((الضوء اللامع)) للسخاوي ج٥ ص ٣٢٠-٣٢١.

٥١
((شرح علل الترمذي)» لابن رجب
وقد بانَ الصَّحيحُ من السَّقِيمِ
ومن حَسَنٍ يليها أو غريبٍ
معالمَهُ لطلّبِ العلومِ
فعللهُ أبو عيسى مبيناً
تخيَّرها أولو النَّظرِ السَّلِيمِ
وطرَّزهُ بآراءٍ صِحَاحٍ
وأهلِ الفضلِ والنَّهجِ القويمِ
من العلماءِ والفقهاءِ قِدْماً
وتقعُ هذهِ النسخةُ في ( ١٥٢ ) ورقةً ، وهي مكتوبةٌ بخطٍ نَسْخيّ جيدٍ
واضحِ مصصحةٌ غايةَ التصحيح ، وعليها علاماتُ المقابلةِ ، والتصحيحِ
والتَّضْبِيْبِ والمقابلةِ المتعارَفَةِ عَندَ المُحدِّثينَ(١).
وتعتبرُ هذهِ النسخةُ نسخةً أُمّاً في أصولِ التحقيقِ ، لما تمتازُ به من
الثقةِ العلميةِ ، فقدْ كَتبها القاضي ابنُ اللخَّامِ تلميذُ الشارحِ الحافظِ ابنِ
رجبٍ ، وقرأها على الشارحِ ، وعليها خطّ الشارحِ الحافظِ ابنِ رجبٍ
نَفْسِهِ في مواضعَ عديدةٍ مِنَ الكتابِ ، وقدْ أثبتَ التنبيهَ على ذلكَ على ظهرِ
الورقة الأولى من النسخةِ .
كما أَنَّ هذهِ النسخةَ هي آخرُ ما صدرَ عن مصنِّفِ الشرح ، وذلك لأننا
وجدنا في كثيرٍ منْ مواضع اختلافها مع النسختين الأخريين أنها كانت
عبارةٌ فيها مثلها في تَينِكِ النسختين ثم أَصلِحَتْ ، كما أننا لدى مقابلةٍ
النقولِ المأخوذةِ عنِ المصادرِ وجدنا هذه النسخةَ مطابقةً لتلكَ المصادرِ
دونَ النُسختين التاليتين .
وقد عبَّرنا عن هذه النسخة في التعليقاتِ بقولنا ((الأصلْ)) أو ((النسخةُ
الأصلْ)) . ورمزنا لها بالحرف ( أ).
النسخةُ الثانيةُ : ( ظ ) :
نسخةُ دمشقَ المحفوظةُ في دارِ الكُتُبِ الظَّاهريّة برقم (٤٠٥ح).
(١) انظر بحثها في ((منهج النقد)) رقم عام ٣٥ (( كتاب الحديث وصفة ضبطه)).

٥٢
تصدير المحقق لـ ((شرح علل الترمذي))
وهي أوَّل ما وقفتُ عليه من نُسَخ ((شرح العللِ)) عثرتُ عليها في أثناءِ
بحثي في مخطوطاتِ دارِ الكُتُبِ الظَّاهرية ، وأفدتُ منها .
والنسخةُ مَخْرومةٌ من أوَّلها ، تبدأُ من قولِ الحافظِ ابن رجب
(ص٦٤): ((قال الإِمامُ أحمدُ: حدَّثنا حسنُ بن عيسى)). وقد
أَدْمِجَت مع كتابِ ((جامع التَّحصيل في أحكام المراسيل)) للحافظِ العلائي
في مجلدٍ واحدٍ ، وبالخطِّ نفسِهِ ، ليس لها أيُّ عنوانٍ أو فاصلٍ يُميّزها ،
بل رُقّمت أوراقُها بالتَّسلسل مع أوراقِ ((جامع التَّحصيل))، حتى ظُنَّ أنها
تابعة لكتابِ ((جامعِ التَّحصيلِ)) ، وغُفِلَ عنها في مصادر فهارسٍ
المخطوطات ، كما وقعَ في (( تاريخ الأدبِ العربيِّ)) لكارل بروكلمان ،
و(( تاريخ التراثِ العربي)) للأستاذ فؤاد سیزكين .
