Indexed OCR Text

Pages 301-320

برأيه، لو (١) وافقه لم يدل على صحة مخرج الحديث دلالة قوية إذا
نُظِرِ فيها، ويمكن أن يكون إنما غلِطِ به حين سمع قول بعض
أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يوافقه (٢)، ويحتملُ مثلَ هذا
فيمن يوافقه بعض الفقهاء )» .
قال: ((فأما مَنْ بَعْدَ كِبار التابعين، فلا أعلم منهم أحداً
يقبل مرسله ، لأمور .
أحدها : أنهم أشد تجوزاً فيمن (٣) يروون عنه.
والآخر: أنهم توجد (٤) عليهم الدلائل فيما أرسلوا بضعف
خرّجِه .
والآخر : كثرة الإحالة في الأخبار . وإذا كثرت الإحالة كان أمكن
للوهم ، وضعف من يقبل عنه ».
انتهى [ أ - ٦٦ ] كلامه .
وهو كلام حسن جداً ، ومضمونه أن الحديث المرسل (٥) يكون
صحيحاً ، ويقبل بشروط :
منها في نفس المُرسِل وهي ثلاثة :
(١) في الأصل ((أو)) والمثبت موافق لنص الرسالة ص ٤٦٤.
(٢) ((فوافقه)) ظ وب ، والمثبت موافق لنص الرسالة .
(٣) ((ممن)) ظ وب، وهكذا كانت في نسخة الأصل ثم أصلحت موافقة
نص الرسالة .
(٤) (تؤخذ)، ب. والمثبت موافق نص الرسالة ص ٤٦٥.
(٥) ((أن المرسل)) ظ. (( أن المراسيل)) ب وهو تصحيف.
- ٣٠١ -

أحدها : أن لا يُفْرِفَ له رواية عن غير مقبول الرواية؛ من
مجهول أو مجروح .
وثانيها : أن لا يكون من يخالف الحفاظ إذا أسند الحديث فيها
أسندوه، فإن كان (١) ممن يخالف الحفاظ عند الإسناد لم يُقبل مرسله.
وثالثها : أن يكون من كبار التابعين ، فإنهم لايروون غالباً إلا
عن صحابي أو تابعي كبير، وأما غيرهم من صغار التابعين ومَنْ.
بعدهم فيتوسعون في الرواية عمن لاتقبل روايته .
وأيضا فكبار التابعين كانت الاحاديث في وقتهم الغالب على ١
الصحة، وأما مَنْ بعدهم فانتشرت في أيامهم الأحاديث المستحيلة ،
وهي الباطلة الموضوعة ، وكَثْر الكذب حينئذ .
فهذه شرائط من يقبل إرساله .
وأما الخبر الذي يُرسله ، فيُشترط لصحة مخرجه وقبوله أن يعضده
ما يدل على صحته وأن له أصلاً، والعاضد له أشياء :
أحدها ؛ وهو أقواها : أن يسنده الحفاظ المأمونون من وجه
آخر عن النبي صلى الله عليه وسلم بمعنى ذلك المرسَل، فيكون دليلاً
على صحة المرسَل ، وأن الذي أرسل عنه كان ثقة ، وهذا هو ظاهر
كلام الشافعي .
وحينئذٍ فلا يرد على ذلك ، ما ذكره المتأخرون أن العمل
حينئذ إنما يكون بالمسند دون المرسل .
(١) من قوله ((يخالف)) إلى هنا سقط من ب.
- ٣٠٢ -

وأجاب بعضهم بأنه قد يسنده من لا يُقْبَلُ بانفراده فينضم إلى
المرسل فيصح (١) فيحتج بها حينئذ .
وهذا ليس بشيء ، فإن الشافعي اعتبر ان يُسنده الحفاظ
المأمونون ، وكلامه إنما هو في صحة المرسل وقبوله، لا في الاحتجاج
للحكم الذي دل عليه المرسل، وبينهما "بَوْنٌ.
وبعد أن كتبت هذا وجدت أبا عمرو بن الصلاح ، قد سبق إليه (٢)
وفي كلام أحمد إيماء إليه، فإنه ذكر حديثاً رواه خالد عن أبي
قلابة عن ابن عباس ، فقيل(٣) له: سمع أبو قلابة من ابن عباس أو رآه؟
قال: لا، ولكن الحديث صحيح عنه)) يعني عن ابن عباس . وأشار
إلى أنه ◌ُرُوِيَ عن ابن عباس من وجوه أخر .
[ ثم وجدت في كلام أبي العباس بن سريج - في رده على أبي
بكر بن داود ما اعترض [ ظ - ١٤٦ ] به على الشافعي - أن مراد
الشافعي أن المرسل للحديث يعتبر أن توجد مراسيله توافق ما أسنده
الحفاظ المأمونون ، فيستدل بذلك على أن لمراسيله أصلاً ، فإذا وجدنا
له مرسلاً بعد ذلك قبل، وإن لم يسنده الحفاظ، وكأنه يعتبر (٤)
أن يوجد الغالب على مراسيله ذلك، إذ لو كان معتبراً في جميعها (٥) لم
يقبل له مرسل حتى يسنده الثقات ، فيعود الإشكال .
(١) ((فيصح)) ليس في ظ وب.
(٢) في علوم الحديث ص ٤٩ .
(٣) في الأصل ((وقيل)).
(٤) ((اعتبر» ب.
(٥) ((جميع مراسيله، ب.
- ٣٠٣ -

