Indexed OCR Text

Pages 501-520

وإن أبطأت حينًا وتراخت وقتًا لإنفاذ ما حتم به ، على من سبق عليه
إنفاذ الوعيد تحلة القسم ؛ لأنه قد كان له أن يعذب بذنب واحد أبدًا
كإبليس، فهو عند ظن عبده ، وإن عاقبه برهة فإن كان ظنه به ألا
يعذبه برهة ، ولا تحلة فإنه كذلك یجده کما ظن - إن شاء الله - فهو
أهل التقوى وأهل المغفرة .
وأما حديث الذي لم يعمل خيرًا قط ، ففيه دليل على أن الإنسان لا
يدخل الجنة بعمله ما لم يتغمده الله برحمته كما قال عليه السلام . وفيه
أن الإنسان يدخل الجنة بحسن نيته في وصيته لقوله: خشيتك يا رب .
وفيه أن من جهل بعض الصفات فليس بكافر خلافًا لبعض
المتكلمين؛ لأن الجهل بها هو العلم ؛ إذ لا تبلغ كنه صفاته تعالى ،
فالجاهل بها هو المؤمن حقيقة / ولهذا قال بعض السلف : عليكم
بدين العذارى ، أفترى [ العذارى يعلمن حقيقة صفات الله تعالى.
[٤/ ق٢٣٨ -١]
والأشعري ] (١) في تأويل هذا الحديث [ قولان ] (٢) : كان قوله
الأول : من جهل [ القدرة أو صفة من صفات - الله تعالى -
فليس] (١) بمؤمن .
وقوله في هذا الحديث: (( لئن قدر الله علي)) لا يرجع إلى القدرة
[ وإنما يرجع إلى معنى التقدير الذي ] (١) هو بمعنى التضييق كما قال
تعالى في قصة يونس : ﴿فظن أن لن نقدر عليه ﴾ (٣) أي: لن نضيق
عليه ، ثم رجع عن هذا القول وقال : لا يخرج المؤمن من الإيمان
بجهله بصفة من صفات الله -تعالى - قدرة كانت أو سائر صفات ذاته
تعالى إذا لم يعتقد في ذلك اعتقادًا يقطع أنه الصواب
(١) بياض بالأصل. والمثبت من (( هـ)).
(٢) في ((الأصل)): قولين. والمثبت من (( هـ)).
(٣) الأنبياء : ٨٧ .
- ٥٠١ -

والدين المشروع ، ألا ترى أن الرجل قال : لئن قدر الله عليه ليعذبنه
فأخرج ذلك مخرج الظن دون القطع على أنه تعالى غير قادر على
جمعه وإحيائه إخراج خائف من عذاب ربه ذاهل العقل .
يدل على ذلك قوله مجيبًا لربه لما قال له : لم فعلت ؟ قال: من
خشيتك . وأنت أعلم . فأخبر بالعلة التي لها فعل ما فعل ، ويدل
على صحة هذا القول [ من روى ] (١) قوله : لعلي أضل الله.
((ولعل)) في كلام العرب موضوعة لتوقع مخوف لا يقطع على كونه ،
ولا على انتفائه ، ومعنى قوله : لعلي أضل الله ، لعلي أخفى عليه
وأغيب ، وكان الواجب في اللغة : لعلي أضل على الله وحذف حرف
الجر ، وذلك مشهور في اللغة كما قال الشاعر :
أستغفر الله ذنبًا
والمعنى من ذنب . ومن كان خائفًا عند حضور أجله فجدير أن
تختلف أحواله لفرط خوفه ، وينطق بما لا يعتقد ، ومن كان هكذا
فغير جائز إخراجه من الإيمان الثابت له ؛ إذ لم يعتقد ما قاله دينًا
وشرعًا ، وإنما يكفر من اعتقده تعالى على خلاف ما هو به ، وقطع
على أن ذلك هو الحق ، ولو كفر من جهل بعض صفات الله لكفر
عامة الناس ؛ إذ لا يكاد نجد منهم من يعلم أحكام صفات ذاته ، ولو
اعترضت جميع العامة وكثيرًا من الخاصة وسألتهم : هل لله -تعالى-
قدرة [أو علم] (١) أو سمع أو بصر أو إرادة ، وهل قدرته [متعلقة](٢)
بجميع ما يصح كونه معلومًا لما عرفوا حقيقة ذلك ؟ فلو حكم بالكفر
على من جهل صفة من صفات الله -تعالى- لوجب الحكم به على جميع
العامة ، وأكثر الخاصة وهذا محال .
(١) من (( هـ ).
(٢) فى ((الأصل)): كلمة غير واضحة، والمثبت من اهـا.
- ٥٠٢ -

