Indexed OCR Text
Pages 121-140
وغلبة الرجال أشد من الموت ؛ لأن المغلوب يصير كالعبد لمن غلبه وقهره ، وكذلك البخل استعاذ منه عليه السلام لقوله تعالى : ﴿ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون﴾ (١) . وقال عليه السلام: ((وأي داء أدوى من البخل)) . ومعنى ذلك أن البخيل يمنع حقوق الله ، وحقوق الآدميين ، ويمنع معروفه ورفده ، ويسيء عشرة أهله وأقاربه . قال الطبري : فإن قال قائل : قد دعا النبي - عليه السلام - بالمفصّلات والجوامع ، وكان السلف يستحبون الدعاء إلى الله -تعالى- بالجوامع كنحو الرغبة في العفو والعافية ، والمعافاة في الدنيا والآخرة اكتفاءً منهم بعلم الله بموضع حاجتهم ومبلغا . قيل : لكل نوع من ذلك حالة [ يختار ] (٢) العمل به فيها على [الآخر] (٣) فالجوامع تحتاج في حال الحاجة إلى الإنجاز والاقتصاد ، والمفصلات بالأسماء والصفات في حالة الحاجة إلى إدامة الرغبة إلى من بيده مفاتيح خزائن السماوات والأرض استفتاحًا [ بذلك ] (٤) مغاليقها ، وقد دعا عليه السلام بكل ذلك في مواضعه . / باب : الدعاء برفع الوباء والوجع [٤/ ق١٧١ -ب] فيه: عائشة قال النبي - عليه السلام -: (( اللهم حبّب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد ، وانقل حماها إلى الجحفة )) . وفيه : سعد: (( عادني رسول الله - عليه السلام - عام حجة الوداع من [ شكوى](٥) أشفيت منها على الموت ... )) وذكر الحديث . (١) الحشر : ٩، التغابن : ١٦ . (٢) في ((الأصل)): يختل. والمثبت من ((هـ)). (٣) في ((الأصل)): الأخرى. والمثبت من ((هـ)). (٤) في ((الأصل)): لذلك. والمثبت من ( هـ ). (٥) في ((الأصل)): حجة، والمثبت من (( هـ، ن)). - ١٢١ - لم يذكر في حديث سعد في هذا الباب دعاء النبي - عليه السلام - له برفع الوجع ، وذكر في كتاب المرضى ، في باب دعاء العائد للمريض وقال فيه: ((اللهم اشف سعدًا)). وفي دعائه عليه السلام برفع الوباء والوجع رد على من زعم أن الولي لا يكره شيئًا مما قضى الله [عليه](١)، ولا يسأله كشفه عنه ، ومن فعل ذلك لم تضح له ولاية الله، ولا خفاء بسقوط هذا لأنه قال: ((اللهم حبّب إلينا المدينة وانقل حماها ... )) . . فدعا بنقل الحمى عن المدينة ، ومن فيها ، وهو عليه السلام داخل في تلك الدعوة ، ولا توكل أحد يبلغ توكله ، فلا معنى لقولهم ، وقد استقصيت هذا في كتاب الحج . باب : الدعاء عند الاستخارة فيه: جابر: ((كان النبي - عليه السلام - يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن ، إذا همّ بالأمر فليركع ركعتين ، ثم يقول : اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك [ وأسألك من فضلك العظيم ، فإنك تقدر ] (٢) ولا أقدر وتعلم ولا أعلم ، وأنت علام الغيوب ، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال : عاجل أمري وآجله - فاقدره لي ، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال : عاجل أمري وآجله - فاصرفه عني واصرفني عنه ، واقدر لي الخير ورضني به ، ويسمي حاجته )) . (١) من ( هـ)). (٢) من (( هـ، ن)). - ١٢٢ - فقه هذا الحديث أنه يجب على المؤمن رد الأمور كلها إلى الله ، وصرف أزمتها والتبرؤ من الحول والقوة إليه ، وينبغي له أن لا يروم شيئًا من دقيق الأمور وجليلها ، حتى يستخير الله فيه ويسأله أن يحمله فيه