وتقع هذه النسخةُ في ( ١١٢) ورقةً ، وهي نسخة قيّمة مكتوبةٌ بخطّ
عالمٍ خبيرٍ بهذا الفنِّ، إِمامٍ فيه ، هو العلّمةُ المحدِّثُ الحافظُ ((محمدُ بن
أبي بكر بنِ زُريق )) كما نصَّ على ذلكَ بنفسِهِ حيثُ قال - عند قولِ الحافظِ
ابنِ رجب آخرَ شرحِهِ (( لا يردّ سؤالاً» - :
((آخرُه والحمدُ للهِ وحدَه وصلّى اللهُ على سيِّدنا محمدٍ وآلهِ وصحبهِ
وسلَّم. وحسبُنا اللهُ ونعم الوكيلُ. وكَتَب محمدُ بن أبي بكرِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ
ابن زُرَیق» .
وقد ترجموا لابن زُرَيْق ترجمةً حديثيَّةً وافيةً ، وأثنوا عليه بالحفظِ
والإِمامةِ . وهو محمدُ بنُ عبد الرحمن بنِ محمد بنِ أحمدَ القرشيُّ
العمريُّ(١) ، الشيخُ الإِمامُ الحافظُ ناصرُ الدين أبو عبد الله ، المعروفُ
بابن زريق .
(١) نسبة إلى سيدنا عمرَ بن الخطّاب رضي الله عنه، وقد سردوا نسبَه إِليه .

٥٣
«شرح علل الترمذي» لابن رجب
تفقّه وطلبَ الحديثَ ، فسمعهُ من صلاحِ الدِّين بن أبي عُمر ، وتخرَّجَ
بابن المُحِبِّ ، وتمهَّر في فنونِ الحديثِ ، وسمع العالي والنازل ، وخرَّج
ورتَّب ((المعجم الأوسطَ)) للطَّبراني على الأبواب، ورتَّب (( صحیحَ ابنِ
حِبَّان)).
قال الحافظُ ابنُ حجر : (( وكان يقِظاً عارفاً بفنونِ الحديثِ ، ذاكراً
للأسماءِ والعِلل)).
وقال أيضاً: (( ورافقني كثيراً ، وأفادني من الشُّيوخ والأجزاءِ ، وكان
دَيَّاً خيِّراً صيّناً ، لم أرَ مَن يستحق أن يطلقَ عليه اسَمُ الحافظِ بالشَّامِ
غيرَه)) .
توفي الحافظُ ابن زُرَيق سنة ( ٨٠٣ ) ثلاث وثمانمائة رحمهُ الله ورضي
عنه(١) .
والتُّسخَةُ مكتوبةٌ بخطِ تعليقٍ صعبٍ مُغْفَلٍ من النَّقْطِ في كثيرٍ من
الأحيان ، لكنَّها صحيحةٌ مضبوطةٌ بالمقابلَة والتَّصحيح ، وعلاماتٍ
التَّصحيحِ والتَّضبيبِ الحديثِيَّةِ ، سوى مواضع بياضٍ فيها .
وفيها تنبيهٌ في الحاشيةِ على مواضع أشكلتْ على الحافظِ ابنٍ زُريق ،
وبيانُ اختلاف النسخ ، نحو قوله في ( ص٩١): (( تنهوننا عن جابرٍ
وتكتبوه ))، فقد وقعَ في نسخة ابنِ زريق: ((وتكتبونَه)) فأثبتها هكذا
بالنونِ، وكتب بمقابلها على هامش الصفحة: ((وتكتبوهُ)) خ . أي في
نسخةٍ أخرى: ((تكتبوه))، مما يدُلُّ على اعتنائِهِ الزائدِ بضبط الكتابِ .
وقد رمزنا لهذه النسخة بالحرف ( ظ ) .
(١) ((إِنباء الغمر)) ج٢ ص١٨٧، و((شذرات الذهب)) ج٧ ص٣٦، و(( لحظ
الألحاظ ذيل تذكرة الحفاظ )) لابن فهد ص١٩٦ .