والدليل على صحة قولنا حديث السوداء ، وأن الرسول قال لها :
(«أين الله ؟ فقالت : في السماء . فقال : من أنا ؟ فقالت : أنت
رسول الله . فقال : أعتقها؛ فإنها مؤمنة)) . فحكم لها بالإيمان ،
ولم يسألها عن صفات الله وأسمائه ، ولو كان [ علم ] (١) ذلك
شرطًا في الإيمان لسألها عنه كما سألها عن أنه رسول الله ، وكذلك
سؤال أصحاب رسول الله - عمر بن الخطاب وغيره - رسول الله وَليه
عن القدر ، فقالوا : يا رسول الله ، أرأيت ما نعمل لأمر مستأنف أم
الأمر قد سبق ؟ فقال: ((بل لأمر قد سبق ، قال : ففيم يعمل
العاملون ؟! قال : اعملوا ، فكل ميسر لما خلق له )) وأعلمهم أن ما
أخطأهم لم يكن ليصيبهم ، ومعلوم أنهم كانوا قبل سؤاله مؤمنين ،
ولا يسع مسلمًا أن يقول غير ذلك فيهم ، ولو كان لا يسعهم جهل
القدرة وقدم العلم لعلمهم ذلك مع شهادة التوحيد ، ولجعله عمودًا
سادسًا للإسلام ، وهذا بين .
وأما حديث أبي هريرة في الرجل الذي واقع الذنب مرة بعد مرة ثم
استغفر ربه فغفر له ، ففيه دليل على أن المصر في مشيئة الله -تعالى-
إن شاء عذبه وإن شاء غفر له مغلبًا لخشيته التي جاء بها وهي اعتقاده ،
وأن له ربا خالقا يعذبه ويغفر له واستغفاره إياه على ذلك ، يدل على
ذلك قوله : ﴿ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها﴾(٢) ولا حسنة أعظم
من توحيد الله والإقرار بوجوده والتضرع [ إليه] (١) في المغفرة.
فإن قيل : فإن استغفاره ربه توبة منه ، ولم يكن مصرًاً ! قيل له :
ليس الاستغفار أكثر من طلب غفرانه ، وقد يطلب الغفران المصر
والتائب ، ولا دليل في الحديث على أنه قد كان تاب ما سأل الغفران
(١) من ( هـ)).
(٢) الأنعام : ١٦٠ .
- ٥٠٣ -

منه ؛ لأن التوبة الرجوع عن الذنب والعزم ، على ألا يعود إلى مثله
والاستغفار لا يفهم منه ذلك ، وبالله التوفيق.
باب : كلام الرب تعالى مع الأنبياء
وغيرهم يوم القيامة
فيه: أنس: قال النبي - عليه السلام -: ((إذا كان يوم القيامة شفعت
[٤/ ٢٣٨٥ -ب] [فقلت ] (١): يا رب / [أدخل من كان في قلبه خردلة. فيدخلون](٢)،
[ ثم أقول] (٣) : أدخل الجنة من كان في قلبه أدنى شيء ، وقال أنس
مرة عن النبي وَ ير: إذا كان يوم القيامة وماج الناس بعضهم في بعض
فیأتون آدم ... )) إلى قوله: فيأتوني فأقول: أنا لها، فأستأذن على ربي
فيؤذن لي ويلهمني محامد أحمده بها ، لا تحضرني الآن ، وأخر له
ساجدًا ، فيقال : يا محمد ، ارفع رأسك ، وقل يسمع لك ، واشفع
تشفع ، وسل تعط . فأقول : يا رب ، أمتي . فيقال : انطلق فأخرج
[منها] (٤) من كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان ... )) وذكر الحديث
إلى قوله: (( أدنى مثقال حبة من خردل من إيمان إلى قوله: (( فمررنا
بالحسن بن أبي الحسن وهو متوار فقلنا : يا أبا سعيد، جئناك من عند
أخيك أنس بن مالك ، فلم نر مثل ما حدثنا في الشفاعة. قال : هيه
فحدثناه ، قال : حدثنا ، وهو جميع منذ عشرين سنة أنه قال : ثم أعود
الرابعة فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجدًا ... )) إلى قوله: (( فيقول:
وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال: لا إله إلا الله)).
(١) في (( الأصل)): فأقول. والمثبت من ((هـ، ن)).
(٢) بياض بالأصل. والمثبت من (، هـ، ن)).
(٣) في ((الأصل)): فأقول. والمثبت من (( هـ، ن ). (٤) من (( هـ ، ن )).
- ٥٠٤ -

وفيه : عبد الله: قال النبي - عليه السلام -: (( إن آخر أهل الجنة دخولا
الجنة، وآخر أهل النار خروجًا من النار رجل يخرج [حبواً] (١) فيقول له
ربه : ادخل الجنة ، فيقول : رب الجنة [ ملأي ] (٢) ! فيقول ذلك ثلاثًا
كل ذلك [ يعيد ] (٣) عليه : الجنة ملأى ! فيقول : إن لك مثل الدنيا
عشر مرات )) .
وفيه : عدي قال النبي - عليه السلام -: (( ما منكم أحد إلا سيكلمه
ربه ، ليس بينه وبينه ترجمان)).
وفيه : عبد الله : جاء حبر من اليهود إلى النبي - عليه السلام - فقال :
((إذا كان يوم القيامة جعل الله السموات على إصبع ... الحديث (( ثم
يهزهن ثم يقول : أنا الملك ... )) الحديث .
وفيه : ابن عمر (( سأله رجل : كيف سمعت النبي -عليه السلام- يقول
في النجوى ؟ قال : يدنو أحدكم من ربه حتى يضع كنفه عليه فيقول :
عملت كذا وكذا، فيقرره فيقول : نعم . ثم يقول : إني سترتها عليك في
الدنيا ، وإني أغفرها لك اليوم )) .
قال المهلب : قد تقدم إثبات كلام الله مع الملائكة المشاهدة له
وأثبت في هذا الباب كلامه تعالى مع [ النبيين ] (٤) يوم القيامة بخلاف
ما حرمهم إياه في الدنيا بحجابه الأبصار عن رؤيته فيها ، فيرفع في
الآخرة ذلك الحجاب عن أبصارهم ، ويكلمهم على حال المشاهدة
كما قال عليه السلام: (( ليس بينه وبينهم ترجمان)) وجميع أحاديث
الباب فيها كلام الله مع عباده ، ففي حديث الشفاعة قوله تعالى لمحمد:
(١) في ((الأصل)): حبر .
(٢) في (( الأصل)): مولاي. والمثبت من ((هـ، ن)).
(٣) في ((الأصل)): يعبر. والمثبت من ((هـ، ن)) .
(٤) في (( هـ ) : البشر.
٠ - ٥٠٥ -