وهذا الذي قاله ابن سريج مخالف لما فهم الناس من كلام الشافعي ،
مع مخالفته لظاهر كلامه. والله أعلم ](١).
والثاني: أن يوجد مرسل آخر موافق له، عن عالم يروي عن
غير مَن يروي عنه المرسِل الأول (٢)، فيكون ذلك دليادً على تعدد
مخرجه، وأن له أصلاً ، بخلاف ما إذا كان المرسل الثاني لا يروي
إلا عمن يروي عنه (٣) الأول، فإن الظاهر أن مخرجهما واحد لاتعدد
فيه . وهذا الثاني أضعف من الأول.
والثالث : أن لا يوجد شيء مرفوع يوافقه ، لا مسند ولا مرسل ،
لكن يوجد ما يوافقه من كلام بعض الصحابة ، فيستدل به على أن
للمرسل أصلاً صحيحاً أيضاً. لأن الظاهر أن الصحابي إنما أخذ (٤)
قوله عن النبي صلى الله عليه وسلم .
والرابع : أن لا يوجد للمرسل ما يوافقه لا مسند ولا مرسل
ولا قول صحابي ، لكنه يوجد عامة أهل العلم على القول به ، فإنه
يدل على أن له أصلاً، وأنهم مستندون في قولهم إلى ذلك الأصل .
فاذا وجدت [ ب - ٤٩] هذه الشرائط دلت على صحة المرسل
وأن له أصلاً، وقْبِلَ واخْتُجَّ به.
/ ومع هذا فهو دون المتصل في الحجة ، فان المرسل وإن اجتمعت
(١) قوله بين المعكوفين ((ثم وجدت)) حتى ((والله أعلم)) زيادة من ظوب.
(٢) الأول)، ليس في ظ .
(٣) قوله ((المرسل الأول)) إلى ((عنه)) سقط من ب.
(٤) ((أخذ)) سقطت من ب، وكتب فوقها في ظه لعله)).
- ٣٠٤ -

فيه هذه الشرائط فإنه يحتمل أن يكون في الأصل مأخوذاً عن غير
مَنْ يُحتج به.
ولو عضده حديث متصل صحيح ، لأنه يحتمل أن لايكون أصل
المرسل صحيحاً .
وإن عضده مرسل فيحتمل أن يكون أصلها واحداً وأن يكون
متلقى (١) عن غير مقبول (٢) الرواية. [ آ - ٦٧ ].
وإن عضده قول صحابي فيحتمل أن الصحابي قال برأيه من غير
سماع من النبي صلى الله عليه وسلم، فلا يكون في ذلك ما يقوي المرسل ،
ويحتمل أن المرسِل لما سمع قول الصحابي ظنه مرفوعاً فغلط ورفعه ،
ثم أرسله ولم يسمُ الصحابي. فما أكثر ما يُغْلَطُ في رفع الموقوفات.
وإن عضده موافقة قول عامة الفقهاء فهو كما لو عضده قول الصحابي
وأضعف ، فإنه يحتمل أن يكون مستند الفقهاء اجتهاداً منهم ، وأن
يكون المرسِل غلطَ ورفع كلام الفقهاء ، لكن هذا في حق كبار
٠
التابعين بعيد جداً
وقال الشافعي أيضاً في كتاب الرمن الصغير (٣) وقد قيل له: كيف
(١) ((وأن يتلقى)» ظ.
(٢) ((عن قبول ، ب، وهو سقط وتحريف .
(٣) الأم ج٣ ص ١٨٨، وذلك لمناسبة احتجاج الإمام الشافعي بحديث
سعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يَفْلَقُ الرمن
من صاحبه الذي رهنه، له غنمه وعليه غُرْمه)). رواه الشافعي في الأم ج ٣-
٢٧ - شرح العلل
- ٣٠٥ -

قبلتم عن ابن المسيب منقطعاً ولم تقبلوه عن غيره ؟ .
قال: ((لانحفظ لابن المسيب منقطعاً إلا وجدنا ما يدل على
تسديده، ولا أَثَرَ عن أحد عرفنا عنه، إلا عن ثقة معروف ، فمن
كان مثل حاله قبلنا منقطعه)».
وهذا موافق لما ذكره في الرسالة (١)، فإن ابن المسيب من كبار
التابعين، ولم يعرف له رواية عن غير ثقة، وقد اقترن بمراسيله
كلها ما يعضدها .
وقد قرر كلام الشافعي هذا البيهقي في مواضع من تصانيفه
كالسنن، والمدخل، ورسالته إلى أبي محمد الجوبني، وأنكر فيها على
الجويني قوله: ((لا تقوم الحجة بسوى مرسل ابن المسيب)) وأنكر صحة
ذلك عن الشافعي ، وكأنه لم يطلع على رواية الربيع عنه التي قدمنا ذكرها.
قال البيهقى: ( وليس الحسن وابن سيرين بدون كثير من التابعين،
وإن كان بعضهم أقوى مرسلاً منهما، أو من أحدهما ، وقد قال الشافعى
= ص ١٦٧ بسنده عن سعيد بن المسيب مرسلاً . والحديث أخرجه الدار قطني ج٣
ص ٣٢ - ٣٣ والحاكم ج ٢ ص ٥٢ .
وقد روي موصولاً عن أبي هريرة، ورجاله ثقات، ورجح كثير من
المحدثين إرساله. لكن تختار ترجيح وصله)، لما حققه الحاكم في المستدرك من
تقوية الوصل بمتابعة راويه زياد بن سعد على وصله من وجوه كثيرة . وقد
أوضحنا ذلك في كتابنا ((دراسات تطبيقية في الحديث النبوي)) ص ٣٥٤.
الكتاب الثاني . وانظر الدراية ج ٢ ص ٢٥٧.
٠٠٠ ـ
(١) كما سبق في ص ٢٩٩-٣٠١.
- ٣٠٦ -

