Indexed OCR Text

Pages 161-180

:
فيه : حكيم : (( سألت النبي - عليه السلام - فأعطاني ثلاثًا ، ثم قال
لي : يا حكيم، إن هذا المال خضرة حلوة ، فمن أخذه بطيب نفس بورك
له فیه ، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه ، وکان کالذي يأكل
ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى )).
قال المؤلف : هذا الباب في معنى الذي قبله يدل على أن فتنة المال
والغنى مخوفة على من فتحه الله عليه لتزيين الله تعالى له ، ولشهوات
الدنيا في نفوس عباده ؛ فلا سبيل لهم إلى بغضته إلا بعون الله على
ذلك، ولهذا قال عمر : اللهم إنا لا نستطيع إلا أن نفرح بما زينت لنا،
ثم دعا الله أن يعينه على إنفاقه في حقه ، فمن أخذ المال من حقه
ووضعه في حقه فقد سلم من فتنته ، وحصل على ثوابه ، وهذا معنى
قوله عليه السلام: [ («فمن أخذه بطيب نفس بورك له فيه)) ، وفي
قوله أيضًا ]: ((ومن أخذه بطيب نفس )) تنبيه لأمته على الرضا بما
قسم لهم ، وفي قوله : (( ومن أخذه بإشراف نفس لم يُبارك له فيه ،
وكان كالذي يأكل ولا يشبع)) [ ذم الحرص والشره إلى الاستكثار ،
ألا ترى أنه شبّه فاعل ذلك بالبهائم التي تأكل ولا تشبع](١) وهذا غاية
الذم له لأن الله تعالى وصف الكفار بأنهم يأكلون كما تأكل الأنعام ،
يعني : أنهم لا يشبعون كما لا تشبع الأنعام ؛ لأن الأنعام لا تأكل
لإقامة أرماقها ، وإنما تأكل للشره والنهم.
فينبغي للمؤمن العاقل الفهم عن الله - تعالى - وعن رسوله أن
يتشبه بالسلف الصالح في أخذ الدنيا ولا يتشبه بالبهائم التي لا تعقل ،
وقد فسرنا قوله : (( خضرة حلوة )) في كتاب الزكاة .
(١) من (( هـ).
- ١٦١ -

باب : ما قدم من ماله فهو له
فیه : عبد الله قال : قال رسول الله : ( أیکم مال وارثه أحب إليه من
ماله؟ قالوا: يا رسول الله ما منا أحد إلا [ ماله] (١) أحب إليه. قال :
فإن ماله ما قدم ، ومال وارثه ما آخر )) .
قال المؤلف : هذا الحديث تنبيه للمؤمن على أن يقدم من ماله لآخرته ،
ولا يكون خازنًا له وممسكه عن إنفاقه في طاعة الله ، فيخيب من الانتفاع
به في يوم الحاجة إليه ، وربما أنفقه وارثه في طاعة الله فيفوز بثوابه .
فإن قيل : هذا الحديث يدل على أن إنفاق المال في وجوه البر أفضل
من تركه لوارثه ، وهذا يعارض قوله عليه السلام لسعد: ((إنك إن
تترك ورثتك أغنياء خير من أن تتركهم عالةً يتكففون الناس )) .
قيل : لا تعارض بينهما ، وإنما حض النبي - عليه السلام - سعدًا
على أن يترك مالاً لورثته ؛ لأن سعدًا أراد أن يتصدق بماله كله في
مرضه ، وكان وارثه ابنته والابنة لا طاقة لها على الكسب ، فأمره عليه
السلام بأن يتصدق منه بثلثه ويكون باقيه لابنته ولبيت مال المسلمين ،
وله أجر في كل من يصل إليه من ماله شيء بعد موته .
وحديث ابن مسعود إنما خاطب به عليه السلام أصحابه في صحتهم
ونبّه به من شحّ على ماله ، ولم تسمح نفسه بإنفاقه في وجوه البر أن
ينفق منه في ذلك ؛ لئلا يحصل وارثه عليه كاملاً موفرًا ، ويخيب هو
من أجره ، وليس فيه الأمر بصدقة المال كله فیکون معارضًا حدیث
سعد ، بل حديث عبد الله مجمل يفسره حديث سعد، ويدل على
صحة هذا التأويل ما ذكره أهل السير ، عن ابن شهاب أن أبا لبابة
قال: (( يا رسول الله، إن من توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت
فيها الذنب ، وأنخلع من مالي كله صدقة إلى الله ورسوله . قال :
يجزئك الثلث )) فلم يأمره بصدقة ماله كله .
(١) من (( هـ، ن)).
- ١٦٢ -

باب : المكثرون هم المقلون
[٤/ ق١٧٩-١]
/ وقوله تعالى : ﴿ من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم
أعمالهم فيها ... ﴾ إلى ﴿ يعملون﴾ (١)
فيه: أبو [ ذرّ] (٢) قال النبي - عليه السلام -: ((إن [ المكثرين ] (٣)
هم المقلون يوم القيامة إلا من أعطاه الله خيرًا فنفح [ فيه ] (٤) يمينه
وشماله وبين يديه ووراءه، وعمل فيه [ خيراً ](٥) وذكر الحديث بطوله .
قال المؤلف : [ هذا الحديث ] (٦) يدل على أن كثرة المال تئول
بصاحبه إلى الإقلال من الحسنات يوم القيامة ، إذا لم ينفقه في طاعة
الله ، فإن أنفقه في طاعة الله كان غنيًا من الحسنات يوم القيامة ، وقد
احتج بهذا الحديث من فضل الغنى على الفقر ؛ لأنه استثنى فيه من
المكثرين من نفح بالمال عن يمينه وشماله وبين يديه ، وقد اختلف
العلماء في هذه المسألة ، وسنذكر مذاهبهم فيها في باب فضل الفقر
بعد هذا إن شاء الله .
وقوله : ((نفح فيه )) قال صاحب الأفعال : نفح بالعطاء : أعطى،
والله نفاح بالخيرات ، قال صاحبُ العين : نفح بالمال ، والسيف ،
ونفحات المعروف: دفعه ، ونفحت الدابة : (رمحت) (٧) بحافرها الأرض.
وقوله تعالى: ﴿ من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها﴾ (٨) الآيتين، قال أهل
التأويل: هذا عام في اللفظ خاص في الكفار، بدليل قوله: ﴿أولئك الذين
ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون﴾ (٩).
(٢) في ((الأصل)): داود. والمثبت من ((هـ، ن)).
(١) هود : ١٥ .
(٣) فى ((الأصل)): المكثرون. والمثبت من ((هـ، ن)).
(٤) في ((الأصل)): به. والمثبت من (( هـ، ن)) .
(٥) من (( هـ ، ن )).
(٦) من (( هـ )).
(٧) في (( هـ): رمت. ورمحت أي رمت بحوافرها الأرض، انظر لسان العرب (مادة: رمح).
(٩) هود : ١٦ .
(٨) هود : ١٥ .
- ١٦٣ -

