Indexed OCR Text

Pages 281-300

باب : البكاء عند قراءة القرآن
فيه : ابن مسعود: أن النبي ) قال: اقرأ عليّ. قلت : أقرأ عليك
وعليك أنزل ! فقرأت النساء حتى بلغت : ﴿وجئنا بك على هؤلاء
شهيدًا﴾ (١) قال لي: كف [ أو ] (١) أمسك فرأيت عينيه تذرفان .
قال المؤلف : البكاء عند قراءة القرآن حسن ، قد فعله النبي عليه
السلام وكبار الصحابة ، وإنما بكى عليه السلام عند هذا لأنه مثل
لنفسه أهوال يوم القيامة ، وشدة الحال الداعية له إلى شهادته لأمته
بتصديقه والإيمان به ، وسؤاله الشفاعة لهم ليريحهم من طول الموقف
وأهواله، وهذا أمر يحق له طول البكاء والحزن .
ذكر أبو عبيد عن مطرف بن عبد الله بن الشخير ، عن أبيه قال :
انتهيت إلى رسول الله وَ# وهو يصلي ولجوفه أزيز كأزيز المرجل من
البكاء .
وعن الأعمش عن أبي صالح قال : لما قدم أهل اليمن في زمن أبي
بكر سمعوا القرآن فجعلوا يبكون قال أبو بكر : هكذا كنا ثم قست
القلوب .
وقال الحسن : قرأ عمر بن الخطاب : ﴿إن عذاب ربك لواقع ما له
من دافع ﴾ (٣) [فربا] (٤) ربوة عيد منها عشرين يومًا.
وقال عبيد بن عمير : صلى بنا عمر صلاة الفجر فقرأ سورة يوسف
حتى إذا بلغ : ﴿ وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم ﴾ (٥) بكى حتى
انقطع فركع .
(١) النساء : ٤١ .
(٢) في (( الأصل)): و. والمثبت من ((هـ، ن)).
(٣) الطور : ٧، ٨.
(٤) في ((الأصل)): وربا. والمثبت من (( هـ ).
(٥) يوسف : ٨٤ .
- ٢٨١ -

وفي حديث آخر لما قرأ: ﴿ إنما أشكو بثي وحزني إلى الله﴾ (١) بكى
حتى سمع نشيجه من وراء الصفوف .
وعن ابن المبارك ، عن مسعر ، عن عبد الأعلى التيمي قال : من
أوتي من العلم ما لا [ يبكيه ] (٢) ، فليس بخليق أن يكون أوتي علمًا
ينفعه؛ لأن الله تعالى نعت العلماء فقال: ﴿إن الذين أوتوا العلم من
قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدًا ... ﴾ (٣) الآيتين.
وقرأ عبد الرحمن بن أبي ليلى سورة مريم ؛ فلما [ انتهى ] (٤) إلى
قوله: ﴿خروا سجدًا وبكيًا﴾ (٥) فسجد بها ، فلما رفع رأسه قال :
هذه السجدة فأين البكاء ؟ وكره السلف الصعق والغشي عند قراءة
القرآن . ذكر أبو عبيد بإسناده عن أبي حازم قال : مر ابن عمر برجل
من أهل العراق ساقط والناس حوله ، فقال : ما هذا ؟ فقالوا : إذا
قرئ عليه القرآن أو سمع الله يذكر خر من خشية الله ، فقال ابن
عمر: والله [ إنا ] (٦) لنخشى الله وما نسقط .
وعن عكرمة قال : سئلت أسماء : هل كان أحد من السلف يغشى
[٤/ ق ٢٠٠-١] / عليه من القراءة؟ فقالت: لا، ولكنهم كانوا يبكون.
وقال هشام بن حسان : سئلت عائشة عمن يصعق عند قراءة القرآن
فقالت : القرآن أكرم من أن تنزف عنه عقول الرجال ، ولكنه كما قال
الله : ﴿ تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم
إلی ذکر الله ﴾ (٧)
(١) يوسف : ٨٦ .
(٣) الإسراء : ١٠٧
(٥) مريم : ٥٨.
(٧) الزمر : ٢٣ .
(٢) في ((الأصل)): يبطيه. والمثبت من ( هـ)) ..
(٤) في ((الأصل)): انتهوا والمثبت من (هـ)).
(٦) في ((الأصل)): إني، والمثبت من (( هـ)).
- ٢٨٢ -

