Indexed OCR Text

Pages 181-200

فإن قيل : فقد قال تعالى في سورة النحل : ﴿سلام عليكم ادخلوا الجنة
بما كنتم تعملون﴾ (١) فأخبر أن دخول الجنة بالأعمال أيضًا. فالجواب: أن قوله : .
﴿ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون﴾ (١) كلام مجمل يبينه الحديث، وتقديره
أدخلوا منازل الجنة وبيوتها بما كنتم تعملون ، فالآية مفتقرة إلى بيان الحديث .
وللجمع بين الحديث وبين الآيات وجه آخر هو أن يكون الحديث
[مفسراً] (٢) للآيات، ويكون تقديرها: ﴿وتلك الجنة التي
أورثتموها بما كنتم تعملون ﴾ (٣) و ( كلوا واشربوا هينًا بما كنتم
تعملون﴾ (٤) و﴿ ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون﴾ (١) مع رحمة الله
لكم وتفضله عليكم؛ لأن فضله تعالى ورحمته لعباده في اقتسام المنازل
في الجنة ، كما هو في دخول الجنة لا ينفك منه ، حين ألهمهم إلى ما
نالوا به ذلك ، ولا يخلو شيء من مجازاة الله عباده من رحمته
وتفضله ، ألا ترى أنه تعالى جازى على [ الحسنة ] (٥) عشرًا،
وجازى على السيئة [ واحدة ] (٦)، وأنه ابتدأ عباده بنعم لا تحصى ،
لم يتقدم لهم فيها سبب ولا فعل ، منها أن خلقهم بشرًا سويا ، ومنها
نعمة الإسلام ونعمة العافية ونعمة تضمنه تعالى لأرزاق عباده ، وأنه
كتب على نفسه الرحمة ، وأن رحمته سبقت غضبه ، إلى ما لا يهتدى
إلى معرفته من ظاهر النعم وباطنها .
وقوله: (( إلا أن يتغمدني الله)) قال أبو عبيد : لا أحسب يتغمدني
إلا مأخوذ من غمد السيف، لأنك إذا غمدته فقد ألبسته إياه وغشيته به.
وقول عائشة: ((كان عمله ديمةً)) يعني دائمًا، وأصل [الديمة ](٧):
المطر الدائم مع سكون ، قال لبيد :
(١) النحل : ٣٢.
(٣) الزخرف : ٧٢ .
(٢) في ((الأصل)): مفسر. والمثبت من ((هـ).
(٤) الطور : ١٩ .
(٥) في ((الأصل)): الجنة. وهو تحريف، والمثبت من ((هـ)).
(٦) في ((الأصل)): الواحدة. والمثبت من ((هـ)).
(٧) في ((الأصل)): الديم والمثبت من (( هـ).
- ١٨١ -

باتتْ وأسبلَ واكف من ديمة
[يروي](١) الخمائلَ ، دائمًا تسجامها.
فأخبر أن الديمة : الدائم ، فشبهت عائشة عمله عليه السلام في
دوامه مع الاقتصاد وترك الغلو بديمة المطر .
باب : الصبر عن محارم الله
وقوله : ﴿ إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ﴾ (٢) وقال
عمر: وجدنا خير عيشنا الصبر
فيه : أبو سعيد: (( أنا ناسًا من الأنصار سألوا رسول الله ، فلم يسأله
أحد إلا أعطاه حتى نفد ما عنده ، فقال لهم : ما یکون عندي من خیر لا
أدخره عنكم ، وإنه من يستعفف یعفه الله ، ومن يتصبر يصبره الله ، ومن.
يستغن يغنه الله، ولن تعطوا عطاءً خيراً وأوسع من الصبر)).
وفيه : المغيرة : ( کان النبي - عليه السلام - يصلي حتی ترم أو تنتفخ
قدماه ، فيقال له ، فيقول : أفلا أكون عبداً شكوراً )) .
قال المؤلف: أرفع الصابرين منزلةً عند الله من صبر عن محارم
الله، وصبر على العمل بطاعة الله ، ومن فعل ذلك فهو من خالص
عباد الله وصفوته ، ألا ترى قوله عليه السلام: (( لن تعطوا عطاءً
خيراً وأوسع من الصبر)) وسئل الحسن عن قوله عليه السلام حين سئل:
عن [الإيمان](٣) فقال: ((الصبر والسماح)) فقيل للحسن: ما الصبر
والسماح ؟ فقال : السماح بفرائض الله ، والصبر عن محارم الله .
(١) في ((الأصل)): تذوى. والمثبت من ((هـ)) انظر لسان العرب مادة: سجم.
(٢) الزمر : ١٠ .
(٣) في (( الأصل)): الإيثار. والمثبت من ((هـ)).
1
- ١٨٢ - .
٠٠

