Indexed OCR Text
Pages 261-280
وروى باسناده عن أبي نعيم قال : ((أتينا موسى بن عُلَي. بمكة ، فقلت : حدثك أبوك ، قال : لا، حدث القوم وأنا فيهم ، فقلت: فكيف تقول؟ قال: أقول سمعت أبي(١))). المسألة الثالثة : الرواية بالمناولة وقد أسند الترمذي عن منصور بن المعتمر أنه رخص في الرواية بها. والمناولة نوع من أنواع الاجازة ، إلا أنها أرفع أنواعها . وصورتها : أن يدفع العالم كتابه إلى رجل ويقول(٢) له: ((هذا حديثي أو كتابي فاروه عني أو نحو ذلك))(٣) . ومن رأى الرواية بها أيضاً الزهري [ ب - ٤١] ومالك ، والأوزاعي - في المشهور عنه - ، والليث ، وأحمد . قال المروذي: قال أبو عبد الله: ((إذا أعطيتُك كتابي فقلت* لك : اروه عني وهو من حديثي فما تبالي أسمعتّه أم لم تسمعه )) قال : فأعطاني المسند، ولأبي طالب مناولة » . وقول يحيى بن سعيد في رواية ابن جريج عن عطاء الخراساني: (١) ((أبي )) ليس في ب . (٢) ((الى رجل له ويقول)) ب وهو سبق قلم. (٣) هذه الصورة للمناولة أعلى أنواع الإجازة على الإطلاق، وهي عند مالك وجماعة من العلماء بمنزلة السماع . قال القاضي عياض في الإلماع ص ٧٩: ((وهي رواية صحيحة عند معظم الأئمة والمحدثين ... وهو قول كافة أهل النقل والأداء والتحقيق من أهل النظر » . - ٢٦١ - ((( إنها ضعيفة لاشيء، إنما هي (١) كتاب دفعه إليه)) يدل على أنه كان لايرى الرواية بالمناولة ، إلا أن يُحْمَلَ على أنه لم يأذن له في روايته عنه)). وفي جواز الرواية بذلك في هذه الحال خلاف بين أهل العلم، ذكره أبو بكر الخطيب(٢) وغيره . وروى الوليد عن الأوزاعي أن المناولة يُعْمَلُ بها ولا يُحدّث . ومن أنواع المناولة أن يأتي الطالب إلى العالم بجزء من حديثه. قد كتبه من أصل صحيح فيدفعه إلى العالم ويستجيزه إياه ، فيجيزه له ويرده إليه، إلا أنهم اشترطوا أن ينظر فيه العالم ويصححه إن. كان [آ - ٥٩] يحفظ ما فيه، أو أن يقابل به (٣) أصله إن كان لا يحفظه، وقد ،فعل ذلك مالك ، وأحمد ، ومحمد بن يحيى الذهلي ، واشترطه أحمد بن صالح المصري(٤) . وقال أحمد في رواية حنبل: ((المناولة لا أدري ماهي حتى يعرف المحدث حديثه، وما يدريه ما في الكتاب؟!، قال: وأهل مصر يذهبون إلى هذا وأنا لايعجبني)). قال أبو بكر الخطيب(٥): ((أراه أراد أن أهل مصر يذهبون (١) ((هي)) سقط من ب. (٢) في الكفاية ص ٣٤٦-٣٤٩. (٣) ((به)» ليس في ب. (٤) هذا من نوع الصورة السابقة للمناولة، والشرط فيه أن يقف الشيخ على أحاديث الكتاب المتاول، ويعرفه، ويحقق صحته ويجيزه له، كما في الالماع ص ٧٩ ، وغيره . (٥) فى الكفاية ص ٣٢٨. - ٢٦٢ - إلى (١) المناولة من غير أن يعلم الراوي هل ما في الجزء حديثه أم لا والله أعلم )) . وهذا الذي ذكره الخطيب صحيح ، وقد اعتمد أحمد في ذلك على حكاية حكاها له ابن معين عن ابن وهب أنه طلب من سفيان ابن عيينة أن يُجِيزَ له رواية جزء (٢) أتاه به في يده، فأنكر ذلك ابن معين، وقال لابن وهب : «هذا والريح بمنزلة إدفع إليه الجزء حتى ينظر في حديثه » . وقد روي عن ابن شهاب جواز ذلك أيضاً، إلا أن الخطيب(٣) تأوله على أنه كان سبق علمه بما فيه ، وفيه بعد ، وظاهر ما أسنده