بمرسل الحسن حين اقترن به ما يعضده في مواضع ، منها : النكاح
· بلا ولي (١)، وفي النهي عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان (٢) ،
وقال بمرسل طاوس ، وعروة ، وأبي أمامة بن سهل ، وعطاء بن
أبي رباح ، وعطاء بن يسار، وابن سيرين ، وغيرهم من كبار
التابعين حين اقترن به ما أكده، ولم يجد ماهو أقوى منه، كما قال
بمرسل ابن المسيب في النهي عن بيع اللحم بالحيوان ، وأكده بقول
الصَّدِّيق، وبأنه روي من وجه آخر مرسلاً، وقال: ((مرسل
(١) حديث: ((لا نكاح إلا بولي)) أخرجه أبو داود ج ٢ ص ٢٢٩،
والترمذي وحسنه ج ٣ ص ٤٠٧، وابن ماجه ص ٦٠٥. كلهم عن أبي بردة
عن أبي موسى الأشعري رضى الله عنه مرفوعاً . وقد روي مرسلاً عن أبي بردة .
ورجح الترمذي رواية الوصل لكثرة طرقها بتحقيق مطول ص ٤٠٨- ٤٠٩.
وللحديث شواهد عن عدد من الصحابة، انظر نصب الراية ج ٣ ص ١٨٣-١٩٠
والتلخيص الحبير ص ٢٩٥ - ٢٩٦
وانظر المسألة في الأم ج ٥ ص ١٢ . ويأتي للحديث ذكر في موضوع زيادة
الثقة ، فانظره .
(٢) ولفظه: ((نهى رسول الله عَليه عن بيع الطعام حتى يجري فيه
الصاعان: صاع البائع، وصاع المشتري)) . أخرجه عن الحسن مرسلا ابن أبي
شيبة ، كما في نصب الراية ج٤ ص ٣٥. وانظر استدلال الشافعي به في مختصر
المزني آخر الام ج ٨ ص ٨٢ .
وقد روي موصولاً عن جابر، وأبي هريرة ، وأنس، وابن عباس . انظر
تخريجها في نصب الراية ج ٤ ص ٣٤ - ٣٥، والتلخيص الحبير ص ٢٤٢.
ويشهد له أحاديث النهي عن بيع السلعة قبل قبضها . لأن المقصود من جري
الصاعين تقابض المبيع .
- ٣٠٧ -

ابن المسيب عندنا حسن (١) )).
ولم يقل بمرسل ابن المسيب في زكاة الفطر بمدين من حنطة(٢).
ولا بمرسله في التولية في الطعام قبل أن يُسْتَوْقَى (٣).
(١) أخرجه مالك في الموطأج ٢ ص ٧٠ ( بيع الحيوان باللحم) عن
زيد بن أسلم عن سعيد بن المسيب أن رسول الله والنهى عن بيع الحيوان
باللحم، ثم أخرجه عن سعيد أيضاً من طريقين آخرين. ومن الطريق الأولى أخرجه
الشافعي كما في مختصر المزني آخر الام ج ٨ ص ٧٨ . وفيه كلام الشافعي بتمامه.
وقد روي الحديث من أوجه أخرى مرسلاً ومتصلاً، مما يقوي مرسل ابن
المسيب، قال الشافعي: ((ولا نعلم أحداً من أصحاب النبي عَ ل خالف في
ذلك أبا بكر. وإرسال ابن المسيب عندنا حسن)) المرجع السابق وانظر السنن.
الكبرى للبيهقي ج ٥ ص ٥٩٦ - ٥٩٧ وانظر نصب الراية ج ٤ ص ٣٩:
(٢) أبو داود في المراسيل ص ١٦ ولفظه: ((فرض رسول الله صلى الله
عليه وسلم زكاة الفطر مُدِّيْن من حنطة)). وروي من أوجه أخرى مرسلاً
وموصولاً، منها حديث عبد الله بن ثعلبة أن رسول الله مَّ ي خطب فقال:
«إن صدقة الفطر مُدَّان من ◌ُرٍّ عن كل إنسان، أو صاعٌ مما سواء من
الطعام)) أخرجه أحمد فى المسندج ٥ ص ٤٣٢ وأبو داود في سننه ( باب من
روى نصف صاع من قمح ) ج ٢ ص ١١٤ والدار قطني واللفظ له في سننه ج ٢
ص ١٤٩ واطال في رواياته ص ١٤٧ - ١٤٩، بطرق وألفاظ متعددة ؛ وقد
توسع الحافظ الزيلعي في الكلام عليها، فانظر بحثه في نصب الراية ج ٢
ص ٤٠٦ - ٤١١ ٠
(٣) المراسيل لأبي داود ص ٢٢ ولفظه: عن سعيد بن المسيب في حديث
يرفعه، كأنه عن النبي صَّةٍ: ((لا بأس بالتولية في الطعام قبل أن يُستوفّى،
ولا بأس بالاقالة في الطعام قبل أن يستوفى ، ولا بأس بالشركة في الطعام قبل
أن يستوفى ».
- ٣٠٨ -

