Indexed OCR Text
Pages 341-360
ولا يُعْرفُ لأبي العشراء عن أبيه إلا هذا الحديث، وإن كان هذا الحديث مشهوراً عند أهل العلم فإنما اشتهر من حديث حماد بن سلمة، ولا نعرفه (١) إلا من حديثه. ورب رجل من الأئمة يحدث بالحديث لا يُعْرَفُ إلا من حديثه ويشتهر (٢) الحديث لكثرة من روى عنه مثل : ما روى عبد الله بن دينار عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((نهى عن بيع الولاء، وعن هبته)). لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن دينار : روى عنه عبيد الله بن عمر، وشعبة، وسفيان الثورى ، ومالك بن أنس ، وابن عيينة (٣) ، وغير واحد من الأئمة . وروى يحيى بن سُليم هذا الحديث عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر ، فوهم فيه يحيى بن سليم . والصحيح هو عن عبيد الله بن عمر عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر ، هكذا روى عبد الوهاب الثقفي وعبد الله بن نمير عن (١) (( ولا يُعرف ٠ ٢٠ ب. (٢) ((فيشتهر)، ظ وب وسقط من قوله ((ورب)) إلى ((ويشتهر)) من ب. (٣) في ظـ ((وابن عيينة ومالك بن أنس)). - ٣٤١ - عبيد الله بن عمر عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر (١). وروى المُؤمّل هذا الحديث عن شعبة فقال شعبة: « وددت أن عبد الله بن دينار أذن لي حتى كنت أقومُ إليه فأقبل رأسه)» اعلم أن الترمذي قسم - في كتابه هذا - الحديث إلى صحيح ، وحسن ، وغريب . وقد يجمع هذه الأوصاف الثلاثة في حديث واحد، وقد يجمع منها وصفين في الحديث ، وقد يفرد أحدها في بعض الأحاديث . : بدء ابتكار هذا التقسيم * وقد نسب طائفة من العلماء الترمذيّ إلى هذا التفرد بهذا التقسيم (٢)، ولا شك أنه هو الذي اشتهرت عنه هذه القسمة. وقد سبقه البخاري إلى ذلك ، كما ذكره الترمذي عنه في كتاب العلل (٣) أنه قال [ ظ - ١٥٢] في حديث البحر: ((هو الطهور (١) قوله ((هكذا)) إلى هنا سقط من ظ، وسقط ((عن عبد الله بن دينار )) من ب . (٢) منهم ابن تيمية على ما نقل عنه القاسمي في كتابه قواعد التحديث ص ١٠٣ ونجيب عنه بأنه لعله أراد أن الترمذي أول من قسم الحديث هذا التقسيم الثلاثي في التأليف، لأنه لم يُصَّفْ قبل الترمذي كتاب قُمَتْ أحاديثُه هذه القسمة التي أجملها الحافظ ابن رجب . (٣) «فيما ذكره عنه في كتاب العلل» ظ وب . - ٣٤٢ - ماؤه)): هو حديث حسن صحيح(١)، وأنه قال في أحاديث كثيرة : (( هذا حديث حسن)). وكذلك ذكره ابن أبي حاتم عن أبيه أنه قال في حديث إبراهيم بن أبي شيبان عن يونس بن ميسرة بن حَلْبَس(٢) عن أبي إدريس عن عبد الله بن حَوالة عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((تُسْتَجْندون" أجناداً .. الحديث)) (٣). قال: ((هو صحيح حسن غريب)). وقد كان أحمد وغيره يقولون: ((حديث حسن(٤))). (١) أخرجه الأربعة: أبو داودج ١ ص ٢١ والترمذي وقال حسن صحيح ج ١ ص ١٠١، والنسائي ج ١ ص ١٧٦ وابن ماجه ج ١ ص ١٣٦. . انظر شرح الحديث والاحالة لمراجعه وبيان طرقه في كتابنا ((دراسات تطبيقية في الحديث النبوي، العبادات ، ص ٧ - ١٣ وفيه النقل عن البخاري انه قال : ((حديث صحيح). (٢) بمهملتين في طرفيه وموحدة، وزن جعفر، وفي ب ((حليس)) وهو تصحيف . (٣) الحديث في فضل سكنى الشام أخرجه بمعناه أبو داود في أول الجهاد ج ٣ ص ٤، وأحمد في المسندج؛ ص ١١٠، وج٥ ص ٣٣ و ٢٨٨ من طرق غير طريق أبي إدريس الذي ذكره الشارح. ووقع في ظ وب ((ستجندون .. )). (٤) وقال الترمذي في حديث المستحاضة الذي سبقت الإشارة إليه ص٣٢٩ قال: ((وسألت محمداً عن هذا الحديث فقال: هو حديث حسن صحيح، هكذا قال أحمد بن حنبل : هو حديث حسن صحيح)) انتهى . والأمثلة لقول المتقدمين قبل الترمذي: ((حسن)) و ((حسن صحيح))، ونحو ذلك كثيرة . وكانوا يستعملون التقسيم الثنائي ((صحيح))، ((ضعيف، كما يشير إليه كلام الحافظ الآتي . = - ٣٤٣ - ! وأكثر ما كان الأئمة المتقدمون يقولون في الحديث : إنه صحيح أو ضعيف ، ويقولون : منكر، وموضوع، وباطل . ! وكان الإمام أحمد يحتج بالحديث الضعيف الذي لم يرد خلافه ، ومراده بالضعيف (١) قريب من مراد الترمذي بالحسن (٢). وقد فسر الترمذي ههنا مراده بالحسن ، وفسر مراده بالغريب، ولم يفسر معنى الصحيح . ونحن نذكر ما قيل في معنى الصحيح أولا ، ثم نشرح ما ذكره الترمذي في معنى الحسن ، والغريب ، إن شاء الله تعالى . وأول من عرفنا، استعمل هذا التقسيم الثلاثي واصطلاحاته التي استعملها = الترمذي هو علي بن المديني ، قال الحافظ ابن حجر في نكته على ابن الصلاح : ((قد أكثر علي بن المديني من وصف الأحاديث بالصحة والحسن في مسنده وفي علله ، وكان الامام السابق لهذا الاصطلاح ، وعنه أخذ البخاري ويعقوب بن شيبة وغير واحد ، وعن البخاري أخذ الترمذي)) قوت المغتذي للسيوطي ج ١ ص ٨. وبهذا نعرف شيئاً من أثر الترمذي في تقدم علوم الحديث ودقة تقسيمه ، حتى أصبح تقسيمه أصلاً يبني عليه علماء أصول الحديث دراسة أنواع الحديث من حيث القبول أو الرد . (١) قوله بالضعيف ليس في ب. (٢) قول الحافظ ابن رجب هذا خلاف ظاهر اصطلاح المحدثين. وقد حققنا المسألة في كتابنا منهج النقد ص٢٧٣ ، فارجع اليه لزاماً . - ٣٤٤ - فصل في الصحيح من الحديث وما يتفرع على شروط * أما الصحيح من الحديث : وهو الحديث المحتج به ، فقد ذكر الشافعي رحمه الله شروطه بكلام جامع . قال الربيع: قال الشافعي: ((ولا تقوم الحجة بخبر الخاصة حتى يجمع أموراً (٢). منها : أن يكون مَنْ حدَّثَ به ثقة في دينه ، معروفاً بالصدق في حديثه ، عاقلاً لما يحدث به . عالماً بما يحيل معاني الحديث من اللفظ . أو أن يكون ممن يؤدي الحديث بحروفه كما سبعه ولا يحدث به على المعنى ، لأنه إذا حدث به (٢) على المعنى وهو غير عالم بما يحيل معناه لم يدر لعله يحيل الحلال إلى الحرام ، وإذا أدى بحروفه لم يبق وجه يُخاف فيه إحالة الحديث . (١) في الرسالة ص ٣٧٠ - ٣٧٢ وهذا أقدم تعريف مدون يصلنا للحديث الصحيح ، وكأنّ العلماء بنوا عليه تعريفهم الصحيح فاختصروه في عبارتهم المشهورة في الصحيح: ((هو الحديث الذي اتصل سنده بنقل العدل الضابط عن مثله من أول السند إلى منتها. ولم يكن شاذاً ولا معلاً)) فإنه يتناول ما فصله الشافعي كما سيوضحه الحافظ ابن رجب، وتجد زيادة فائدة عليه في كتابنا الامام الترمذي ص ١٦٠ وانظر ص ١٤٣ - ١٤٤ . (٢) قوله ((امورا)) سقط من ب. (٣) ((به)) ليس في ظ وب . - ٣٤٥ - حافظاً إن حدث من حفظه ، حافظاً لكتابه إن حدث من كتابه . إذا شرك أهل الحفظ في الحديث وافق حديثهم . بَرِيّاً من أن يكون مدلساً يحدث عمن ثقيَ ما لم يسمع منه او يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم بما يحدث الثقات خلافه (١)، ويكون. هكذا من فوقه