وقال الحسن : وجدت الخير في صبر ساعة .
وقوله عليه السلام : (( من يستعفف يعفه الله ومن يتصبر يصبره الله،
ومن يستغن يغنه الله)) معناه من يعفه الله يستعفف ، ومن يصبره الله
يتصبر ، ومن يغنه الله يستغن، وهذا مثل قوله تعالى : ﴿فأما من
أعطى واتقى وصدق بالحسنى﴾ (١) الآية . يبين صحة هذا قوله تعالى
: ﴿ثم تاب عليهم ليتوبوا﴾ (٢) فلولا ما سبق في علمه أنه قضى لهم
بالتوبة ما تابوا ، وكذلك لولا ما سبق في علم الله أنهم ممن يستعفف
ويستغني ويصبر ما قدروا على شيء من ذلك بفعلهم .
يبين ذلك قوله عليه السلام: (( اعملوا فكل / ميسر لما خلق له )) [٤/ ١٨٢ -ب]
وهذا حجة في أن أفعال العباد خلق لله - تعالى - والصبر في حديث
المغيرة صبر على العمل بطاعة الله ، لأنه كان عليه السلام يصلي بالليل
حتى ترم قدماه، ويقول: ((أفلا أكون عبداً شكورًا )).
قال الطبري : وقد اختلف السلف في حد الشكر فقال بعضهم :
[شكر] (٣) العبد لربه على أياديه عنده رضاؤه بقضائه ، وتسليمه لأمره
فيما نابه من خير أو شر ، ذكره الربيع بن أنس عن بعض أصحابه .
وقال آخرون : شكر العبد طاعته لربه ، روي ذلك عن السدي وعن
محمد ابن كعب . وقال آخرون : الشكر لله هو الإقرار بالنعم أنها
منه، وأنه المتفضل بها ، وقالوا الحمد والشكر بمعنى واحد روي ذلك
عن ابن عباس وابن زيد .
قال الطبري : والصّواب في ذلك أن شكر العبد هو إقراره بأن ذلك
من الله دون غيره وإقرار الحقيقة الفعل ، ويصدقه العمل ، فأما
(١) الليل : ٥ - ٦ .
(٢) التوبة : ١١٨.
(٣) في ((الأصل)): يشكر، والمثبت من (( هـ)).
- ١٨٣ -

الإقرار الذي يكذبه العمل ، فإن صاحبه لا يستحق اسم الشاكر بالإطلاق ،
ولكنه يقال [ شكر باللسان ] (١) والدليل على صحة ذلك قوله تعالى:
﴿اعملوا آل داود شكراً﴾ (٢) ومعلوم أنه لم يأمرهم - إذ قال لهم ذلك -
بالإقرار بنعمه ؛ لأنهم كانوا لا يجحدون أن یکون ذلك تفضلا منه علیھم ،
وإنما أمرهم بالشكر على نعمه بالطاعة له بالعمل ، وكذلك قال عليه
السلام حين تفطرت قدماه في قيام الليل : (( أفلا أكون عبداً شكوراً )).
فإن قال قائل : فأي المنزلتين أعلى درجةً : الصبر أو الشكر ؟ قيل:
كل رفيع الدرجة شريف المنزلة ، وما ذو العافية والرخاء كذي الفاقة
والبلاء ، وفي قوله تعالى : ﴿إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير
حساب﴾ (٣) ، وخصوصه إياهم من الأجر على صبرهم دون سائر من
ضمن له ثوابًا على عمله ما يبين عن فضل الصبر .
وقد روى الأعمش ، عن أبي الزبير ، عن جابر قال : قال رسول .
الله ◌َيله: (( يود أهل العافية يوم القيامة أن جلودهم في الدنيا كانت
تقرض بالمقاريض لما يرون من ثواب الله - تعالى - لأهل اليلاء))
[وذكر] (٤) ابن أبي الدنيا من حديث أم هانئ قالت: ((دخل عليّ
رسول الله فقال : أبشري ، فإن الله قد [ أنزل ] (٥) لأمتي الخیر کله،
قد أنزل ﴿ إن الحسنات يذهبن السيئات ﴾ قلت : بأبي وأمي وما
[الحسنات؟] (٦) قال: الصلوات الخمس [ودخل عليّ ] (٧) فقال:
أبشري فإنه قد أنزل خير لا شر بعده . قلت : بأبي وأمي ما هو؟
قال: أنزل الله ﴿ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها﴾ . فقلت : يا رب.
زد أمتي ، فأنزل الله - تعالى - : ﴿مثل الذين ينفقون أموالهم في
سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة ﴾ (٨)
(١) في ((الأصل)): شكرنا للدينار. والمثبت من (( هـ)).
(٣) الزمر : ١٠ .
(٢) سبأ : ١٣ .
(٤) في (( الأصل)): وقال. والمثبت من ((هـ)).
(٥) في ((الأصل)): آثر والمثبت من ( هـ)).
(٧) في ((الأصل)): وقال علي. والمثبت من (( هـ)).
(٦) من (( هـ))." :
(٨) البقرة : ٢٦١.
- ١٨٤ -

فقلت : يا رب زد أمتي . فأنزل الله : ﴿إنما يوفى الصابرون أجرهم
بغير حساب﴾ (١) )).
باب : حفظ اللسان ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر
فليقل خيراً أو ليصمت وقول الله : ﴿ ما يلفظ
من قول إلا لديه رقيب عتيد﴾ (٢)
فيه : سهل بن سعد قال: قال رسول الله وَله: ((من يضمن لي ما بين
لحييه ، وما بين رجليه ، أضمن له الجنة)).
وفيه: أبو هريرة قال: قال رسول الله وسلم: (( من كان يؤمن بالله واليوم
الآخر فليقل خيراً أو ليصمت ، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا
[يؤذ] (٣) جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه)).
ورواه أبو شريح عن النبي - عليه السلام - .
وفيه : أبو هريرة أن النبي - عليه السلام - قال: ((إن العبد ليتكلم
بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالا يهوي بها في النار أبعد ما بين
المشرق والمغرب)) .
وفيه : أبو هريرة عن النبي - عليه السلام -: (( إن العبد ليتكلم بالكلمة من
رضوان الله ، لا يلقي لها بالا ، يرفعه الله بها درجات ، وإن العبد ليتكلم
بالكلمة من سخط الله ، لا يلقي لها بالا يهوي بها في نار جهنم )) .
قال المؤلف : ما أحق من علم أن عليه حفظةً موكلين به ، يحصون
عليه سقط كلامه وعثرات لسانه ، أن يحزنه ويقل كلامه فيما لا يعنيه ،
(١) الزمر : ١٠ .
(٢) سورة ق : ١٨ .
(٣) في ((الأصل، هـ)): يؤذي. والمثبت من (( ن)).
- ١٨٥ -