وإنما ذكرها البخاري في هذا الباب تحذيرًا للمؤمنين من مشابهة أفعال
الكافرين في بيعهم الآخرة الباقية بزينة الدنيا الفانية ، فيدخلوا في معنى
قوله تعالى : ﴿ أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا ﴾ (١) الآية.
باب: قول النبي عليه السلام: (( ما أحب أن لى أحدًا ذهبًا))
فيه ؛ أبو ذرّ قال النبي عليه السلام: (( ما يسرني أن عندي مثل أحد
ذهبًا تمضي عليّ ثالثة وعندي منه دينار إلا شيء أرصده لدين، إلا أنّ
أقول به في عباد الله هكذا وهكذا وهكذا ، عن يمينه وعن شماله ومن
خلفه ... )) الحديث بطوله، وروى أبو هريرة مثله مختصرًاً .
قال المؤلف : في هذا الحديث أن المؤمن لا ينبغي له أن يتمنّى كثرة
المال إلا بشريطة أن يسلطه الله على إنفاقه في طاعته اقتداءً بالنبي عليه
السلام في ذلك . وفيه أن المبادرة إلى الطاعة أفضل من التواني فيها ،
ألا ترى أن النبي - عليه السلام - لم يحب أن يبقى عنده من مقدار
جبل أحدٍ ذهبًا - لو كان له - بعد ثلاث إلا دينار يرصده لدين . وفيه
أن النبي - عليه السلام - كان يكون عليه الدين لكثرة مواساته بقوته
وقوت عياله ، وإيثاره على نفسه أهل الحاجة ، والرضا بالتقلل والصبر.
على خشونة العيش ، وهذه سيرة الأنبياء والصالحين ، وهذا كله يدل.
على أن فضل المال في إنفاقه في سبيل ( الله ) (٢) لا في إمساكه.
وادّخاره .
(١) الأحقاف : ٢٠ .
(٢) في (( هـ)): البر .
- ١٦٤ -

باب : الغنى غنى النفس
و قوله تعالى : ﴿ أیحسبون أنما نمدهم به من
مال وبنين ... ﴾ إلى ﴿عاملون﴾(١)
قال ابن عيينة : لم يعملوها ولا بد من أن يعملوها .
فيه: أبو هريرة قال النبي - عليه السلام -: (( ليس الغنى عن كثرة
العرض ، وإنما الغنى غنى النفس)) .
قال المؤلف : قوله عليه السلام: (( ليس الغنى عن كثرة العرض))
يريد ليس حقيقة الغنى عن كثرة متاع الدنيا ، لأن كثيراً ممن وسع الله
عليه في المال يكون فقير النفس لا يقنع بما أعطي [ فهو ] (٢) يجتهد
دائبًا في الزيادة ، ولا يبالي من أين يأتيه ، فكأنه [ فقير ] (٣) من
المال؛ لشدة شرهه وحرصه على الجمع ، وإنما حقيقة الغنى غنى
النفس، الذي استغنى صاحبه بالقليل وقنع به ، ولم يحرص على
الزيادة فيه ، ولا [ ألحّ ] (٤) في الطلب ، فكأنه غني واجد أبدًا،
وغنى النفس هو باب الرضا بقضاء الله - تعالى - والتسليم لأمره
(علم ) (٥) أن ما عند الله خير للأبرار ، وفي قضائه لأوليائه الخيار ،
روى الحسن ، عن أبي هريرة قال: ((قال لي رسول الله : ارض بما
قسم الله تكن أشكر الناس)). وقوله تعالى: ﴿أيحسبون أنما نمدّهم به
من مال وبنين ﴾ (٦) نزلت في الكفار ، فليست بمعارضة لدعائه عليه السلام
لأنس بكثرة المال والولد، وقال أهل التأويل في معناها : أيحسبون أنما نمدهم
به من مال وبنين مجازاة لهم وخيراً لهم ، بل هو استدراج لهم ، ولذلك
قال تعالى : ﴿بل قلوبهم في غمرة من هذا﴾ (٧) / أي: في غطاء عن (٤/ ١٧٩٥ -ب]
(١) المؤمنون : ٥٥ : ٦٣ .
(٢) فى ((الأصل)): فهذا. والمثبت من (( هـ)).
(٣) في ((الأصل: فقيراً. والمثبت من (( هـ)).
(٤) في (( الأصل)): ألحح. والمثبت من (( هـ).
(٥) في ((هـ)): علماً.
(٦) المؤمنون : ٥٥ .
(٧) المؤمنون : ٦٣ .
- ١٦٥ -