ممن حدثه حتى يُنْتَهى بالحديث موصولاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، أو إلى من اتشُهييَ به إليه دونه ، لأن كل واحد [١-٧٥] مُثْبِتٌ لمن حدثه، ومثبت على مَنْ حدث عنه)). قال(٢): ((ومن كثر غلطه من المحدثين ولم يكن له أصل كتاب صحيح لم نقبل حديثه ، كما يكون من أكثر الغلط في الشهادات لم تقبل شهادته » . قال(٣): ((وأقبل الحديث حدثني فلان عن فلان إذا لم يكن مدنساً». (( ومن عرفناه دلس مرة فقد أبان لنا عورته في روايته ، وليست تلك العورة بكذب فيرد بها حديثه ، ولا على النصيحة في الصدق فتقبل منه ما قبلنا من أهل النصيحة في الصدق ، فقلنا: لا نقبل(٤) من مدلس حديثاً حتى يقول : حدثني أو سمعت)). فقد تضمن كلامه رحمه الله أن الحديث لا يحتج به حتى يجمع رواته(٥) من أولهم إلى آخرهم شروطاً : (١) ((بخلافه)» ظ وب، والمثبت موافق للرسالة. (٢) المرجع السابق ص ٣٨٢ . (٣) المرجع السابق ص ٣٧٣ و ٣٧٩ - ٣٨٠. (٤) ((بُقبل)) ب بصيغة المبني للمجهول، وهكذا فيها العبارات السابقة. (٥) ((رواتهم » ب سم و قلم. - ٣٤٦ - أحدها : الثقة في الدين ، وهي العدالة : وشروط العدالة مشهورة معروفة في كتب الفقه (١). و(٢)الثاني: المعرفة بالصدق في الحديث: ويعني بذلك أن يكون الراوي معروفاً بالصدق في رواياته ، فلا يحتج بخبر من ليس بمعروف بالصدق ، كالمجهول الحال ، ولامن يعرف بغير الصدق . وكذلك ظاهر كلام الإمام أحمد أن خبر مجهول الحال لا يصح ولا يحتج به ، ومن أصحابنا من خرّج قبول حديثه على الخلاف في قبول المرسل . وقال الشافعي أيضا: ((كان ابن سيرين والنخعي وغير واحد من التابعين يذهب هذا المذهب في أن لا يقبل إلا من عرف)». و(٢) قال: ((وما لقيت ولا علمت أحدأ من أهل العلم بالحديث(٣) يخالف هذا المذهب )) . الثالث : العقل لما يحدث به : وقد روي مثل هذا الكلام عن جماعة من السلف ، ذكر ابن أبي الزناد عن أبيه قال: ((أدركت بالمدينة مائة كلهم مأمون، ما يؤخذ عنهم شيء من الحديث ، يقال : ليس من أهله)». خرجه (١) وهي: الاسلام، والعقل، والبلوغ، والتقوى، والاتصاف بالمروءة وترك ما يخل بها . انظر شرحها وبيان فذلكة تحقق صاحبها بالعدالة والصدق في كتاب منهج النقد في علوم الحديث ص ٧١ - ٧٢ . (٢) الواو ليست في ظ في الموضعين . (٣) (« أهل الحديث)» ظ . - ٣٤٧ - مسلم في مقدمة كتابه (١) . وروى إبراهيم بن المنذر حدثني معن بن عيسى قال كان مالك : يقول: ((لا تأخذ العلم من أربعة، وخذ (٢) من سوى ذلك: لا تأخذ من سفيه معلن بالسفه، وإن كان أروى الناس. ولا تأخذ من كذاب يكذب في أحاديث الناس ، وإن كان لا يُتَّهم أن يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم . ولا من صاحب هوىّ يدعو الناس إلى هواء . ولا من شيخ له فضل وعبادة إذا كان لا يعرف ما يحدث به )) . قال إبراهيم بن المنذر [ ظ - ١٥٣]: ((فذكرت هذا الحديث لمطرف بن عبد الله اليساري(٣) مولى زيد بن أسلم، فقال : ما أدري ما هذا ؟ ولكن أشهد لسمعت مالك بن أنس يقول: ((لقد أدركت بهذا البلد - يعني المدينة - مشيخة لهم فضل وصلاح وعبادة يحدثون ، ما سمعت من واحد منهم حديثاً قط! قيل: ولِمْ يا أبا عبد الله ؟ قال: لم يكونوا يعرفون ما يحدثون)). وروى ضمرة عن سعيد بن عبد العزيز عن مغيرة عن إبراهيم قال: (( لقد رأيتنا وما نأخذ الأحاديث إلا ممن يعرف حلالها من حرامها وحرامها من حلالها ، وإنك لتجد الشيخ يحدث بالحديث فيحرّف حلاله عن حرامه ، وحرامه عن حلاله وهو لا يشعر)). (١) ص ١١ وانظر آثاراً أخرى في الكفاية ص ١٥٨ - ١٦١. ٠ (٢) ((ويؤخذ» ب! (٣) ((اليساري)) ليس في ظ، وفي ب ((النيسابوري)). تصحيف. - ٣٤٨ - وقال محمدبن عبد الله بن عمّار الحافظ الموصلي وقد سئل عن علي بن غراب(١) ؟ فقال : كان صاحب حديث بصيراً به ، قيل له : أليس هو ضعيفاً ؟ قال : إنه كان يتشيع ، ولست بتارك الرواية (٢) عن رجل صاحب حديث يبصر الحديث بعد [ ب ٥٧ ] أن لا يكون كذوباً للتشيع أو للقدر ، ولست براو عن رجل لا يبصر الحديث ولا يعقله ولو كان أفضل مِنْ فَتْح، يعني الموصلي)». وحكى الترمذي في علله عن البخاري قال : « كل من لا يعرف صحيح حديثه من سقيمه لا أحدث عنه)) وسمى منهم زَمْعَة بن صالح وأيوب بن عتبة . وحكى الحاكم هذا المذهب عن مالك ، وأبي حنيفة ، وحكى عن أكثر أهل الحديث الاحتجاج بحديث مَنْ لا يعرف ما يحدث به ولا يحفظه . والظاهر - والله أعلم - حمل كلام الشافعي رحمه الله على من لا يحفظ لفظ الحديث، وإنما يحدث بالمعنى ، كما صرح بذلك فيما بعد. وكذلك نقل الربيع عنه في موضع آخر (٣) أنه قال: ((تكون اللفظة تترك من الحديث [ آ - ٧٦] فيختل المعنى، أو ينطق بها (١) ((عيران)) ظ تصحيف. وليس فيها قوله ((الحافظ)). (٢) في ب ((قيل إنه كان يتشيع وليست منازل الرواية)) وهو تصحيف شنيع . (٣) في الرسالة ص ٣٨٠، وفيها ((فتحيل)) و((فيحيل)). - ٣٤٩ - بغير لفظ المحدث والناط بها غير عامد لإحالة الحديث(١) [فيختَل معناه . فإذا كان الذي يحمل الحديث يجهل هذا المعنى - وكان غير عاقل للحديث - ] فلم يقبل حديثه إذا كان يحمل ما لا يعقل إذ كان من لا يؤدي الحديث بحروفه ، وكان يلتمس روايته على معانيه وهو لا يعقل المعنى » . إلى أن قال(٢): ((فالظِّنَّةُ فيمن لا يؤدي الحديث بحروفه ولا يعقل معانيه أبين منها في الشاهد لمن ترد شهادته له فيا هو ظنين فيه » . فهذا يبين أن الشافعي إنما اعتبر في الراوي أن يكون عارفاً بمعاني الحديث إذا كان يحدث بالمعنى ولا يحفظ الحروف ، والله أعلم . فقوله هنا : «عاقلاً لما يحدث به ، عالما بما يحيل معاني الحديث من اللفظ)) هو شرط واحد ليس فيه تكرير ، بل مراده بِعَقْل ما يحدّثُ به فهمُ المعنى، ومراده بالعلم بما يحيل المعنى من الألفاظ معرفة الألفاظ التي تُؤدّى بها المعاني . وقد فسر أبو بكر الصيرفي في شرح الرسالة قول الشافعي : ((عاقلاً لما يحدث به)) بأن مراده أن يكون الراوي ذا عقل فقط قال: ((وهذا شرط بإجماع)). وهذا الذي قاله فيه نظر وضعف . (١) (بإحالة الحديث)) ظ وب وسقط قوله ((فيختل)) إلى ((الحديث)) من ظ . (٢) ص ٣٨١. وفي ب ((إلا ان قال بالظنة)) وهو تصحيف شنيع. - ٣٥٠ - وهذا كله(١) في حق من لا يحفظ الحديث بألفاظه، بدليل أنه قال بعد ذلك: (( أو أن يكون من يؤدي الحديث بحروفه كما سمعه ، ولا يحدث به على المعنى)) ، فجعل هذا قسيماً للذي قبله . فقسم الرواة إلى قسمين : من يحدث بالمعنى ، فيشترط فيه أن يكون عاقلاً لما يحدث به من المعاني ، عالماً بما يحيل المعنى من الألفاظ . ومن يحدث باللفظ ، فيشترط فيه الحفظ للفظ الحديث واتقانه . وما علل به من اشتراط معرفة المعنى واللفظ المؤدي له ، فهو حق واضح ، وقد سبق معنى ذلك عن إبراهيم النخعي . وقد قال أحمد في رواية الأثرم : ((سعيد بن زكريا المدايني : كنا كتبنا عنه ثم تركناه، قيل له: لم ؟ قال : لم يكن (٢) أرى به في نفسه بأساً، ولكن لم يكن بصاحب حديث)). وهذا محمول على أنه كان يحدث من حفظه أيضاً فيخشى عليه الغلط(٣). الرابع : حفظ الراوي : فإن كان يحدث من حفظه اعتبر حفظه لما يحدث به ، لكن إن كان يحدث باللفظ اعتبر حفظه لألفاظ الحديث ، وإن كان يحدث بالمعنى اعتبر معرفته بالمعنى وباللفظ الدال عليه كما تقدم(٤)، وإن (١) (( كأنه)، ظ . (٢) ((لم أكن ، ب. (٣) قوله ((الغلط)) ليس في ظ و ب. (٤) في ص ٣٤٥ و ٣٤٩-٣٥٠. - ٣٥١ - كان يحدث من كتابه اعتبر حفظه لكتابه ، وقد سبق (١) كلام الأئمة واختلافهم في جواز التحديث من الكتاب ، وفي صفة حفظ الكتاب بما فيه كفاية . الخامس : أن يكون في حديثه الذي لا ينفرد به يوافق الثقات في حديثهم : فلا يحدث بما لا يوافق الثقات . وهذا الذي ذكره معنى قول كثير من الأئمة الحفاظ في [ ظ - ١٥٤] الجرح في كثير من الرواة : (( يحدث بما يخالف الثقات)). أو ((يحدث بما لا يتابعه الثقات عليه(٢))). لكن الشافعي اعتبر أن لا يخالفه الثقات ، ولهذا قال بعيد هذا الكلام: « بَرِيًّا أن يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم بما يحدث الثقات خلافه » . وقد فسر الشافعي الشاذ من الحديث بهذا : قال يونس بن عبد الأعلى سمعت الشافعى يقول: ((ليس الشاذ من الحديث أن يروي الثقة حديثاً لم يروه غيره ، إنما الشاذ من الحديث أن يروي الثقات حديثاً فيشدَّ عنهم واحدٌ فيخالفهم». وأما أكثر الحفاظ [ ب - ٥٨ ] المتقدمين فإنهم يقولون في الحديث - إذا تفرد به واحد - وإن لم يرو الثقات خلافه - : «إنه لا يتابعُ عليه، ويجعلون ذلك علة فيه ، اللهم إلا أن يكون ممن (١) في ص ٢٤٩ - ٢٥٣. (٢) ((عليه)) ليس في ظ و ب. - ٣٥٢ - كثر حفظه واشتهرت عدالته وحديثه كالزهري ونحوه ، وربما يستنكرون بعض تفردات(١) الثقات الكبار أيضاً، ولهم في كل حديث نقد خاص، وليس عندهم لذلك ضابط يضبطه . قال صالح بن محمد الحافظ: ((الشاذ: الحديث المنكر الذي لا يعرف)). وسيأتي لذلك مزيد ايضاح عند ذكر الحديث الغريب [ آ - ٧٧ ] إن شاء الله تعالى . السادس : أن لا يكون مدلساً : فمن كان مدلساً : يحدث عمن رآه بما لم يسمعه منه فإنه لا يقبل منه حديثه حتى يصرح بالسماع من روى عنه ، وهذا الذي ذكره الشافعي قد حكاه يعقوب بن شيبة عن يحيى بن معين. وقال الشاذكوني : ((من أراد التدين بالحديث فلا يأخذ عن الأعمش ، ولا عن قتادة ، إلا ما قالا سمعناه)) . وقال البرديجي: ((لا يحتج من حديث حُمَيْد إلا بما قال: ثنا أنس » . ولم يعتبر الشافعي أن يتكرر التدليس من الراوي ولا أن يغلب على حديثه ، بل اعتبر ثبوت تدليسه ولو مرة واحدة . واعتبر غيره من أهل الحديث أن يغلب التدليس على حديث الرجل (٠٠١ (١) ((مفردات» ظ وب. (٢) في هذا التعبير نظر، كما ستعلم من تفصيل طبقات المدلين بعد صحيفتين، فإن المعتبر عند غير الشافعي في اشتراط التصريح بالسماع كثرة التدليس، لا أن يغلب التدليس على حديث الرجل، وعلى هذا يتنزل كلام مسلم الآتي . ٢٣ - شرح العلل - ٣٥٣ - وقالوا : إذا غلب عليه التدليس لم يقبل حديثه حتى يقول : ثنا ، وهذا قول ابن المديني ، حكاه يعقوب بن شيبة عنه . وذكر مسلم في مقدمة كتابه (١): أنه إنما يعتبر التصريح بالسماع