٥٤
تصدير المحقق لـ ((شرح علل الترمذي))
النسخةُ الثالثةُ : ( ب ) :
نسخةُ القاهرةِ المحفوظةُ في دارِ الكتبِ المصرية برقم (٤٩)
مصطلح . وتقع في ( ١٣٦ ) ورقة .
وهي مخرومةٌ من أوَّلها ، تبدأ عند قولِ التِّرمذيِّ ( ص٦٣ ) :
(( وسمّوا لعبدِ الله بن المبارك رجلاً يَتَّهم في الحديث ، فقال : لأنْ أقطعَ
الطريقَ أحبُّ إِليَّ من أنْ أحدِّثَ عنه)) فقوله (( يُتَّهم في الحديثِ)) هو أوّل
هذه النسخة ، أما نهايتها فمثل سابقتها قوله (( لا يرد سؤالاً)).
وهي بخطِ محمدِ بنِ محمد أبي حامد بنِ حسينِ بنِ عليٍّ المالكيِّ
البكريِّ الخليليِّ كتب في آخرها ما نصه :
( ... والحمدُ للهِ، وحدَه، وصلَّى اللهُ على سيِّدنا ومولانا محمدٍ
عددَ ما ذكره الذَّاكرونَ، وعددَ ما غفلَ عن ذكرهِ الغافلونَ ، وعلى آلِهِ
وأصحابهِ ، وأزواجه وذريتهِ أجمعينَ ، وسلَّم تسليماً كثيراً دائماً أبداً إِلى
يومٍ الدِّين . حسبنا الله ونعم الوكيل . وكان الفراغُ من تعليقه نهارَ الأحد
ثامن عشر ربيع الآخر من شهور سنةٍ تسع وتسعين وثمانمائة بمكّةً
المشرفةِ . زادهَا اللهُ شَرَفاً وكَرَماً وتعظيماً ومَهابَة ، على يدِ العبدِ الفقيرِ
إِلى الله تعالى محمدٍ بن محمد أبي حامد بن حسين بن عليٍّ المالكيِّ
البكريِّ الخليليِّ غفرَ اللهُ تعالى له ولوالديهِ ولإِخوانِهِ ولأحبابه ولمشايخه
ولجميع المسلمين . والحمدُ لله ربِّ العالمين .
وإِني لفي خَوْفٍ من الله نادمُ
وما كنتُ أهلاً للذي قدْ كتبتُهُ
وإِني لأهلِ العلمِ لاشكَّ خادمُ
ولكنّني أرجو من الله عفوَه
)اهـ .
وهذه النسخةُ أحسنُ نسخ (( شَرح العِلل)) خطّاً، لكنها - للأسفِ -
أسوؤها تصحيحاً وضبطاً ، كثيرةُ التَّصحيفِ ، كثيرةُ السَّقَط ، فاحشةُ

٥٥
(«شرح علل الترمذي)» لابن رجب
الغَلَطِ ، وفيها مواضعُ بياضٍ أيضاً تتَّفق كثيراً مع بياضِ النُّسخةِ الدِّمشقيّة ،
وإِن كانت مواضع البياض فيها أكثر ، ولولا ضيق مَخْرج الكتابِ - على
حدٍّ تعبير المحدِّثين - لكانَ حظُ هذه النُّسخةِ في رأيي الإِهمالَ والتَّركَ ،
كما هو حُكم المحدِّثين في الراوي الشَّديدِ الغفلةِ الذي يخطىءُ الكثيرَ .
وكأَنَّ الناسخَ - مع جودةِ خطّه - بعيدٌ عن هذا العلمِ ، حتى وقَعَ له مثلُ
هذا الغلَطِ ، وقد أبدى الرجلُ اعتذاره بما سَطَره منَ بيتي الشِّعرِ اللذينِ
ذكرناهما، رحمهُ اللهُ تعالى .
