Indexed OCR Text
Pages 321-340
الشرائع على أن الله قدسها ، وقد شاهدوا فيها المعاصي ، والكفر ، والكذب ، ولم يكن تقديسها مما يمنع فيها المعاصي فكذلك دار الخلد، وأهل السنة مجمعون على أن جنة الخلد [ هي التي ] (١) أهبط منها آدم، فلا معنى لقول من خالفهم، قاله بعض شيوخنا . باب : لا مانع لما أعطى الله فيه : المغيرة: (( كان النبي - عليه السلام - يقول خلف الصلاة : لا إله إلا الله وحده لا شريك له، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ، ولا ينفع ذا الجد منك الجد )». [ قال المؤلف ] (٢): المراد بهذا الحديث إثبات خلق الله تعالى جميع أعمال العباد ؛ لأن قوله : (( لا مانع لما أعطيت )» يقتضي نفي جميع المانعين سواه ، وكذلك قوله : (( ولا معطي لما منعت )) يقتضي نفي جميع المعطين سواه ، وأنه لا معطي ولا مانع على الحقيقة بفعل المنع والعطاء سواه ، وإذا كان ذلك كذلك ثبت أن من أعطى أو منع من المخلوقين فإعطاؤه ومنعه خلق الله وكسب للعبد ، والله - تعالى - هو المعطي وهو المانع لذلك ، حقيقة من حيث كان مخترعًا خالقًا للإعطاء والمنع ، والعبد مكتسب لهما بقدرة محدثة ، فبان أنه إنما نفى مانعًا ومعطيًا [ مخترعًا] (٣) للمنع والإعطاء / ويخلقهما. قال الطبري: وقوله: ((لا ينفع ذا الجد منك الجد)) - بفتح الجيم في الحرفين جميعًا يقول : لا ينفع ذا الحظ في الدنيا من المال والولد منك حظه في الآخرة ؛ لأنه إنما ينفع في الآخرة عند الله العمل [٤/ ق٦ ٢٠ -ب] (١) في ((الأصل)): التي هي. والمثبت من (( هـ)). (٢) من (( هـ )). (٣) في ((الأصل)): مخترع. والمثبت من (( هـ). - ٣٢١ - الصالح لا المال والبنون ، كما قال تعالى : ﴿المال والبنون زينة الحياة الدنيا ﴾ (١) الآية . وحكي عن أبي عمرو الشيباني أنه كان يقول: إنما هو الجد -بكسر الجيم في الحرفين جميعًا - بمعنى : ولا ينفع ذا الاجتهاد في العمل منك اجتهاده . قال الطبري : وهذا خلاف ما يعرفه أهل النقل والرواة لهذا الحديث، ولا نعلم أحدًا قال ذلك [ غيره مع ] (٢) بُعد تأويله من الصحة . باب : نعوذ بالله من درك الشقاء وسوء القضاء وقال تعالى : ﴿ قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق﴾ (٣) فيه : أبو هريرة: قال النبي - عليه السلام -: (( [ تعوذوا] (٤) بالله من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء)). [ قال المؤلف : ] (٥) المستفاد من قوله تعالى : ﴿قل أعوذ برب الفلق﴾ (٣) إلى آخر السورة ، خلق الله - تعالى - لشر ما خلق ، ولشر غاسق ، ولشر النفاثات ، ولشر حاسد ؛ لأنه لو كان هذا الشر كله خلقًا لمن أضافه إليه من الغاسق والنفاثات والحاسد ، مخترعًا لا كسبًا ؛ لم يكن لأمر الله تعالى لنبيه ولعباده بالتعوذ به من شر ذلك كله معنى، وإنما يضح التعوذ به [ عز وجل ] (٥) مما هو قادر عليه دون من أضافه (١) الكهف : ٤٦ . (٣) الفلق: ١، ٢ . (٢) في (( الأصل)): غير من. والمثبت من ((هـ)). (٤) في (( الأصل)): نعوذ. والمثبت من (( هـ، ن) (٥) من ( هـ)). - ٣٢٢ - إليه، [ فتعبدنا ] (١) تعالى بسؤاله دفع شر خلقه عنا ؛ لأنه إذا كان قادرًا على فعل ما أضافه إلى من ذكر في السورة كان قادرًا على فعل ضده وتعبدنا بسؤاله تعالى فعل ضد ما أمرنا بالاستعاذة منه ، فبان أن الخير والشر بهذا النص خلق الله تعالى . وأما قوله عليه السلام: (( تعوذوا بالله من جهد البلاء ، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء)) ، فإنما أمرنا بالتعوذ به تعالى من أن ينزل بنا فعلاً من أفعاله ( سبق ) (٢) علينا نزوله بنا لما يقتضيه من الشدة والمشقة، وذلك بلاء وشقاء وسوء قضاء وشماتة أعداء ، فالشقاء يكون في دين ودنيا ، وإذا كان في الدنيا كان تضييقًا في العيش ، وتقتيرًا في الرزق ، وذلك فعل الله وإن كان في الدين فذلك كفر أو معاصٍ ، وذلك فعل الله أيضًا ، وكذلك سوء القضاء عام في جميع ما قضاه تعالى من أمر الدين والدنيا ، وشماتة الأعداء، وإن كانت مضافة إليهم إضافة الفعل إلى فاعله في الظاهر ، فإنما ذلك على سبيل إضافة الكسب إلى مكتسبه ، لا