وسئل ابن (١) سيرين عن ذلك فقال : ميعاد بيننا وبينه أن يجلس
على حائط ثم يقرأ عليه القرآن كله ، فإن وقع فهو كما قال .
باب : من راءى بقراءة القرآن أو تأكل به أو فجر به
فيه : علي : قال النبي - عليه السلام -: (( يأتي في آخر الزمان قوم
حدثاء الأسنان ، سفهاء الأحلام ، يقولون من خير قول البرية ، يمرقون
من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية ، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم،
فأينما لقيتموهم فاقتلوهم ، إن في قتلهم أجر لمن قتلهم يوم القيامة)).
به
وفيه: أبو سعيد: قال النبي ◌َّار: (( يخرج فيكم قوم تحقرون صلاتكم
مع صلاتهم ، وصيامكم مع صيامهم ، وعملكم مع عملهم يقرءون
القرآن لا يجاوز حناجرهم ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من
الرمية، ينظر في النصل فلا يرى شيئًا ، وينظر في القدح فلا يرى شيئًا ،
وينظر في الريش فلا يرى شيئًا ، ويتمارى في الفوق )) .
وفيه: أبو موسى: قال النبي قوله: ((المؤمن الذي يقرأ القرآن ... ))
الحديث إلى قوله: (( ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كالريحانة ريحها
طيب وطعمها مر )) .
قال المؤلف : قوله : يقرءون القرآن ، لا يجاوز حناجرهم . يعني:
لا يرتفع إلى الله ، ولا يؤجرون عليه لعدم خلوص النية بقراءته لله
تعالى ولذلك شبه قراءة المنافق لما كانت رياء وسمعة بطعم
[الريحانة] (٢) المر الذي لا يلتذ به آكله، كما لا يلتذ المنافق والمرائي
بأجر قراءته وثوابها .
(١) زاد فى ((الأصل)): عن.
(٢) في (( الأصل)): كالريحانة.
- ٢٨٣ -

وقال حذيفة : أقرأ الناس بالقرآن منافق يقرؤه ، لا يترك منه ألفًا ولا
واوًا ، لا يجاوز ترقوته ، وقال ابن مسعود : أعربوا القرآن ، فإنه
يأتي عربي فسيأتي قوم يتقفونه ليسوا بخياركم .
وروى أبو عبيد من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي - عليه
السلام - قال : تعلموا القرآن واسألوا الله به قبل أن يتعلمه قوم
يسألون به الدنيا ، فإن القرآن يتعلمه ثلاثة نفر : رجل يباهي به ،
ورجل [ يستأكل ] (١) به [الناس](٢)، ورجل يقرأ لله.
وذكر أيضًا عن زاذان قال : من قرأ القرآن ليستأكل به الناس، جاء
يوم القيامة ووجهه عظم ليس عليه لحم .
وقال ابن مسعود : سيجيء على الناس زمان يسئل فيه بالقرآن ،
فإذا سألوكم فلا تعطوهم .
وقوله : ((ينظر في النصل)) فالنصل : حديدة السهم . والقدح
عوده والفوق منه : موضع الوتر . وجمعه أفواق وفوق [ وفقًا ] (٣)
باب : اقرءوا القرآن ما ائتلفت قلوبكم
وفيه : جندب: قال النبي - عليه السلام -: ((اقرءوا القرآن ما ائتلفت
قلوبكم ، فإذا اختلفتم فقوموا عنه )) .
وفيه : عبد الله أنه سمع رجلاً يقرأ آية سمع النبي يقرأ خلافها ، فأخذت
بيده فانطلقت به إلى النبي - عليه السلام - فقال : كلاكما محسن فاقرء!
أكبر علمي قال: فإن من كان قبلكم اختلفوا [فأهلكهم ] (٤) الله.
قال المؤلف : قوله: اقرءوا ما ائتلفت قلوبكم . فيه الحض
(١) في ((الأصل)): سيُأكل، والمثبت من (( هـ).
(٢) من (( هـ ) .
(٣) في (( الأصل )): فوقًا . والمثبت من ( هـ )»
(٤) في ((الأصل)): أهلكهم. والمثبت من (( هـ، ن)).
- ٢٨٤ -

على الألفة والتحذير من الفرقة في الدين ، فكأنه قال : اقرءوا القرآن
والزموا الائتلاف على ما دل عليه وقاد إليه ، فإذا اختلفتم فقوموا عنه
- أي [ فإذا عرض عارض شبهة توجب المنازعة الداعية إلى الفرقة
فقوموا عنه: أي ] (١) فاتركوا تلك الشبهة الداعية إلى الفرقة ،
وارجعوا إلى [ المحكم ] (٢) الموجب للألفة، وقوموا
للاختلاف)(٣) وعما أدى إليه ، وقاد إليه لا أنه أمر بترك قراءة القرآن
[باختلاف القراءات ] (١) التي أباحها لهم لأنه قال لابن مسعود
والرجل الذي أنكر عليه مخالفته له في القراءة : كلاكما محسن ،
فدل أنه لم ينهه عما جعله فيه محسنًا ، وإنما نهاه عن الاختلاف المؤدي
إلى الهلاك بالفرقة في الدين .
(١) من (( هـ)).
(٢) في ((الأصل)): الحكم. والمثبت من ( هـ ).
(٣) في (( هـ)): عن الاختلاف.
- ٢٨٥ -