((أخرج من النار من في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان ) إلى
قوله: ((وعزتي وجلالي وكبريائي لأخرجن منها من قال : لا إله إلا
الله )) فهذا كلامه للنبي - عليه السلام - بدليل قوله: (( فأستأذن على
ربي)» وفي بعض طرق الحديث ((فإذا رأيته أخر له ساجدًا )) وكذلك
قوله في حديث آخر من يدخل الجنة . قوله تعالى: (( ادخل الجنة .
فيقول : رب الجنة ملأى)) إلى قوله: ((لك مثل الدنيا عشر مرات ))
فأثبت بذلك كلامه تعالى مع غير الأنبياء مشافهة ، ونظرهم إليه ،
وكذلك حديث النجوى : يدنيه الله من رحمته وكرامته ويقول :
سترتها عليك في الدنيا ، وأنا أغفرها لك اليوم على الانفراد عن
الناس . وقد تقصيت الكلام في النجوى في باب : ستر المؤمن على
نفسه في كتاب الأدب في موضعه .
وقوله: (( هيه))؛ هي كلمة استزادة للكلام. عن صاحب العين.
وقوله: ((ثم يهزهن)). قال صاحب العين : الهزهزة: تحريك اليد .
باب : قول الله تعالى : ﴿وكلم الله موسى تكليمًا ﴾ (١)
فيه : أبو هريرة : قال النبي - عليه السلام -: ((احتج آدم وموسى قال.
موسى: أنت آدم الذي أخرجت ذريتك من الجنة . قال : أنت موسى
الذي اصطفاك الله برسالته وبكلامه ... )) الحديث .
وفيه : أبو هريرة : قال النبي - عليه السلام -: (( يجمع المؤمنون يوم
القيامة فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا فيريحنا من مكاننا هذا)).
وفيه: أنس ((قال: ليلة أسري بالنبي ◌َلتر من مسجد الكعبة؛ جاءه
ثلاثة نفر قبل [أن] (٢) يوحى إليه وهو نائم في المسجد الحرام فقال أولهم:
(١) النساء : ١٦٤ .
(٢) من ( هـ، ن)).
-٥٠٦ -

[٤/ ق٢٣٩-١]
أيهم هو ؟ فقال أوسطهم : هو خيرهم . فقال آخرهم : خذوا خيرهم ،
فكان تلك الليلة [ فلم ] (١) يرهم حتى أتوه ليلة أخرى فيما يرى قلبه
[وتنام ] (٢) عينه ولا ينام قلبه / وكذلك الأنبياء - عليهم السلام - تنام
أعینهم ولا تنام قلوبهم ، فلم یکلموه [ حتى احتملوه فوضعوه عند بئر
زمزم ] (٣) فتولاه جبريل فشق ما بين نحره إلى لبته حتى فرغ من جوفه
وصدره ، فغسله من ماء زمزم بيده حتى أنقى جوفه ، ثم أتي بطست من
ذهب فيه تور من ذهب محشو حکمة وإيمانًا فحشا به صدره ولغادیده -
يعني عروق حلقه - ثم أطبقه ، ثم عرج به إلى السماء فضرب بابًا من
أبوابها ، فناداه أهل السماء ... )) فذكر حديث المعراج ((فذكر في السماء
الدنيا آدم، وإدريس في الثانية، وهارون في الرابعة ، وآخر في الخامسة لم
أحفظ اسمه ، وإبراهيم في السادسة ، وموسى في السابعة بتفضيل
[كلام] (٤) الله، فقال موسى: رب لم أظن أن ترفع عليّ أحدًا، ثم علا
به فوق ذلك بما لا يعلمه [ إلا ](٥) الله حتى جاء سدرة المنتهى ودنا الجبار
رب العزة فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى . فأوحى الله
-تعالى- إليه خمسين صلاة ، فقال له موسى : راجع ربك . فراجع
[ربه](٦) حتى خفف عنه إلى خمس صلوات ، فقال : ارجع إلى ربك
فقال النبي ژلتر : يا موسى، قد والله استحییت من ربي مما اختلفت إليه ،
قال: فاهبط بسم الله، واستيقظ وهو في المسجد الحرام)).
قال المؤلف : بوب البخاري لحديث أنس في كتاب الأنبياء باب :
(١) في ((الأصل)): لم. والمثبت من (( هـ ، ن)).
(٢) بياض في ((الأصل)). والمثبت من (( هـ، ن)).
(٣) بياض بالأصل. والمثبت من (( هـ، ن)).
(٤) في ((الأصل)): كلامه. والمثبت من (( هـ، ن)).
(٥) من (( هـ ، ن )).
(٦) في ((الأصل)): عنه. والمثبت من (( هـ)).
- ٥٠٧ -