الترمذي (٤) عن ابن جريج وهشام بن عروة يدل على جواز ذلك أيضاً، وروي عن مالك ما يدل عليه . وإن قال العالم: ((إن كانت هذه من حديثي فحدث بها)) جاز، وفعله مالك رضي الله عنه . (١) من قوله ((هذا)» إلى هنا سقط من ب. (٢) في ظ وب ((طلب من سفيان بن عيينة جزءاً))، (٣) في الكفاية ص ٣٢٩ ولفظه ((قلت: قد يحتمل أن يكون قد تقدم نظر ابن شهاب في الصحيفة ، وعرف صحتها وأنها من حديثه ، وجاء بها بعدُ إليه مَن يثق به، فلذلك استجاز الاذن في روايتها من غير أن ينشرها وينظر فيها، والله أعلم » . (٤) ((الزهري)) ظ وب، وهو تصحيف. وسقط منهما قوله ((أيضاً)) الآتي في السطر التالي . - ٢٦٣ - وظاهر كلام أحمد يدل على أنه لابد أن يكون المناول (١) حاضراً، فإن أذن له في رواية شيء غائب لم يجز(٢)، فإنه قال في رواية الأثرم : كان شعيب بن أبي حمزة عَسِرأ في الحديث ، فسألوه أن يأذن لهم أن يرووا عنه، فقال: لاترووا هذه الأحاديث عني ،، ثم كلموه وحضر ذلك أبو اليمان، فقال لهم: «ارووا تلك الأحاديث عنّي)). قيل لأبي عبد الله. «مناولة ؟)) قال: ((لو كان مناولة كان لم يعطهم كتباً ولا شيئاً، إنما سمع هذا فقط)). فكان أبو اليمان بعد يقول: ((أنا شعيب))، فكأنه استحل ذلك بأن سمع شعيباً يقول لقوم: ((ارووه عني)). قال: ((استحل ذلك بشيء عجيب!)، وذكر (٣) أحمد ذلك على وجه الإنكار على أبي اليمان. وحديث أبي اليمان عن شعيب متفق على تخريجه في الصحيحين، وإذا كان حديث شعيب عندهم معروفاً وآذن لهم في روايته عنه ، فلا حاجة إلى إحضاره ومناولته، بل هذه إجازة من غير مداولة (٤). (١) ((المناولة» ظ، وهو تصحيف. (٢) أي لم يجز مناولة، إنما يكون إجازة من غير مناولة . كما سيأتي، ويأخذ حكم الإجازة المجردة عن المناولة . (٣) في ب ((استجل ذلك شيء عجيب ذلك أحمد)) وهو غلط. (٤) أي أن الإجازة وقعت بأحاديث شعيب المعروفة لأصحابه ، وإذا كانت كذلك فهي صحيحة تجوز الرواية بها. ويدل لذلك قوله لهم: «لا تزووا هذه الأحاديث عني، فإنه يشعر بأنها معهودة لهم ، لأنه عبرباسم الاشارة . وأجاب الحافظ ابن حجر عن ذلك جواباً آخر نسوقه لك من كتابه هدي الساري ج ٢ ص ١٢٤ في ترجمة أبي اليمان الحكم بن نافع الحمصي قال مانصه := - ٢٦٤ - والحديث الذي خرجه الترمذي عن الحسن يدل على جواز ذلك أيضاً، إلا أن أبا اليان كان يقول في الرواية بها: ((أنا)). وقد نهى عن ذلك الأوزاعي وأحمد بن صالح المصري . ورخَّص فيه آخرون، منهم مالك، ورواه الوليد بن مزيد (١) عن الأوزاعي أيضاً ، وقد روي عن أحمد أيضاً . قال صالح بن أحمد الحافظ سمعت القاسم بن أبي صالح يقول سمعت ابراهيم بن الحسين يقول سمعت أبا اليمان (٢) الحكم بن نافع يقول: ((قال لي أحمد بن حنبل: [ظ - ١٤١ ] كيف سمعت الكتب من شعيب بن أبي حمزة ؟ قلت : قرأتُ عليه بعضَه، وبعضُه قرأه عليَّ ، وبعضَه أجاز = ((جمع على ثقته اعتمده البخاري، وروى عنه الكثير، وروى له الباقون بواسطة، تكلم بعضهم في سماعه من شعيب ، فقيل: إنه مناولة، وقيل : إنه إذن مجرد ، وقد قال الفضل بن غسان : سمعت يحيى بن معين يقول: سألت أبا اليمان عن حديث شعيب؟ فقال: ((ليس هو مناولة، المناولة لم أخرجها لأحد». وبالغ أبو زرعة الرازي فقال: ((لم يسمع أبو اليان من شعيب إلا حديثاً واحداً » . ( قات ) إن صح ذلك فهي حجة في صحة الرواية بالإجازة، إلا أنه كان يقول في جميع ذلك أخبرنا، ولا مشاحة في ذلك إن كان اصطلاحاً له)). انتهى كلام الحافظ . (١) ((مرئد)؛ ب وهو تصحيف. (٢) « أنا أبو اليمان)، ب. - ٢٦٥ - لي(١)، وبعضه مناولة. فقال: قل في كله : أنا شعيب)). ونقل البردعي (٢) عن أبي زرعة الرازي قال: ((لم يسمع أبو اليمان من (٣) شعيب بن أبي حمزة إلا حديثاً واحداً والباقي إجازة)). ومن أنواع المناولة : أن يكتب العالم إلى رجل بشىء من حديثه ويختمه ، ویأذن له في روایته عنه. وهي دون المناولة من يده (٤)، وقد روى [ ب - ٤٢ ] بها خلق كثير من جلة السلف والخلف . وقال أيوب، وشعبة، ومنصور). (١) (وبعض أجازني)» ظ . (٢) (( البردي)) ظ وب. (٣) قوله (( أبو اليمان من)) سقط من ظ . (٤) هذا النوع جعله علماء أصول الحديث نوعاً مستقلاً من طرق تحمل الحديث هو (( المكانية)). وقد ذكر الحافظ ابن رجب هنا نوعاً منها هو المكاتبة المقرونة بالإجازة، وهناك نوع آخر هو المكاتبة المجردة من الإجازة، والصحيح المشهور عند أهل الحديث هو تجويز الرواية بها بنوعيها، قال القاضي عياض: ((وقد استمر عمل السلف فمن بعدهم من المشايخ بالحديث بقولهم : كتب إليّ فلان قال : أخبرنا فلان ، وأجمعوا على مقتضى هذا التحديث، وعدوه في المسند بغير خلاف يعرف في ذلك . وهو موجود في الأسانيد كثير )). الالماع ص٨٦، وانظر الكفاية ص٣٤٥، وعلوم الحديث ص ١٥٣ -١٥٥ وغيرها. - ٢٦٦ - ٠٠ وغيرهم: ((إذا كتب إليك العالم فقد حدثك)). قال ابن وهب: ((كان يحيى بن سعيد يكتب إلى الليث بن سعد، فيقول الليث: ((حدثني يحيى بن سعيد. وكان هشام يكتب إليه فيقول(١): حدثني هشام)). وهؤلاء منهم من طَرَّدَ ذلك (٢) في باب الشهادة ، فأجاز الشهادة على الكتاب المختوم ونحوه، وإن لم يعلم مافيه. وحكي ذلك عن الزهري ، وهو قول أبي عُبَيْد ، وأبي يوسف ، وخرجه طائفة من أصحابنا رواية عن أحمد . ومنهم من فرق بين الرواية والشهادة، فأجاز الرواية بالمناولة دون الشهادة على الخط المختوم، وهو المشهور عن الشافعي، وأحمد، وأبي حنيفة ، وغيرهم من الفقهاء . وفرق كثير منهم بأنَّ الرواية مبناها على المسامحة ، فإنه لا يُشْتَر طُ لها العدالةُ الباطنة، ويُقْبل فيها قولُ النساء والعبيد مطلقاً . ويقبل فيها العنعنة بخلاف الشهادة . ومنهم من فرق بأن الشهادة قد (٣) يخفى تغيرها وزيادتها ونقصها، بخلاف الحديث، فإنه قد حُفِظ وضُبِطِ (٤) فلا يكاد يخفى تغيره. وقيل: إن في كلام أحمد [آ - ٦٠] إيماء إلى هذا الفرق. (١) من قوله ((حدثني يحيى)) إلى هنا سقط من ب. (٢) أي عمل بموجب هذه القاعدة . (٣) (( قد )، ليس في ظ وب . (٤) ((ضبط وحفظ )» ظ وب. - ٢٦٧ - وقد جوّز كثير من العلماء العمل بالوصية المختومة، وإن لم يُشْهَد عليها ، وهو نص أحمد، وقول محمد بن نصر المروزي، وغيره . وكذلك جَوَّز كثير من فقهاء الحجاز عمل القاضي بكتاب القاضي، إذا عرف أنه كتابه من غير شهادة على مافيه . وقد حكى المُعافى بن زكريا ذلك عن جمهور