[٤/ ق ٢٠٠ -ب]
كتاب التمني /
باب : من ( يتمنى ) (١) الشهادة
فيه أبو هريرة: قال النبي - عليه السلام -: (( والذي نفسي بيده
[لولا] (٢) أن رجالا يكرهون أن يتخلفوا بعدي ، ولا أجد ما أحملهم
عليه ما تخلفت لوددت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا
ثم أقتل )) .
فيه من الفقه : جواز تمني الخير وأفعال البر والرغبة فيها ، وإن علم
أنه لا ينالها حرصًا على الوصول إلى أعلى درجات الطاعة .
وفيه : فضل الشهادة على سائر أعمال البر لأنه عليه السلام تمناها
دون غيرها، وذلك لرفيع ( درجتها ) (٣) ، وكرامة أهلها لأن الشهداء
أحياء عند ربهم يرزقون ، وذلك والله أعلم لسماحة أنفسهم ببذل
مهجتهم في مرضاة الله وإعزاز دينه ، ومحاربة من حاده وعاداه ،
فجازاهم بأن عوضهم من فقد حياة الدنيا الفانية الحياة الدائمة في الدار
الباقية ، فكانت المجازاة من حسن الطاعة .
باب : تمني الخير وقول النبي - عليه السلام - :
لو كان لي أحد ذهبًا
فيه: أبو هريرة : قال عليه السلام: (( لو كان ( لي ) (٤) أحد ذهبًا
(١) في (( هـ، ن)): تمنى.
(٢) في ((الأصل)): لو. والمثبت من (( هـ، ن)).
(٣) في (( هـ ) : منزلتها.
(٤) في (( هـ، ن)): عندي.
- ٢٨٦ -

لأحببت ألا يأتي ثلاث وعندي منه دینار ؛ ليس شيء أرصده في دين
عليّ أجد من يقبله )) .
في هذا الحديث من الفقه جواز تمني الخير [وأفعال البر ] (١) لأنه
عليه السلام تمنى لو كان له مثل أحد ذهبًا لأحب أن ينفقه في طاعة الله
قبل أن يأتي عليه ثلاث ليال . وقد تمنى الصالحون ما يمكن كونه وما
لا يمكن حرصًا منهم على الخير ، فتمنى بنو الزبير منازل من الدنيا
لتنفذ أموالهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
روي أن عبد الله وعروة [ومصعبًا بني ] (٢) الزبير بن العوام
اجتمعوا عند الكعبة ، فقال عبد الله : أحب أن لا أموت حتى أكون
خليفة . وقال مصعب: أحب أن [ ألي ] (٣) العراقين: الكوفة
والبصرة ، وأتزوج سكينة بنت الحسين وعائشة بنت طلحة . وقال
عروة: لكني أسأل الله الجنة ، فصار عبد الله ومصعب إلى ما تمنيا ،
[وترون] (٤) أن عروة صار إلى الجنة إن شاء الله، وما تمنوه مما لا سبيل
إلى كونه تصغيرًا لأنفسهم وتحقيراً لأعمالهم ، فتمنوا أنهم لم يخلقوا
وأنهم أقل الموجودات . روي عن أبي بكر الصديق أنه قال : وددت
أني خضرة تأكلني الدواب . وتناول عمر بن الخطاب تبنة من الأرض
فقال : ليتني كنت هذه ، ليتني لم أك شيئًا ، ليت أمي لم تلدني ،
ليتني كنت نسيًا منسيًا .
وقرأ عمر : ﴿هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئًا
مذكورًا ﴾ (٥) فقال: يا ليتها تمت . وقال عمران بن حصين : وددت
أني رماد على أكمة تسفيني الرياح في يوم عاصف .
(١) من ((هـ).
(٢) في ((الأصل)): ومصعب بنوا. والمثبت من ((هـ)).
(٣) في ((الأصل)): لي. والمثبت من ((هـ)).
(٤) في (( الأصل)): ويروى .
(٥) الإنسان : ١ .
- ٢٨٧ -

وقال أبو ذر : وددت أن الله خلقني شجرة تقضم . ومرت عائشة
بشجرة فقالت : يا ليتني كنت ورقة من هذه الشجرة .
وقال أبو عبيدة: وددت أني كبش فيذبحني أهلي فيأكلون لحمي
ويحسون مرقي . وإنما حملهم على ذلك شدة الخوف من مسائلة الله.
والعرض عليه ، وعلى قدر العلم بالله تكون الخشية منه ، ولذلك قال
الفضيل : من مقت نفسه في الله أمنه الله من مقته .
باب: قول النبي - عليه السلام -: (( لو استقبلت
من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي
ولحللت مع الناس [ حين ] (١) حلوا))
وذكره من حديث جابر أيضًا .
قوله: ((لو استقبلت من أمري ما استدبرت)) أي لو علمت أن
أصحابي يأتون من العمرة في أشهر الحج ما أحرمت بالحج مفردًا ،
ولأحرمت بالعمرة فلو أحرمت بالعمرة لم يكرهها أحد منهم ،
وللانت نفوسهم لفعلي لها واختياري في نفسي ، فكرهوها حين
أمرهم بها ؛ لكونهم على خلاف فعل نبيهم ؛ مع أنهم كانوا في
الجاهلية يكرهون العمرة في أشهر الحج فتمنى عليه السلام موافقة
أصحابه ، وكره ما ظهر منهم من الإشفاق لمخالفتهم له ، ففي هذا من
الفقه أن الإمام والعالم ينبغي له أن يسلك سبيل الجمهور وألا يخالف
الناس في سيرته وطريقته .
(١) في ((الأصل)): حتى، والمثبت من ((هـ، ن)).
- ٢٨٨ -