المعرفة أن الذي نمدهم به من مال استدراج لهم ، وقال بعض أهل
التأويل في قوله تعالى: ﴿أنما نمدهم به﴾ (١) هي الخيرات، فالمعنى
نسارع فيه ثم أظهر فقال: ﴿في الخيرات﴾ (٢) أي: نسارع لهم به في
الخيرات .
#
باب : فضل الفقر
فيه : سهل: (( مرّ رجل على النبي - عليه السلام - فقال لرجل عنده
جالس : ما رأيك في هذا ؟ فقال : رجل من أشراف الناس ، هذا والله
حَريّ إن خطب أن ينكح ، وإن شفع أن يشفع . قال : فسكت النبي -
عليه السلام - ، ثم مرّ رجل فقال له رسول الله : ما رأيك في هذا؟
فقال: يا رسول الله ، هذا رجل من فقراء المسلمين ، هذا حريّ إن خطب
ألا ينكح ، وإن شفع ألا يشفع، وإن قال ألا يسمع لقوله . فقال رسول
الله : هذا خير من ملء الأرض مثل هذا)).
وفیه : خباب قال : « هاجرنا مع النبي - عليه السلام - نرید وجه الله ،
فوقع أجرنا على الله ، فمنا من مضى لم يأخذ من أجره شيئًا ، منهم
مصعب بن عمير قتل يوم أحد ، وترك نمرةً ، فإذا غطينا رأسه بدت
رجلاه، وإذا غطينا رجليه بدا رأسه ، فأمرنا النبي - عليه السلام - أن
نغطي رأسه وأن نجعل على رجليه [ شيئًا] (٣) من الإذخر، ومنا من
أينعت له ثمرته فهو يهدبها )).
(١) المؤمنون : ٥٥ .
(٢) المؤمنون : ٥٦.
(٣) في ((الأصل)): شيء، والمثبت من (( هـ، ن)).
- ١٦٦ -

وفيه : عمران قال: قال النبي - عليه السلام - : (( اطلعت في الجنة
فرأيت أكثر أهلها الفقراء، واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء)).
وفيه: أنس: (( لم يأكل النبي - عليه السلام - على خوان حتى مات ،
وما أكل خبزًا مرفقًا حتى مات)) .
وفيه : عائشة قالت: (( لقد توفي النبي - عليه السلام - وما في رفِي
من شيء یأکله ذو کبد إلا شطر شعير في رفِ لي ، فأكلت منه حتی طال
عليّ ، فكلته ففني)).
قال المؤلف : في ظاهر هذه الأحاديث فضل الفقر كما ترجم
البخاري ، وقد طال تنازع الناس في هذه المسألة ، فذهب قوم إلى
تفضيل الفقر وذهب آخرون إلى تفضيل الغنى ، واحتج من فضل الفقر
بهذه الآثار بغيرها ، فمنها أنه عليه السلام كان يقول في دعائه :
((اللهم أحيني مسكينًا وأمتني مسكينًا واحشرني في زمرة المساكين)).
من حديث ثابت بن محمد العابد العوفي ، عن الحارث بن النعمان
الليثي، عن أنس بن مالك ، عن النبي - عليه السلام - ذكره
الترمذي، ومنها أنه قال رَّ: ((اللهم من آمن بي وصدّق ما جئت
به، فأقلل له في المال والولد)). وقوله عليه السلام: (( إن الفقراء
يدخلون الجنة وأصحاب الجد محبوسون)) . روى الترمذي، عن
محمود بن غيلان ، عن قبيصة ، عن سفيان ، عن محمد بن عمرو ،
عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، عن النبي - عليه السلام - قال :
((يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة سنة - نصف يوم)) قال
الترمذي : وهذا حديث صحيح .
واحتج من فضل الغنى بقوله عليه السلام: (( إن المكثرين هم
الأقلون، إلا من قال بالمال هكذا وهكذا)). وبقوله عليه السلام : (
لا حسد إلا في اثنتين - أحدهما - : رجل آتاه الله مالاً فسلطه على
هلكته في الحق ... )) الحديث .
- ١٦٧ -

وبقوله لسعد : (( إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة
یتکففون الناس )) .
وقال لأبي لبابة حين قال : يا رسول الله ، إن توبتي أن أنخلع من
مالي صدقةً إلى الله ورسوله: « أمسك عليك بعض مالك فإنه خير لك».
وقال في معاوية: ((إنه صعلوك لا مال له)) . ولم يكن عليه
السلام ليذمّ حالة فيها الفضل .
وأحسن ما رأيت في هذه المسألة ما قاله أحمد بن نصر الداودي
قال: الفقر والغنى محنتان من الله - تعالى - وبليتان يبلو بهما أخبار
عباده ليبدي صبر الصابرين وشكر الشاكرين وطغيان البطرين ، وإنما
أشكل ذلك على غير الراسخين ، فوضع قوم الكتب في تفضيل الغنى
على الفقر ، ووضع آخرون [ في تفضيل ] (١) الفقر ، وأغفلوا الوجه
الذي يجب الحض عليه والندب إليه ، وأرجو لمن صحت نيته
وخلصت لله طويته ، وكانت لوجهه مقالته أن يجازيه الله على نيته
ويعلمه ، قال تعالى: ﴿إنا جعلنا ما على الأرض زينةً لها لنبلوهم أيهم أحسن
عملا﴾(٢) وقال تعالى: ﴿ونبلوكم بالشر والخير فتنةً﴾ (٣) وقال: ﴿وإذا
أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسّه الشر فذو دعاء عريض ﴾ (٤).
وقال : ﴿إن الإنسان خلق هلوعًا إذا مسّه الشر جزوعًا وإذا مسبّ الخير
[٤/ ٥ ١٨٠-١] منوعًا﴾ (٥) وقال تعالى: ﴿فأما الإنسان / إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه.
ونعمه فیقول ربي [ أكرمن وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي
أهانن ] (٦)﴾ (٧) وقال: ﴿ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض }
(٨)
(١) من (( هـ )).
(٣) الأنبياء : ٣٥.
(٢) الكهف : ٧ .
(٤) الإسراء : ٨٣.
(٥) المعارج : ١٩ .
(٦) ليست في ((الأصل
(٧) الفجر: ١٥، ١٦.
(٨) الشورى : ٢٧ .
- ١٦٨ -