كان النبي وَلّ تنام عينه ولا ينام قلبه. وبوب له في تفسير القرآن باب:
قوله تعالى : ﴿ وما جعلنا الرؤيا التي أريناكَ﴾ (١).
استدل البخاري على إثبات كلام الله ، وإثباته [متكلماً] (٢) بقوله
تعالى: ﴿وكلم الله موسى تكليمًا﴾ (٣) وأجمع أهل السنة على أن الله
كلم موسى بلا واسطة ولا ترجمان ، وأفهمه معاني كلامه ، وأسمعه
إياها ؛ إذ الكلام مما يصح سماعه .
فإن قال قائل من المعتزلة أو غيرهم : فإذا سمع موسى كلام الله بلا
واسطة ولا ترجمان ، فلا يخلو أن يكون من جنس الكلام المسموع
المعهود فيما بيننا أو لا يكون من جنسه ، فإن كان من جنسه فقد وجب
أن يكون محدثًّا ككلام المحدثين ، وإن لم يكن من جنسه فكيف
السبيل إلى إسماعه إياه وفهمه معانيه ؟
فالجواب أنه لو لزم من حيث سمعه منه تعالى وفهم معانيه أن يكون
كسائر كلام المحدثين قياسًا عليه للزم أن يكون بكونه فاعلا وقادرًا
وعالماً وحيًا ومريدًا ، وسائر صفاته من جنس جميع الموصوفين بهذه
الصفات فيما بيننا . فإن قالوا : نعم ، خرجوا من التوحيد ، وإن أبوه
نقضوا دليلهم [واعتمادهم] (٤) على قياس الغائب على حكم الشاهد.
ثم يقال لهم : لو وجب أن يكون كلامه من جنس كلام المخلوقين
من حيث اشترك كلامه تعالى وكلامهم في إدراكهما بالأسماع لوجب
إذا كان الباري - تعالى - موجودًا وشيئًا أن يكون من جنس
الموجودات وسائر الأشياء المشاهدة لنا ، فإن لم يجب هذا لم يجب
(١) الإسراء : ٦٠ .
(٣) النساء : ١٦٤ .
(٢) في ((الأصل)): مكلمًا. والمثبت من (هـ).
(٤) في (( الأصل)): واعتقادهم. والمثبت من ((هـ)).
- ٥٠٨ -

ما عارضوا به ، وقد ثبت أنه تعالى قادر على أن يعلمنا اضطراراً كل
شيء يصح أن يعلمناه استدلالاً ونظرًاً ، وإذا كان ذلك كذلك وجب أن
يكون تعالى [ قادراً] (١) على أن يعلم موسى معاني كلامه الذي لا
يشبه كلام المخلوقين الخارج عن كونه حروفًا منظمة وأصواتًا مقطعة
اضطراراً أو ينصب له دليلا إذا نظر فيه أدّاه إلى العلم بمعاني كلامه ،
فإذا كان قادراً على الوجهين جميعًا زالت شبهة المعتزلة .
قال المهلب : في إفهام الله - تعالى - موسى من كلامه ما لا عهد
له بمثله بتنوير قلبه له وشرحه لقبوله لا يخلو أن يكون ما أفهم الله
سليمان من كلام الطير ومنطقها هو مثل كلام سليمان أو لا يشبه
كلامه، فإن كان يشبه كلام سليمان ومن جنسه فلا وجه لاختصاص
سليمان وداود بتعليمه دون بني جنسه ، ولا معنى لفخره عليه السلام
بالخاصة وامتداحه بقوله : ﴿عُلمنا منطق الطير﴾ (٢) إلى قوله: ﴿إن
هذا لهو الفضل المبين ﴾ أو يكون منطق الطير الذي فهمه سليمان غير
منطق سليمان وآله وبني جنسه ، فقد أفهمه الله ما لم يفهمه غيره من
كلام الهدهد وكلام النملة التي تبسم ضاحكًا من قولها لفهمه عنها ما
لم يفهمه غيره منها .
وإنما ذكر حديث أبي هريرة في حديث الشفاعة مختصرًا لما في
الحديث الطويل من قول إبراهيم (( ولكن ائتوا موسى عبدًاً آتاه الله
التوراة، وكلمه تكليمًا )) وكذلك في حديث أنس في الإسراء (( فوجد
موسى في السماء السابعة بتفضيل كلامه عز وجل)) / وهذا يدل على [٤/ ٢٣٩-ب]
أن الله - تعالى - لم يكلم من الأنبياء غير موسى - عليه السلام -
(١) في ((الأصل)): قادر. والمثبت من ((هـ)).
(٢) النمل : ١٦ .
- ٥٠٩ -

بخلاف ما زعم الأشعريون ، ذكروا عن ابن عباس وابن مسعود أن الله
كلم محمدًا عليه السلام بقوله: ﴿فأوحى إلى عبده ما أوحى﴾ (١)
وأنه رأى ربه - تعالى - ، وقد دفعت هذا عائشة وأعظمت فرية من
افترى فيه على الله - تعالى - .
وأما قول موسى إذ علا جبريل بمحمد : (( يا رب ، لم أظن أنك
ترفع علي [ أحدًا ] (٢). موسى أن الله لم يكلم أحدًا من البشر في
الدنيا غيره ؛ إذ بذلك استحق أن يرفع إلى السماء السابعة، وفهم من :
قوله تعالى : ﴿إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي﴾ (٣) أنه
أراد البشر كلهم .
ولم يعلم - والله أعلم - أن الله - تعالى - فضل محمدًا عليه بما
أعطاه الله من الوسيلة والدعوة المقبولة منه شفاعة لأمته ولسائر الأنبياء
من شدة موقفهم يوم الحشر حين أحجم الأنبياء عن الوسيلة إلى ربهم
لشدة غضبه ، وفضله بالإسعاف (٤) بالمقام المحمود الذي وعده في
كتابه ، فبهذا رفع الله محمدًا على موسى .
وأما قوله: ((فدنا الجبار رب العزة )» فهو دنو محبة ورحمة وفضيلة
لا دنو مسافة ونقلة لاستحالة النقلة والحركة على الباري إذا لا يجوز أن
تحويه الأمكنة .
وقوله : (( حتى كان قاب قوسين أو أدنى ) فهو جبريل الذي تدلی،
فكان من الله أو من أمره على مقدار ذلك . عن الحسن ﴿ فأوحى إلى
عبده ما أوحى ﴾ (١) إلى جبريل ما أوحى ، وكتب القلم وحتى سمع
:
(٢) في (( الأصل )): أحد ، والمثبت من ( هـ ))
(١) النجم : ٠١٠
(٣) الأعراف : ١٤٤ .
(٤) الإسعاف: المساعدة والمواتاة والقرب في حسن مصافاة ومعاونة، انظر ((اللسان))
( مادة : سعف ) .
- ٥١٠ -