[٤/ ق١ ٠ ٢ -١]
باب: قول النبي - عليه السلام - / ((ليت كذا وكذا))
فيه : عائشة قالت: (( أرق النبي - عليه السلام - ذات ليلة فقال :
[ليت] (١) رجلاً صالحًا من أصحابي يحرسني الليلة، فأتى سعد فحرسه.
وقال بلال :
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بواد [وحولي إذخر وجليل ](١)
فأخبرت [عائشة] (١) النبي ◌َّر.
[ قال المؤلف ] (٢): فيه أباحة تمني ما ينتفع به في الدنيا ، ويمكن
أن يكون هذا الحديث قبل أن ينزل عليه : ﴿والله يعصمك من
الناس﴾(٣). فلما علم ذلك لم يحتج إلى حارس بعد ، ويمكن أن
يفعله عليه السلام بعد نزول الآية عليه ليستن به الأمراء ، ولا يضيعوا
حرس أنفسهم في أوقات الغرة والغفلة ، والله أعلم .
باب : تمني القرآن والعلم
فيه: أبو هريرة قال النبي ◌َّر: (( لا تحاسد إلا في اثنتين : رجل آتاه الله
القرآن ، فهو يتلوه آناء الليل والنهار فيقول : لو أتيت مثل ما أوتي
لفعلت مثل ما يفعل [ ورجل آتاه الله مالاً ينفقه في حقه يقول : لو
أوتيت مثل ما أوتي لفعلت مثل ما يفعل ] (٢))).
هذا من الحسد الحلال ، والحاسد فيه مشكور ؛ لأنه إنما حسده على
العمل بالقرآن والعلم ، وحسد صاحب المال على نفقته له في حقه فلم
يقع الحسد على شيء من أمور الدنيا ، وإنما وقع على ما يرضي الله
ويقرب منه ، فلذلك كان تمنيه حسنًا ، وكذلك تمني سائر أبواب
(١) من ((هـ، ن)).
(٣) المائدة : ٦٧ .
(٢) من (( هـ )).
- ٢٨٩ -

الخير إنما يجوز منه ما كان في معنى هذا الحديث إذا خلصت النية في
ذلك لله ، وخلص ذلك من البغي والحسد .
باب : ما يكره من التمني قول الله تعالى :
ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض ﴾ (١)
فيه: أنس قال: (( لولا أني سمعت النبي - عليه السلام - يقول: (( لا
تمنوا الموت لتمنيته ))
فیه : خباب مثله .
وفيه أبو هريرة: قال عليه السلام : (( لا يتمنى أحدكم الموت إما
[محسنًا] (٢) فلعله يزداد، وإما مسيئًا فلعله يستعتب)).
[ قال المهلب : بين ] (٣) الله - تعالى - في هذه الآية ما لا يجوز
تمنيه ، وذلك ما كان من عرض الدنيا [وأشباهه ] (٤).
قال الطبري : وقيل : إن هذه الآية نزلت في نساء تمنين منازل
الرجال ، وأن يكون [ لهن ] (٥) ما لهم فنهى الله - تعالى - عن
الأماني الباطلة ؛ إذا كانت الأماني الباطلة تورث أهلها الحسد والبغي
بغير الحق. وقال ابن عباس في هذه الآية : لا يتمنى الرجل يقول: ليت
لي مال فلان وأهله ، فنهى الله عن ذلك وأمر عباده أن يسألوه من فضله
وسئل الحسن البصري فقيل له : الرجل يرى الدار فتعجبه والدابة فتعجبه
فيقول : ليت لي مثل هذه الدار ، ليت لي مثل هذه الدابة. قال
الحسن : لا يصلح هذا . قيل له : فيقول : ليت لي مثل هذه الدار.
فقال : ولا هذا . قيل له : إنا كنا لا نرى بأسًا بقوله : ليت لي مثل
(٢) في (( الأصل)): محسن. والمثبت من ( هـ ، ن ))
(١) النساء : ٣٢.
(٣) في ((الأصل)): من. والمثبت من (( هـ)).
(٤) في ((الأصل)): وأسبابها. والمثبت من (( هـ)).
(٥) في ((الأصل)): لهم. والمثبت من ((هـ).
- ٢٩٠ -

هذا . فقال الحسن : ألا ترى قوله عز وجل : ﴿ يبسط الرزق لمن
يشاء من عباده ويقدر له ﴾ (١) . أتدري ما يقدر له ؟ ينظر إن كان خيرًا
أن [ يبسطه] (٢) له بسطه ، وإن كان خيرًا أن يمسكه عنه أمسكه ،
فينطلق إلى شيء نظر الله فيه أنه خير لك فأمسكه عنك فتسأله إياه ،
فلعلك لو أعطيت ذلك كان فيه هلكة في دينك ودنياك ، ولكن إذا
سألت فقل : اللهم إني أسألك من فضلك ، فإن أعطاك أعطاك
خيارًا، وإن أمسك عنك أمسك عنك خيارًا . ومعنى نهيه عليه السلام
عن تمني الموت ، فإن الله قد قدر الآجال فمتمني الموت غير راضٍ
بقدر الله ولا مسلم لقضائه ، وقد بين النبي - عليه السلام - ما
للمحسن والمسيء في أن لا يتمنى الموت ، وذلك ازدياد المحسن من
الخير ورجوع المسيء عن الشر، وذلك نظر من الله للعبد [وإحسان ]
(٣) منه إليه خير له من تمنيه الموت ، وقد تقدم في كتاب المرضى حيث
يجوز تمني الموت ، [وحيث لا يجوز ، والأحاديث المعارضة في ذلك
وبيان معانيها في باب تمني الموت ] (٤).
باب : قول الرجل : لولا الله ما اهتدينا
فيه : البراء قال: (( كان النبي * ينقل معنا التراب يوم الأحزاب ،
ولقد رأيته وارى التراب بياض بطنه يقول : لولا أنت ما اهتدينا نحن ولا
تصدقنا ولا صلينا )) .
لولا عند العرب يمتنع بها الشيء لوجود غيره يقول : لولا زيد ما
صرت إليك : أي كان مصيري إليك من أجل زيد ، وكذلك قوله / : [٤/ ٢٠١٥-ب]
(( لولا الله ما اهتدينا)) . أي كان هدانا من أجل هداية الله لنا
(١) العنكبوت: ٦٢. (٢) في ((الأصل)): يبسط. والمثبت من ((هـ)).
(٣) في ((الأصل)): اختيار. والمثبت من (( هـ).
(٤) من (( هـ)).
- ٢٩١ -