الآية. وقال : ﴿ولولا أن يكون الناس أمةً واحدةً لجعلنا لمن يكفر
بالرحمن لبيوتهم﴾ (١) الآية، وقال: ﴿ كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه
استغنى﴾ (٢) وقال: ﴿وإنه لحب الخير لشديد﴾ (٣) يعني: لحب المال
وقال عليه السلام: (( ما الفقر أخشى عليكم ، ولكن أخاف عليكم أن
تفتح الدنيا عليكم ... )) الحديث .
وكان عليه السلام يستعيذ من فتنة الفقر وفتنة الغنى ، فدل هذا كله
أن ما فوق الكفاف محنة ، لا يسلم منها إلا من عصمه الله ، وقد قال
عليه السلام: (( ما قل وكفى خير مما كثر وألهى)). وقال عمر بن
الخطاب لما أُتي بأموال كسرى: (( ما فتح الله هذا على قوم إلا سفكوا
دماءهم وقطعوا أرحامهم . وقال : اللهم إنا لا نستطيع إلا أن نفرح
بما زينت لنا ، اللهم إنك منعت هذا رسولك إكرامًا منك له ، وفتحته
علي لتبتليني به ، اللهم سلطني على هلكته في الحق واعصمني من
فتنته)) . فهذا كله يدل على فضل الكفاف ، لا فضل الفقر كما خيّل
لهم ، بل الفقر والغنى بليتان كان النبي - عليه السلام - يستعيذ من
فتنتهما ، ويدل على هذا قوله تعالى : ﴿ولا تجعل يدك مغلولةً إلى
عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملومًا محسوراً ﴾ (٤) وقال :
﴿والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما﴾(٥) ،
وقال : ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قيامًا﴾ وقال في
ولي اليتيم ﴿ ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرًا فليأكل
(١) الزخرف : ٣٣.
(٣) العاديات : ٨.
(٢) العلق : ٦ .
(٤) الإسراء : ٢٩ .
(٥) الفرقان : ٦٧ .
- ١٦٩ -

:
بالمعروف﴾ (١) وقال: ﴿وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذريةً
ضعافًا خافوا عليهم ﴾ (٢)، وقال عليه السلام لأبي لبابة: ((أمسك
عليك بعض مالك)). وقال لسعد: (( إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير
من أن تذرهم عالةً يتكففون الناس)). وهذا من [ الغنى ] (٣) الذي
لا يطغي ، ولو كان كل ما زاد كان أفضل لنهاه النبي - عليه السلام -
أن يوصي بشيء، [ واقتصرت ] (٤) أيدي الناس عن الصدقات وعن
الإنفاق في سبيل الله، وقال لعمرو بن العاص: (( هل لك أن أبعثك
في جيش يسلمك الله ويغنمك ، وأرغب لك رغبةً من المال ؟ فقال :
ما للمال كانت هجرتي ، إنما كانت لله ولرسوله . فقال : نعم المال
الصالح للرجل الصالح )) .
ولم يكن عليه السلام ليحض أحدًا على ما ينقص حظه عند الله ،
فلا يجوز أن يقال [ إن ] (٥) إحدى هاتين الخصلتين أفضل من
الأخرى؛ لأنهما محنتان ، وكأن قائل هذا يقول : إن ذهاب يد الإنسان
أفضل عند الله من ذهاب رجله ، وإن ذهاب سمعه أفضل من ذهاب
بصره ؛ فليس هاهنا موضع للفضل ، وإنما هي محن يبلو الله بها
عباده؛ ليعلم الصابرين والشاكرين من غيرهما ، ولم يأت في
الحديث- فيما علمنا - أن النبي - عليه السلام - كان يدعو على نفسه
بالفقر ، ولا يدعو بذلك على أحد يريد به الخير ، بل كان يدعو
بالكفاف ويستعيذ بالله من شرّ فتنة الفقر وفتنة الغنى ، ولم یکن يدعو
بالغنى إلا بشريطة يذكرها في دعائه.
فأمّا ما روي عنه أنه كان يقول: (( اللهم أحيني مسكينًا وأمتني
مسكينًا واحشرني في زمرة المساكين)) . فإن ثبت في النقل فمعناه
(١) النساء : ٥، ٦ .
(٣) في (( الأصل)): المعنى. والمثبت من ( هـ).
(٤) في ((الأصل)): ولو قصرت. والمثبت من ( هـ).
(٢) النساء : ٩ .
(٥) من ((هـ)).
- ١٧٠ -