وتتشابهُ النسختانِ الدمشقيةُ والقاهريَّةُ كثيراً ، فيما عدا ما وصفناه من
غلطِ النسخةِ القاهِريَّ ، وهذا التشابُه مما قد يشير إِلى كونهما منسوخَتين
عن أصلٍ واحدٍ ، لكنْ تفاوتُ بعضِ العبارات - التي يبدو أنها ناشئةٌ من
النسخةِ الأصل لهما - يدُلُّ على أَنَّ كلَّ واحدةٍ مأخوذةٌ عن نسخةٍ غيرِ
الأخرى ، لكنّ كلّ من أصلي النسختين متقاربٌ، ومأخوذٌ عن الحافظِ
قَبْلَ تعديله النهائي للكتابِ الذي جاءت عليه النسخةُ الأولى الأصل .
وقد رمزنا لهذه النسخةِ المصريةِ بالحرف ( ب ) .
منهجُ تحقيقِ الكتابِ :
١ - اعتمدنا على التُّسخةِ الأولى وجعلناها أصلاً ، لِما امتازت به من
الصِّحَّة وعُلوِّ السَّندِ ، وكونها آخرَ النسخ مما صدرَ عن الشَّارِحِ الحافظِ ابنِ
رجب رحمه الله تعالى ، وأثبتنا نصَّها في متنِ الكتاب .
٢- جعلنا بين قوسين هكذا (
) ما وقعَ من زيادةٍ في النسخة
الأصل من كلام الحافظ ابن رجب على النسختين (ظ ) و ( ب) . وأما
ما وقع من زيادةٍ في النسختين ( ظ ) و( ب ) على النسخةِ الأصلِ فقد
أدرجناه في صُلْب الصفحة بين معقوفين هكذا [
. [

٥٦
تصدير المحقق لـ ((شرح علل الترمذي))
٣- أثبتنا الفروقَ بين النسخ في الحاشيةِ، وعُنينا بفروقِ النسخةِ (ظ )،
بينما تساهلنا بالنسبةِ للنسخةِ ( ب ) ، لأن استقصاء كلٌّ ما فيها من تصحيفٍ
وخَلْطٍ ، وغَلَطٍ ، يطولُ سردُه جداً ، مما يُتعبُ القارىءَ دونَ جدوى .
وحيث تميَّز معنا نصُّ المؤلِّف المعتمَد والذي هو آخرُ ما صارَ إِليه من
بين هذه النُّسخ ، وهو نصُّ النسخةِ التركية أصبحَ موضوعُ التحقيق هو هذا
النصّ .
كذلكَ لم نرَ التطويلَ بِإِثباتِ اختلافِ النسخِ في بعضِ النواحي
اليسيرةِ ، نحو ما كان من الجوانبِ الإِملائية ، ونحو ما وقعَ من تقديمٍ
وتأخيرٍ لكلمة أو اسم، مثل ((مالك وشعبة)) أو (( شعبة ومالك)) وإِن
أثبتنا بعضَ ما وقع من ذلك ليكونَ مثالاً على هوية النُّسَخ .
٤- وقَعَ تفاوتٌ في مواضع البياضِ المشترَكَة بين النسختينِ (ظ )
و( ب ) ، بأن يكونَ البياضُ في (ظ ) أنقصَ بنحو كلمةٍ مثلاً، فلم نفصِّل
بيانَ ذلك في كلِّ موضعٍ في التَّعليق خشيةَ إِملالِ القارىءِ بطولِ هذه
التعليقاتِ الشَّكليةِ .
٥ - استعنَّا لضبطٍ وتحقيقِ نصِّ الكتابِ بالمراجع التي استقى منها ،
وبيًّّا في مواضع الخلافِ ما يوافقُ النُّسَخ في المراجع ، وعامَّة ذلك موافقٌ
للنسخةِ الأصل .
٦- كَثُر الاختلافُ بين النُّسخ في حدَّثنا و ((ثنا)) و((نا)) وهما
اصطلاحانِ للمُحدِّثين لكلمةِ حدَّثنا في الكتابةِ ، لكنْ يُلفَظُ بهما عند
القراءةِ (( حدثنا)).
فنجدُ في نسخةِ الأصلِ في كثيرٍ من الأحيانِ الرمز (( ثنا)) أو (( نا)) وفي
(ظ) ((حدَّثنا))، أو يستعملُ في الأصل ((ثنا)) وفي (ظ) و( ب) الرمز
الآخر مثلاً .