فوجود الهدى منع وقوع الضلال ، وذلك كله من فعل الله بعباده فلا
يفعل [ العبد ] (١) الطاعة ولا يجتنب المعصية إلا بقدر الله وقضائه على
العبد .
باب : ( كراهة ) (٢) التمني للقاء العدو
فيه : عبد الله بن أبي أوفى: قال النبي - عليه السلام -: (( لا تتمنوا
لقاء العدو واسألوا الله العافية)» ..
قد تقدم هذا الباب في كتاب الجهاد ، وجملة معناه : النهي عن
تمني المكروهات والتصدي للمحذورات ، ولذلك [ سأل ] (٣) السلف
العافية من الفتن والمحن ؛ لأن الناس مختلفون في الصبر على البلاء.
باب : ما يجوز من اللو وقوله تعالى :
﴿لو أن لي بكم قوة .. ﴾ (٤).
فيه : ابن عباس : (( ذكر المتلاعنين فقال عبد الله بن شداد : هي التي قال
النبي - عليه السلام -: لو كنت [راجمًا] (٥) امرأة من غير بينة ؟ قال :
لا ، تلك المرأة أعلنت )» .
وفيه : ابن عباس: ((اعتم النبي ◌َّر بالعشاء ، فخرج عمر فقال:
الصلاة يا رسول الله ، وقد النساء والصبيان . فخرج ورأسه يقطر يقول :
لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم [ بالصلاة هذه الساعة)) .
(١) في ((الأصل)): العبيد. والمثبت من ((هـ).
(٢) في ((هـ، ن)): كراهية.
(٣) في ((الأصل)): قال. والمثبت من (( هـ )) .
(٥) في ((الأصل)): راجم. والمثبت من ((هـ ، ن)).
(٤) هود : ٨٠ .
- ٢٩٢ -

وفيه: أبو هريرة: قال النبي: (( لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم ] (١)
بالسواك )» .
وفيه : أنس : ( واصل النبي - عليه السلام - آخر الشهر ، وواصل
ناس من الناس، فبلغ النبي صل فقال النبي (٢): [ لو ](٣) مد في الشهر
لواصلت وصالاً بدع المتعمقون تعمقهم . وقال مرة : لو تأخر لزدتكم
کامنکل لهم)» .
وفيه : عائشة : قال النبي - عليه السلام - : « لولا أن قومك حدیث
عهدهم بالجاهلية فأخاف أن تنكر قلوبهم أن أجعل الجدر في البيت وأن
ألصق بابه بالأرض )» .
وفيه أبو هريرة: قال عليه السلام: (( لولا الهجرة لكنت امرأ من
الأنصار، ولو سلك الناس واديًا وسلكت الأنصار واديًا أو شعبًا
لسلكت وادي الأنصار أو شعب الأنصار)) .
[ وعن عبد الله بن زيد مثله ] (٤) .
لو : تدل عند العرب على امتناع الشيء لامتناع غيره كقوله : لو
جاءني زيد لأكرمتك . معناه : أني امتنعت من كرامتك لامتناع زيد من
المجيء .
وقوله : ﴿ لو أن لي بكم قوة ﴾ (٥) جواب لو محذوف كأنه قال :
لحلت بينكم وبين ما جئتم له من الفساد ، وحذفه أبلغ ؛ لأنه يحصر
النفي بضروب المنع . فإن قيل: لم قال: (( أو آوي إلى ركن شديد))
مع أنه يأوي إلى الله ؟ فالجواب : أنه إنما أراد العدة من
(١) من (( هـ، ن )).
(٢) زاد فى ((الأصل)): عليه . وهي مقحمة.
(٣) في ((الأصل)»: لولا.
(٤) من (( هـ )).
(٥) هود : ٨٠ .
- ٢٩٣ -