ممن شهر بالتدليس وعُرفَ به . وهذا يحتمل أن يريد به كثرة التدليس في حديثه ، ويحتمل أن يريد [به ] ثبوت ذلك عنه وصحته ، فيكون كقول الشافعي . وفرقت طائفة بين (٢) أن يدلس عن الثقات أو عن الضعفاء، فإن كان يسدلس عن الثقات قُبِلَ حديثه وإن عنعنه (٣). وإن كان يدلس عن غير الثقات لم يقبل حديثه حتى يصرح بالسماع ، وهذا الذي ذكره حسين الكرابيسي وأبو الفتح الأزدي (٤) الموصلي الحافظ ، وكذلك ذكره طائفة من فقهاء أصحابنا ، وهذا بناء على قولهم : بقبول المراسيل . واعتبروا كثرة التدليس في حق من يدلس عن غير الثقات . وكذا ذكر الحاكم أن المدلسَ إذا لم يذكر سماعه في الرواية فحكم (١) ص ٢٦ . (٢) ((بين)) سقط من ب. (٣) وبه أخذ الحافظ العلائي بناء على القول الراجح في قبول حديث من: عرف أنه لا يرسل إلا من ثقة . انظر جامع التحصيل ورقة ٤٠ ب - ٤١). ومن هذه الطبقة سفيان بن عيينة كما سيأتي وحميد الطويل على فرض أنه حدث عن أنس ما لم يسمعه منه كما نبه العلائي في جامع التحصيل ورقة ٢٦٩ . (٤) (( الأزدي )) ليس في ظ . - ٣٥٤ - حديثه حكم المرسل ، وكذلك أشار إليه أبو بكر الصيرفي في شرح رسالة الشافعي . وأما الإمام أحمد فتوقف في المسألة ، قال أبو داود : سمعت أحمد سئل(١) عن الرجل يُعرفُ بالتدليس في الحديث يحتج فيا لم يقل فيه : حدثني أو سمعت ؟ قال : لا أدري (٢). (١) ((سمعته مثل)) ب. (٢) التحقيق الذي يضبط حكم الحديث المدلس في رأينا ويجمع ما تفرق فيه من آراء العلماء أن ننظر إلى حال المدلس فنعطيه الحكم المناسب ، وذلك ما يشير إليه صنيع الأئمة المحققين في هذا الفن ، في بيانهم أقسام التدليس والمدلسين، كالحاكم النيسابوري في معرفة علوم الحديث ص ١٠٣ - ١١١ والخطيب في الكفاية ص ٣٥٨ - ٣٧١. وقد حقق ضبط مراتب المدلين وطبقاتهم وأحكامها الحافظ العلائي في كتابه القيم جامع التحصيل لأحكام المراسيل ورقة ٣٨- ٤٠ مستفيداً من الحاكم، ثم استمد منه الحافظ ابن حجر في كتابه ((تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس)» ص ٢ وهذا لفظ الحافظ ابن حجر نسوقه إليك هنا : ((وهم على خمس مراتب: الأولى : من لم يوصف بذلك إلا نادراً كيحيى بن سعيد الأنصاري . الثانية : من احتمل الأئمة تعليمه وأخرجوا له في الصحيح لإمامته وقلة تدليسه في جنب ما روى كالثوري، أو كان لا يدلس إلا عن ثقة كابن عيينة . الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلى بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رَدّ حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم كأبي الزبير المكي. الرابعة : من اتفق على أنه لا يحتج بشيء من حديثهم إلا بما صرحوا فيه = - ٣٥٥ - وأما من يدلس عمن لميره فحكم حديثه حكم المرسل، وقد سبق ذكره (١). ومتى صرح بالسماع أو قال ذا أو أنا فهو حجة ، وزعم أبو الطيب الطبري من الشافعية أنه لا يحتج بقول المدلس : أنا ، لأنه قد يكون إجازة . وهذا ضعيف ، فإن مثله يتطرق إلى قوله ثنا أيضاً، فإن ذلك جائز عند كثير من العلماء في الإجازة ، كما سبق . ثم إن الإجازة والمناولة تصح الرواية بها على ما تقدم، فيحتج بحديث من حدث بها حينئذ ، وأيضاً فقد تستعمل ثنا في الإرسال ؛ كما كان الحسن يقول: ((ثنا ابن عباس)». ويتأول أنه حدث أهل البصرة ، ولكن هذا استعمال نادر ، والحكم للغالب . وأما