ألا يجاوز به الكفاف ، أو يريد به الاستكانة إلى الله ، ويدل على
صحة هذا التأويل أنه ترك أموال بني النضير وسهمه من فدك وخيبر،
فغير جائز أن يظن به أن يدعو إلى الله ألا يكون بيده شيء ، وهو يقدر
على إزالته من يده بإنفاقه . وما روي عنه أنه قال: ((اللهم من آمن بي
وصدّق ما جئت به، فأقلل له من المال والولد)) . فلا يصح في النقل
ولا في الاعتبار ، ولو كان إنما دعا بذلك في المال وحده لكان
[محتملاً] (١) أن يدعو لهم بالكفاف ، وأما دعاؤه بقلة الولد فكيف
يدعو أن يقل المسلمون ، وما يدفعه العيان مدفوع عنه عليه السلام ،
وأحاديثه لا تتناقض .
كيف يذمّ معاوية ، ويأمر أبا لبابة وسعدًا أن يبقيا ما ذكر من المال
ويقول : إنه خير ، ثم يخالف ذلك ، وقد ثبت أنه دعا لأنس بن
مالك وقال: ((اللهم أكثر ماله وولده ، وبارك له فيما أعطيته )). قال
أنس: فلقد أحصت ابنتي أني قدّمت من ولد صُلبي مقدم الحجاج
البصرة مائةً وبضعةً وعشرين نسمةً بدعوة رسول الله ، وعاش بعد ذلك
سنین وولد له » .
فلم يدع له بكثرة المال إلا وقد قرن ذلك بقوله: (( وبارك له فيما
أعطيته)) . فإن قيل: فأي الرجلين أفضل : المبتلى بالفقر ، أو المبتلى
بالغنى إذا صلحت حال كل واحد منهما ؟ قيل : السؤال عن هذا لا
يستقيم ؛ إذ قد يكون لهذا أعمال سوى تلك المحنة يفضل بها صاحبه
والآخر كذلك ، وقد يكون هذا الذي صلح حاله على الفقر [ لا
يصلح حاله على الغنى، ويصلح حال الآخر على الفقر ] (٢) والغنى.
فإن قيل: فإن كان كل واحد منهما يصلح حاله في الأمرين ، وهما في غير
ذلك من الأعمال متساويان / قد أدّى الفقير ما يجب عليه في فقره من (٤/ ١٨٠٥ -ب]
الصبر والعفاف والرضا ، وأدّى الغني ما يجب عليه من الإنفاق والبذل
(١) في (( الأصل)): محتمل. والمثبت من (( هـ)).
-
(٣) من ( هـ )).
- ١٧١ -

والشكر والتواضع ، فأي الرجلين أفضل ؟ قيل : علم هذا
عند الله .
وأمّا قوله: ((وأصحاب الجد محبوسون)) . فإنما يحبس لهذا أهل
التفاخر والتكاثر ، وأما من أدّى حق الله في ماله ، ولم يرد به التفاخر
وأرصد باقيه لحاجته إليه ، فليس أولئك بأولى منه في السبق إلى شيء،
ويدل على هذا قوله عليه السلام: (( لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه
الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق)) . فبين أنه لا شيء أرفع من
هاتين الحالتين ، وهو المبين عن الله - تعالى - معنى ما أراد ، ولو
كأن من هذه حاله مسبوقًا في الآخرة لما حضّ النبي - عليه السلام -
على أن [ يتنافس ] (١) في عمله ، ولحضّ أبا لبابة على الحالة التي
يسبق بها إلى الجنة، ألا ترى قوله عليه السلام في حديث: ((الخيل
.، فالذي
لثلاثة : لرجل أجر ، ولرجل ستر ، وعلى رجل وزر .
هي عليه وزر فرجل ربطها فخرًاً ورياءً ونواءً لأهل الإسلام)). فهذا
من المحبوسين للحساب ، والأولان فهو كفافهما ، غير أن آفات الغنى
أكثر ، والناجون من أهل الغنى أقل ، إذ لا يكاد يسلم من آفاته إلا
من عصمه الله ؛ فلذلك عظمت منزلة المعصوم فيه ؛ لأن الشيطان
يسول فيه إما في الأخذ بغير حقه ، أو في الوضع في غير حقهُ ، أو
في منعه من حقه ، أو في التجبر والطغيان من أجله ، أو في قلة
الشكر عليه أو في المنافسة فيه إلى ما لا يبلغ صفته .
قال المهلب : وليس في قوله عليه السلام: ((يدخل فقراء أمتي
الجنة قبل أغنيائهم بخمسمائة عام)) تفضيل للفقر ؛ لأن تقديم دخول الجنة
لا تستحق به الفضيلة ، ألا ترى أن النبي - عليه السلام - أفضل البشر ولا
يتقدم بالدخول في الجنّة حتى يشفع في أمته، وكذلك صالح المؤمنين
(١) في ((الأصل)): يتناقص. والمثبت من (( هـ)) ..
- ١٧٢ -

يشفعون في قوم دونهم في الدرجة ، وإنما ينظر يوم القيامة بين الناس
فيقدم الأقل حسابًا فالأقل ، فلذلك قدم [ الفقراء ] (١) ، لأنهم لا
[علقة] (٢) عليهم [ في ] (٣) حساب الأموال ، فيدخلون الجنة قبل
الأغنياء ، ثم يحاسب أصحاب الأموال فيدخلون الجنة ، وينالون فيها
من الدرجات ما قد لا يبلغه الفقراء ، وكذلك ليس في قوله عليه
السلام: ((اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء)). ما يوجب
فضل الفقراء ، وإنما معناه أن الفقراء في الدنيا أكثر من الأغنياء ،
فأخبر عن ذلك كما نقول أكثر أهل الدنيا الفقراء ، لا من جهة
التفضيل ، وإنما هو إخبار عن الحال ، وليس الفقر أدخلهم الجنة ،
إنما أدخلهم الله [ الجنة ] (٤) بصلاحهم مع الفقر ؛ أرأيت الفقير إذا لم
يكن صالحًا فلا فضل له في الفقر ، وأما حديث سهل فلا يخلو أن
يكون فضل الرجل الفقير على الغني من أجل فقره أو من أجل فضله
، فإن كان من أجل فضله فلا حجة فيه لمن فضل الفقر ، وإن كان من
أجل فقره فكان ينبغي أن يشترط في ملء الأرض مثله لا فقير فيهم .
ولا دليل في الحديث يدل على تفضيله عليه مع جهة فقره ؛ لأنا نجد
الفقير إذا لم يكن صالحًا ؛ فكل غني صالح خير منه ، وفي حديث
خباب أن هجرتهم لم تكن لدنيا يصيبونها ، ولا نعمة يستعجلونها ،
وإنما كانت لله ؛ ليثيبهم عليها في الآخرة بالجنة والنجاة من النار ،
فمن قتل منهم قبل أن يفتح الله عليهم البلاد قالوا : مرّ ولم يأخذ من
أجره شيئًا في الدنيا ، وكان أجره في الآخرة موفراً له [وكان ] (٥)
الذي بقي منهم حتى فتح الله عليهم الدنيا ، ونالوا من الطيبات ؛
خشوا أن يكون عجل لهم أجر طاعتهم وهجرتهم في الدنيا بما نالوا
(١) في ((الأصل)): الفقر. والمثبت من (( هـ)).
(٢) في ((الأصل)): عقلة. والمثبت من ( هـ)).
(٤) من ( هـ )).
(٣) في ((الأصل)): و. والمثبت من (( هـ)).
(٥) في ((الأصل)): فكان. والمثبت من (( هـ)).
- ١٧٣ -