ولابمرسله في دية المعاهد (١).
ولا بمرسله ((مَنْ ضرب أباه فاقتلوه (٢) ))، لما لم يقترن بها
من الأسباب ما يؤكدها ، أو لما وجد من المعارض لها ما هو أقوى
منها)، (٣) انتهى ماذكره البيقهي .
وأما مرسل أبي العالية الرياحي (٤) في الوضوء من القبهة
في الصلاة فهمد رده الشافعي وأحمد، وقال الشافعي : ((حديث
أبي العالية الرياحي رياح)) ، يشير إلى هذا المرسل . وأحمد رده
بأنه مرسل ، مع أنه يحتج بالمراسيل كثيراً ، وإنما ردا هذا المرسل لأن
أبا العالية وإن كان من كبار التابعين فقد ذكر ابن سيرين أنه كان يصدق كل
من حدثه، ولم يَعْضدْ مرسله هذا شيءٌ مما يعتضد به المرسل،
فإنه لم يُرْوَ من وجه متصل صحيح بل ضعيف، ولم يرْوَ من
وجه آخر مرسل ، إلا من وجوه ترجع كلها إلى أبي العالية (٥).
(١) المراسيل لأبي داود ص ٢٨ ولفظه: عن سعيد بن المسيب قال قال
رسول الله وَ لقال: ((دية كل ذي عهد في عهده ألف دينار)).
(٢) المراسيل لأبي داود ص ٥١ .
(٣) قوله ((منها، ليس في ظ و ب .
(٤) (( الرياحي)، ليس في ظ وب .
(٥) سبق تخريج حديث القهقهة في الصلاة في ص ٢٩٤-٠٢٩٥ أما ماذكره
الشارح هنا أن وجوه الحديث كلها ترجع إلى أبي العالية فغير مُسَلَّم ، فثمة
وجوه كثيرة موصولة من غير طريق أبي العالية والوجود المرسلة يرجع بعضها
إليه ، والبعض لا يرجع اليه ، انظر تفصيل ذلك في المصادر التي أحلنا عليها في
الموضع السابق .
- ٣٠٩ -

وهذا المعنى الذي ذكره الشافعي من تقسيم (١) المراسيل إلى محتج به
وغير محتج به يؤخذ من كلام غيره من العلماء ، كما تقدم عن أحمد وغيره
تقسيم المراسيل إلى صحيح وضعيف. [آ - ٦٨].
ولم يصحح أحمد المرسل مطلقاً (٢)، ولاضعفه مطلقاً، وإنما ضعف
مرسل من يأخذ عن غير ثقة ، كما قال في مراسيل الحسن وعطاء :
((هي أضعف المراسيل، لأنهما كانا يأخذان عن كل )).
وقال أيضاً: « لايعجبني مراسیل یحیی بن أبي کثیر ، لأنه يروي
عن رجال ضعاف صغار)).
وكذا قوله في مراسيل ابن جريج وقال: ((بعضها موضوعة)).
وقال مُهنًا قلت الأحمد: ((لمَ كرهتَ مرسلات الأعمش. قال:
[ب-٥٠] كان الأعمش لايبالى معمن حدث)).
وهذا يدل على أنه إنما يضعف مراسيل مَنْ عُرفَ بالرواية عن
الضعفاء خاصة .
وكان أحمد يُقَوْي [ ظ - ١٤٧] مراسيل من أدرك الصحابة
وأرسل عنهم، قال أبو طالب قلت لأحمد: ((سعيد بن المسيب عن عمر
حجة؟. قال: هو عندنا حجة، قد رأى عمر وسمع منه، وإذا لم يُقبل
سعيد عن عمر فمن يُقِبَلْ؟!)). ومراده أنه سمع منه شيئاً يسيراً،
لم يرد أنه سمع منه كل ما روى عنه، فإنه كثير الرواية عنه، ولم يسمع
ذلك كله منه قطعاً
(١) ((في تقسيم، ظ، وتصحَّف قوله ((محتج)) في ب إلى ((صحيح))،
وسقطت ((به)) الثانية من ظ .
(٢) من قوله في السطر السابق - تقسيم المراسيل إلى هنا سقط من ظ .
- ٣١٠ -