على سبيل الاختراع ، إذ لا يصح في المخلوق اختراع عين، فبان أن جميع ما أمرنا بالتعوذ منه به خلق الله بدليل قوله : ﴿ خالق كل شيء﴾ (٣). * باب : يحول بين المرء وقلبه فيه : ابن عمر: (( [ كثيرًا ] (٤) ما كان النبي - عليه السلام - يحلف : لا ومقلب القلوب ». وفيه: ابن عمر: قال النبي ول# لابن صياد: (( اخسأ، فلن تعدو قدرك. قال عمر : ائذن لي فأضرب عنقه . قال : دعه ، إن يكن هو فلا تطيقه ، وإن لم يكن هو فلا خير لك في قتله » . (١) في ((الأصل)): فتعوذنا. والمثبت من ((هـ ). (٣) الزمر : ٦٢ . (٢) في ((هـ)): يشق. (٤) في ((الأصل)): كثير. والمثبت من ((هـ، ن)). - ٣٢٣ - وقوله تعالى : ﴿يحول بين المرء وقلبه﴾ (١) يقتضي النص منه تعالى على خلقه الكفر والإيمان بأن يحول بين قلب الكافر والإيمان الذي أمره به ، فلا يكتسبه إذ لم يقدره عليه ؛ بل أقدره على ضده وهو الكفر ، ويحول بين المؤمن وبين الكفر الذي نهاه عنه بأن لم يقدره عليه ؛ بل أقدره على الإيمان الذي هو به [ متلبس ] (٢) وإذا خلق تعالى لهما القدرة على ما هما مكتسبان له مختاران لاكتسابه ، فلا شك أنه خالق لكفرهما وإيمانهما ؛ لأن خلقه لكفر أحدهما ، وإيمان الآخر من جنس خلق قدرتيهما عليهما ، ومحال كونه قادرًا على شيء غير قادر على خلافه أو ضده أو مثله ، فبان أنه خالق بهذا النص لجميع كسب العباد، خيرها وشرها ، وهذا معنى قوله عليه السلام : («لا ومقلب القلوب» لأن معنى ذلك تقليبه قلب عبده عن إيثار الإيمان إلى إيثار الكفر ، وعن إيثار الكفر إلى إيثار الإيمان ، وكان فعل الله ذلك عدلاً فيمن أضله وخذله ؛ لأنه لم يمنعهم حقًا وجب عليه فتزول صفة العدل ، وإنما منعهم ما كان له أن [٥/٤ ٢٠٧-١) يتفضل به عليهم لا ما وجب لهم وأضلهم ؛ لأنهم ملك من ملكه / خلقهم على إرادته ، لا على إرادتهم ، فكان ما خلق فيهم من قوة الهداية والتوفيق على وجه (الفضل ) (٣)، وقد بين هذا المعنى إياس بن معاوية ؛ ذكر الآجري بإسناده عن حبيب بن الشهيد قال: (( جاءوا برجل يتكلم في القدر إلى إياس بن معاوية فقال له إياس : ما تقول ؟ قال : أقول إن الله أمر العباد ونهاهم [ فإن ] (٤) الله لا يظلمهم شيئًا فقال له إياس : أخبرني عن الظلم ، تعرفه أو لا تعرفه. قال: [بل](٥). (١) الأنفال: ٢٤. (٢) في ((الأصل)): ملتبس. والمثبت من ( هـ )). (٣) في (( هـ)): التفضل. (٤) في ((الأصل)): إن. والمثبت من (( هـ)). (٥) في ((الأصل)): أنا. والمثبت من ((هـ)). - ٣٢٤ - أعرفه . قال: ما الظلم ؟ قال : أن يأخذ الرجل ما ليس له . قال : .. فمن أخذ ما له ظلم ؟! قال : لا . قال إياس : فإن الله تعالى كل شيء . وقال عمران بن حصين لأبي الأسود الدؤلي : لو عذب الله أهل السموات والأرض لعذبهم وهو غير ظالم لهم ، ولو رحمهم لكانت رحمته أوسع لهم ، ولو أنفقت مثل أُحد ذهبًا ما تقبل منك حتى تؤمن بالقدر خيره وشره . وروي مثل ذلك عن ابن مسعود ، وأبي بن كعب ، وسعد بن أبي وقاص ، وزيد بن ثابت ، وقال زيد : سمعته من رسول الله إلا أنه قال: ((ولو رحمهم كانت رحمته لهم [ خيراً](١) من أعمالهم)). وموافقة الحديث للترجمة قول النبي وَفل لعمر: ((إن يكن هو فلا تطيقه ، وإن لم يكن هو فلا خير لك في قتله )) يعني إنه إن كان الدجال قد سبق في علم الله خروجه وإضلاله للناس ، فلن يقدرك خالقك على قتل من سبق في علمه أنه يخرج ويضل الناس ؛ إذ لو أقدرك على ذلك لكان فيه انقلاب علمه ، والله تعالى عن ذلك . # باب : قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا قال مجاهد : بفاتنين : بمضلين إلا من كتب الله أنه يصلى الجحيم قدر فهدى ، قدر الشقاء والسعادة وهدى الأنعام لمراتعها . فيه: عائشة: ((أنها سألت النبي ◌َلّ عن الطاعون ، قال : كان عذابًا يبعثه الله على من يشاء فجعله الله رحمة للمؤمنين ، ما من عبد يكون في بلدة - (١) في ((الأصل)): خير. والمثبت من ((هـ)). - ٣٢٥ - یکون فيه ویمکث فيه لا يخرج من البلدة صابرًا محتسبًا ، يعلم أنه لن یصیبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر شهید )) . معنى هذا