٥٧
«شرح علل الترمذي» لابن رجب
كذلك يُحذف لفظ ((قال)) عندَ ((حدَّثنا)) من الأصل ويُثبتُ في (ظ )
و(ب) أو في (ظ)، وهو اصطلاحٌ عند المحدِّثين أن يحذفوا ((قال))
خطّاً ويُثبتوها عندَ القراءةِ .
وهذا كلُّهُ لا يُعتبَرُ اختلافاً ، فَدَرَجْنا في ذلكَ على النُّسخةِ الأصل ،
ولم نَشَأْ مخالَفَتها ، ولا التنبيه على شيءٍ من هذا التفاوتِ بين النسخ ،
وإِن فعله بعضُ المحققين غيرُ ذوي الاختصاصِ بهذا الفن ، فأبانَ بذلكَ
عن نفسه .
٧- وجدنا شرحَ الحافظِ ابنِ رجب مرتَّباً على أبحاثٍ من غيرِ استعمالٍ
عناوين إِلا نادراً ، ونظراً لأهميَّتها فقد أدرجْنا عناوينَ توضِّحُ موضوعَ
بحثِ الشَّارحِ ، لتسهيلِ فائدةِ القارىء من الكتابِ ، وجعلناها بين دائرتين
مُفَرَّغتينٍ من الوَسَطِ هكذا O O وأكثرُ ذلك في الجزء الأوّل من الكتاب ،
أما الجزءُ الثاني فعامَّة عناوينه من عباراتِ الحافظ ابن رجبٍ نفسهِ .
منهجُ التعليقِ على الكتاب :
وقد بنينا خِطَّة التعليقِ على أساسٍ تكميلِ فوائدِ الكتابِ من جوانبه
كافّة ، مع الاختصارِ وتحاشي التطويلٍ ، واتَّبعنا ما يلي :
١ - تخريجَ الأحاديثِ :
وذلك بِبَيانِ المصادرِ التي أخرجت الأحاديثَ . أي رَوَتْها بأسانيدِها
إِلى النبيِّ وَّةِ، وقد عنينا بالعزوِ إِلى تلكَ المصادرِ ، مع بيانِ موضعٍ
الحديثِ في كلِّ مصدرٍ ، بذكرِ الجزءِ والصَّحيفةِ ، وبذكرِ عنوانِ البابِ
عندَ الحاجةِ .
ولما أن الأحاديثَ التي في الكتاب وردتْ لمناسبةٍ عِلَّةٍ ، أو قضيّةٍ
حديثيّة قد يكونُ فيها نزاعٌ ، فإِنَّ تخريجَ هذه الأحاديث يحتاجُ إلى تخطّي

٥٨
تصدير المحقق لـ ((شرح علل الترمذي))
المصادرِ المشهورةِ ، والمظانِّ المتوقَّعةِ ، وقد حَرَصْنا على تغطيةِ ذلك
بما نرجو أن يحقّق المقصودَ .
٢ - بيانَ حالِ الأحاديث من حيثُ القَبُولُ أو الرَّدُ :
تكلَّمنا على الأحاديثِ ببيان درجتها من الصِّحَّة أو الحُسنِ أو
الضَّعفِ ، مع كَشْفِ موضع الاستشهادِ بالحديثِ ، وسببِ إِيراده في
الكتابِ ، مع التعليلِ الفنيِّ ، والاستنادِ إِلى أصولِ هذا العلم .
٣- تخريجَ نصوصِ العلماءِ في المسائل الحديثيّة :
فقد أوردَ الحافظُ ابنُ رجب في ((شرحه )) كثيراً من النُّقول والأقوالِ
عن أئمة العلمِ في المسائلِ الحديثيةِ ، وقد خرّجنا هذه النصوصَ من
مصادرِها التي ترويها بالسَّندِ إِلى الأئمةِ الذين نُقِلتْ عنهم ، ولم يكن ذلك
قياماً بجانبٍ مكمّلٍ من عمل التحقيقِ فَحَسب ، بل وَجَدْنا في ذلكَ فائدةٌ
هامَّة ، هي ما يحفُّ هذه النقولَ في المصادرِ من دراساتٍ وفوائدَ قَيِّمة ،
وقد أَتينا في التعليقِ بِالقَدْر الذي يُحتاجُ إِليه ، وتركنا التوسعَ للقارىءِ
يعتمدُ على إِحالاتنا .