محمد صريفه في كتابه، وبلغ جبريل محمدًا، وهو عند سدرة المنتهى،
قيل: إليها منتهى أرواح الشهداء ﴿ما كذب الفؤاد ما رأى﴾(١). قال
ابن عباس: رأى محمد ربه بقلبه. وعن ابن مسعود وعائشة: رأی جبريل.
وهو قول قتادة . وقال الحسن : ما رأى من مقدور الله وملكوته .
وقوله : ﴿أفتمارونه على ما يرى﴾ (٢) هو محمد رأى جبريل -
عليه السلام - في صورته التي خلقه الله عليها له ستمائة جناح رفرفًا
أخضر سد ما بين الخافقين ، ولم يره قط في صورته التي هو عليها إلا
مرتين ، وإنما كان يراه في صورة كان يتشكل عليها من صور الآدميين
وأكثرها صورة دحية الكلبي .
وفي قوله : ﴿أفتمارونه على ما يرى﴾ (٢) دليل على أن العيان أكبر
أسباب العلم فلا يتمارى [ فيه ] (٣) ولذلك قال عليه السلام : ((ليس
الخبر كالمعاينة )) ورأيت لبعض الناس في لقاء النبي - عليه السلام -
للأنبياء في السموات دون عليين ، والأنبياء مقرهم في ساحة الجنة
ورياضها تحت العرش ، ومن دونهم من المقربين هناك فما وجه لقائه
لآدم في السماء الدنيا ، ولإدريس في السماء الثانية ، وهارون في
الرابعة ، وآخر في الخامسة ، وإبراهيم في السادسة ، وموسى في
السابعة ؟ قال : فوجهه أنهم تلقوه عليه السلام كما يتلقى القادم يسابق
الناس إليه على قدر سرورهم بلقائه .
وقد روي عن [ أنس في ] (٤) رتبة لقاء الأنبياء في السموات خلاف
حديث البخاري ، روى ابن وهب ، عن يعقوب بن عبد الرحمن
(١) النجم : ١١ .
(٣) من (( هـ)).
(٢) النجم : ١٢
(٤) في ((الأصل)): يونس عن. والمثبت من (( هـ)).
- ٥١١ -

الزهري ، عن أبيه ، عن عبد الرحمن بن هاشم [ بن ] (١) عتبة بن [
أبي ] (٢) وقاص، عن أنس بن مالك فذكر حديث الإسراء (( فوجد
آدم في السماء الدنيا ، وفي السماء الثانية عيسى ويحيى بن زكريا ابنا
الخالة ، وفي الثالثة يوسف ، وفي السماء الرابعة إدريس ، وفي:
الخامسة هارون ، وفي السادسة موسى ، وفي السابعة إبراهيم)).
وأما قوله : ((فاستيقظ وهو في المسجد الحرام )) فإن أهل العلم
اختلفوا في صفة مسرى النبي ، فقالت طائفة : أسرى الله بجسده
ونفسه ، روي ذلك عن ابن عباس والضحاك وسعيد بن جبير وقتادة ،
وإبراهيم ومسروق ومجاهد وعكرمة .
وقالت طائفة ممن قال : أسري بجسده أنه صلى بالأنبياء ببيت
المقدس ثم عرج به إلى السماء فأوحى الله إليه ، وفرض عليه الصلاة،
ثم رجع إلى المسجد الحرام من ليلته فصلى به صلاة الصبح ، روى
ذلك الطبري في حديث الإسراء عن أنس : ذكر من حديث أبي سعيد
الخدري أنه صلى عليه السلام في بيت المقدس ، ولم يذكر أنه صلى
خلفه أحد ، وقالت طائفة : أسري برسول الله بجسمه ونفسه غير أنه
لم يدخل بيت المقدس ، ولم يصل فيه ، ولم ينزل عن البراق حتى
رجع إلى مكة. روي ذلك عن حذيفة قال في قوله تعالى: ﴿سبحان
الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى﴾(٣) قال:
لم يصل فيه النبي - عليه السلام - ، ولو صلى فيه لكتب عليكم
الصلاة فيه كما كتب عليكم الصلاة عند الكعبة .
وقال آخرون : أسري بروحه / ولم يسر بجسده ، روي ذلك عن
عائشة ومعاوية بن [ أبي سفيان والحسن البصري ، وذكر ابن فورك عن
[٤/ ق ٠ ٢٤ - ١]
(١) في ((الأصل)): عن.
(٢) من (( هـ )). (٣) الإسراء : ١ م
- ٥١٢ -

الحسن قال: ] (١) عرج بروح النبي - عليه السلام - وجسده في
الأرض ، وهو اختيار محمد بن إسحاق صاحب السير .
ومن حجة أهل المقالة الأولى ما روي عن ابن عباس في قوله
تعالى: ﴿وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس﴾ (٢) قال: هي
رؤيا عين أريها رسول الله وَلليه ليلة أسري به إلى بيت المقدس،
وليست رؤيا منام ، رواه ابن عيينة ، عن عمرو ، عن عكرمة ، عن
ابن عباس قالوا : ولو أسري بروحه دون جسده ، وكان الإسراء في
المنام لما أنكرت قريش ذلك من قوله عليه السلام ؛ لأنهم كانوا لا
ينكرون الرؤيا ؟ ولا ينكرون أحدًا يرى في المنام ما على مسيرة سنة ،
فكيف ما هو على مسيرة شهر أو أقل .
ومن حجة الذين قالوا : أسري بروحه دون جسده قول أنس في
حديث الإسراء ، قال حين أسري به : (( جاءه ثلاثة نفر وهو نائم في
المسجد الحرام ... )) وذكر الحديث إلى قوله: (( حتى أتوه ليلة أخرى
[ فيما ](٣) يرى قلبه وتنام عينه ولا ينام قلبه ، وكذلك الأنبياء عليهم
السلام تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم )) فذكر النوم في أول الحديث ،
وقال في آخره : (( فاستيقظ وهو في المسجد الحرام)) وهذا بين لا
إشكال فيه ، وإلى هذا ذهب البخاري ، ولذلك ترجم له في كتاب
الأنبياء وتفسير القرآن ما ذكرته في صدر هذا الباب .
قال ابن إسحاق : وأخبرني بعض آل أبي بكر الصديق أن عائشة
كانت تقول (٤): [ ما فقد جسد رسول الله وَ ل ولكن أسري بروحه.
قال ابن إسحاق : وحدثني يعقوب بن عيينة بن المغيرة أن معاوية بن
أبي سفيان كان إذا سئل عن مسرى رسول الله وَس 8* قال: كانت رؤيا
(١) بياض بالأصل.
(٢) الإسراء : ٦ .
(٣) في ((الأصل)): مما. والمثبت من (( هـ)).
(٤) من هنا سقط بالأصل وسينبه على آخره، والمثبت من ((هـ)).
- ٥١٣ -