الباب: أن الله أعلم عباده أن ما يصيبهم في الدنيا من الشدائد والمحن والضيق والخصب والجدب ، أن ذلك كله فعل الله يفعل من ذلك ما يشاء بعباده ويبتليهم بالخير والشر ، وذلك كله مكتوب في اللوح المحفوظ ، ولا خلاف في هذا بين جماعة الأمة من قدري وسني ، وإنما اختلفوا في أفعال العباد الواقعة منهم على ما تقدم وهذه الآية إنما جاءت فيما أصاب العباد من أفعال الله التي اختص باختراعها دون خلقه ، ولم يقدرهم على كسبها دون ما أصابوه مکتسبین له مختارين . باب: ﴿ وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ﴾ (١) و﴿ لو أن الله هداني لكنت من المتقين ﴾ (٢) فيه : البراء : رأيت النبي # ينقل التراب يوم الخندق وهو يقول : ((والله لولا الله ما اهتدينا ولا صمنا ولا صلينا)). في هاتين الآيتين وفي الحديث نص أن الله - تعالى - انفرد بخلق الهدى والضلال ، وإنما قدر العباد على اكتساب ما أراد منهم اكتسابهم له من إيمان أو كفر ، وأن ذلك ليس بخلق للعباد كما زعمت القدرية. وروي أن علي بن أبي طالب لقي رجلاً من القدرية فقال له : خالفتم الله وخالفتم الملائكة ، وخالفتم أهل الجنة وخالفتم أهل النار ، وخالفتم الأنبياء وخالفتم الشيطان ، فأما خلافكم الله فقوله: ﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء﴾ (٣) . وأما خلافكم (١) الأعراف : ٤٣ . (٣) القصص : ٥٦. (٢) الزمر : ٥٧ . - ٣٢٦ - الملائكة فقولهم: ﴿ لا علم لنا إلا ما علمتنا﴾ (١) . وأما خلافكم الأنبياء ، فقول نوح : ﴿ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم﴾(٢). وأما خلافكم أهل الجنة ، فقولهم: ﴿ الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله﴾ (٣). وأما خلافكم لأهل النار ، فقولهم : ﴿ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قومًا ضالين﴾ (٤). وأما خلافكم الشيطان، فقول إبليس: ﴿رب بما أغويتني﴾(٥). وذكر الآجري بإسناده عن علي بن أبي طالب / أن رجلاً أتاه فقال: [٤/ ٢٠٧-ب] أخبرني عن القدر ، فقال : طريق مظلم فلا تسلكه . قال : أخبرني عن القدر . قال : بحر عميق فلا تلجه ، قال : أخبرني عن القدر ، قال : سر الله فلا تكلفه ، ثم ولى الرجل غير بعيد ، ثم رجع فقال لعلي : في المشيئة الأولى أقوم وأقعد ، وأقبض وأبسط ، فقال له علي: إني سائلك عن ثلاث خصال ولن يجعل الله لك مخرجًا ، قال: أخبرني أخلقك الله لما [ شاء ] (٦) أم لما شئت ؟ قال : بل لما شاء ، قال : أخبرني أتجيء يوم القيامة كما يشاء أو كما شئت ؟ قال: بل كما يشاء . قال : أخبرني أجعلك الله كما شاء أو كما شئت ؟ قال: بل كما شاء . قال : فليس لك من المشيئة شيء . وقال محمد بن كعب القرظي : لقد سمى الله المكذبين بالقدر باسم نسبهم إليه في القرآن فقال : ﴿إن المجرمين في ضلال وسعر يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر ﴾ (٧) فهم المجرمون . (١) البقرة : ٣٢ . (٢) هود : ٣٤ . (٣) الأعراف : ٤٣ . (٤) المؤمنون : ١٠٦ . (٥) الأعراف : ١٦ . (٦) في ((الأصل)): يشاء. والمثبت من ( هـ). (٧) القمر : ٤٧ - ٤٩ . - ٣٢٧ - كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة فيه : طارق بن شهاب : قال رجل من اليهود لعمر : يا أمير المؤمنين ، لو أن علينا نزلت هذه الآية ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ﴾ (١) لاتخذنا ذلك اليوم عيداً. فقال عمر : إني لأعلم أي يوم نزلت هذه الآية نزلت يوم عرفة في يوم جمعة)). وفیه أنس : ( سمع عمر الغد حین بايع المسلمون أبا بكر ، واستوى على منبر رسول الله قد تشهد قبل أبي بكر فقال : (( أما بعد ، فاختار الله لرسوله الذي عنده على الذي عندكم ، وهذا الكتاب الذي هدى الله به رسولکم ، فخذوا به تهتدوا لما هدی الله به رسوله )» . وفيه : ابن عباس: ضمني النبي - عليه السلام - إليه وقال: «اللهم علمه الكتاب )) . وفيه : أبو برزة: قال إن الله يغنيكم بالإسلام ومحمد ◌َلير)). وفيه : ابن عمر : [ أنه ] (٢) كتب إلى عبد الملك بن مروان يبايعه، وأقر لك بالسمع والطاعة على سنة الله وسنة رسوله فیما استطعت )) . لا عصمة لأحد إلا في كتاب الله وسنة رسوله وَلا أو في إجماع العلماء على معنى في أحدهما . والسنة تنقسم قسمين : منها واجبة ، ومنها غير واجبة ، فأما. الواجبة فما كان تفسيرًا من النبي - عليه السلام - لفرض الله ، وكل ما أمر به النبي أو نهى عنه أو فعله فهو سنة ، ما (١) المائدة : ٣ (٢) من ((هـ). - ٣٢٨ - لم يكن خاصًا له ، وأما غير الواجب من سنته عليه السلام فما كان من فعله تطوعًا ولا يحرج أحد في تركه كقوله عليه السلام: ((إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول)). وكقوله: (( لا تتخذوا الضيعة [فترغبوا ] (١) في الدنيا)). وأكثر أصحابه كان لهم ضياع ، فدل أنه أدب منه نستعين به على دفع الرغبة في الدنيا ، ومثل ذلك مما أمر به تأديبًا لأمته بأكرم الأخلاق من غير أن يوجب ذلك عليهم ، ومثل ذلك ما فعله في خاصة نفسه من أمر الدنيا كاتخاذه لنعله قبالين ، ولبسه النعال السبتية ، وصبغه إزاره بالورس ، وحبه القرع، وإعجابه بالطيب، وحبه من الشاة الذراع ، ونومه على الشق الأيمن ، وسرعته في المشي، وخروجه في السفر يوم الخميس ، وقدومه منه في الضحى وشبه ذلك ، فلم يسنه لأمته ، ولا دعاهم إليه ومن تشبه به عليه السلام حبًا له كان أقرب إلى ربه كفعل ابن عمر في ذلك . * باب : قول النبي عليه السلام : بعثت بجوامع الكلم فيه : أبو هريرة: قال النبي - عليه السلام -: (( بعثت بجوامع الكلم ، ونصرت بالرعب وبينا أنا نائم [ رأيتني ] (٢) أتيت بمفاتيح خزائن الأرض ، فوضعت في يدي . قال أبو هريرة : فقد ذهب رسول الله وأنتم تلغثونها أو ترغثونها أو كلمة تشبهها )) . وفيه : أبو هريرة : قال النبي - عليه السلام -: (( ما من الأنبياء نبي إلا قد أعطي من الآيات ما مثله أومن - أو آمن عليه البشر - [ و](٢) إنما كان الذي أوتيت وحيًا أوحاه الله إليّ فأرجو أني أكثرهم تابعًا يوم (١) في ((الأصل)): لترغبوا. والمثبت من ((هـ)). (٢) من (( هـ، ن)). - ٣٢٩ - ۔۔ القيامة)) أي : صدق بتلك الآيات لإعجازها لمن شهدها ، كقلب العصا حية ، وفرق البحر لموسى وكإبراء الأكمه والأبرص وإحياء [٢٠٨٥/٤-] الموتى لعيسى، وكان الذي أعطيت أنا وحيًا أوحاه الله إليّ / فكان آية باقية دعي إلى الإتيان بمثله أهل التعاطي له ، ومن نزل بلسانهم ، فعجزوا عنه ثم بقى آية ماثلة للعقول إلى من يأتي إلى يوم القيامة ، يرون إعجاز الناس عنه رأي العين ، والآيات التي أوتيها غيره من الأنبياء قبله رئي إعجازها في زمانهم ، ثم لم تصحبهم إلا مدة حياتهم ، وانقطعت بوفاتهم ، وكان القرآن باقيًا بعد النبي - عليه السلام - يتحدى الناس إلى الإتيان بمثله ، ويعجزهم على مروز الأعصار فكان آية باقية لكل من أتى ، فلذلك رجا أن يكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة، مع أن الله - تعالى - قد ضمن هذه الآية ألا يدخلها الباطل إلى أن تقوم الساعة بقوله تعالى : ﴿ إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له. لحافظون﴾(١) وضمن نبينا - عليه السلام - بقاء شريعته [وإن ] (٢). ضيع بعضها قوم بقوله: (( لا تزال طائفة من أمتي على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك )). وقوله : وأنتم تلغثونها أو ترغثونها . شك في أي الكلمتين قال النبي - عليه السلام (٣) - فأما لغث باللام فلم أجده فيما تصفحت من اللغة ، وأما رغبث بالراء فهو معروف عندهم يقال : رغثت كل أُنثى ولدها وأرغثته أرضعته فهي رغوث . (١) الحجر : ٩ . (٢) في ((الأصل)): بأن. والمثبت من (( هـ)). (٣) هذا قول أبي هريرة كما في المتن . - ٣٣٠ - باب : الاقتداء بسنن رسول الله وقول الله تعالى : ﴿واجعلنا للمتقين إماما ﴾ (١) أي أئمة نقتدي بمن قبلنا ويقتدي بنا من بعدنا . وقال ابن عون : ثلاث أحبهن لنفسي ولإخواني : هذه السنة أن يتعلموها ويسألوا عنها، والقرآن أن يتفهموه ويسألوا عنه، وتدعوا الناس إلا من خير . فيه : أبو وائل قال: (( جلست إلى شيبة في هذا المسجد فقال : جلس [إلي](٢) عمر في مجلسك هذا، فقال : هممت ألا أدع فيها صفراء ولا بيضاء إلا قسمتها بين المسلمين . قلت : ما أنت بفاعل ، قال : لم قلت ، لم يفعله صاحباك، قال: هما المرآن يقتدى بهما)). وفيه : حذيفة : قال النبي - عليه السلام - : (( إن الأمانة نزلت من السماء في جذر قلوب الرجال ونزل القرآن ، فقرءوا القرآن ، وعلموا من السنة)» . وفيه : عبد الله: (( إن أحسن الحديث كتاب الله ، وأحسن الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها ، وإن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين)) . وفيه : أبو هريرة وزيد بن خالد : قال النبي - عليه السلام - : («[لأقضين ] (٣) بينكما بكتاب الله)). وفيه: جابر قال: (( جاءت ملائكة إلى النبي - عليه السلام - وهو نائم فقال بعضهم: إنه نائم . وقال بعضهم : إن العين نائمة والقلب يقظان (١) الفرقان : ٧٤ . (٢) من (( هـ ، ن)). (٣) في ((الأصل)): لأقضي. والمثبت من ((هـ، ن). - ٣٣١ - فقالوا : إن لصاحبکم هذا مثلاً فاضربوا له مثلا ، فقالوا : مثله كمثل رجل بنى دارًا وجعل فيها [ مأدبة ] (١) وبعث [ داعيًا] (٢) فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من [ المأدبة ] (٣) [ ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة ] (٤) فقالوا: أوّلوها له يفقهها. قالوا : فالدار الجنة والداعي محمد ، فمن أطاع محمدًا فقد أطاع الله ، ومن عصی محمدًا فقد عصی الله ، ومحمد فرق بين الناس)). وفيه: حذيفة: (( قال : يا معشر القراء ، استقيموا فقد سبقتم سبقًا بعيدًا ، ولئن أخذتم يمينًا وشمالاً لقد ضللتم ضلالاً بعيداً )). وفيه : أبو موسى : قال النبي - عليه السلام -: (( مثلي ومثل ما بعثني الله به كمثل رجل أتى قومًا فقال : يا قوم ، إني رأيت الجيش بعيني [وإني] (٤) أنا النذير العريان [ فالنجاء ] (٥) فأطاعه طائفة من قومه، فأدلجوا فانطلقوا على مهلهم فنجوا ، وكذبت طائفة منهم فأصبحوا مكانهم ، فصبحهم الجيش فأهلكهم [واجتاحهم ] (٦) فذلك مثل من أطاعني واتبع ما جئت به ، ومثل من عصاني وكذب ما جئت به من الحق )) . وفيه : أبو هريرة: (( لما توفي النبي ﴾ واستخلف أبو بكر ، وكفر من كفر من العرب ، قال: والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله لقاتلتهم على منعه )) وفيه : ابن عباس: (( أن عيينة بن حصن قال لعمر : والله ما تعطينا (١) في ((الأصل)): مائدة. والمثبت من (( هـ، ن)). (٢) في ((الأصل)): جياعا. والمثبت من ((هـ، ن)). (٣) في ((الأصل)): المائدة. والمثبت من ((هـ، ن). (٤) من (( هـ ، ن)). (٥) في ((الأصل)): فالذجاء. والمثبت من (( هـ، ن)). (٦) في ((الأصل)): فاجتاحهم. والمثبت من (( هـ، ن)). - ٣٣٢ - الجزل ولا تحكم بيننا بالعدل . فغضب عمر حتى هم بأن يقع به ، فقال له الحر بن قيس : يا أمير المؤمنين ، إن الله - تعالى - قال لنبيه: ﴿خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين ﴾ (١) وهذا من الجاهلين فوالله ما جاوزها عمر حین تلاها علیه ، وکان وقافًا عند کتاب الله )) . وفيه : أسماء في حديث [ الخسوف ] (٢): (( قال النبي - عليه السلام - : فأما المؤمن فيقول: هو محمد [ جاءنا ] (٣) بالبينات والهدى فآمنا واتبعنا )) / الحديث . [٤/ ق٨ ٢٠ -ب] وفيه : أبو هريرة : قال النبي - عليه السلام -: (( دعوني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه ، وإذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم )) . قال المؤلف : أمر الله عباده باتباع نبيه والاقتداء بسنته فقال : ﴿فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون﴾ (٤) وقال: ﴿والذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون ﴾ (٥) وتوعد من خالف سبيله ورغب عن سنته فقال : ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ﴾ (٦) وهذه الآيات مصدقة [ لأحاديث ] (٧) هذا الباب . وأما قول عمر: ((لقد هممت ألا أدع فيها صفراء ولا بيضاء)) يعني: ذهبا ولا فضة ، أراد أن يقسم المال الذي يجمع بمكة ، (١) الأعراف : ١٩٩ . (٢) في ((الأصل)): الخوف. والمثبت من ((هـ)). (٣) في ((الأصل)): جاء. والمثبت من ((هـ). (٤) الأعراف : ١٥٨ . (٥) الأعراف : ١٥٧ . (٦) النور : ٦٣ . (٧) في (( الأصل)): لحديث. - ٣٣٣ - وفضل عن نفقتها ومؤنتها ويضعه في مصالح المسلمين ، فلما ذكره شيبة أن النبي وَ ل وأبا بكر بعده لم يعرضا له ؛ لم يسعه خلافهما ، ورأى أن الاقتداء بهما واجب ، فربما تهدم البيت أو خلق بعض آلاته فصرف ذلك المال فيه ، ولو صرف ذلك المال في منافع المسلمين لكان کأنه قد خرج من وجهه الذي سبل فيه . قال المهلب : وأما الأمانة التي في حديث حذيفة ، فإنها الإيمان وجميع شرائعه ، والتنزه عن الخيانة وشبهها . والجذر : أصل الشيء ، فدل ذلك أن الإيمان مفروض على القلب ولا بد من النية في كل عمل على ما يذهب إليه الجمهور . وقوله: (( نزلت في جذر قلوب الرجال )) يعني : بعض الرجال الذين ختم الله لهم بالإيمان ، وأما من لم يقدر له به فليس بداخل في معنى ذلك، ألا ترى قوله: (( ونزل القرآن ثم قرءوا من القرآن وعلموا من السنة )) يعني المؤمنين خاصة المذكورين في أول الحديث . وقوله: ((جاءت الملائكة ، فقال بعضهم : العين نائمة والقلب يقظان)» يدل أن رؤيا الأنبياء وحي لثبات القلب ، ولذلك قال عليه السلام : ((إن عيني تنامان ولا ينام قلبي)) وفيه دليل أن الفهم والمعرفة في القلب. وقول الملك: ((أولوها له)). يدل أن الرؤيا على [ ما عبرت ] (١) في النوم . [ومعنى] (٢) قول الحر ((فما جاوزها عمر وكان وقافًا عند كتاب. الله)) . فهو معنى الترجمة ، والإعراض عن الجهل إن صح أنه جهل مرغب فيه مندوب إليه ، وأما إذا كان الجفاء على السلطان تعمدًا أو استخفافًا بحقه فله تغييره والتشديد فيه . (١) في ((الأصل)): معرفة. والمثبت من (( هـ). (٢) في (( الأصل)): في معنى. - ٣٣٤ - واستعمال عمر لهذه الآية يدل على أنها [ غير ] (١) منسوخة ، وهو قول مجاهد وقتادة ، وروى هشام بن عروة عن أبيه ، وعن عبد الله ابن الزبير قالا : نزلت هذه الآية في أخذ العفو من أخلاق الناس وأعمالهم وما لا يجهدهم . فعلى هذا القول هي محكمة وهذا لفظه لفظ الأمر ، وهو تأديب من الله نبيه ، وفي تأديبه تأديب لأمته ، فهو تعليم للمعاشرة الجميلة والأخذ بالفضل ، وقد روي عن ابن عباس في قوله : ﴿ خذ العفو﴾ (٢) يعني: الفضل من أموال الناس، ثم نسخ ذلك وهو قول الضحاك والسدي . وفيها قول ثالث عن ابن زيد قال : أمر الله نبيه بالعفو عن المشركين وترك الغلظة عليهم ، قبل أن يفرض [ عليه ] (٣) قتالهم ثم نسخت بالقتال . فأما قوله عليه السلام: (( فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بشيء فائتوا منه ما استطعتم )) فقد احتج به من قال : إن الأمر موضوع على الندب دون الإيجاب ، قالوا : ألا تراه عليه السلام علق الأمر بمشيئتنا واستطاعتنا ، وألزمنا الانتهاء عما نهى عنه ، فوجب حمل النهي على الوجوب دون الأمر . قال أبو بكر بن الطيب : والتعلق بهذا غير صحيح ومعنى قوله: (( فائتوا منه ما استطعتم )) إذا كنتم مستطيعين ، وقد يأمر بالفعل الذي يستطيعه على طريق الوجوب كما يأمر به على وجه الندب ، ولا يدل على أنه ليس بواجب قال الله - تعالى - : ﴿فاتقوا الله ما استطعتم ﴾ (٤) ولم يرد به [ ندبنا ] (٥) إلى التقوى دون إيجابه ، ومعنى الآية والخبر : أن اتقوه إذا كنتم سالمين (١) من ( هـ)). (٣) في ((الأصل)): عليهم. والمثبت من (( هـ)). (٥) في ((الأصل)): ندبه. والمثبت من ((هـ)). (٢) الأعراف : ١٩٩ . (٤) التغابن : ١٦ . - ٣٣٥ - غير عجزة قادرين ، ولم يرد أنه لا يؤمر إلا من قد وجدت قدرته على الفعل كما تقول القدرية . وقال المهلب : من أحتج بهذا الحديث أن النواهي أوجب من الأوامر فهو خطأ ؛ لأنه عليه السلام لم ينه بهذا الحديث عن المحرمات [٤/ ٢٠٩٥-١] [ التي] (١) نهى الله عنها في كتابه بأن حرم الفواحش / ما ظهر منها وما بطن ، وإنما أراد فإذا نهيتكم عما هو مباح لكم أن تأتوه ، فإنما نهيتكم رفقًا بكم ، كنهيه عن الوصال إبقاءً عليهم ، وكنهيه عبد الله ابن [ عمرو ] (٢) عن صيام الدهر وقيام الليل كله ، وكنهيه عن إضاعة المال ؛ لئلا يكون سببًا لهلاكهم ، وكنهيه عن كسب الحجام وعسب الفحل تنزهًا واعتلاءً