الرجال ، وإلا فله ركن وثيق مع معونة الله ونصره ، وتضمنت الآية
[البيان] (١) عما يوجبه حال المحق إذا رأى منكراً لا يمكنه [إزالته] (٢)
مع التحسر على قوة أو معين على دفعه لحرصه على طاعة ربه ، وجزعه
من معصيته ، فامتنع من الانتقام من قومه لامتناع من يعينه على ذلك .
وقوله: ((لو كنت راجمًا بغير بينة)).
أمتنع من رجم المرأة لامتناع وجود البينة ، وكذلك امتنع من
معاقبتهم بالوصال لامتناع امتداد الشهر ، ومثله : لو سلك الناس واديًا
لسلكت وادي الأنصار . قال المهلب : وإنما قال ذلك للأنصار تأنيسًا
لهم ليغبطهم [ بحالهم ] (٣) ، وأنها مرضية عنده وعند ربهم ، لكنه
أعلمهم بأنه امتنع من أن يساويهم في حالهم لوجود الهجرة التي لا
[يمكنه ] (٤) تركها، وسائر ما في الباب من [ الأحاديث؛ فإنها بلفظ
لولا التي تدل على امتناع الشيء لوجود غيره كقوله: ((لولا أن أشق
على أمتي لأمرتهم بالصلاة هذه الساعة))، و((لأمرتهم بالسواك مع
كل صلاة )) فامتنع من](١) أمرهم بذلك لوجود الشقة بهم عند امتثالهم
أمره .
وقوله : (( لولا أن قومك حديث عهدهم بالكفر فأخاف أن تنكر
قلوبهم أن أدخل الجدر في البيت)). [ فامتنع ربَّ من هدم] (٥)
البيت وبنيانه على قواعد إبراهيم من أجل الإنكار الحاصل لذلك
قال الطبري : فإن قال قائل : فقد روى ابن عيينة عن ابن عجلان عن
الأعرج عن أبي هريرة أن النبي - عليه السلام - قال: (( احرص على
ما ينفعك ، واستعن بالله ولا تعجز ، فإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني
فعلت كذا وكذا، ولكن [ قل ] (١): قدر الله وما شاء فعل، فإن لو مفتاح
(١) من (( هـ)).
(٢) في ((الأصل)): أن الله. والمثبت من (( هـ)).
(٣) في ((الأصل)): بحاله. والمثبت من ((هـ).
(٤) في ((الأصل)): يمكنها. والمثبت من ( هـ).
(٥) في ((الأصل)): فأهدم. والمثبت من ( هـ).
- ٢٩٤ -

الشيطان)). فنهى عن لو في هذا الحديث، [ و] (١) هذا معارض
لما جاء من إباحة لو في كتاب الله ، وفي الأحاديث المروية في ذلك .
قيل له : لا تعارض بين شيء من ذلك ، ولكل وجه ومعنى غير
معنى صاحبه ؛ فأما نهيه عن اللو في حديث ابن عجلان فمعناه : لا
تقل أني لو فعلت كذا لكان كذا على القضاء والحتم ، فإنه كائن لا
محالة ، فأنت غير مضمر في نفسك شرط مشيئة الله ، هذا الذي نهى
عنه ؛ لأنه قد سبق في علم الله كل ما يناله [المرء] (١) . قال تعالى:
﴿ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل
/ أن نبرأها﴾ (٢).
[٤/ ق٢٠٢-١]
فأما إذا كان قائله ممن يوقن بأن الشرط إذا وجد لم يكن المشروط إلا
بمشيئة الله وإرادته ، فذلك هو الصحيح من القول ، وقد قال أبو بكر
الصديق للنبي وَله وهو في الغار : لو أن أحدهم رفع قدمه أبصرنا .
فقال : يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما ، ولم ينكر ذلك عليه
صلى الله عليه ؛ إذ كان عالما [بمخرج](٣) كلامه ، وأنه إنما قال ذلك على
ما جرت به العادة ، واستعمله الناس على ما الأغلب كونه عند وقوع السبب
الذي ذكره، وإن [ كان] (١) قد كان [ جائزًا] (٤) أن يرفع جميع
[المشركين] (٥) الذين كانوا فوق الغار أقدامهم ثم ينظروا فيحجب الله أبصارهم
عن رسوله ، وعن صاحبه [ فلا يراهما منهم أحد ] (٦) ، وكان جائز
أن يحدث الله عمىّ في أبصارهم ، فلا يبصرونهما ، مع أسباب غير
ذلك كثيرة ، وأن أبا بكر لم يقل ذلك إلا على إيمان منه بأنهم لو رفعوا
أقدامهم لم يبصروا رسول الله إلا أن يشاء الله ذلك، فهذا [ مفسر](٧)
لحديث ابن عجلان وناف للتعارض في ذلك ، والله الموفق .
(١) من (( هـ )).
(٣) فى ((الأصل)): مخرج.
(٢) الحديد : ٢٢ .
(٤) في ((الأصل)): جائزٌ، والمثبت من (( هـ).
(٥) في ((الأصل)): المشركون. والمثبت من (( هـ)).
(٦) في ((الأصل)): فلا تراهم أعينهم .
(٧) في ((الأصل)): تفسير .
- ٢٩٥ -