منها من النعيم ؛ إذ كانوا على نعيم الآخرة أحرص . وتركه عليه
السلام الأكل على الخوان وأكل المرقق ، فإنما فعل ذلك ( كأنه ) (١)
رفع الطيبات للحياة الدائمة في الآخرة ، ولم يرض أن يستعجل في
الدنيا الفانية شيئًا منها أخذًا منه بأفضل الدارين ، وكان قد خيره الله
بين أن يكون نبيًا عبدًا أو نبيًّا ملكًا ، فاختار عبدًا ، فلزمه أن يفي لله بما
اختاره ، والمال إنما يرغب فيه مع مقارنة الدين ليستعان به على
الآخرة، والنبي - عليه السلام - قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر
، فلم يحتج إلى المال من هذه الوجوه ، وكان قد ضمن الله له رزقه
بقوله : ﴿ نحن نرزقك والعاقبة للتقوى﴾ (٢).
وقول عائشة : (( لقد توفي رسول الله وما في بيتي شيء يأكله ذو
كبد ، إلا شطر شعير)) هو في معنى حديث أنس الذي قبله من الأخذ
بالاقتصاد وبما يسد الجوعة، وفيه بركة النبي صل8 . وفيه [ أن الطعام
المكيل يكون فناؤه معلومًا للعلم بكيله ] (٣) وأن الطعام غير المكيل فيه
البركة ؛ لأنه غير معلوم مقداره .
:
باب : كيف كان عيش النبي عليه السلام وأصحابه
وتخلیهم من الدنيا
[ق/ ١٨١-١]
/ فيه: أبو هريرة: (( أنه كان يقول : الله الذي لا إله إلا هو إن كنت
لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع ، وإن كنت لأشد الحجر على
بطني من الجوع ، ولقد قعدت يومًا على طريقهم الذي يخرجون فيه،
فمرّ أبو بكر فسألته عن آية من كتاب الله ، ما سألته إلا ليشبعني ، فمرّ ولم
يفعل ، ثم مرّ بي عمرُ فسألته عن آية، فمرّ فلم يفعل ، ثم مرّ بي أبو القاسم -
عليه السلام - فتبسّم حين رآني ، وعرف ما في نفسي ، ثم قال : أبا هر .
(١) في (( هـ)): لأنه
(٣) من (( هـ )).
(٢) طه : ١٣٢ .
- ١٧٤ -

قلت: لبيك يا رسول الله . قال : الحق ، ومضى ، فاتبعته ، فدخل
فاستأذن فأذن لي ، فوجد لبنًا في قدحٍ ، فقال : من أين هذا اللبن ؟
قالوا: أهداه لك فلان - أو فلانة - قال : أبا هرّ الحق أهل الصُفّة فادعهم
لي . وأهل الصفة أضياف الإسلام لا يأوون على أهل ولا مال ولا على
أحد ، إذا أتته صدقة بعث إليهم بها ، ولم يتناول منها ، وإذا أتته هدية
أرسل إليهم فأصاب منها ، وأشركهم فيها ، فساءني ذلك وقلت :
[و](١) ما هذا اللبن في أهل الصفة ، كنت أحق أن أصيب من هذا اللبن
شربةً أتقوى بها ، فإذا أمرني فكنت أنا أعطيهم، وما عسى أن يبلغني من
هذا اللبن ، ولم يكن بُدّ من طاعة الله وطاعة رسوله ، فدعوتهم ، فأقبلوا
وأخذوا مجالسهم من البيت ، قال : أبا هر ، خذ فأعطهم ، فأخذت
القدح [ فجعلت أعطيه ] (٢) الرجل فيشرب حتى يروي ، حتى انتهيت
إلى النبي - عليه السلام - وقد روي القوم كلهم، فأخذ القدح فوضعه
على يده ، فنظر إليّ فتبسّم فقال : أبا هرّ . فقلت : لبيك يا رسول الله .
قال : بقيت أنا وأنت . قلت : صدقت يا رسول الله . قال : اشرب ،
فشربت ، فما زال يقول اشرب حتى قلت : لا والذي بعثك بالحق ما أجد
له مسلكًا ، قال : فأرني ، فأعطيته القدح ، فحمد الله وسمی وشرب
الفضلة)) .
وفيه : سعد قال: ((إني لأول العرب رمى بسهم في سبيل الله ، ورأيتنا
نغزو ، ما لنا طعام إلا ورق الحبلة وهذا السمر ، وإن أحدنا ليضع كما
تضع الشاة ماله خلط ، ثم أصبحت بنو [ أسد ] (١) تعزرني على
الإسلام، خبت إذًا وضل سعيي )) .
وفيه: (عائشة) (٣): (( ما شبع آل محمد - منذ قدم المدينة - من طعام
بر ثلاث ليال تباعًا حتى قبض )) .
(١) من (( هـ، ن)) .
(٢) فى ((الأصل)): فأعطيه. والمثبت من ( هـ ، ن.
(٣) في ((الأصل)): عكاشة. والمثبت من (( هـ، ن)).
- ١٧٥ -