فقهاء الحجاز والشام ومصر والمغرب والبصرة . وحكاه عن مالك ، والأوزاعي ، والليث (١)، وإسحاق، وأبي عبيد، وسمى عدداً كثيراً. ولكن لايلزم من جواز العمل بالخط المعروف جواز تحمل الشهادة بما لم يسمعه، وإن جاز أن يشهد أنه خط فلان إذا عرفه. ولعل مراد كثير من قال بقبول الكتاب المختوم المشهود عليه ، وإن لم يُقْرأ على الشهود أن الشاهد يشهد أن هذا كتاب فلان أو خطه ، فحينئذ يكون العمل (٢) بالخط. وقد تقدم أن الأوزاعي فرق في المناولة بين العمل والرواية ، في رواية عنه ، فلا يلزم من جواز العمل بما عرف صحته جواز تحمله من غير تحمل له (٣). (١) ((والليث والأوزاعي)) ظ وب. (٢) ((فيكون العمل حينئذ» ظ وب. (٣) ليس هذا نقداً من الحافظ ابن رجب لصحة الرواية بالمكاتبة ، فقد عرفناك صحتها وعمل المحدثين على ذلك، إنما هو تنبيه دقيق من الحافظ إلى أن جواز العمل بكتاب الوصية المختوم، لا يلزم منه جواز رواية مضمون الكتاب، إذا لم يطلع عليه عند كتابته . فهناك فرق بين العمل بما علم صحته ، وبين روايته على أنه قد تحمله من صاحبه وهو لم يتحمله منه . = - ٢٦٨ - وأما الأثر الذي خرجه الترمذي من حديث بَشِير بن تَمِيكٍ. عن أبي هريرة، فقد رواه رَوْح بن عُبادةٌ عن عمران بن حُدَيْر (١) عن أبي بِجْلَز قال: قال بَشِير بن تَهِيك: « كنت أكتب بعض ما أسمعُ من أبي هريرة ، فلما أردتُ فراقه أتيت بالكتب فقرأتها عليه ، فقلت : هذا سمعته منك؟ فقال(٢): نعم)). ورواه عثمان بن الهيثم عن عمران به بنحوه . ورواه أبو عاصم عن عمران بن حدير به (٣) ، وقال في حديثه: « فلما أردتُ فراقه أتيته فقلت: هذا حديثك أُحدث به عنك؟ قال: نعم)) . وهذا ليس من باب المناولة ولا من باب العرض المجرد، بل رواية روح تدل على أنه عرض بعد سماع. وفي كلتا الروايتين أنه كان يكتب ما يسمع منه، ثم أقرّ له به أبو هريرة ، وأذن له في روايته ، وهذا نهاية مايكون من التثبت في السماع ، مع أن البخاري قال في بشير: ((لا أرى له سماعاً من أبي هريرة))، نقله عنه الترمذي ولتحقيق ذلك نذكر الوجادة فإننا نعمل بما نجده من كتب العلماء ، متى ٠= صحت لنا نسبة الكتاب إلى صاحبه، بما تثبته أصول التحقيق العلمي ، لكن لا يجوز لنا أن نروي مضمون الكتاب عن صاحبه بالسند ، كأن نقول : أخبرنا أو أنبأنا فلان، كما نفعل إذا تحملناه عنه بالاجازة أو بالمناولة مثلاً . (١) ((جدير " ب، وهوتصحيف، وقد تكرر فيما بعد. (٢) ((قال)) ظ وب. (٣) الكفاية ص ٢٨٣. - ٢٦٩ - في العلل (١)، المسألة الرابعة الرواية بالاجازة من غير مناولة وقد ذكر الترمذي عن بعض أهل العلم إجازتها ، وقد حكاه غيره عن جمهور أهل العلم ، وحكاه بعضهم إجماعاً ، وليس كذلك . بل قد أنكر الاجازة جماعة من العلماء ، وحُكيّ ذلك عن أبى زرعة ، وصالح بن محمد ، وإبراهيم الحربي . وروى الربيع عن الشافعى أنه كره الاجازة. قال الحاكم: ((لقد كره المكروه عند (٢) أكثر أئمة هذا الشأن(٣))). (١) لم أجده في مخطوط العلل الكبير مع أنه أورد حديث بشير هذا . وهذا الذي ذكره عن البخاري ((مردود بما تقدم)» كما قال الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب ج١ ص ٤٧٠، أي بحديث عَرْض بشير كتاب حديثه على أبي هريرة، فان سنده صحيح. وبه يثبت سماع بشير من أبي هريرة . وقد سبق في ص ٢٣٥ . (٢) في ب ((لقد كرهتِ عند أكثر))، وفوق ((كرهت)) كلمة ((لعله)) مما يشير إلى أن الناسخ كتب بالمعنى . (٣) الاجازة هي إذن المحدث للطالب أن يروي عنه حديثاً أو كتاباً أو كتباً من غير أن يسمع ذلك منه أو يقرأه عليه، كأن يقول له : أجزتك أو أجزت لك أن تروي عني صحيح البخاري ، أو كتاب الإيمان من صحيح مسلم . فيروي عنه بموجب ذلك من غير أن يسمعه منه أو يقرأه عليه . - ٢٧٠ - والذين أنكروا الاجازة المطلقة منهم من رخص في المناولة ، وهو قول أحمد بن صالح المصري ، ورُويَ أيضاً مثله عن إبراهيم الحربي، وأبى بكر البَرْقاني . = وقد أجاز الرواية بها جمهور العلماء من أهل الحديث وغيرهم ، الإلماع ص٨٩، واختصار علوم الحديث ص ١١٩ . وقال ابن الصلاح ص ١٣٥-١٣٦: (( ثم إن الذي استقر عليه العمل وقال به جماهير أهل العلم من أهل الحديث وغيرهم القول بتجويز الإجازة وإباحة. الرواية بها. وفي الاحتجاج لذلك غموض، ويتجه أن نقول : إذا أجاز له أن يروي عنه مروياته فقد أخبره بها جملة، فهو كما لوأخبره بها تفصيلاً، وإخباره بها غير متوقف على التصريح نطقاً، كما في القراءة على الشيخ ، كما سبق، وإنما الغرض حصول الافهام والفهم ، وذلك يحصل بالإجازة المفهمة، والله أعلم » انتهى. وفي رأينا أنه يزول الغموض وتتضح الحجة في إباحة الإجازة بإلقاء الضوء على الوضع الذي وجدت فيه الإجازة كما حققناه في كتاب منهج النقد : وذلك (( أن العلماء اعتمدوا على الإجازة بعدما دُوَّن الحديث وكُتيب على الصحف، وجمع في التصانيف، ونقلت تلك التصانيف والصحف عن أصحابها بالسند الموثوق الذي ينتهي بقراءة النسخة على المؤلف أو مقابلتها بنسخته ، فأصبح من العير على العالم كلما أتاه طالب من طلاب الحديث أن يقرأ عليه الكتاب، فلجأوا إلى الإجازة ، فالإجازة فيها إخبار على سبيل الإجمال بهذا الكتاب أو الكتب أنه من روايته . فتنزل منزلة إخباره بكل الكتاب، نظراً لوجود النسخ. فإن دولة الوراقين قد قامت بنشر الكتب بمثل ما تفعله المطابع الآن . ولهذا لا يجوز لمن حمل بالإجازة أن يروي بها إلا بعد أن يصحح نسخته على نسخة صحيحة مقابلة على نسخة المؤلف أو نحو ذلك مما نسخ وصحح على النسخ المقابلة المصححة)) . انتهى . - ٢٧١ - وظاهر كلام أحمد في رواية الأثرم في قصة رواية أبى اليمان عن شعيب يدل على مثل ذلك ، إلا أن يحمل إنكاره على أبي اليمان: على إطلاقه لفظ الإخبار في الرواية بالإجازة ، لا على أصل الرواية بالإجازة(١) . وقد ذكرنا عنه رواية أخرى أنه أجاز لأبي اليمان إطلاق قوله أنا فيما يرويه عن شعيب بالمناولة والإجازة . وهو قول كثير من السلف والخلف . ورُويَ عن أحمد أنه أجاز أن يقول ثنا فيما يرويه بالاجازة . وحكي أيضاً عن مالك ، والليث بن سعد، والثوري(٢)، وغيرهم. ج السى ١٠ 1 (١) أنظر مسألة أبي اليان في ص ٢٦٤-٢٦٥. (٢) ((والثوري والليث بن سعد)» ظ وب. ٠ - ٢٧٢ - : 1 ـل فصل فى الحديث المرر قال أبو عيسى الترمذي رحمه الله : ( والحديث إذا كان مرسلاً فإنه لا يصح عند