كتاب القدر
[ باب في القدر ] (١)
فيه : عبد الله قال : حدثنا رسول الله - وهو الصادق المصدوق - أن
أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يومًا ثم علقة مثل ذلك ، ثم مضغة
مثل ذلك ، ثم يبعث الله ملكًا فيؤمر بأربعة : برزقه ، وأجله ، وشقي أو
سعيد ، فوالله إن أحدكم أو الرجل يعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون
بينه وبينها غير ذراع ( أو ذراعين ) (٢) فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل
أهل الجنة فيدخلها ، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون
بينه وبينها غير ذراع ( أو ذراعين ) (٢) فيسبق عليه الكتاب ، فيعمل بعمل
أهل النار فيدخلها )).
وفيه : أنس قال عليه السلام: (( وكل الله بالرحم ملكًا فيقول : أي
رب، نطفة ؟ أي رب علقة؟ أي رب ، مضغة ؟ فإذا أراد [الله ] (٣) أن
[يقضي ] (٤) خلقها قال : يا رب ، أذكر أم أنثى؟ أسعيد أم شقي ؟
فما الرزق ؟ فما الأجل ؟ فيكتب [ كذلك ] (٥) في بطن أمه )).
قال المهلب : في هذا الحديث رد لقول القدرية واعتقادهم أن العبد
يخلق أفعاله كلها من الطاعات والمعاصي ، وقالوا : إن الله منزه
(١) من ((هـ)).
(٣) من (( هـ ، ن ))
(٢) في (( هـ )» : أو باع .
(٤) في ((الأصل)): قضى. والمثبت من ((هـ ، ن)).
(٥) في ((الأصل)): ذلك، والمثبت من ((هـ، ن)).
- ٢٩٦ -

عن أن يخلق المعاصي والزنا والكفر وشبهه ، فبان في هذا الحديث
تكذيب قولهم ، بما أخبر به عليه السلام أنه يكتب في بطن أمه شقي
أو سعيد مع تعريف الله العبد أن سبيل الشقاء هو العمل بالمعاصي
والكفر ، فكيف يجوز أن يعمل بما أعلمه الله أنه يعذبه عليه ، ويشقيه
به ، مع قدرة العبد على اختياره لنفسه ، وخلقه لأعماله دون الله ،
تعالى الله أن يكون معه خالق غيره .
ثم قطع القدرية بقوله: فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار
فيدخلها ، فلو كان الأمر إلى اختياره أتراه كان يختار خسارة عمله
طول عمره بالخير ، ثم يخلق لنفسه عملاً من الشر والكفر ، فيدخل
به النار ؟ وهل السابق له إلا فعل ربه وخلقه له ، وخلق عمله
[للشيء] (١) كسبًا له فاكتسبه العبد لشهوة نفسه الأمارة بالسوء مستلذً بذلك
العمل الذي أقدره الله عليه بقدرة خلقها له بحضرة الشيطان المغوي
لنفسه الأمارة له مع الشيطان بالسوء [ فاستحق] (٢) العقاب على ذلك.
فانقطعت حجة العبد بالنذارة ، وانقطعت حجة القدرية بسابق كتاب
الله على العبد العارف بما آل أمره ، باكتسابه للعمل القبيح ، لخلق الله له
قدرة على عمله بحضرة عدويه : [ نفسه ] (٣) وشيطانه، ولذلك نسب
الشر إلى الشيطان لتزيينه له ، ونسب الخير إلى الله لخلقه لعبده، وإقداره
للعبد عليه بحضرة الملك المسدد له ، الدافع لشيطانه عنه بعزة الله وعصمته .
هذا هو أصل الكلام على القدرية [ ثم يلزم القدرية ] (٤) أن يكون
العبد شريكًا لله في خلقه [ بأن ] (٥) يكون العبد يخلق أفعاله والله قد
أبى من ذلك بقوله تعالى: ﴿الله خالق كل شيء وهو على كل شيء
وكيل﴾(٦)، وقوله: ﴿هل من خالق غير الله﴾ (٧) ، فخالفوا النص
(١) في ((الأصل)): الشيء. والمثبت من ((هـ).
(٢) في ((الأصل)): واستحق. والمثبت من (( هـ).
(٣) في ((الأصل)): نفسانه. والمثبت من (( هـ)).
(٤) من (( هـ ).
(٥) في ((الأصل)): وأن. والمثبت من ( هـ)).
(٦) الزمر : ٦٢ .
(٧) فاطر : ٣ .
- ٢٩٧ -

وأوجبوا للعبد من القدرة على خلق أعماله ما أوجبه الله لنفسه تعالى
من الانفراد بالخلق ، ولذلك سميت القدرية: مجوس هذه الأمة
[لقولها] (١) بخالقين مثل ما قالته المجوس من اعتبارها لأرباب من
الشمس والقمر والنور ، والنار والظلمة ، كل على اختياره ، وقد
[٢٠٢٠/٤-ب] نص الله سبحانه وتعالى على إبطال قول القدرية / لعلمه بضلالتهم
ليهدي بذلك أهل سنته فقال: ﴿والله خلقكم وما تعملون﴾ (٢) .
وقوله : يجمع في بطن أمه [ قد فسره ابن مسعود سئل الأعمش ما
يجمع في بطن أمه ] (٣) ؟ قال : حدثني خيثمة قال : قال عبد الله:
إن النطفة ( إذا وقعت ) (٤) في الرحم ، فأراد الله أن يخلق منها بشراً
طارت في بشر المرأة تحت كل ظفر وشعر ، ثم تمكث أربعين ليلة ثم
تصير دمًا في الرحم فذلك جمعها .
باب : جف القلم علی علم الله
:
[ وقوله تعالى: ﴿وأضله الله على علم﴾ (٥)] (٣)
وقال أبو هريرة : قال النبي - عليه السلام -: ((جف القلم بما أنت لاق .
وقال ابن عباس : لها سابقون سبقت لهم السعادة .
فيه : عمران بن حصين : قال رجل : يا رسول الله ، أتعرف أهل الجنة
من أهل النار ؟ قال : نعم. قال : فلم يعمل العاملون ؟ قال : كل يعمل
لما خلق له - أو ما ییسر له - .
قال المهلب : غرض البخاري في هذا الباب غرضه المتقدم من
(١) في ((الأصل)): بقولها. والمثبت من ((هـ)).
(٢) الصافات ٩٦ .
(٣) من (( هـ)).
(٤) تكررت في الأصل
(٥) الجاثية : ٢٣ .
- ٢٩٨ -
۔۔