وقالت : « ما أکل آل محمد أكلتین في يوم إلا إحداهما تمر )) .
[ وقالت](١): ((كان فراش النبي - عليه السلام - من أدم حشوه من
ليف )) .
وعن: أنس: (( كنا نأتيه وخبازه قائم، قال: كلوا فما [أعلم] (٢) النبي
رأى رغيفًا مرفقًا حتى لحق بالله ، ولا رأى شاة سميطًا بعينه قط )).
وفيه : عائشة قالت : (( کان یأتي علینا الشهر وما نوقد فيه نارًا ، إنما هو
التمر والماء إلا أن نؤتى باللحم )) .
وفيه : أبو هريرة قال النبي - عليه السلام -: (( اللهم ارزق آل محمد
قوتًا )) .
قال الطبري : في اختيار رسول الله - عليه السلام - وخيار السلف
من الصحابة والتابعين شظف العيش ، والصبر على مرارة الفقر والفاقة
ومقاساة خشونة خشن الملابس والمطاعم على خفض ذلك ودعته ،
وحلاوة الغنى ونعيمه ما أبان عن فضل الزهد في الدنيا وأخذ القوت
والبلغة خاصة . وكان نبينا - عليه السلام - يطوي الأيام ، ويعصب
على بطنه الحجر من الجوع ؛ [ إيثارًاً منه شظف العيش والصبر عليه ،
مع علمه بأنه لو سأل ربه أن يسير له جبال تهامة ذهبا وفضة لفعل ،.
وعلى هذه الطريقة جُرى الصالحون ، ألا ترى قول أبي هريرة أنه كان
شد الحجر على بطنه من الجوع ] (٣) ، وخرج يتعرض من يمر به من
الصحابة يسأله عن آي القرآن ليحمله ويطعمه . وفيه أن كتمان الحاجة
أحرى بإظهارها وأشبه بأخلاق الصابرين ، وإن كان جائزًا له الإخبار
بباطن أمره وحاجته لمن يرجوه لكشف فاقته .
(١) في ((الأصل)): وقال. والمثبت من (( هـ)).
(٢) في ((الأصل)): نعلم. والمثبت من (( هـ، ن).
(٣) من ( هـ
.- ١٧٦ -

وهذا الحديث علم عظيم من أعلام النبوة ، وذلك أن النبي - عليه
السلام - عرف ما في نفس أبي هريرة ، ولم يعلم ذلك أبو بكر ولا
عمر . وفيه شرب العدد الكثير من اللبن القليل حتى شبعوا ببركة
النبوة. وفيه ما كان عليه عليه السلام من إيثار البلغة وأخذ القوت في
كرم نفسه وأنه لم يستأثر بشيء من الدنيا دون أمته .
وقوله : ((اللهم ارزق آل محمد قوتًا)) . فيه دليل على فضل
الكفاف وأخذ البلغة من الدنيا ، والزهد فيما فوق ذلك رغبةً في توفير
نعيم الآخرة ، وإيثارًا لما يبقى على ما يفنى لتقتدي بذلك أمته ،
ويرغبوا فيما [ رغب ] (١) فيه نبيهم - عليه السلام .
وروى الطبري [ بإسناده ] (٢) عن ابن مسعود قال: حبذا
المكروهان الموت والفقر ، والله ما هو إلا الغنى والفقر وما أبالي بأيهما
ابتليت ، إن حق الله في كل واحد منها واجب ، إن كان الغنى ففيه
التعطف ، وإن كان الفقر ففيه الصبر ، قال الطبري : فمحنة الصابر
أشد من محنة الشاكر ، وإن كانا شريفي المنزلة ، غير أني أقول كما قال
مطرف بن عبد الله / : لأن أعافى فأشكر أحب إلي من أن أبتلى فأصبر . (١٨١٥/٤-ب]
ومن فضل قلة الأكل ما روى يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ،
عن أبي هريرة قال : قال رسول الله: ((إن أهل البيت ليقل طعمهم
فتستنير بيوتهم » .
وروى إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ، عن محمد بن علي ، عن
أبيه ، عن النبي - عليه السلام - قال: (( من سرّه أن يكون حكيمًا فليقل
طعمه، فإنه يغشى جوفه نور الحكمة)). وقال مالك بن دينار: سمعت
(١) في ((الأصل)): رغبوا. والمثبت من (( هـ)).
(٢) في ((الأصل)): وإسناده. والمثبت من (( هـ).
- ١٧٧ -

عبد الله الرازي يقول: كان أهل العلم بالله والقبول عنه يقولون : [إن
الشبع ] (١) يقسي القلب، [ويفتر ] (٢) البدن. ومن سير السلف في
تخليهم من الدنيا ما روى وكيع ، عن الأعمش ، عن [ شقيق بن
سلمة ] (٣) عن مسروق ، عن عائشة قالت : قال أبو بكر في مرضه
الذي مات فيه : انظروا ما زاد في مالي منذ دخلت في الخلافة ؛
فابعثوا به إلى الخليفة بعدي ، فإني قد كنت أستحله ، وقد كنت
أصيب من الودك نحوًا مما كنت أصيب من التجارة . قالت عائشة :
فلما مات نظرنا فإذا عبد نوبي يحمل صبيانه وناضح كان يسني عليه ،
فبعثناهما إلى عمر فأخبرني جدي أن عمر بكى وقال : رحمة الله على
أبي بكر لقد أتعب من بعده .
والحُبلة والسمر : نوعان من الشجر أو النبات ، عن أبي عبيد .
وقد تقدم الكلام في حديث سعد وما فيه في كتاب الأطعمة [ في باب
ما كان النبي وَلَّ وأصحابه يأكلون وتقدّم فيه أيضًا الكلام في حديث
عائشة وأنس وأبي هريرة مع الأحاديث المعارضة لها ] (٤).
باب : القصد والمداومة على العمل
فيه: عائشة: (( سُئُلت أي العمل كان أحبَّ إلى رسول اللهله؟ قالت:
الدائم . قيل : فأيّ حين كان يقوم؟ قالت: كان يقوم إذا سمع الصارخ)) .
وفيه: أبو هريرة قال النبي - عليه السلام -: ((لن ينجي [ أحدًاً ] (٥)
(١) في (( الأصل)): بل التشبع، والمثبت من (( هـ) ..
(٢) في (( الأصل)): ويغير. والمثبت من ((هـ)).
(٣) في ((الأصل، هـ)): سفيان. وهو تحريف، والمثبت من تاريخ ابن عساكر)):
(٤٢٩/٣) .
(٤) من ( هـ)) .
(٥) في (( الأصل)): أحد. والمثبت من (( هـ ، ن )).
- ١٧٨ -