أكثر أهل الحديث ، وقد [ ظـ - ١٤٢] ضعفه غير واحد منهم (١): أخبرنا على بن حُجْر أنا بقية بن الوليد عن عتبة بن أبي حكيم قال: « سمع الزهري إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة وهو يقول (٢) : قالرسول الله صلى الله عليه وسلم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال الزهري: قاتلك الله يا ابن أبي فروة ! تجيئنا بأحاديث ليس لها خُطُمْ ولا أزِّمة. (٣). (١) ((منهم)) ليس في ب. (٢) في ظ وب ((إسحاق بن أبي فروة يقول)) وليس فيها جملة ((قال رسول الله)) الثانية. والمثبت من الأصل موافق لمعرفة علوم الحديث للحاكم النيابوري ص ٦ . والكفاية ص ٣٩١ . (٣) وأخرجه الحاكم في معرفة علوم الحديث ص ٦ بلفظ: ((فقال له الزهري : قاتلك الله يا ابن أبي فروة، ما أجرأك على الله ! ؛ لا تسند حديثك؟! تحدثنا بأحاديث ليس لها خُطْم ولا أزمة)). والخطيب البغدادي في الكفاية ص ٣٩١ بنحو لفظ الترمذي . ومدار الحديث عندهم على عتبة بن أبي حكيم، لكن الترمذي والخطيب أخرجاه من طريق علي بن حجر ، قال الترمذي : = ١٨ - شرح الملل - ٢٧٣ - أخبرنا أبو بكر عن على بن عبد الله قال قال: يحيى بن سعيد: (ُمُرْسَلَاتُ مجاهد أحبُ إلىّ من مرسلات عطاء بن أبي رباح بكثير، كان عطاء يَخْطِبُ(١): يأخذ عن كل ضَرْب)). قال علي قال يحيى: ((قرسلات سعيد بن جبير أحبُ إليَّ من مرسلات عطاء . قلت ليحيى: مرسلات مجاهد أحب إليك أم مرسلات | ٢-٦١ طاوس؟ قال: ما أقربهما)). قال علي وسمعت يحيى يقول: ((مرسلاتُ أبي إسحاق عندي شبه لا شيء، والأعمش، والتيمي، ويحيى بن أبي كثير (٢) ومرسلات =( أخبرنا علي بن حجر أنا بقية بن الوليد عن عتبة بن أبي حكيم)). وفي الكفاية: (( .. علي بن حجر عن عتبة بن أبي حكيم)). وأخرجه الحاكم من طريق إبراهيم وهو أبو إسحاق الطالقاني ثنابقية ثنا عتبة ابن أبي حكيم .. فظهر بهذا انه سقط من سند الكفاية ((بقية بن الوليد». كما أن التصريح بالتحديث من بقية في سند الحاكم مفيد جداً، لأنه يدفع احتمال التدليس . وكان بقية صدوقاً مدلساً، كثير التدليس عن الضعفاء. انظر ترجمته في المغني في الضعفاء ص ٢٠٩ رقم ٩٤٤. (١) رسمت في الأصل بما يشبه ((يخطىء)) وليست في ظ وب. (٢) في ظ ((يحيى بن كثير)) وقد ضبب فوق ابن إشارة للغلط وإلى أن الأصل الذي نقل عنه الناسخ ثبت فيه ذلك . - ٢٧٤ - ابن عيينة شبه الريح» (١). ثم قال: ((إي والله وسفيان بن سعيد)). قلت ليحيى: ((فمرسلات مالك؟ قال: هي أحبُ إليْ، ثم قال يحيى: ليس في القوم أحد أصح حديثاً من مالك ». حدثنا سَوْارُ بنُ عبد الله العنبري قال: سمعت يحيى بن سعيد القطان يقول: (( ما قال الحسن في حديثه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا ووجدنا له أصلاً إلا حديثاً أو حديثين)). قال أبو عيسى: ومن ضعْف المرسل فإنه ضعفه من قِبَلٍ أن هؤلاء الأمة قد حدثوا عن الثقات وغير الثقات ، فإذا روى أحدهم حديثاً وأرسله لعله أخذه عن غير ثقة . وقد تكلم الحسن البصري(٢) في معبد الجهني، ثم روى عنه: (١) هذا مشكل بما قرروه أنه لا يدلس إلا عن ثقة، فاحتمل تدليسه لذلك، انظر التبيين لأسماء المدلين للبرهان