من الله صادقة . قال ابن إسحاق : فلم ينكر ذلك من قولهما لقول
الحسن البصري : إن هذه الآية نزلت في ذلك يعني : قول الله - عز
وجل - : ﴿وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس﴾ (١) ولقول
الله - عز وجل - عن إبراهيم - عليه السلام - إذ قال لابنه : ﴿ يا
بني إني أرى في المنام أني أذبحك ﴾ (٢) ثم مضى على ذلك فعرف أن
الوحي من الله - عز وجل - يأتي الأنبياء أيقاظًا ونيامًا.
قال ابن إسحاق: وكان رسول الله وَ له يقول: ((تنام عيني، وقلبي
يقظان)) فالله أعلم أي ذلك كان قد جاءه ، وعاين فيه ما عاين من أمر
الله -تعالى- على أي حاليه كان نائمًا أو يقظان كل ذلك حق وصدق.
وذكر ابن فورك في مشكل القرآن قال: كان النبي وَ لاو ليلة الإسراء
في بيت أم هانئ بنت أبي طالب ، فالله أعلم .
واحتج أهل هذه المقالة فقالوا : ما اعتل به من قال : إن الإسراء لو
كان في المنام لما أنكرته قريش ؛ لأنهم كانوا لا ينكرون الرؤيا فلا حجة
فيه ؛ لأن قريشًا كانت تكذب العيان ، وترد شهادة الله التي هي أكبر
شهادة عليهم بذلك ؛ إذ قال عنهم حين انشق القمر: ﴿وإن يروا آية
يعرضوا ويقولوا سحر مستمر ﴾ (٣) فأخبر عنهم أنهم يكذبون ما يرون
عيانا ، وكذلك قال عنهم : ﴿ولو فتحنا عليهم بابًا من السماء فظلوا
فيه يعرجون لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون ﴾ (٤)
وقال تعالى عنهم أنهم قالوا : ﴿ لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من
الأرض ینوعًا ﴾ إلى ﴿ أو ترقى في السماء ﴾ (٥) ثم قالوا بعدما تمنوه:
﴿ ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابًا﴾ (٦) وقال تعالى:
(وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها ﴾ إلى قوله:
۔۔
(١) الإسراء : ٦٠ .
(٤) الحجر : ١٥ .
:
(٣) القمر : ٢ .
(٢) الصافات : ١٠٢ .
(٥) الإسراء : ٩٠ - ٩٣ . (٦) الإسراء : ٩٣ .
- ٥١٤ -

﴿وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون﴾(١) الآية . فأخبر تعالى أنه
يكيد عقولهم وأبصارهم حتى ينكروا العيان القاطع للارتياب .
ومثله قوله تعالى : ﴿ ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى
وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله﴾ (٢) وإنما
كان إنكار قريش لقوله: (( أسري بي الليلة إلى بيت المقدس )» حرصًا
منهم على التشنيع عليه ، وإثارة اسم الكذب عليه عند العامة
المستهواة](٣) بمثل هذا التشنيع فلم يسألوه في اليقظة كان ذلك الإسراء
أو في النوم وأقبلوا على التقريع له ، وتعظيم قوله ، وهذا غير معدوم
من تشنيعهم ، ألا ترى تكذيبهم قبل وقعة بدر لرؤيا عاتكة بنت عبد
المطلب - عمة رسول الله و 19 - إذ قالت: رأيت كأن صخرة
[وقعت](٤) من أبي قبيص فانفلقت فما تركت دارًا بمكة إلا دخلت فيها
منها فلقة . فلما رأوا قبح تأويلها عليهم قالوا : يا بني عبد المطلب، ما
أهل بيت في العرب أكذب منكم ، أما كفاكم أن تدعوا النبوة في
رجالكم حتى جعلتم منكم نبية : فشنعوا رؤياها ، وأخبروا عنها
[بالنفي](٥) طمعًا في إثارة العامة عليهم ، فكذلك كان قولهم في
مسراه عليه السلام .
وفسر في الحديث اللغاديد : عروق الحلق . وأهل اللغة يقولون :
اللغاديد هي كالزوائد من لحم يكون في باطن الأذنين من داخل ،
[واحدها لغدود] (٦) وبعض العرب تسميها: [ الألغاد ] (٧) ،
واحدها : لغد . ذكره ثابت في خلق الإنسان.
(١) الأنعام : ١٠٩ .
(٣) إلى هنا ينتهي السقط .
(٢) الأنعام : ١١١ .
(٤) في (( هـ)): انحدرت. (٥) غير واضحة في ((الأصل)). والمثبت من ((هـ).
(٦) في ((الأصل)): واحدتها لغدودة. والمثبت من ((هـ)).
(٧) في ((الأصل)): الأغداد. والمثبت من ( هـ).
- ٥١٥ -