ونقل مهنا عن أحمد أنه ذكر حديث إبراهيم بن محمد بن طلحة
قال قال عمر: ((لأمدَعَنّ فروج ذوات الأحساب إلا من الأكفاء))
قال فقلت (١) له: ((هذا مرسل عن عمر؟ قال: نعم ، ولكن
إبراهيم بن محمد بن طلحة كبير)) .
وقال في حديث عكرمة عن النبي صلى الله عليه وسلم : ((من
لم يسجد على (٢) أنفه مع جبهته فلا صلاة له)) : ((هو مرسل أختى
أن لا يكون ثبتا)) (٣).
وقال في حديث عراك عن عائشة حديث : (( حولوا مقعدتي
(١) ((قيل)، ظ وب .
(٢) ((مع)» ظ ، تصحيف.
(٣) الحديث: رواه الدار قطني في سننه مرسلا وموصولا ج ١
ص ٣٤٨، والطبراني في الكبير والأوسط موصولا من طريق ابن عباس.
قال الهيثمي في مجمع الزوائد ج ٢ ص ١٢٦: ((ورجاله موثقون،
وإن كان في بعضهم اختلاف من أجل التشيع)). والحاكم في المستدرك ج ١
ص٢٧٠ مختصراً وصححه على شرط البخاري. وسكت عليه الذهبي فلم
يقره ولم يتعقبه . وقد رجح الدار قطني رواية الارسال .
ويشهد لأصل الحديث حديث ابن عباس قال قال رسول الله صتاج:
((أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة، وأشار بيده إلى أنفه .. ))
الحديث متفق عليه : البخاري في صفة الصلاة ج١ ص ١٥٨ ومواضع أخرى
ومسلم ج ٢ ص ٥٣,٥٢. وانظر تفصيل البحث فيه في كتابنا ((دراسات
تطبيقية في الحديث النبوي)» القسم الأول ص ٢٦١ - ٢٦٣
- ٣١١ -

إلى القبلة)): ((هو أحسن ما رُويَ في الرخصة وإن كان مرسلاً،
فإن تَخْرَجَهُ حسن ).
ويعني بإرساله أن عراكا (١) لم يسمع من عائشة .
وقال: ((إنما يُروى عن عروة عن عائشة))، فلعله حَسَّنه لأن
عِراكاً قد عُرفٍ أنه يروي حديث عائشة عن عروة عنها (٣).
وظاهر كلام أحمد أن المرسل عنده من نوع الضعيف ، لكنه يأخذ
(١) ((أن يمراكا)) سقط من ب.
(٣) أخرجه أحمدج ٦ ص ١٨٤ وابن ماجه ص ١١٧ والدار قطني ١
ص ٥٩ - ٦٠ بأسانيدهم عن عراك عن عائشه قالت: "ذكير عند رسول الله
صَ الله قوم يكردون أن يستقبلوا بفروجهم القبلة. فقال: ((أراه
قد فعلوها. استقبلوا بمقْعَدَتي القبلة)). واللفظ لابن ماجه.
قال الندي في حاشيته على ابن ماجه ج ١ ص ١٣٦ : يشرح قوله:
((استقبلو بمقعدتي القبلة)): ((أي حولوا موضع قضاء الحاجة إلى جهة
القبلة ٠٠٠» .
وقد وقع في بعض طرق الحديث ((عن عراك حدثتني عائشة))، وعلى
هذا لا يكون الحديث مرسلاً، وكأنّ الإمام أحمد لم يعوّل على هذا . قال
الإمام أحمد: ((لم يسمع من عائشة، ميزان ج ٣ ص ٦٣، وانظر التهذيب
ج ٧ ص ١٧٣ - ١٧٤ وفيه قول موسى بن هارون: ((لانعلم لعراك سماء]ً
من عائشة )) .
وحسنه أيضاً النووي في المجموع كما ذكر السندي ، وفي شرح مسلم كما في
التعليق المغني على سنن الدار قطني ج ١ ص ٠٦٠
لكن في سند الحديث: خالد بن أبي الصلت قال في التقريب ((مقبول)) .=
- ٣١٢ -

بالحديث إذا كان فيه ضعف، مالم يجيىء عن النبي صلى الله عليه وسلم
أو عن أصحابه خلافه .
قال الأثرم : ((كان أبو عبد الله ربما كان الحديث عن النبي صلى الله عليه
وسلم وفي إسناده شيء فيأخذ به إذا لم يجيء خلافه أثبت منه ، مثل :
حديث عمرو بن شعيب، وإبراهيم الهَجَري، وربما أخذ بالحديث
المرسل إذا لم يجىء خلافه .
وقال أحمد - في رواية مهنا في حديث مَعْمَر عن سالم عن ابن
عمر ((أن غَيْلانَ أسلم وعنده عشر نسوة))(١) - قال أحمد: ((ليس بصحيح،
=وهذه المرتبة في اصطلاحه لا يحتج بها .
وقال الترمذي في العلل الكبير ( ورقة «وجه ١): فسألت محمداً - يعني
البخاري - عن هذا الحديث ، فقال: هذا حديث فيه اضطراب ، والصحيح
عن عائشة قولها)). وانظر مزيد تفصيل في التهذيب في ترجمة خالد ج٣ ص
٩٧ - ٩٨. وفي ميزان الاعتدال ج ١ ص ٦٣٢ وفيه قول الذهبي: ((وهذا
حديث منكر» .
(١) كذا في الأصول الخطية: ((معمر عن سالم عن ابن عمر ... )).
والحديث أخرجه الإمام أحمد في المسندج ٦ ص ٢٧٧ - ٢٧٨ رقم ٤٦٠٩
حدثنا إسماعيل أخبرنا معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه أن غيلانَ بن سلامة
الثقفي أسلم وتحته عشر نسوة. فقال له النبي صَقَ ال: ((اختر منهن أربعاً)).
وأخرجه الترمذي ج ٣ ص ٤٣٥ حدثنا هناد حدثنا عبدة عن سعيد بن أبي
عروبة عن معمر، وابن ماجه ج ١ ص ٦٢٨ حدثنا يحيى بن حكيم ثنا محمد بن
جعفر عن معمر، وأخرجه الحاكم ج ٢ ص ١٩٢ - ١٩٣ من طرق عن سعيد
ابن أبي عروبة عن معمر، وكذا غيرهم أيضاً بأسانيدهم عن معمر عن الزهري=
- ٣١٣ -