[٤/ ق١٨٣ - ١]
وما أحراه بالسعي في أن لا يرتفع عنه ما يطول عليه ندمه من قول
الزور والخوض في الباطل ، وأن يجاهد نفسه في ذلك ويستعين بالله
ويستعيذ من شر لسانه، وقوله عليه السلام: (( من كان يؤمن بالله
واليوم الآخر فليقل خيراً أو [ ليصمت ] (١))) يعني من كان يؤمن بالله
واليوم الآخر الإيمان التام فإنه / ستبعثه قوة إيمانه على محاسبة نفسه في
الدنيا والصمت عما يعود عليه ندامةً يوم القيامة ، وكان الحسن يقول :
ابن آدم ، نهارك ضيفك فأحسن إليه ، فإنك إن أحسنت إليه ارتحل
يحمدك ، وإن أسأت إليه ارتحل يذمك .
وقال عمر بن عبد العزيز لرباح بن عبيد : بلغني أن الرجل ليظلم
بالمظلمة ، فما زال المظلوم يشتم ظالمه حتى يستوفي حقه ويفضل
للظالم عليه . وروى أسد عن الحسن البصري قال : لا يبلغ أحد
حقيقة الإيمان حتى لا يعيب أحدًا بعيب هو فيه ، وحتى يبتدئ بصلاح
ذلك الغيب من نفسه، فإنه إن فعل ذلك لم يصلح عيبًا إلا وجد في
نفسه عيبًا آخر ، فينبغي له أن يصلحه ، فإذا كان المرء كذلك كان شغله
في خاصته واجبًا، وأحب العباد إلى الله من كان كذلك .
وقوله : (( من ضمن لي ما بين لحييه)) يعني لسانه فلم يتكلم بما
يكتبه عليه صاحب الشمال (( وما بين رجليه )) يعني فرجه فلم يستعمله
فيما لا يحل له (( ضمنت له الجنة)) . ودل بهذا الحديث أن أعظم
البلاء على العبد في الدنيا اللسان والفرج ، فمن وقي شرهما فقد وقي
أعظم الشر، ألا ترى قوله عليه السلام: (( إن العبد ليتكلم بالكلمة
لا يلقى لها بالاً يزل بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب».
وقال أهل العلم: هي الكلمة عند السلطان بالبغي والسعي على
(١) في ((الأصل)): يصمت. والمثبت من ((هـ)) ..
- ١٨٦ -

المسلم ، فربما كانت سببًا لهلاكه ، وإن لم يرد ذلك الباغي ، لكنها
آلت إلى هلاكه ، فكتب عليه إثم ذلك ، والكلمة التي يكتب الله
[له](١) بها رضوانه الكلمة يريد بها وجه الله بين أهل الباطل ، أو
الكلمة يدفع بها مظلمة عن أخيه المسلم ، ويفرج عنه بها كربةً من
كرب الدنيا ، فإن الله - تعالى - يفرج عنه كربةً من كرب الآخرة ،
ويرفعه بها درجات يوم القيامة .
*
باب : البكاء من خشية الله
فيه : أبو هريرة عن النبي - عليه السلام - قال: (( سبعة يظلهم الله في
ظله رجل ذكر الله ففاضت عيناه ... )) الحديث .
قال المؤلف : قد تقدم الكلام في هذا الحديث في كتاب المحاربين
في باب فضل من ترك الفواحش ، ونذكر في هذا الباب ما روي في
البكاء من خشية الله - تعالى - عن الأنبياء - عليهم السلام - وعن
السلف أيضًا ، روى أسد بن موسى ، عن عمران بن زيد ، عن يزيد
الرقاشي، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله وَله: ((أيها
الناس ، ابكوا ، فإن لم تبكوا فتباكوا ، فإن أهل النار يبكون في النار
حتى تسيل دموعهم في وجوههم كأنها جداول ، ثم تنقطع الدموع
وتسيل الدماء فتقرح العيون ، فلو أن السفن أجرين فيها لجرت)) وكان
وَ ل* إذا قام إلى الصلاة سمع لجوفه أزيز كأزيز المرجل من البكاء،
وهذه كانت سيرة الأنبياء والصالحين كأن خوف الله أُشرب قلوبهم
واستولى عليهم الوجل حتى كأنهم عاينوا الحساب ، وعن يزيد
(١) من (( هـ)).
- ١٨٧ -