٤ - استكمالَ بحث الإحالاتِ علی «شرح الترمذي » :
أحال الشارعُ في مواضعَ كثيرةٍ على ما سَبَق في شرحِهِ لـ(( جامع
الترمذي ))، وقد عَوَّضنا القارىء عما فاته من شرح الحافظ ابن رجب بما
أثبتناهُ من تعليقاتٍ عليه ، وهذا عملُنا في فاتحةِ الكتابِ في تخريج
الأحاديثِ التي اتُّفق على عدم العملِ بها ، وبحثِ جوانبها الحديثية
والفقهية مثالٌ واضحٌ لهذا الجُهد الكافي إِن شاء الله تعالی .
٥- استكمالَ تراجِم الرُّواة :
تعرَّضَ الحافظُ ابنُ رجبٍ للكلام على جملةٍ كبيرةٍ من رُواِ الحديثِ

٥٩
«شرح علل الترمذي)) لابن رجب
بتراجمَ موسّعة ، يَرِدُ في كثيرٍ منها جَرٌْ وتعديل ، مما قد يجعلُ القارىءَ
حائِراً ، لعدم تمكّنه في هذا الفن ، وقد علَّقتُ على هذه التراجم بتلخيصٍ
محقَّق ، يبينُ الحكمَ على الرَّاوي بعبارةٍ واحدةٍ لا تحتَمِلُ أكثرَ من حكمٍ
واحدٍ ، مع زيادةٍ فائدةٍ في تاريخِ الراوي ومن أخرجَ له من المُحدِّثين .
كذلكَ أوردتُ مثلَ هذه التكملةِ في سائرِ التراجمِ ، وناقشتُ بعضَ
الآراءِ في بعضِ الرواةِ ، مستنداً إِلى أصولِ هذا الفنِّ ، وموضّحاً عِلَّة
ذلك، وإِذا أوردتُ كلامَ الحافظِ ابنِ حجر في (( التقريب)) جَعَلَتْهُ بين
هلالين مزدوجين (()) مكتفياً بذلكَ عنِ العزو إِليه .
لكنَّ الحافظ ابن حجر لا يذكرُ المائة في تاريخ وفاةِ الراوي ، اكتفاءً
بذكر طبقته، فيقول مثلاً: ((من السادسةِ، مات سَنةً أربعين))، بدلاً من
((أربعين ومائة)). فأضفتُ إِلى كلامه لفظ ((ومائة))، أو ((ومائتين))
تسهيلاً على القارىء ، وجعلتُ زيادة - ومائة - أو - ومائتين - بين
- ٠
معترضتين ، هكذا -
٦- تكررتْ في الكتاب تراجمُ كثيرٍ من العلماء والرُّواة من أجلٍ
دراستهم في كلِّ مرّةٍ من جانبٍ حديثي خاصّ ، ووردتْ فيها فوائدُ على
غايةٍ من الأهميَّة ، وقد علقنا عليها بما يُمِّمُ الفائدةَ ، وقد نقتصرُ على
التعليقِ في موضعٍ واحدٍ ، فَلَيُرجع إلى فهرسِ الأعلام المترجمةِ لسهولةٍ
تتبّع جوانبِ البحثِ في هؤلاء الزُّواةِ .
٧- وردَ في الكتابِ ذِكرُ عددٍ كبيرٍ جداً من العلماءِ والرواةِ ، فلم نشأ
ترجمةَ كلِّ علمٍ بمجردِ ذكره ، ما دمنا لا نجدُ لذلك فائدةً تتعلق بمقصدٍ
الكتابِ ، ونحيلُ القارىءَ إِلى كتبٍ رجالِ الحديثِ فقد تكفَّلت له بذلك .
وقد أطالَ كثيرٌ من المحققين التعليقاتِ بتراجم الأعلام لمجرَّد
ورودها ، تقليداً للأسلوبِ الأجنبيِّ في التحقيق ، لكنَّ الوضعَ العِلمي