= عن سالم عن أبيه الحديث .
وأخرجه أحمدج ٦ ص ٢٨٨ رقم ٤٦٣١ حدثنا اسماعيل ومحمد بن جعفر
قالا حدثنا معمر عن الزهري - قال ابن جعفر في حديثه أخبرنا ابن شهاب ـ
عن سالم عن أبيه أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم وتحته عشر نسوة، فقال له
النبي ◌ُولُ: ((اختر منهن أربعاً)).
فلما كان في عهد عمر طلق نساءه ، وقسم ماله بين بنيه ، فبلغ ذلك عمر ،
فقال : إني لأظن الشيطان فيا يسترق من السمع سمع بموتك فقذفه في تفك ،
ولعلك أن لا تمكث إلا قليلاً، وأيمُ الله لتراجعنّ نساءك، ولترجعَنَّ في مالك،
أو لا ورثهنَّ منك، والآمرن بقبرك فيرجمُ كما رُجمَ قبرُ أبي رغال)».
وهكذا أخرجه ابن حبان بطوله من طريق اسماعيل بن أمية عن معمر،
بمثله سنداً ومتناً موارد الظمآن ص ٣١٠ - ٣١١.
وهذا الاسناد : الزهري عن سالم عن أبيه صحيح غاية الصحة ، بل هو ما
حكم له العلماء أنه أضح الأسانيد مطلقاً، ومعمر هو ابن راشد ثقة حافظ من
الأئمة ، والرواة عنه ثقات أيضاً .
لكن الحديث تعرض للقدح بالاعلال .
فقال الترمذي: (( وسمعت محمد بن اسماعيل يقول: هذا حديث غير
محفوظ ، والصحيح ما روى شعيب بن أبي حمزة وغيره عن الزهري وحمزة
قال : ((حُدَّثْتُ عن محمد بن مويد الثقفي أن غيلان بن سامة أسلم وعنده
عشر نسوة )) .
قال محمد : وإنما حديث الزهري عن سالم عن أبيه أن رجلاً من ثقيف طلق
نساءه فقال له عمر: لتراجعن نساءك أو لأرجمن قبرك كما رجم قبر أبي رغال)).
قال أبو عيسى : والعمل على حديث غيلان بن سلمة عند أصحابنا: منهم
الشافعي، وأحمد، وإسحاق)). انتهى.
- ٣١٤ -

= فقد أعلى الامام محمد بن إسماعيل البخاري بمخالفة شعيب وغيره، فقد رووا
عن معمر بالسند قصة تطليق غيلان نساءه في عهد عمر. ولم يذكر واقصة اسلامه.
وقال الحاكم في المستدرك: ((وقد حكم الامام مسلم بن الحجاج أن هذا
الحديث مما وهم فيه معمر بالبصرة، فان رواه عنه ثقة خارج البصريين
حكمنا بالصحة )) .
ووجه هذا أن معمراً حدث في رحلته عن اليمن أحاديث وهم فيها، كماسيأتي
بيانه للحافظ ابن رجب إن شاء الله تعالى في القسم الثاني من شرحه .
وقد قال الحاكم عقب هذا: («فوجدت سفيان الثوري وعبد الرحمن بن محمد المحاربي
وعيسى ابنيونس وثلاثتهم كوفيون حدثوا به عن معمر عن الزهري عن سالم عن
أبيه رضي الله عنه .. )). قال في التلخيص الحبير: ((ولا يفيد ذلك شيئاً فإن
هؤلاء كلهم إنما سمعوا منه بالبصرة وإن كانوا من غير أهلها)). وقال البزار :
((جوده معمر بالبصرة وأفسده باليمن فأرسله)). وقال ابن أبي حاتم عن أبيه
وأبي زرعة: ((المرسل أصح)). التلخيص الحبير ص ٣٠٠.
وفي التلخيص أيضاً ص ٣٠١: ((وانما اتجهت تخطئتهم حديث معمر لأن
أصحاب الزهري اختلفوا عليه: فقال مالك وجماعة عنه: بلغني .. فذكره ،
وقال يونس عنه : عن عثمان بن محمد بن أبي سوید وقیل عن یوذس عنه بلغنى عن
عثمان بن أبي سويد، وقال شعيب : عنه عن محمد بن أبي سويد . ومنهم من
رواه عن الزهري قال: أسلم غيلان ... فلم يذكر واسطة ، فاستبعدوا أن
يكون عند الزهري عن سالم عن ابن عمر مرفوعاً، ثم يحدث به على تلك الوجوه
الواهية . وهذا عندي غير مستبعد )). انتهى كلام ابن القطان .
والحاصل من كل ما ذكرناه أن الحديث حكم فيه على معمر بالوهم لوروده
على أوجه مختلفة .
- ٣١٥ -