عن الأعمال الوضيعة . وأما الأمر الذي أمرهم أن يأتوا منه ما استطاعوا ، فهو الأمر من التواصي بالخير ، والصدقات وصلة الرحم ، وغير ذلك مما سنه ، وليس بفرض ولذلك قال لهم : فائتوا ما استطعتم أي : لم آمركم بذلك أمر إلزام ولا أمر حتم أن تبلغوا غاياته لكن ما استطعتم من ذلك؛ لأن الله - تعالى - عفا عما لا يستطاع . وعلى هذا المعنى خرج ( معنى ) (٣) الحديث منه عليه السلام ؛ لأن أصحابه كانوا يكثرون سؤاله عن أعمال من الطاعات يحرصون على فعلها فكان ينهاهم عن التشديد ويأمرهم بالرفق ؛ خشية الانقطاع وسأستقصي [ مذاهب العلماء في الأمر والنهي في باب النهي على التحريم إلا ما يعرف إباحته بعد هذا إن شاء الله تعالى ] (٤). (١) في ((الأصل)): الذي. والمثبت من (( هـ)). (٢) في ((الأصل)): عمر. والمثبت من ( هـ )). (٣) فى ( هـ)): لفظ. (٤) في ((الأصل)): ذلك بعد هذا. والمثبت من (( هـ)). - ٣٣٦ - باب : ما يكره من كثرة السؤال وتكلف ما لا يعني وقول الله : ﴿لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾(١) فيه : سعد: قال النبي - عليه السلام -: (( إن أعظم المسلمين جرمًا من سأل [عن شيء ] (٢) لم يحرم، فحرم من أجل مسألته)) . وفيه : زيد بن ثابت: (( أن النبي - عليه السلام - اتخذ حجرة في المسجد من حصير فصلى فيها ليالي حتى اجتمع إليه ناس ، ثم فقدوا صوته ليلة فظنوا أنه قد نام ، فجعل بعضهم [ يتنحنح ] (٣) ليخرج إليهم فقال : ما زال بكم الذي رأيت من صنيعكم حتى خشيت أن يكتب عليكم، ولو كتب عليكم ما قمتم به ، فصلوا أيها الناس في بيوتكم فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة )) . وفيه : أبو موسى : (( سئل النبي - عليه السلام - عن أشياء كرهها، فلما أكثروا عليه المسألة غضب وقال : سلوني . فقام رجل فقال : يا رسول الله، من أبي؟ قال : أبوك حذافة . ثم قام آخر فقال : من أبي ؟ فقال : أبوك سالم مولى شيبة ، فلما رأى عمر ما بوجه النبي - عليه السلام - من الغضب قال : إنا نتوب إلی الله )) . وذكر قصة حذافة من رواية أنس وفيه : (( فقام رجل فقال : أين مدخلي يا رسول الله ؟ قال : النار . ثم قام عبد الله بن حذافة فقال : من أبي ؟ فقال : أبوك حذافة . فبرك عمر علی ر کبتیه فقال : رضینا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد وَلا نبيًا. فسكت النبي - عليه السلام - [ عند ذلك ] (٤) ثم قال : أولى والذي نفسي بيده ، لقد عرضت علي الجنة والنار في عرض هذا الحائط ... )) الحديث. وقال أنس : لما قال النبي - عليه السلام - : أبوك فلان : نزلت : ﴿ یا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ﴾ (١) الآية . (١) المائدة : ١٠١ . (٢) في ((الأصل)): شيئًا. والمثبت من (( هـ، ن )). (٣) في ((الأصل)): يسبح. والمثبت من (( هـ ، ن ). (٤) من (( هـ ). - ٣٣٧ - وفيه : المغيرة : ( أن النبي - عليه السلام - کان ینھی عن قیل وقال، وكثرة السؤال ، وإضاعة المال ... )) الحديث . وفيه: [ أنس ] (١): ((قال النبي - عليه السلام - : لن يبرح الناس يسألون : هذا الله خالق كل شيء، فمن خلق الله )) . وفيه ابن مسعود : ( أن النبي - عليه السلام - مر علیه نفر من اليهود ، فقال بعضهم : سلوه عن الروح ، وقال بعضهم : لا تسألوه، لا يسمعكم فیه ما تكرهون ... )) الحديث . قال ابن عون : سألت نافعًا عن قوله تعالى : ﴿ لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ﴾ (٢) فقال : لم تزل كثرة السؤال منذ قط تكره . وقال الحسن البصري : في هذه الآية سألوا النبي - عليه السلام - عن أمور الجاهلية التي عفا الله عنها ، ولا وجه للسؤال عما عفا الله عنه [وقيل](٣) كان الرجل الذي سأل النبي - عليه السلام - عن أبيه يتنازعه رجلان فأخبره النبي - عليه السلام - بأبيه منهما ، وأعلم عليه السلام أن السؤال عن مثل هذا لا ينبغي ، وأنه إذا ظهر فيه الجواب ساء ذلك السائل ، وأدّى ذلك إلى فضيحته لا سيما وقت سؤال النبي ونزول الآيات في ذلك . وقد تقدم في كتاب الفتن كراهية أم حذافة [ لسؤاله النبي وَ عن أبيه وما قالت له في ذلك ] (٤) . فلسؤالهم له عليه السلام عما لا ينبغي وتعنيته عليه السلام للذي قال له : أين مدخلي يا رسول الله؟ قال : النار؛ لأن تعنيته عليه السلام يوجب النار ، وقد أمر الله المسلمين بتعزيزه وتوقيره وألا يرفع الصوت فوق صوته ، وتوعد على ذلك بحبوط العمل بقوله تعالى : ﴿ أن تحبط أعمالكم وأنتم لا (١) من (( هـ، ن)). (٢) المائدة : ١٠١ . (٣) في (( الأصل)): وفيه. والمثبت من ((هـ)). (٤) في ((الأصل)): لذلك .. والمثبت من ((هـ). - ٣٣٨ - تشعرون﴾(١) ألا ترى فهم عمر / لهذا الأمر وتلافيه له ؛ بأن برك (٢٠٩٥/٤- ب) على ركبتيه ، وقال : رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا وقال مرة : إنا نتوب إلى الله . فسكت عليه السلام وسكن غضبه، ورضي قول عمر حين ذب عن نبيه ونبّه على التوبة مما فيه إغضابه أن يؤدي إلى غضب الله ، وقد ذكرنا شيئًا من هذا المعنى في كتاب الفتن [ في باب التعوذ من الفتن ] (٢) والدليل على صواب فعل عمر قول النبي - عليه السلام - بعد ذلك: (( أولى والذي نفسي بيده )) يعني : أولى لمن عنَّت نبيه في المسألة وأغضبه ، ومعنى أولى عند العرب التهدد والوعيد . قال المهلب : يقال للرجل : إذا أفلت من عظيمة: أولى لك . أي : كدت تهلك ثم أَفْلَتَّ ، ويروى عن ابن الحنفية أنه كان يقول : إذا مات ميت في جواره : أولى لي ، كدت والله أن أكون السواد المخترم . قال المهلب : وأصل النهي عن كثرة السؤال والتنطع في المسائل مبين في كتاب الله - تعالى - في بقرة بني إسرائيل أمرهم الله بذبح بقرة فلو ذبحوا أي بقرة كانت لكانوا مؤتمرين غير عاصين ، فلما سألوا ما هي وما لونها ؟ ( قيل لهم ) (٣) : لا فارض ولا بكر . ضيق عليهم وقد كان ذلك مباحٌ ، وكذلك ضيق عليهم في لونها فقيل لهم : صفراء . فمنعوا من سائر الألوان ، وقد كان ذلك مباحًا لهم ، ثم لما قالوا : إن البقر تشابه علينا . قيل لهم : لا ذلول حرّائه ولا ساقية للحرث أي معلمة لاستخراج الماء وقد كان ذلك [ مباحًا ] (٤) لهم ، فعز عليهم وجود هذه الصفة المضيق عليهم فيها حتى أمرهم أن يشتروها بأضعاف ثمنها عقوبة بسؤالهم عما لم يكن لهم به حاجة . (١) الحجرات : ٢ . (٢) من (( هـ)). (٣) تكررت في ((الأصل)). (٤) في ((الأصل)): مباح، والمثبت من ((هـ). - ٣٣٩ - وقوله تعالى : ﴿ لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ﴾ (١) يحذر مما نزل بهؤلاء القوم ثم وعد أنه إن سألوا عنها حين نزول القرآن ضيق عليهم ، وقد قال بعض أصحابنا : إنه بقيت منه بقية مكروهة وهو أن التنطع في المسألة والبحث عن حقيقتها يلزم منها أن [ يأتي](٢) بذلك الشرع على الحقيقة التي انكشفت له في البحث ، وذلك مثل أن يسأل عن سلع الأسواق الممكن فيها الغصب والنهب هل له شراء ذلك في سوق المسلمين ، وهو يمكن فيه ذلك المكروه أم لا ؟ فیفتى بأن له أن يبتاع ذلك ، ثم إن تنطع ، فقال : إن قام الدليل على السلعة أنها من نهب أو غصب هل لي أن أشتريها ؟ فيفتى بأن لا يشتريها فهذا الذي بقي من كراهة السؤال والتنطع [حتى ] (٣) الآن في النسخ الذي كان يمكن حين نزول القرآن والتضييق المشروع . وقد سئل مالك عن قيل وقال وكثرة السؤال ؟ فقال : لا أدري أهو ما أنهاكم عنه من كثرة المسائل ، فقد كره رسول الله المسائل وعابها ، أو هو مسألة الناس أموالهم . وكان زيد بن ثابت وأبي بن كعب وجماعة من السلف يكرهون السؤال في العلم عما لم ينزل ، [ويقولون] (٤): إذا نزلت النازلة وفق [ المسئول ] (٥) عنها ، ويرون الكلام فيما لم ينزل من التكلف . وقال مالك : أدركت أهل هذا البلد وما عند أحدهم علم غير الكتاب والسنة ، فإذا نزلت النازلة جمع الأمير لها من حضر من العلماء ، فما اتفقوا عليه أنفذه ، وأنتم تكثرون المسائل وقد كرهها رسول الله . فإن قيل : فإذا ثبت النهي عن كثرة السؤال والبحث في هذه الأحاديث ، فقد جاء في كتاب الله ما يعارض ذلك ، وهو (١) المائدة : ١٠١ . (٢) من (( هـ ) . (٣) فى ((الأصل)): حين، والمثبت من ((هـ)). (٤) في ((الأصل)): ويقول. والمثبت من ((هـ)). (٥) في ((الأصل)): السؤال. - ٣٤٠ -