الرقاشي قال : يا لهفاه سبقني العابدون ، وقطع بي نوح ؛ يبكي على
خطيئته ، ويزيد لا يبكي على خطيئته ، إنما سُمّ [ نوحًا ] لطول ما
ناح على نفسه في الدنيا .
وذكر ابن المبارك عن مجاهد قال : كان طعام يحيى بن زكريا.
العشب ، وكان يبكي من خشية الله ، ما لو كان القار على عينيه.
[لخرقه](٢) ولقد كانت الدموع اتخذت في وجهه مجرى .
وقال ابن عباس : قال النبي - عليه السلام -: (( كان مما ناجى الله
موسى أنه لم يتعبد العابدون بمثل البكاء من خيفتي ، أما البكاءون من
خیفتي فلهم الرفيق لا يشاركون فيه )) .
وعن وهيب بن الورد أن زكريا [ قال ] (٣) ليحيى ابنه شيئًا فقال
له: يا أبة ، إن جبريل أخبرني أن بين الجنة والنار مفازة لا يقطعها إلا
كل بكاء :
وقال الحسن : أوحى الله إلى عيسى بن مريم أكحل عينيك بالبكاء
إذا رأيت البطالين يضحكون .
وعن وهب بن منبه عن النبي - عليه السلام - قال: (( لم يزل
أخي داود باكيًا على خطيئته ( مدة ) (٤) حياته كلها ، وكان يلبس
الصوف ويفترش الشعر ويصوم يومًا ويفطر يومًا ، ويأكل خبز الشعير بالملح
والرماد، ويمزج شرابه بالدموع، ولم ير ضاحكًا بعد الخطيئة ، ولا شاخصاً
ببصره إلى السماء حياءً من ربه وهذا بعد المغفرة ، وكان إذا ذكر خطيئته خر
مغشيا عليه [يضطرب] (٢) كأنه أعجب به ، فقال : وهذه خطيئة أخرى.
وروي عن محمد بن كعب في قوله تعالى : ﴿ وإن له عندنا لزلفى
(٢) من (( هـ ).
(١) في ((الأصل)): نوح، والمثبت من (( هـ)).
(٣) في ((الأصل)): كان. والمثبت من (( هـ)).
(٤) في ((هـ)) : أيام .
.- ١٨٨ -

وحسن مآب ﴾ (١) قال: الزلفى: أول / من يشرب من الكأس (٢) (٤/ ١٨٣٥ -ب]
يوم القيامة داود وابنه .
قال بعض الناس : أرى هذه الخاصة لشربه دموعه من [ خشية ] (٣)
الله - عز وجل - وكان عثمان بن عفان إذا وقف على قبر بكى حتى
يبل لحيته ، فقال له : قد تذكر الجنة والنار ولا تبكي وتبكي من هذا ؟
قال: إن رسول الله وَ لقر قال لي: ((إن القبر أول منزلة من منازل
الآخرة ، فمن نجا منه فما بعده أيسر منه ، وإن لم ينج منه فما بعده
أشد منه)" .
وقال أبو رجاء : رأيت مجرى الدموع من ابن عباس كالشراك
البالي من البكاء .
*
باب : الخوف من الله
فيه : حذيفة وأبو سعيد عن النبي - عليه السلام - قال: (( كان رجل
ممن كان قبلكم يسيء الظن بعمله ، فقال لأهله : إذا أنا مت فخذوني
فذروني في البحر في يوم صائف . ففعلوا به ، فجمعه الله ثم قال : ما
حملك على الذي صنعت ؟ قال : مخافتك . فغفر له )) .
وقال أبو سعيد في حديثه: (( أنه لم يبتثر عند الله خيرًا - فسرها قتادة :
لم يدخر - وإن يقدم على الله يعذبه ، فانظروا فإذا مت فاحرقوني ، حتى
إذا صرت فحمًا فاسحقوني - أو قال فاسهكوني - ثم إذا كان ربح
عاصف ، فأذروني فيها ، فأخذ مواثيقهم على ذلك ، وربي ففعلوا .
(١) سورة ص: ٢٥، ٤٠.
(٢) ورد في ((الأصل) كلمة (( إلى)) وكأنها مقحمة.
(٣) في ( الأصل)): الحب. والمثبت من ((هـ)).
- ١٨٩ -

فقال الله : کن . فإذا رجل قائم . قال الله : أي عبدي ، ما حملك على ما
فعلت ؟ قال : مخافتك أو فرق منك . فما تلافاه أن رحمه )) .
قال المؤلف: [ ذكر البخاري] (١) في باب ما ذكر عن بني
إسرائيل، قال حذيفة: ((وكان نباشًا)).
قال المؤلف : [ فغفر ] (٢) الله له بشدة مخافته ، وأقرب الوسائل
إلى الله خوفه وألا يأمن المؤمن مكره ، قال خالد الربعي: وجدت
فاتحة زبور داود : رأس الحكمة خشية الرّب . وكان السلف الصالح
قد أشرب الخوف من الله قلوبهم واستقلوا أعمالهم [ ويخافون ] (٣)
ألا يقبل منهم مع مجانبتهم الكبائر ، فروي عن عائشة: ((أنها سألت:
النبي - عليه السلام - عن قوله تعالى : ﴿والذين يؤتون ما آتوا
وقلوبهم وجلة ﴾ (٤) قال : يا ابنة الصدّيق ، هم الذين يصلون
ويصومون ويتصدقون ، ويخافون ألا يقبل منهم» .
وقال مطرف بن عبد الله : كاد خوف النار يحول بيني وبين أن
أسأل الله الجنة . وقال بكر - لما نظر إلى أهل عرفات - : ظننت أنه
قد غفر لهم لولا أني كنت معهم .
فهذه صفة العلماء بالله الخائفين له ، يعدون أنفسهم من الظالمين
الخاطئين ، وهم أنزاه برآء أو مع المقصرين ، وهم أكياس مجتهدون لا
يدلون عليه بالأعمال فهم مروّعون خاشعون وجلون
(١) من (( هـ)).
(٣) في ((الأصل)): يخافوا. والمثبت من ((هـ )). (٤) المؤمنون : ٦٠
(٢) في ((الأصل)»: يغفر.
- ١٩٠ -