باب : كلام الله تعالى عز وجل مع أهل الجنة
فيه: أبو سعيد قال النبي - عليه السلام -: ((إن الله يقول لأهل الجنة :
يا أهل الجنة ، فيقولون : لبيك ربنا وسعديك ، والخير في يديك .
فيقول: هل رضيتم ؟ فيقولون : وما لنا لا نرضى يا رب وقد أعطيتنا ما
لم تعط أحداً من خلقك ؟ فيقول : ألا أعطيكم أفضل من ذلك .
فيقولون : يا رب ، وأي شيء أفضل من ذلك ؟! فيقول: أحل عليكم
رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً » .
وفيه : أبو هريرة : أن النبي - عليه السلام - كان يومًا يحدث - وعنده
رجل من أهل البادية - أن رجلا من أهل الجنة استأذن ربه في الزرع فقال
له : أولست فيما شئت ؟ فقال له : بلى ، ولكني أحب أن أزرع . فأسرع
وبذر، فتبادر الطرف نباته، واستواؤه واستحصاده وتكويره أمثال الجبال،
فيقول الله : دونك يا ابن آدم، فإنك لا يشبعك شيء .. )) الحديث .
قال المهلب : قد تقدم إثبات كلام الله مع الأنبياء ومع الملائكة ،
وفي هذا الباب إثبات كلامه مع أهل الجنة بقوله عليه السلام: ((إن
الله يقول لأهل الجنة : يا أهل الجنة ، فيقولون : لبيك ربنا وسعديك»
فإن قال قائل من القدرية : إن في هذا الحديث ما يدل على وهنه
وسقوطه ، وهو قوله : أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده
أبدًا)) لأن فيه ما يوهم أن له أن يسخط على من صار في الجنة ، وقد
نطق القرآن بخلاف ذلك قال تعالى : ﴿فمن زحزح عن النار وأدخل
الجنة فقد فاز ﴾ (١)، وقال: ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم
[٤/ ق: ٢٤-ب] أولئك لهم الأمن وهم مهتدون﴾ (٢) / [ وأنهم خالدون في الجنة أبداً
(١) آل عمران: ١٨٥.
(٢) الأنعام : ٨٢.
- ٥١٦ -

فكيف يحل ] (١) عليهم رضوانه ، وقد أوجبه لأهل الجنة بقوله : ٠
﴿خالدين فيها أبداً رضي الله عنهم ورضوا عنه﴾ (٢) . فيقال له : ما
ثبت أن الله تفضل بخلق العباد ، وأخرجهم من العدم إلى الوجود ،
وأنعم عليهم بخلق الحياة وإدامة الصحة والالتذاذ بنعمه ، وكان له
تعالى ألا يخرجهم ويبقيهم على العدم ، ثم لما خلقهم كان له ألا
يخلقهم أحياءً ملتذين، وألا يديم لهم الصحة .
فكان تعالى في مجازاة المحسنين وإنجاز ما وعدهم من إحسانه
متفضلا عليهم ، ولم يجب تعالى عليه لأحد شيء يلزمه ، إذ ليس
فوقه تعالى من شرع له شرعًا ، ولا ألزمه حكمًا ، وللمتفضل أن
يتفضل وألا يتفضل ، كما له أن يتعبد عباده بلا جزاء ولا شكور ،
تسخيرًا كسائر المخلوقات ، وله أن يجازي مدة بمدة ، ومدة العمل في
الدنيا متناهية فيقطع ما تفضل به من المجازاة على ما تفضل به عليهم
من العمل والمعونة .
وعلموا أن آدم عليه السلام كلف في الجنة [ اجتناب ] (٣) أكل
الشجرة ، فجاز عليه التكليف والمعصية ، لم يأمنوا ما لله - تعالى -
في خلقه مثل ذلك من ابتداء التكليف وجواز المعصية ، فزاد الله
سرورهم بأن أمنهم ما كان له أن يفعله فيهم ، ورفعه عنهم بالرضوان
عليهم وإسقاط التكليف لهم [وعصمهم ] (٤) من جواز المعصية
عليهم، فلو عبد الله العبد ألف سنة بعد تقدم أمره إليه بذلك لما وجب
له عليه جزاء على عبادة .
وكيف يجب له ثواب [ وأقل ] (٣) نعمة من نعمه تستغرق جميع
أعماله التي تقرب بها إليه، فحلول رضوانه عليهم أنعم لنفوسهم من
(١) بياض بالأصل. والمثبت من (( هـ)).
(٢) المائدة : ١١٩ . وغيرها .
(٣) من ( هـ)).
(٤) في ((الأصل)): وعنهم. والمثبت من (( هـ )).
- ٥١٧ -