الحلبي ص ٩ وتعريف أهل التقديس مراتب الموصوفين بالتدليس للحافظ ابن حجر ص ٢ و ٠٩ هذا، وليس يلزم من كون الراوي يسند الحديث عن الثقات وغيرهم أن إرساله يكون كذلك، لأنه إذا أرسل ونسب الكلام لمن فوقه بصيغة الجزم فإنه يشعر بتحمله مسؤولية ذلك. (٢) (( البصري)) ليس في ظ وب. - ٢٧٥ - حدثنا بشر بن معاذ البصري ثنا مرحوم بن عبد العزيز العطار قال: حدثني أبي وعمي قالا سمعنا الحسن يقول: « إياكم ومعبداً الجهني ، فإنه ضالٌّ مُضِلَّ)). قال أبو عيسى: ويروى عن الشعبي قال: ((ثنا الحارث الأعور وكان كذاباً)) وقد حدث عنه. وأكثر الفرائض التي يرويها عن علي وغيره هي عنه. وقد قال الشعبي: الحارث الأعور علمني الفرائض وكان من أفرض الناس. سمعت محمد بن بشار١) يقول: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: (( ألا تعجبون من سفيان بن عيينة؟! لقد تركت لجابر الجعفي - بقوله لما روى عنه _ (٢) أكثر من ألف حديث، ثم هو يحدث عنه)) . قال محمد بن بشار: «وترك عبد الرحمن بن مهدي (٣) حديث جابر الجعفي)). (١) ((يسار) ب وهو تصحيف . (٢) والمعنى أنه ترك حديث جابر الجعفي لأجل ما حكى سفيان أي رواه عن جابر الجعفي من إيمانه -أي الجعفي - بالرجعة، ثم إذا سفيان يحدث عنه !: شفاء الغلل آخر تحفة الأحوذي ج ٤ ص ٣٩٨. (٣) ((ترك بن مهدي)، ظ . - ٢٧٦ - قال أبو عيسى: وقد احتج بعض أهل العلم بالمرسل أيضاً(١). حدثنا أبو عبيدة بن أبي السفر الكوفي ، ثنا سعيد بن عامر عن شعبة (٢) عن سليمان الأعمش قال: ((قلت لإبراهيم النخعي أسند لي عن عبد الله بن مسعود. فقال إبراهيم: إذا حدثتك عن رجل عن عبد الله فهو الذي سميْتُ(٣)، وإذا قلت: قال عبد الله فهو عن غير واحد عن عبد الله،). (١) ((أيضاً)، ليس في ظ وب. (٢) ((الشعبي)» ظ و ب وهو تصحيف . (٣) كذا في ظ وب وطبع بولاق. وفي الأصل ((سمعت)) وقد ضبب فوقها وثبت في الحاشية ((سميت)) فوقها حرف (ص) إشارة لأنه الصحيح معنى. - ٢٧٧ - الكلام همنا في حكم الحديث المرسل (١) (١) المُرْسَل: على وزن مُفْعَل، اسم مفعول من الإرسال. والإرسال لغة : الإطلاق . أرسلت كذا إذا أطلقته ولم تمنعه . سمي بذلك الحديث المرسل لأنه أطلق ولم يقيد براو معين . وأما في اصطلاح المحدثين، فقد اختلفوا في تعريف الحديث المرسل، بسبب اختلاف موقعه عند المحدثين، وأدى هذا الخلاف لاستشكال الدارسين لهذا البحث . وقد حققنا بحث الموضوع في كتابنا منهج النقد رقم /٦٣/ ص ٣٤٦ - ٠٣٤٨: بما يزيل الإشكال، ويتلخص ذلك بأن نلاحظ في تعريفه عند المحدثين جهتين: ١ - المشهور ان الحديث المرسل : هو مارفعه التابعي، بأن يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، سواء كان التابعي كبيراً أو صغيراً . مثاله: مارواه الشافعي ( كمافي ترتيب مسند الشافعي ج١ ص ٣٠٤): «أخبرنا سعيد عن ابن جريج قال أخبرني حميد الأعرج عن مجاهد أنه قال: ((كان النبي ◌ُّو يظهر من التلبية لبيك اللهم لبيك .. )، الخ .. سعيد هو سعيد بن سالم القداح ، سمع من ابن جريج . ويجاهد تابعي لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يذكر الواسطة بيته وبين النبي صلى الله عليه وسلم