وقال عبد الله بن مسعود : وددت أني [ انفلقت ] (١) عن روثة لا
أنتسب إلا إليها ، فيقال : عبد الله بن روثة ، وأن الله قد غفر لي ذنبًا
واحدًا .
وقال الحسن البصري : يخرج من النار رجل بعد ألف عام ،
وليتني كنت ذلك الرجل ، لقد شهدت أقوامًا كانوا أزهد فيما أحل
لهم منكم فيما حرم عليكم ، ولهم كانوا أبصر بقلوبهم منكم
بأبصاركم ، ولهم كانوا أشفق أن لا تقبل حسناتهم منكم ألا تؤخذوا
بسيئاتكم .
وقال حكيم من الحكماء : إذا أردت أن تعلم قدرك عند الله فاعلم
قدر طاعة الله في قلبك . وقال ميمون بن مهران : ما [ فينا ] (٢) خير
إلا أنا نظرنا إلى قوم ركبوا الجرائم وعففنا عنها ، فظننا أن فينا خيرًاً
وليس فينا خير. فإن قال قائل : كيف غفر [ لهذا ] (٣) الذي أوصى
أهله بإحراقه وقد جهل قدرة الله على إحيائه، وذلك أنه قال: ((إن
يقدر علي الله يعذبني)) وقال في رواية أخرى: ((فوالله لئن قدر الله
عليَّ ليعذبني )) .
قال الطبري : قيل : قد اختلف الناس في تأويل هذا الحديث ،
فقال بعضهم : أما ما كان من عفو الله عما كان منه في أيام صحّته من
المعاصي ؛ فلندمه عليها وتوبته منها عند [ موته ] (٤) ، ولذلك أمر
ولده بإحراقه ( وذروه ) (٥) في البر والبحر خشية من عقاب ربه
(١) في ((الأصل)): تعلقت. والمثبت من (( هـ)).
(٢) في ((الأصل)): منا. والمثبت من (( هـ)).
(٣) في ((الأصل)): إلى هذا. والمثبت من (( هـ )).
(٤) في ((الأصل)): توبته. والمثبت من (( هـ).
(٥) في ((هـ)): وتذريره .
- ١٩١ -

والندم توبة، ومعنى رواية من روى: (( فوالله لئن قدر الله عليه )) أي
إن ضيق عليه ، كقوله : ﴿ومن قدر عليه رزقه﴾ (١) وقوله: ﴿وأما
إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه ﴾ (٢) لم يرد بذلك وصف بارئه بالعجز
عن إعادته حيًا ، ویبين ذلك قوله في الحدیث حین أحياه ربه ( قال :
ما حملك على ما صنعت ؟ قال : مخافتك يا رب)) . وبالخوف
والتوبة نجا من عذابه عز وجل .
[٤/ ق١٨٤ - ١]
وقال آخرون في معنى قوله ((لئن قدر الله علي)) : معناه القدرة
التي هي خلاف العجز ، وكان عنده أنه إذا أحرق وذري في البر
والبحر أعجز ربه عن إحيائه ، قالوا : وإنما غفر له جهله بالقدرة ؛/
لأنه لم يكن تقدم من الله - تعالى - في ذلك الزمان بأنه لا يغفر
الشرك به ، وليس في العقل دليل على أن ذلك غير جائز في حكمة
الله ؛ بل الدليل فيه على أنه ذو الفضل والإحسان والعفو عن أهل
الآثام ، وإنما نقول؛ لا يجوز أن يغفر الشرك بعد قوله تعالى: ﴿إن
الله لا يغفر أن يشرك به ﴾ (٣) فأما جواز غفران الله ذلك لولا الخبر في
كتابه فهو كان [الأولى ] (٤) بفضله والأشبه بإحسانه [ لأنه ] (٥) لا
يضره كفر كافر ، ولا ينفعه إيمان مؤمن .
وقال آخرون : بل غفر له وإن كان كفرًا من قوله ، من أجل أنه
قاله على جهل منه بخطئه ، فظن أن ذلك صواب . قالوا : وغير
جائز في عدل الله وحكمته أن يسّوي بين من أخطأ وهو يقصد
الصواب، وبين من تعمّد الخطأ والعناد للحق في العقاب .
وقال آخرون : إنما غفر له، وإن كان كفرًا ممن قصد قوله وهو يعقل
(١) الطلاق : ٧ .
(٣) النساء : ٤٨ .
(٢) الفجر : ١٦ .
(٤) في ((الأصل)): أولى. والمثبت من ((هـ)).
(٥) في ((الأصل)): أنه. والمثبت من (( هـ).
- ١٩٢ - .