كل ما خولهم في جناته تعالى ، فسقط اعتراضهم ، وصح معنى
الحديث .
وأدخل حديث [ الزارع ] (١) في الجنة لتكلم الله له .
وقوله: (( دونك يا ابن آدم، فإنه لا يشبعك شيء )) فإن ظن من
لم ( ينعم ) (٢) النظر أن قوله: لا يشبعك شيء. معارض لقوله :
﴿إن لك ألا تجوع فيها﴾ (٣) فليس كما ظن؛ لأن نفي الشبع لا يوجب
الجوع ؛ لأن بينهما واسطة الكفاية والشبع بعده ، وأكل أهل الجنة لا
عن جوع أصلاً لنفي الله - تعالى - الجوع عنهم، واختلف في الشبع
فيها ، والصواب : ألا شبع ؛ لأنه لو كان فيها لمنع طول الأكل المستلذ
منها مدة الشبع ، وإنما أراد بقوله عليه السلام: (( لا يشبعك شيء))
ذم ترك القناعة بما كان فيه ، وطلب الزيادة عليه ، أي لا تشبع عينك
ولا نفسك بشيء ، والله الموفق .
باب : ذكر الله تعالى بالأمر وذكر [ العباد بالدعاء ] (٤) والتضرع
والرسالة والإبلاغ لقوله : ﴿فاذكروني أذكر كم﴾ (٥) ﴿ واتل
عليهم نبأ نوح ﴾ الآية إلى قوله : ﴿وأمرت أن أكون من
المسلمين ﴾ (٦) غمة : هم وضيق
قال مجاهد : ثم اقضوا إلىّ: ما في أنفسكم ، يقال افرق : اقض.
وقال مجاهد : ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره ﴾ (٧) إنسان
(١) في ((الأصل)): الزراع. والمثبت من ((هـ)).
(٢) في (( هـ)): يمعن. وهما بمعنى. (٣) طه : ١١٨.
(٤) فى ((الأصل)): العبادة الدعاء. والمثبت من ((هـ، ن)). (٥) البقرة: ١٥٢.
(٧) التوبة : ٦.
(٦) يونس : ٧١ - ٧٢
- ٥١٨ -

[ يأتيه ](١) فيسمع ما يقول وما أنزل عليه ، فهو آمن حتى يسمع كلام
الله ﴿ ثم أبلغه مأمنه﴾ (٢) حتى يبلغ مأمنه من [ حيث ] (١) جاء النبأ
العظيم ، القرآن صوابًا حقًّا في الدنيا وعمل به .
معنى قوله باب ذكر الله بالأمر : أي ذكر الله لعباده يكون مع أمره
لهم بعبادته ، والتزام طاعته ، ويكون مع رحمته لهم ، وإنعامه عليهم
إذا أطاعوه ، وبعذابه إذا عصوه .
قال ابن عباس في قوله : ﴿فاذكروني أذكركم﴾ (٣): إذا ذكر الله
العبد وهو على طاعته ؛ ذكره برحمته ، وإذا ذكره وهو على معصيته ؛
ذكره بلعنته .
وقال سعيد بن جبير : اذكروني بالطاعة أذكركم بالمغفرة .
قال المهلب : قوله: ذكر العباد بالدعاء والتضرع في الغفران ،
والتفضل عليهم بالرزق والهداية ، وقوله: والرسالة والإبلاغ معناه :
وذكر الله الأنبياء بالرسالة والإبلاغ بما أرسلهم به إلى عباده بما يأمرهم
به من عبادته وينهاهم ، وقوله: ﴿واتل عليهم نبأ نوح﴾ (٤)، فهذا
ذكر الله لرسوله نوح بما بلغ من أمره ، وتذكيره قومه بآيات الله ،
وكذلك فرض على كل نبي تبليغ كتابه وشريعته، ولذلك ذكر قوله
تعالى: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام
الله﴾(٢) الذي أمر بتلاوته عليهم، وإنبائهم به.
وقال مجاهد : النبأ العظيم : القرآن ، سمي نبأ لأنه [ منبأ ] (٥)
به، وهو متلو للنبي - عليه السلام - ولهذا ذكر في الباب هذه / الآية
من أجل أمر الله - تعالى - محمدًا - عليه السلام - إجارة [ المشرك
[٤ / ق٢٤١ -٢]
(١) من ((هـ، ن)).
(٤) يونس : ٧١ .
(٣) البقرة : ١٥٢.
(٢) التوبة : ٦ .
(٥) في ((الأصل)): ينبأ. والمثبت من (( هـ).
- ٥١٩ -

حتى يسمع الذكر، وقوله صوابًا حقًا ، يريد قوله عز وجل : ] (١)
﴿لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابًا﴾ (٢) يريد وقال حقًا.
في الدنيا ، وعمل به [ فذلك الذي يؤذن له في الكلام بين يدي ] (١).
الله - تعالى - بالشفاعة لمن أذن له ، وكان يصلح أن يذكر في هذا
الباب قوله عليه السلام عن ربه - تعالى - : (( من ذكرني في نفسه
ذكرته في نفسي ، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم » أي
من ذكرني في نفسه ( متضرعًا ] (٣) داعيًا ؛ ذكرته في نفسي مجيبًا
مشفقًا ، فإن ذكرني في ملأ من الناس بالدعاء والتضرع ذكرته في ملأ
من الملائكة - الذين هم أفضل من ملأ الناس - بالمغفرة والرحمة
والهداية ، يفسره قوله عليه السلام في حديث التنزل : (( هل من سائل.
فأعطيه، هل من مستغفر فأغفر له ، هل من تائب فأتوب عليه ) هذا
ذكر الله للعباد بالنعم والإجابة لدعائهم .
باب : قول الله تعالى: ﴿ فلا تجعلوا لله أنداداً ﴾ (٤)، وقوله تعالى:
[ وتجعلون له ] (٥) أندادًا ذلك رب العالمين ﴾ (٦) ، وقوله
تعالى : ﴿ والذين لا يدعون مع الله إلهًا آخر﴾ (٧)
وقوله : ﴿ ولقد أوحي إليك وإلى الذين من
قبلك لئن أشركت ... ﴾ (٨) الآية
وقال عكرمة: ﴿وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون﴾ (٩) قال:
(١) بياض بالأصل. والمثبت من ((هـ)).
(٢) النبأ : ٣٨.
(٣) في ((الأصل)): تضرعًا. والمثبت من (( هـ)).
(٤) البقرة : ٢٢.
(٦) فصلت : ٩
(٥) في ((الأصل)): ولا تجعلوا لله. والمثبت من ((هـ).
(٨) الزمر : ٦٥.
(٧) الفرقان : ٦٨.
(٩) يوسف : ١٫٠٦
- ٥٢٠ -