إدحاض حجة القدرية بهذه النصوص من كلام الله وكلام رسوله ،
فأخبر أنه قد فرغ من الحكم على كل نفس ، وكتب القلم ما يصير إليه
العبد من خير أو شر في أم الكتاب ، وجف [ مداده ] (١) على
المقدور من علم الله . فأضله الله على علم به ، ومعرفة بما كان يصير
إليه أمره لو أهمله ألا يسمعه قد بين ذلك في كتابه حيث يقول : ﴿هو
أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم فلا
تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى ﴾ (٢).
فعرفنا أنه كان بنا عالمًا حين خلق آدم من طينة الأرض المختلفة
[وأحاط] (٣) علماً بما يقع من تلك الطينة لكل شخص من أشخاص
ولده إلى يوم القيامة المتناسلين من صلب إلى صلب في أعداد لا يحيط
بها إلا محصيها ، وعلم ما قسمه من تلك الطينة من طيب أو خبيث ،
وعلم ما يعمل كل واحد من الطاعة والمعصية ليشاهد أعماله بنفسه ،
وكفى بنفسه شهيدًا عليه ، وتشهد له عليه ملائكته وما عاينه من خلقه
، فتنقطع حجته، [ وتحق ] (٤) عقوبته ، ولذلك قال لأبي هريرة
حين أراد أن يختصي خشية الزنا على نفسه: (( قد جف القلم بما أنت
لاق)). فاختص على ذلك أبو ذر ، فعرفه أنه لا يعدو ما جرى به القلم
عليه من خير أو شر ، فإنه لا بد عامله ومكتسبه ، فنهاه عن الاختصاء
بهذا القول الذي ظاهره التخيير ، ومعنى النهي والتبكيت لمن أراد
الهروب عن القدر والتعريف له أنه إن فعل ، فإنه أيضًا من القدر
المقدور عليه فيما جف به القلم عليه .
(١) في ((الأصل)): بمداده. والمثبت من ((هـ)).
(٢) النجم : ٣٢.
(٣) في ((الأصل)): واحتاط. والمثبت من ((هـ)).
(٤) في ((الأصل)): وتحقق. والمثبت من (( هـ)).
- ٢٩٩ -

وقد سئل الحسن البصري عن القدر فقال : إن الله خلق الخلق
للابتلاء ، لم يطيعوه بإكراه منه ، ولم يعصوه بغلبة ، ولم يهملهم من
المملكة ؛ [ بل ] (١) كان المالك لما ملكهم فيه ، والقادر لما قدره
عليهم، فإن تأثم العباد بطاعة الله لم يكن الله صادًا عنها ، ولا مبطئًا؛
بل يزيدهم هدى إلى هداهم ، وتقوى إلى تقواهم ، وإن تأثم العباد.
بمعصية الله كان القادر على صرفهم ؛ إن شاء فعل وإن شاء خلى بينهم
وبين المعصية [ فيكسبونها ] (٢)، فمن بعد الإعذار والإنذار لله الحجة
البالغة ، لا يسئل عما يفعل وهم يسألون ، فلو شاء لهداكم أجمعين.
وقال المهلب : في حديث عمران حجة لأهل السنة [على ] (٣).
المجبرة من أهل القدر وذلك قوله: (( اعملوا ، فكل ميسر [ لما خلق
له)). ولم يقل : فكل مجبر على ما خلق له ، وإنما أراد لما خلق
له] (٤) من عمله للخير أو للشر .
فإن قيل : إنما أراد بقوله : لما خلق له الإنسان من جنة أو نار ، فقد
أخبر أنه [ ميسر لأعمالها ] (٥) ومختار لا [ مجبر ] (٦)؛ لأن الخير
لا يكون باختيار ، وإنما هو بإكراه .
باب : قوله : الله أعلم بما كانوا عاملين
فيه: ابن عباس: سئل النبي ◌َّر عن أولاد المشركين فقال: ((الله أعلم
بما كانوا عاملين)).
وفيه : أبو هريرة مثله. [ وقال عن ](٧) النبي- عليه السلام -: (( ما
(١) في ((الأصل)): فإن. والمثبت من (( هـ ).
(٢) في ((الأصل)): فيكسب بها. والمثبت من ((هـ)).
(٤) في ((الأصل)) : له لما خلق .
(٣) من (( هـ )).
(٥) في ((الأصل)): مسئول عمالها. والمثبت من ((هـ)).
(٦) في ((الأصل)): مجبراً. والمثبت من (هـ)).
(٧) في ( الأصل)): فقال. والمثبت من (( هـ) ..
- ٣٠٠ -