ما يقول ؛ لأنه قاله وهو لا يعقل ما يقول . وغير جائز وصف من
نطق بكلمة كفر وهو لا يعلمها كفراً بالكفر ، وهذا قاله وقد غلب
على فهمه من الجزع الذي كان لحقه [ لخوفه ] (١) من عذاب الله
-تعالى - [وهذا] (١) نظير الخبر الذي روي عن النبي - عليه السلام-
في الذي يدخل الجنة آخر من يدخلها فيقال له: (( إن لك مثل الدنيا
وعشرة أمثالها )) فيقول للفرح الذي يدخله: (( يا رب أنت عبدي وأنا
ربك مرتين)) قالوا فهذا القول لو قاله على فهم منه بما يقول كان
كفرًا، وإنما لم يكن منه كفرًا لأنه قاله وقد استخفه الفرح مريدًا به أن
يقول : أنت ربي وأنا عبدك ، فلم يكن مأخوذًا بما قال من ذلك .
ويشهد لصحة هذا المعنى قوله تعالى : ﴿وليس عليكم جناح فيما
أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم ﴾ (٢) .
قال المؤلف : وسأذكر كلام الأشعري ومذهبه في هذا الحديث في
كتاب الاعتصام في باب قوله تعالى : ﴿ يريدون أن يبدلوا كلام
الله﴾ (٣) فهو حديث أكثر الناس فيه القول ، إن شاء الله .
وقوله: (( لم يبتئر خيرًا )) فإن الأصمعي والكسائي كانا يقولان فيه:
لم يقدم خيراً . وقال غيرهما : معناه أنه لم يقدم لنفسه خيراً خبأه
لها، وقال : إن أصل الابتثار الإخفاء ، يقال منه : بأرت الشيء
وابتأرته ابتئارًا ، ومنه سميت الحفرة : البؤرة ، وفيه لغتان ابتأرت
وابتيرت ، ومصدره ابتئاراً . وقال صاحب العين : البئرة بوزن فعلة :
ما ادخرت من شيء .
(١) من (( هـ).
(٣) الفتح : ١٥ .
(٢) الأحزاب : ٥ .
- ١٩٣ -

باب : الانتهاء عن المعاصي
فيه : أبو موسى: قال النبي - عليه السلام -: (( مثلي ومثل ما بعثني
الله به كمثل رجل أتى قومًا فقال : رأيت الجيش بعيني وأنا النذير
العريان، فالنجاء النجاء، فأطاعه قوم فأدلجوا على مهلهم فنجوا ،
و کذبته طائفة فصبحهم الجیش فاجتاحهم )) .
وفيه : أبو هريرة قال النبي - عليه السلام -: (( مثلي ومثل الناس
كمثل رجل استوقد نارًا ، فلما أضاءت ما حوله جعل الفراش وهذه
الدواب التي تقع في النار يقعن [ فيها ] (١) وجعل [ ينزعهن ] (٢)
ويغلبنه فيقتحمن فيها ، فأنا آخذ بحجزكم عن النار ( وهم
يقتحمون)(٢) فیها )) .
وفيه: عبد الله بن عمرو: قال النبي ◌َ : ((المسلم من سلم المسلمون
من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه)) .
قال المؤلف : هذه أمثال ضربها النبي - عليه السلام - لأمته لينبههم
بها على استشعار الحذر ، خوف التورّط في محارم الله والوقوع في
معاصيه ، ومثل لهم ذلك بما عاينوه وشاهدوه من أمور الدنيا ؛ ليقرب
ذلك من أفهامهم ، ويكون أبلغ في موعظتهم ، فمثل عليه السلام
اتباع الشهوات المؤدية إلى النار بوقوع الفراش [ في النار ؛ لأن
الفراش] (٤) من شأنه [ اتباع ] (٤) ضوء النار حتى يقع فيها ، فكذلك
متبع شهوته يئول به ذلك إلى العذاب ، وشبّه جهل راكب الشهوات
بجهل الفراش ؛ لأنها لا تظن أن النار تحرقها حتى تقتحم فيها .
والنذير العريان : أرجل من خثعم حمل عليه يوم ذي الخلصة فقطع
(١) من ((هـ، ن)).
(٢) في (( الأصل)): ينزعنهن. والمثبت من (( هـ، ن).
(٤) من (( هـ).
(٣) في (( هـ)) : وأنتم تقتحمون .
- ١٩٤ -

يده ويد امرأته ، فرجع إلى قومه ، فضرب عليه السلام المثل لأمته لأنه
تجرّد لإنذارهم ، لما يصير إليه من اتبعه من كرامة الله ، وبما يصير إليه
من عصاه من نقمته وعذابه ؛ تجرد من رأى من الحقيقة ما رأى النذير
العريان الذي قطعت يده ويد امرأته / حتى ضرب به المثل في تحقيق (٤/ ١٨٤٥ -ب]
الخبر .
وقوله : ((المهاجر من هجر ما نهى الله عنه )) يعني المهاجر التام
الهجرة من هجر المحارم ، كما قال عليه السلام أن جهاد النفس أكبر
من جهاد العدو .
باب : قول النبي - عليه السلام - لو تعلمون
ما أعلم لضحكتم قليلا
فيه : أبو هريرة وأنس عن النبي - عليه السلام - قال: (( لو تعلمون ما
أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيراً ».
قال المؤلف : روى سنيد ، عن هشيم، عن كوثر بن حكيم ، عن
نافع، عن ابن عمر قال: (( خرج رسول الله وَّل إلى المسجد، فإذا
قوم يتحدثون ويضحكون ، قال : أكثروا ذكر الموت ، أما والذي
نفسي بيده لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً)).
وخشية الله إنما تكون على مقدار العلم به ، كما قال تعالى : ﴿إنما
يخشى الله من عباده العلماء ﴾(١) ولما لم يعلم أحد كعلم النبي - عليه
السلام - لم يخش كخشيته ، فمن نور الله [ قلبه ] (٢) وكشف الغطاء
عن بصيرته ، وعلم ما حباه الله من النعم ، وما يجب عليه من الطاعة
والشكر ، وأفكر فيما يستقبل من أهوال يوم القيامة ،
(١) فاطر: ٢٨ .
(٢) في ((الأصل)): عليه. والمثبت من (( هـ)).
- ١٩٥ -