= وقد أجيب عن ذلك كله بما يطول تفصيله، وحاصل ذلك أنه لا تعارض
بين هذه الروايات. والحديث ثابت عن معمر على الوجهين الوصل والارسال ،
وكذا عن الزهري من روايقيه عن سالم وعن غيره أيضاً . لذلك قال ابن القطان:
((وهذا عندي غير مستبعد)).
وهو رأي الحاكم أيضاً، فقد قال في المستدرك ج ٣ ص ١٩٣ :
((والذي يؤدي إليه اجتهادي أن معمر بن راشد حدث به على الوجهين : أرسله
مرة، ووصله مرة . والدليل عليه أن الذين وصلوه عنه من أهل البصرة فقد
أرسلوه أيضاً ، والوصل أولى من الارسال، فإن الزيادة من الثقة مقبولة .
والله أعلم )).
ويقوي ذلك أمور، منها :
١ - أن رواية الوصل زيادة ثقة، كما قال الحاكم، وزيادة الثقة مقبولة .
٢ - ان الحديث قد ثبت بشقيه منداً متصلاً مرفوعاً في المسند من رواية
اسماعيل ومحمد بن جعفر حدثنا معمر .. إلى آخره، کما ذكرناه في أول هذه
التعليقة ، فدل على أنه لا منافاة بين ما ذكره البخاري وبين رواية معمر وأنه
ثابت على الوجهين .
وإسماعيل هذا فسره ابن حجر في التلخيص ص ٣٠١ بابن علية ، لكنه في
موارد الظمآن : اسماعيل بن أمية .
٣ - ما أخرجه الدارقطني في سننه ج ٣ ص ٢٧١ - ٢٧٢ بسنده من طريق :
سيف بن عبيد الله الجرمي ناسرار بن مجشر عن أيوب عن نافع وسالم عن ابن
عمر أن غيلان فذكر الحديث مطولاً بنحو رواية أحمد المطولة في المسند .
وكذا أخرجه من هذا الطريق النسائي كما في التلخيص ص ٣٠١، ولم
نجده في المجتبى، وكذا ذكر أحمد شاكرج ٦ ص ٢٧٩ قال: ((إ أجده في سنن
النسائي ، والظاهر أنه في السنن الكبرى)).
وهذا الاسناد صحيح ، قال الحافظ في التلخيص الحبير ص ٣٠١: «ورجال
إسناده ثقات)).
- ٣١٦ -

والعمل عليه ، كان عبد الرزاق يقول : عن معمر عن الزهري ،
مرسلاً » .
وظاهر هذا أنه يعمل به مع أنه مرسل وليس بصحيح ،
ويحتمل أنه أراد ليس بصحيح وصله .
وقد نص أحمد على تقديم قول الصحابي على الحديث المرسل .
(١)
وهكذا كلام ابن المبارك ، فإنه قد تقدم عنه أنه ضعف مرسل
حجاج بن دينار ، وقد احتمل مرسل غيره، فروى (٢) الحاكم عن
الأصم ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال : وجدت في كتاب أبي نا
الحسن بن عيسى قال: حدثتُ ابن المبارك بحديث لأبي بكر بن
عياش عن عاصم عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ((حسن)). فقلت
لابن المبارك: «إنه (٣) ليس فيه إسناد؟)) فقال: ((إن عاصمً يحتمل
= ٤- ان الحديث روي من غير وجه: قال في التلخيص ص ٣٠١: « وفي الباب
عن قيس بن الحارث أو الحارث بن قبس عند أبي داود وابن ماجه ، وعن عروة
ابن مسعود ، وصفوان بن أمية . ذكر هما البيجي ».
وذلك مما يقوي صحته ، وانظر ما سبق في ص ١٤٤ مما يتصل بحديث
الثقة إذا رواه على أكثر من وجه، وكان مكثراً من الحديث أنه يحمل على تعدد
الاسناد عنده ، فإنه مهم جداً .
وانظر سنن البيهقي ج ٧ ص ١٤٩ - ١٥٠ و ١٨١ - ١٨٥. وتفسير ابن
كثير ج١ ص ٤٥٠.
(١) في ص ٥٧ - ٥٨ و ٢٩١.
(٢) ، وروى)» ظ.
(٣) ((إنه)) ليس في ظ .
- ٣١٧ ٠٠