قول الشافعي : إن التدليس ليس بكذب يُرّدّ به حديث: صاحبه كله، فهذا أيضاً قول أحمد وغيره من الائمة ، لأن قبول المدلس عن فلان ليس بكذب منه ، وإنما فيه كتمان من سمع منه عن فلان . وحكى الخطيب(٢) هذا القول عن كثير من العلماء. وعن بعضهم أنه كذب يرد به حديث صاحبه، وممن [ظ- ١٥٥] قال إنه كذب : جماد بن زيد ، وأبو أسامة . = بالسماع لكثرة تدليسهم على الضعفاء والمجاهيل كبقية بن الوليد . الخامسة : من ضعف بأمر آخر سوى التدليس فحديثهم مردود ولو صرحوا بالسماع إلا أن يوثق من كان ضعفه يسيراً كابن لهيعة)) انتهى . (١) في ص ٣٥٤-٣٥٥. (٢) في الكفاية ص ٣٦١ - ٣٦٢. وقال: ((هذا هو الصحيح عندنا)). - ٣٥٦ - وقال شعبة: «هو أخو الكذب))، وقال مرة: ((هــو أشد من الزنا)) . وروى رزق الله بن موسى عن وكيع قال : لا يحل تدليس الثوب (١) فكيف يحل تدليس الحديث؟)). وهذا في التدليس عن غير الثقات ظاهر (٢). وقال أحمد في التدليس: ((أكرهه ، قيل له : قال شعبة : هو كذب ؟ قال أحمد : لا ، قد دلس قوم ونحن نروي عنهم ». وقال يحيى بن معين : كان الأعمش يرسل ، فقيل له : إن بعض الناس قال : من أرسل [ ب - ٥٩] لا يحتج بحديثه! فقال : (١) (( الثوب)) سقط من ب . (٢) في الأصل ((أشد)) والمثبت من ظ وب أنسب بالسياق، وانظر المذاهب في التدليس وأقامه وآراء العلماء في الكفاية ص ٣٦١ - ٣٦٢. وفيه قولان آخران نسوقهما من كلام الخطيب بحروفه : أحدهما : ((قال فريق من الفقهاء وأصحاب الحديث ان خبر المدلس غير مقبول ، من أجل ما قدمنا ذكره من أن التدليس يتضمن الإبهام لما لا أصل له، وترك تسمية مَنْ لعله غيرُ مَرْضِيٍ ولاثقة، وطلب توهم على الاسناد، وإن لم يكن الأمر كذلك)). انتهى . وهذا القول مثل قول من جعل التدليس كذباً في رفض حديث المدلس ، لكنه يعلل هنا بعلة أخرى غير القدح في العدالة ، هي ما عبر عنه المصنفون في علوم الحديث يجهالة حال المحذوف . إضافة لا يهام طلب علو الإسناد. الثاني: ((وقال خلق من أهل العلم خبر المدلس مقبول . لأنهم لم يجعلوه بمثابة الكذاب ، ولم يروا التدليس ناقضاً لعدالته، وذهب إلى ذلك جمهور مَنْ قَبِلَ المراسيل من الأحاديث ، وزعموا أن نهاية أمره أن يكون التدليس بمعنى الإرسال ». - ٣٥٧ - الثوري إذا لا يحتج بحديثه، وقد كان (١) يدلس، إنما سفيان أمير المؤمنين في الحديث ، انتهى . والتدليس مكروه عند الأكثرين ، لما فيه من الايام ، وهو عن الكذابين أشد . وقد صرح طائفة من العلماء : منهم مسلم في مقدمة كتابه(٢) بأن [ أ - ٧٨ ] من روى عن غير ثقة وهو يعرف حاله. ولم يبين ذلك لمن لا يعرفه أنه يكون آثما بذلك ، يريدون أنه فعل محرم . فإسقاط من ليس بثقة من الحديث أقبح من الرواية عنه من غير تبيين حاله . ورخص في التدليس طائفة، قال يعقوب بن شيبة : (من رخص فيه فإنما رخص فيه عن ثقة سمع منه . وأما من دلس عمن لم يسمع منه فلم يرخص فيه، وكذا إذا دلس عن غير ثقة)). كذا قال يعقوب . وقد كان الثوري وغيره يدلسون عمن لم يسمعوا منه أيضاً(٣)، فلا يصح ما ذكره يعقوب(٤) . (١) (وقد كان سفيان يدلس)» ظ. (٢) ص ٦ - ٠٧ (٣) «أيضاً)) ليس في ب. وفي ظ وب ((فلا يصح ما قال يعقوب)). (٤) مبنى التدليس على ايهام أنه سمع الحديث عمن رواه عنه وهو لم يسمعه منه ، فكيفما حصل الإيهام فهو تدليس، سواء سمع المدلسُ عمن روى عنه شيئاً أو لم يسمع ، كما حققنا ذلك في كتابنا منهج النقد في علوم الحديث رقم عام ٦٧ ص ٣٦٤ - ٣٦٥ في أثناء كلامنا على تحقيق الفرق بين المدلس والمرسَل الخفي . والمعتمد في حكم التدليس الكراهة ، كما ذكر ابن رجب عن الأكثرين ، وهو عن غير الثقات أشد كراهة، وقد وقع في التدليس عن غير الثقات بعض الأجلة، تحسيناً منهم للظن من دلسوا عنه. = - ٣٥٨ - * الحديث المعنعن وشروط قبوله * وقول الشافعي رحمه الله: ((وأقبل الحديث حدثني فلان عن فلان إذا لم يكن مدلساً ؛ مراده أنه يقبل العنعنة عمن عرف منه أنه ليس بمدلس ، فإن الربيع نقل عنه أيضا قال في كلام له : « لم يعرف التدليس ببلدنا فيمن مضى (١) ، ولا من أدركنا من أصحابنا إلا حديثاً، فإن منهم من قبله عمن لو تركه عليه كان خيرا له، وكان قول الرجل: «سمعت فلاناً يقول: سمعت فلاناً)) (٢) وقوله: (( حدثني فلان عن فلان)) سواء عندهم، لا يحدث واحد منهم عمن لقي إلا ما سمع منه ، فمن عرفناه بهذا الطريق قبلنا منه حدثني فلان عن فلان إذا لم يكن مدلساً (٣))). وهذا نص مفيد جداً في هذه المسألة استخلاصناه من كلام الأئمة في الرجال: = قال أبو الحسن بن القطان في بقية بن الوليد الحمصي: ((بقية يدلس عن الضعفاء ويستبيح ذلك، وهذا إن صح مفسد لعدالته )) . قال الإمام الذهبي: ((نعم والله، صح هذا عنه، إنه يفعل! وصح عن الوليد بن مسلم ، بل وعن جماعة كبار فعله ، وهذه بلية منهم ، ولكنهم فعلوا ذلك باجتهاد، وما جوّروا على ذلك الشخص الذي يسقطون ذكره بالتدليس أنه تعمد الكذب. هذا أمثل ما يُعْتَذَرُ به عنهم)). ميزان الاعتدال: ١ : ٣٣٩ وانظر التيين ص ٤ - ٥ (١) ((ممن مضى ) ظ وب. ((ولا ممن أدركنا)» ب. (٢) ((يقول سمعت فلان)) ليس في ظ وب. وسقط قوله((عن فلان)) من ظ. (٣) الرسالة ص ٣٧٨ - ٣٧٩، ولم يثبت أحمد شاكر جملة ((إذا لم يكن مدلسا» في متن الرسالة لعدم ثبوتها فى نسخته الخطية الأصل ، مع أنها ثابتة في المطبوعات ، وإثباتها هنا يدل على صحتها . - ٣٥٩ - وظاهر هذا أنه لا يقبل العنعنة إلا عمن عرف منه أنه لا يدلس ولا يحدث إلا عمن لقيه بما سمع منه . وهذا قريب من قول من قال : إنه لا يقبل المنعنة إلا عمن ثبت أنه لقيه ، وفيه زيادة أخرى عليه ، وهي أنه اشترط أنه يعرف أنه لا يدلس عمن لقيه أيضاً، ولا يحدث إلا بما سمعه. وقد فسره أبو بكر الصيرفي في شرح الرسالة باشتراط ثبوت السماع لقبول المنعنة ، وأنه إذا علم السماع فهو على السماع حتى يعلم التدليس، وإذا لم يعلم سمع أو لم يسمع وقف . فإذا صح السماع فهو عليه حتى يُعْمَ غيره . قال: وهذا الذي قاله صحيح )) انتهى . وهذه المسألة فيها اختلاف معروف بين العلماء ، وقد أطال القول فيها مسلم في مقدمة كتابه (١) ، واختار أنه تقبل المنعنة من الثقة غير المدلس عمن عاصره وأمكن لقيه له ، ولا تعتبر المعرفة باجتماعهما والتقائهما. : وذكر عن بعضهم أنه اعتبر المعرفة بلقائهما واجتماعهما ، وأنه لا تقبل العنعنة من الثقة عمن لم يعرف أنه [ لقيه و] اجتمع به. ورَدَّ هذا القول على قائله رداً بليغاً، ونسبه إلى مخالفة الإجماع في ذلك (٢) . (١) ص ٢٢ - ٢٨ (٢) صورة المسألة : ان اتصال السند بكون كل واحد من رواته تلقى الحديث ممن فوقه إلى نهاية السند شرط متفق عليه لصحة الحديث . ويتحقق الاتصال صراحة بقول الراوي : سمعت فلاناً، أو حدثنا أو أخبرنا أو = - ٣٦٠ -