وما يلقى العباد في تلك المواقف من الشدائد ، وما يعاينوه من مساءلة
الله عباده عن مثاقيل الذر ، وعن الفتيل والقطمير كان حقيقًا بكثرة
الحزن وطول البكاء ، ولهذا قال أبو ذرّ : لو تعلمون العلم ما ساغ
لكم طعام ولا شراب ، ولا نمتم على الفرش، [ولاجتنبتم](١).
النساء، ولخرجتم إلى الصعدات [ تجارون ] (٢) وتبكون .
وقال عبد الله بن عمرو : ابكوا ، فإن لم تجدوا بكاءً فتباكوا ، فلو
تعلمون العلم لصلى أحدكم حتى ينكسر ظهره ، ولبكى حتى ينقطع
صوته . وقال الفضيل : بلغني عن طلحة أنه ضحك يومًا فوثب على
نفسه ، وقال : فيم تضحك ، إنما يضحك من قطع الصراط ، ثم
قال: آليت على نفسي ألا أكون ضاحكًا [ حتى أعلم متى تقع الواقعة،
فلم ير ضاحكًا ] (٣) حتى صار إلى الله .
وقال الحسن : يحق لمن عرف أن الموت مورده والقيامة موعده ،
وأن الوقوف بين يدي الله مشهده ، أن يطول في الدنيا حزنه .
وقال سفيان في قوله تعالى : ﴿وكانوا لنا خاشعين﴾ (٤) قال:
الحزن الدائم في القلب ، وقال : إنما الحزن على قدر البضر . وقال
بعضهم : الحزن والخشية ( هي ) (٥) مواريث القلوب التي تُنال بما.
قبلها من الأعمال ، فمن رام أن يقيم فرضه تامًا [ فيصلي ] (٦) لله
بكمال الصلاة ، ويصوم بكمال الصيام ، ويؤدي كذلك سائر
الفرائض، ويقوم بالحق على نفسه وأهله ومن يسأل عنه في مداخلته
ومخالطته ، ويقيم ما أمر به في لسانه وسمعه وبصره ، وجميع
(١) في ((الأصل)): ولا جالستم. والمثبت من (( هـ)).
(٣) من (( هـ)).
(٢) في ((الأصل)): تجرون. والمثبت من (( هـ).
(٤) الأنبياء : ٩٠ .
(٦) في ((الأصل)): فليصلي. والمثبت من (( هـ)).
(٥) في (( هـ ): من .
- ١٩٦ -

جوارحه حتى يدخل في قوله تعالى : ﴿ إن الذين قالوا ربنا الله ثم
استقاموا ﴾ (١) وجد نفسه عن ذلك عاجزًا مقصراً، فإذا رأى ذلك
بعين جلية وعلم قرب أجله وعظيم خطبه ، وأن الوقوف بين يدي الله
من ورائه حزن على نفسه ، بتخلفه [ عن ] (٢) السابقة التي يسمعها
لغيره ، ووجب عليه الجد في أمره واستجلاب معونة الله بالاعتصام
به، قال تعالى : ﴿إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبًا
ورهبًا وكانوا لنا خاشعين﴾ (٣) .
وقال مطرف ابن [ عبد الله ] (٤) : دع أعمال الشر؛ فإن في الخير
[شرًا كثيرًا ] (٥) فلو لم تكن لنا ذنوب إلا أن الله - تعالى - يؤاخذنا
بصحة أعمالنا وإتقانها وإحكامها وإصلاحها وصوابها لكان في هذا
شغل كثير لمن يعقل .
وقد تقدم في كتاب الإيمان في باب : خوف المؤمن أن يحبط عمله
ولا يشعر ما يشبه هذا المعنى .
باب : حجبت النار بالشهوات
فيه: أبو هريرة قال النبي - عليه السلام -: (( حجبت النار بالشهوات،
وحجبت الجنّة بالمكاره )).
وفيه : ابن مسعود قال النبي - عليه السلام -: (( الجنة أقرب إلى
أحدكم من شراك نعله ، والنار [ مثل ] (٦) ذلك)).
وفيه : أبو هريرة قال النبي - عليه السلام -: « أصدق كلمة قالها
الشاعر : ألا كل شيء ما خلا الله باطل )) .
(١) فصلت : ٣٠.
(٢) من (( هـ )).
(٣) الأنبياء : ٩٠ .
(٤) في ((الأصل)): عبيد. والمثبت من (( هـ)).
(٥) في (( الأصل)): خيراً. والمثبت من (( هـ)).
(٦) في ((الأصل)): بمثل. والمثبت من ((هـ، ن)).
- ١٩٧ -