منكم عمله . قالوا : ولا أنت يا رسول الله ؟ قال : ولا أنا ، إلا أن
يتغمدني الله برحمته، سدّدوا [ وقاربوا] (١)، واغدوا وروحوا ، وشيء
من الدلجة ، والقصد القصد تبلغوا)) .
وفيه: عائشة قال النبي - عليه السلام -: (( سدّدوا وقاربوا [واعلموا](٢)
أن لن يدخل أحدكم عمله الجنة، وإن أحب العمل إلى الله أدومه [ وإن قل] (٣).
[ وقال] (٤) في حديث آخر: ((اكلفوا من العمل ما تطيقون)).
وقال علقمة: (( سألت عائشة : كيف كان عمل النبي - عليه السلام -
هل كان يخص من الأيام شيئًا ؟ قالت : لا ، كان عمله ديمة ، وأيكم
يستطيع ما كان النبي ◌ُ* يستطيع)).
وفيه: أنس: (( صلى لنا النبي - عليه السلام - يومًا الصلاة، ثم رقي
المنبر فأشار بيده قبَلَ قبلة المسجد ، فقال : قد رأيت الآن منذ صليت لكم
الصلاة الجنة والنار ممثلتين في قبل هذا الجدار ، فلم أر كاليوم في الخير
والشر مرتين )) .
قال المؤلف : إنما حضّ النبي - عليه السلام - أمته على القصد
والمداومة على العمل وإن قلّ خشية الانقطاع عن العمل الكثير فكأنه
رجوع في فعل الطاعات ، وقد ذمّ الله ذلك ، ومدح من أوفى بالنذر،
وقد تقدم [ بيان هذا المعنى ] (٥) في أبواب صلاة الليل [ في آخر
كتاب الصلاة ] (٥) .
فإن قال قائل : إن قول عائشة : إن النبي لم يكن يخص شيئًا من
الأيام بالعمل ؛ يعارضه قولها : (( ما رأيت رسول الله أكثر صيامًا منه
في شعبان)) قيل: لا تعارض بين شيء من ذلك، وذلك أنه ولقد كان
كثير الأسفار في الجهاد ، فلا يجد سبيلا إلى صيام
(١) في (( الأصل)): وقربوا. والمثبت من ((هـ، ن)).
(٢) في (( الأصل)): واعملوا. وهو تحريف. والمثبت من (( هـ، ن)).
(٣) في ((الأصل)): فإن قيل. والمثبت من (( هـ، ن)).
(٤) فى ((الأصل)): فقال. والمثبت من (( هـ، ن)).
(٥) من (( هـ).
- ١٧٩ -

الثلاثة الأيام من كل شهر ، فيجمعها في شعبان ، ألا ترى قول
عائشة: (( كان يصوم حتى نقول لا يفطر ، ويفطر حتى نقول لا يصوم))
فهذا يبين أنه كان لا يخصّ شيئًا من الزمان ؛ بل كان يوقع العبادة على
قدر نشاطه ، وفراغه لذلك من جهاده وأسفاره ، فيقل مرةً ويكثر
أخرى، هذا قول المهلب، وقد قيل في معنى كثرة صيامه وَ له في
شعبان وجوه أخر قد ذكرتها في باب صوم شعبان في كتاب الصيام .
فإن قيل : فما معنى ذكر حديث أنس في هذا الباب ؟ قيل : معناه
أن يوجب ملازمة العمل وإدمانه ما مثل له من الجنة للرغبة ، ومن النار
للرهبة ، فكان في ذلك فائدتان : إحداهما : تنبيه للناس أن يتمثلوا
الجنة والنار بين أعينهم إذا وقفوا بين يدي الله، كما مثلها الله لنبيه ،
وشغله بالفكرة فيهما عن سائر الأفكار الحادثة عن تذكير الشيطان بما
يسهيه حتى لا يدري كم صلّى ، والثانية : أن يكون الخوف من النار
الممثلة والرغبة في الجنة نصب عيني المصلي فيكونا باعثين له على
الصبر ، والمداومة على العمل المبلغ إلى رحمة الله والنجاة من النار
/ برحمته .
[٤ / ق١٨٢ - ٢]
فإن قال قائل : فإن قوله عليه السلام: (( لن يدخل أحدكم عمله
الجنة )) يعارض قوله تعالى : ﴿وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم
تعملون ﴾ (١) قيل: ليس كما توهمت ، ومعنى الحديث غير معنى
الآية ، أخبر النبي - عليه السلام - في الحديث أنه لا يستحق أحد
دخول الجنة بعمله ، وإنما يدخلها العباد برحمة الله ، وأخبر الله تعالى
في الآية أن الجنة تنال المنازل فيها بالأعمال ، ومعلوم أن درجات العباد
فيها متباينة على قدر تباين أعمالهم ، فمعنى الآية في ارتفاع الدرجات
وانخفاضها والنعيم فيها ، ومعنى الحديث في الدخول في الجنة والخلود
فيها ، فلا تعارض بين شيء من ذلك .
(١) الزخرف : ٧٢ .
- ١٨٠ -