له أن يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم)». قال فغدوت
إلى أبي بكر فإذا ابن المبارك قد سبقني إليه وهو إلى جنبه
فظننته قد سأله عنه)). فإذا احتمل مرسل عاصم بن بهدلة فمر سل مَنْ
هو أعلى منه مِن التابعين أولى .
وأما مراسيل ابن المسيب فهي أصح المراسيل كما قاله أحمد
وغيره، وكذا قال ابن معين: «أصح المراسيل مراسيل سعيد
بن المسيب (١) )
قال الحاكم: ((قد تأمل الأئمة' المتقدمون مراسيله فوجدوها بأسانيد
صحيحة)). قال ((وهذه الشرائط لم توجد في مراسيل غيره)))
كذا قال . وهذا وجه ما نص عليه الشافعي في رواية يونس بن
عبد الأعلى كما [آ - ٦٩ ]. سبق (٢).
وقد أنكر الخطيب وغيره ذلك. وقالوا: ((لابن المسيب مراسيل
لاتوجد مسندة)) (٢).
وقد ذكر أصحاب مالك: أن المرسل يقبل إذا كان مُرْسِلِه ممن
لايروي إلا عن الثقات .
وقد ذكر ابن عبد البر ما يقتضي أن ذلك إجماع، فإنه (١٤
قال: ((كل من عُرف بالأخذ عن الضعفاء والمسامحة في ذلك لم
(١) ((مراسيل ابن المسيب» ظ وب.
(٢) في ص ٢٩٢. وقوله ((ابن عبد الأعلى)) زيادة من ظ وب.
(٣) قوله ((وقد أنكر ... )) إلى هنا ليس في ظ وب.
(٤) ((فإنه)) ليس في ب.
- ٣١٨ -

يُحْتَجَّ بما أرسله، تابعاً كان أو مَنْ دونه ، وكل مَنْ عُرف أنه
لا يأخذ إلا عن ثقة فتدليسه ومرسله مقبول ، فمراسيل سعيد بن
المسيب ، ومحمد بن سيرين ، وإبراهيم النخعي عندهم صحاح .
وقالوا: مراسيل الحسن وعطاء لا يحتج بها (١) ، لأنهما كانا يأخذان
عن كل أحد ، وكذلك مراسيل أبي قلابة وأبي العالية .
وقالوا : لايقبل تدليس الأعمش، لأنه إذا وقفَ احال على غير
مَلىٍ ، يعنون على غير ثقة، إذا سألته عمن هذا ؟ قال : عن موسى
ابن [ب- ٥١ ] طريف، وعَباية بن ربعي، والحسن بن ذكوان .
قالوا : ويقبل تدليس ابن عيينة، لأنه إذا وُقفَ أحال على
ابن 'جرَيْجٍ، ومَعْمَرٍ، ونظَرانِها.
ثم ذكر بعد ذلك كلام إبراهيم النخعي الذي خرجه الترمذي
ههنا، ثم قال: ((إلى هذا نزع مِن أصحابنا من زعم أن مرسل
الإمام أولى من مسنده ، لأن في هذا الخبر ما يدل على أن مراسيل
النخعي أقوى ن مسانيده ، وهو لعمري كذلك ، إلا أن ابراهيم
ليس بمعيار على غيره )) انتهى .
وقول من قبل مراسيل من لايرسل إلا عن ثقة يدل على أن
مذهبه أن الراوي إذا قال حدثني الثقة أنه يقبل حديثه ويحتج به،
وإن لم يسم عين ٢٠؛ ذلك الرجل ، وهو خلاف ماذكره المتأخرون
(١) كذا في ظ. وفي الأصل وب (( بها)).
(٢) ((غير)) ظ وب، وهو تصحيف .
- ٣١٩ -

من المحدثين كالخطيب وغيره (١) وذكره أيضاً طائفة من أهل الأصول
كأبي بكر الصيرفي وغيره ، وقالوا قد يوثّق الرجل من يجرحه
غيره ، فلا بد من تسميته لنعرف هل هو ثقة أم لا .
أما لو علم أنه لا يرسل إلا عن صحابي كان حديثه حجة ، لأن الصحابة
كلهم عدول، فلا يضر عدم المعرفة بعين من روي عنه منهم، وكذلك
لو قال تابعي : أخبرني بعض الصحابة ، لكان حديثه متصلاً يحتج
به، كما نص عليه أحمد ، وكذا ذكره ابن عمار الموصلي ، ومن
الأصوليين أبو بكر الصيرفي وغيره. وقال البيهقي: ((هو مرسل)) (٢).
(١) انظر الكفاية ص ٣٧٣ - ٣٧٤ وعلوم الحديث لابن الصلاح
ص٩٩-١٠٠ وغيرهما
نعم قالوا: يقبل التعديل على الابهام من الإمام المجتهد ، كما الك والشافعي
وأبي حنيفة، إذا قال ذلك كفى في حق من يقلده . وقد ذكر الحافظ:
ابن حجر في تعجيل المنفعة فائدة جليلة ، في ضوابط تعيين المبهات في قول
مالك والشافعي: ((حدثني الثقة))، فارجع إليه ص ٥٤٧ - ٥٤٨.
(٢) قد أتى الشارح بهذا على أشهر الآراء في الحديث المرسل وأصول
أدلتها، وناقشها بما يناسب المقام. وقد استوفى الحافظ العلائي البحث في الحديث
المرسل من كل الجوانب ، بتوسع وتحقيق في كتاب عظيم حافل أفرده بالتأليف
في المسألة هو ((جامع التحصيل لأحكام المراسيل)). وقد صورنا نسخه الخطية.
- ٣٢٠ -