[٤/ ق ١٨٥-١]
/ قال المؤلف: قوله عليه السلام: (( حجبت النار بالشهوات
والجنة بالمكاره )) من جوامع الكلم وبديع البلاغة في ذم الشهوات
والنهي عنها، والحض على طاعة الله ، وإن كرهتها النفوس وشق
عليها؛ لأنه إذا لم يكن يوم القيامة غير الجنة والنار ولم يكن بد من
المصير إلى [ إحداهما ] (١) فواجب على المؤمنين السعي فيما يدخل
إلى الجنة ( وينقذ ) (٢) من النار، وإن شق ذلك عليهم ؛ لأن الصبر
على النار أشق ، فخرج هذا الخطاب منه عليه السلام بلفظ الخبر وهو
من باب النهي والأمر .
وقوله: ((الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله ، والنار مثل
ذلك)) فدليل واضح أن الطاعات الموصلة إلى الجنة والمعاصي المقربة من
النار قد تكون في أيسر الأشياء ، ألا ترى قوله عليه السلام: ((إن
الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالا ؛ يكتب الله له
بها رضوانه إلى يوم يلقاه ، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله
لا يلقي لها بالا ؛ يكتب الله له بها سخطه إلى يوم يلقاه )» . فينبغي
للمؤمن ألا يزهد في قليل من الخير يأتيه ، ولا يستقل قليلاً من الشر
يجتنيه فيحسبه هينًا ، وهو عند الله عظيم ، فإن المؤمن لا يعلم الحسنة
التي يرحمه الله بها ، ولا يعلم السيئة التي يسخط الله عليه بها ، وقد
قال الحسن البصري : من تقبلت منه حسنة واحدة دخل الجنة .
وقوله عليه السلام : (( أصدق كلمة قالها الشاعر : ألا كل ما خلا:
الله باطل)) فالمراد به الخصوص ؛ لأن كل ما قرب من الله ڤلیس
بباطل، وإنما أراد أن كل شيء من أمور الدنيا التي لا تؤول إلى طاعة
الله ، ولا تقرب منه فهي باطل .
--- -
(١) في ((الأصل)): أحدهما. والمثبت من ((هـ، ن)).
(٢) في (( هـ)» : ويبعد .
- ١٩٨ -

باب : لينظر إلى من هو أسفل منه
فيه : أبو هريرة قال النبي - عليه السلام -: (( إذا نظر أحدكم إلى من
فضل عليه في المال والخلق ، فلينظر إلى من هو أسفل منه)) .
قال الطبري : وهذا حديث جامع لمعاني الخير ، وذلك أن العبد لا
يكون بحال من عبادة ربه مجتهدًا فيها ؛ إلا وجد من هو فوقه في
ذلك، فمتى طلب نفسه باللحاق بمن هو فوقه استقصر حاله التي هو
عليها ، فهو أبدًا في زيادة تقربه من ربه ، ولا يكون على حالة خسيسةٍ
من دنياه إلا وجد من أهلها من هو أخسّ منه حالا ، فإذا تأمل ذلك
وتفكره وتبين نعم الله عليه ؛ علم أنها وصلت إليه ولم تصل إلى كثير
من خلقه ، فضله الله بها من غير أمر أوجب ذلك له على خالقه ،
ألزم نفسه من الشكر عليها أن وفق لها ما يعظم به اغتباطه في معاده .
باب : من هم بحسنة أو سيئة
فيه : ابن عباس قال النبي - عليه السلام -: (( إن الله كتب الحسنات
والسيئات ثم بين ذلك ، فمن همّ بحسنة فلم يعملها [ كتب ] (١) الله
عنده حسنةً كاملةً ، وإن همّ بها فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى
سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله
له عنده حسنة كاملة، فإن همّ بها فعملها كتبها الله له سيئة واحدةً )) .
قال المؤلف: هذا حديث شريف بيّن فيه النبي وَ ل# مقدار تفضل
الله على عباده بأن جعل [ هموم العبد بالحسنة ، وإن لم يعملها
حسنة، وجعل ] (٢) همومه بالسيئة إن لم يعملها حسنة ، وإن عملها
(١) في (( ن)) : كتبها .
(٢) من (( هـ ).
- ١٩٩ -

كتبت سيئة واحدة ، وإن عمل الحسنة كتبت عشرًا ، ولولا هذا
التفضل العظيم لم يدخل أحد الجنة ؛ لأن السيئات من العباد أكثر من
الحسنات، فلطف الله بعباده بأن ضاعف لهم الحسنات ، ولم يضاعف
[عليهم] (١) السيئات ، وإنما جعل الهموم بالحسنة حسنةً ؛ لأن
الهموم بالخير هو فعل القلب بعقد النية على ذلك .
فإن قيل : فكان ينبغي على هذا القول أن يكتب لمن همّ بالشرّ ولم
يعمله سيئةً ؛ لأن الهموم بالشرّ عمل من أعمال القلب للشرّ. قيل:
ليس كما توهمت ، ومن كفّ عن فعل الشرّ فقد نسخ اعتقاده للسيئة
باعتقاد آخر نوى به الخير وعصى هواه المريد للشرّ ، فذلك عمل
للقلب من أعمال الخير ، فجوزي على ذلك بحسنة ، وهذا كقوله
عليه السلام : (( على كل مسلم صدقة . قالوا : فإن لم يفعل ؟ قال
: يمسك عن الشرّ فإنه صدقة)) ذكره في كتاب الأدب في باب كل
معروف صدقة .
وحديث ابن عباس معناه الخصوص لمن همّ بسيئة ، فتركها لوجه
[١٨٥٥/٤ - ب] الله تعالى / وأما من تركها مكرهًا على تركها بأن يحال بينه وبينها ،
فلا تكتب له حسنة ولا يدخل في معنى الحديث .
قال الطبري : وفي هذا الحديث تصحيح مقالة من يقول: إن
الحفظة تكتب ما يهم به العبد من حسنة أو سيئة وتعلم اعتقاده لذلك،
وردّ مقالة من زعم أن الحفظة ، إنما تكتب ما ظهر من عمل العبد
وسمع، واحتجوا بما روى ابن وهب ، عن معاوية بن صالح ، عن
كثير ابن الحارث، عن القاسم مولى معاوية، عن عائشة زوج النبي وَلاو
قالت: (( لأن أذكر الله - تعالى - في نفسي أحب إلي من أن أذكره
(١) من ((هـ)).
- ٢٠٠ -