فالحديث مرسل. وعلى هذا المعنى اقتصر المتأخرون ، فلا يطلقون المرسل إلا بهذا المعنى. ٢ - المتقدمون أكثر مايطلقون المرسل فيا ذكرناه ، ويطلقونه أيضاً بمعنى المنقطع، وعلى ذلك جرى الخطيب وابن الأثير في المرسل وهو مذهب الفقهاء= - ٢٧٨ - = والأصوليين. الكفاية ص ٣٨٤ . وجامع الأصول ج١ ص ١١٥ - ١١٩. ومن أمثلة ذلك حديث موسى بن طلحة عن عمر بن الخطاب قال: ((إنما سَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم الزكاة في هذه الأربعة: الحنطة والشعير والزبيب والتمر » . أخرجه الدارقطني ج٢ ص. ٩٦. قال أبو زرعة الرازي: ((موسى بن طلحة بن عبيد الله عن عمر مرسل)). المراسيل لأبي حاتم الرازي ص ١٢٧ . وقال يحيى بن معين: ((ماروى الشعبي عن عائشة مرسل)) أي أنه لم يسمعها . المراسيل ص ١٠٥. وهذا هو اصطلاح الترمذي، كما حققناه في اطروحتنا ص ١٩٩ - ٢٠١، وعليه درج المصنفون في كتب المراسيل ، وأهمها : ١ - ((المراسيل)) لأبي حاتم الرازي، بين فيه ما ليس متصلاً من الأسانيد. ٢ - (( جامع التحصيل لأحكام المراسيل)) للحافظ خليل بن كيكادي العلاقي ، تكلم فيه على أنواع الحديث المنقطع، بأي نوع من أنواع الإنقطاع ، بأبحاث قيمة محققة، ثم أورد أسماء المدلين، ثم الأسانيد المرسلة. أي المنقطعة. ٣ - ((المراسيل)) لأبي داود السجستاني . أورد فيه طائفة من الأحاديث المرسلة . ٤ - ((التفصيل لمبهم المراسيل)) للخطيب البغدادي. وموضوعه نوع خاص من الإرسال، هو الإرسال الخفي - كما أوضح ابن الصلاح ص ٢٦١ - أي رواية الراوي عمن عاصره ولم يسمع منه . وهو نوع من الانقطاع الخفي، وقد بحثناه في كتابنا منهج النقد وبينا الفرق الدقيق بينه وبين المدلَّس وبين المزيد في متصل الأسانيد . مع بيان كيفية كشف هذا الارسال الحقي فانظره لزاماً ص ٣٦٣-٣٦٧ ٠ رقم عام / ٦٧ / ٠ - ٢٧٩ - عد وقد ذكر الترمذي لأهل العلم فيه قولين : أحدهما : أنه لا يصح، ومراده أنه لا يكون حجة . وحكاه عن أكثر أهل الحديث . وحكاه الحاكم عن جماعة أهل الحديث من فقهاء الحجاز، وسمّى منهم سعيد بن المسيب، والزُّهري ، ومالك بن أنس ، والأوزاعي، والشافعي ، وأحمد ، فمن بعدهم من فقهاء المدينة . وفي حكايته عن أكثر من سَمَّاه نظر، ولا يصح عن أحد منهم الطعن في المراسيل عموماً ، ولكن في بعضها . وأسند الترمذي قول الزهري لإسحاق بن أبي فروة: ((قاتلك الله تجيننا بأحاديث ليس لها خُطُمٌ ولا أُزِمَةٌ)) (١). يريد لا أسانيد لها ، وهذا ذم لمن يرسل الحديث ولا يسنده . وروى سَلَمَةُ بن العيّار عمن سمع الزهري يقول: ((ما هذه الأحاديث التي يأتون (٢) بها ليس لها خُطُمٌ ولا أزمَّةٌ))، (١) الخُطُم: بضمتين جمع خيطام على وزن كتاب: وهو ما يوضع في أنف البعير ليقتاد به . والأزمة : بفتح الهمزة وكمر الزاي وتشديد الميم جمع زمام ، والزمام الخيط الذي يُشَدُ في حلقة أو عود يجعلان في طرف أنف البعير لتذليله. أي ليس لها من الاسناد شيء يتمسك به، ويعتمد عليه. وظهر من قول الزهري هذا أن المرسل عنده ليس بحجة. شفاء الغلل ص ٣٩٧ - ٣٩٨ بزيادة شرح من مختار الصحاح والمعجم الوسيط . (٢) ((تأتون)) ب. وسقط قوله ((لها)) من ظ. - ٢٨٠ -