على الخير ويصرف عنه الشر ؛ إذعانًا بالافتقار إليه في كل أمره والتزامًا لذلة العبودية له ، وتبركًا باتباع سُنّة نبيّه - عليه السلام - في الاستخارة، ولذلك كان النبي - عليه السلام - يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن [ لشدة حاجتهم ] (١) إلى الاستخارة في الحالات كلها كشدّة حاجتهم إلى القراءة في كل الصلوات ، وفي هذا الحديث حجة على القدريّة الذين يزعمون أن الله تعالى لا يخلق الشر ، تعالى الله عما يفترون ، وقد أبان النبي - عليه السلام - في هذا الحديث أن الله تعالى هو المالك للشر والخالق له ؛ إذ هو المدعو لصرفه عن العبد ، ومحال أن يسأله العبد أن يصرف عنه ما يملكه العبد من نفسه ، وما يقدر على اختراعه دون تقدير الله عليه ، وسيأتي في كتاب القدر . باب : الوضوء عند الدعاء فيه : أبو موسى قال: (( دعا النبي - عليه السلام - بماء فتوضأ ، ثم رفع يديه وقال : اللهم اغفر لعبيد أبي عامر - ورأيت بياض إبطيه - وقال : اللهم اجعله يوم القيامة فوق کثیر من خلقك من الناس )) . قال المؤلف : فيه استعمال الوضوء عند الدعاء ، وعند ذكر الله ، وذلك من كمال أحوال الداعي والذاكر ، ومما يرجى له به الإجابة لتعظيمه الله - تعالى - وتنزيهه له حين لم يذكره إلا على طهارة، (١) في ((الأصل)): لشدتهم. والمثبت من (( هـ)). - ١٢٣ - ولهذا المعنى تيمّم النبي ◌َّ بالجدار عند بئر جمل حين سلم عليه الرجل ، وكذلك ردّ السلام عليه السلام على حال تيمم ، ولم يكن له سبيل إلى الوضوء بالماء، وعلى هذا مضى ◌َله ومضى سلف الأمة، كانوا لا يفارقون حال الطهارة ما قدروا لكثرة ذكرهم لله -تعالى - وكثرة تنفلهم ، وقد روي عن ابن عباس أن النبي - عليه السلام - كان يبول ويتيمم ، فأقول: ((إن الماء قريب ، فيقول : لعليّ لا أبلغه)) . وفيه حجة لمن استحب رفع اليدين في الدعاء. / باب : الدعاء إذا علا [عقبة] (١) [٤/ ق١٧٢ - ٢] وقد تقدم في كتاب الجهاد . باب : الدعاء إذا أراد سفراً أو رجع منه وقد تقدم أيضًا في الجهاد . باب : الدعاء للمتزوج وقد تقدم في النكاح . : باب ما يقول إذا أتى أهله وقد تقدم في كتاب الوضوء . باب : قول النبي - عليه السلام - ربنا آتنا في الدنيا حسنة فيه: أنس بن مالك: (( كان رسول الله ( أكثر ما يدعو : اللهم آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً وقنا عذاب النار )) . (١) في ((الأصل)): عقب. والمثبت من ((هـ، ن)). - ١٢٤ - اختلف المفسرون في تأويل هذه الآية ، فقال الحسن : الحسنة في الدنيا العلم والعبادة ، وفي الآخرة الجنة . وقال قتادة : في الدنيا عافية، وفي الآخرة عافية . وقيل : الحسنة في الدنيا المال ، وفي الآخرة الجنة ، عن السدي . باب : تكرير الدعاء فيه: عائشة: ((أن رسول الله وَل وَ طُبّ حتى إنه [ليخيل](١) إليه أنه صنع الشيء ، وما صنعه ، فدعا ربه ودعا .... )) وذكر الحديث . تكرير الدعاء حسن عند حال الحاجة إلى إدامة الرغبة لله - تعالى- في المهمات والشدائد النازلة بالعبد ، وفي تكرير العبد الدعاء إظهار لموضع الفقر والحاجة إلى الله والتذلل له والخضوع ، وقد قال عليه السلام: ((إن الله يحب الملحّين في الدعاء))، وإن ((الدعاء هو العبادة))، و(( من لم يدع غضب الله عليه)) .. وقد تقدم في أول كتاب الدعاء ، ومن حديث ابن عيينة: ((أن النبي - عليه السلام - أوصى رجلاً ، فقال : عليك بالدعاء ، فإنك لا تدري متى يستجاب لك )» . باب : الدعاء على المشركين وقال ابن مسعود : قال النبي - عليه السلام -: ((اللهم أعنّي عليهم بسبع کسبع یوسف )) . وقال: (( اللهم عليك بأبي جهل )). (١) في (( الأصل)": ليتخيل، والمثبت من ((هـ، ن). - ١٢٥ - وقال ابن عمر: (( دعا النبي - عليه السلام - في الصلاة اللهم العن فلانًا وفلانًا، حتى أنزل الله: ﴿ ليس لك من الأمر شيء﴾ (١). فيه : ابن أبي أوفى: ((دعا النبي - عليه السلام - على الأحزاب فقال: اللهم منزل الكتاب سريع الحساب ، اهزم الأحزاب اهزمهم وزلزلهم» . وفيه : أبو هريرة: (( كان النبي - عليه السلام - إذا قال : سمع الله لمن حمده في الركعة الآخرة من صلاة العشاء قنت إلى قوله : اللهم اشدد وطأتك على مُضر، اللهم اجعلها سنین کسني يوسف )». وفيه: أنس: (( بعث النبي - عليه السلام - سريةً يقال لهم : القراء ، فأصيبوا ، فما رأيت النبي - عليه السلام - وجد على شيء ما وجد عليهم ، فقنت شهرًا في صلاة الفجر يقول : إن عُصَيّة عصت الله ورسوله )) . وفيه: عائشة: (( كانت اليهود يسلمون على النبي - عليه السلام - يقولون : السّام عليك ، ( فغضبت) (٢) عائشة رضي الله عنها فقالت : عليكم السّام واللعنة ، فقال النبي - عليه السلام - : مهلاً يا عائشة ، إن الله يحب الرفق في الأمر كله. فقالت : يا نبي الله أو لم تسمع ما يقولون؟ فقال: أو لم تسمعي ما أرد عليهم، أقول: وعليكم)) .. وفيه : علي : قال النبي - عليه السلام - يوم الخندق: ((ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارًا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى » . قال المؤلف : قد تقدم هذا في كتاب الجهاد والاستسقاء ، ونذكر هاهنا طرفًا من معناه، إنما كان عليه السلام يدعو على المشركين على حسب ذنوبهم وإجرامهم ، فكان يبالغ في الدعاء على من اشتدّ أذاه للمسلمين ، ألا [ ترى] (٣) (١) آل عمران : ١٢٨ . (٣) من (( هـ ). (٢) فى (( هـ): ففطنت. - ١٢٦ - أنه لما يئس من قومه قال: ((اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها كسني يوسف )). وقال مرةً: ((اللهم أعنّي عليهم بسبع كسبع يوسف)). ودعا على أبي جهل بالهلاك ودعا على الأحزاب بالهزيمة والزلزلة ، فأجاب الله دعاءه فيهم ، ودعا على الذين قتلوا القراء شهرًاً في القنوت ، ودعا على أهل الأحزاب أن يحرقهم الله في بيوتهم وقبورهم ، فبالغ في الدعاء عليهم لشدّة إجرامهم ، ونهى عائشة عن الرد على اليهود باللعنة وأمرها بالرفق في ( المقارضة) (١) لهم ، والرد عليهم مثل قولهم ولم يبح لها الزيادة والتصريح ، فيمكن أن يكون كان ذلك منه عليه السلام على وجه التألف لهم / (١٧٢٥/٤ -ب] والطمع في إسلامهم والله أعلم . وأما قوله في حديث ابن عمر حين لعن النبي - عليه السلام - المنافقين في الصلاة فأنزل الله - عز وجل - : ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ (٣) فذهب بعض أهل التأويل أن هذه الآية ناسخة للعن النبي - عليه السلام - المنافقين في الصلاة والدعاء عليهم ، وأنه عوض من ذلك القنوت في الصبح ، رواه ابن وهب وغيره . وأكثر العلماء على أن الآية ليست ناسخة ولا منسوخة ، وأن الدعاء على المشركين بالهلاك وغيره جائز لدعاء النبي - عليه السلام - عليهم في هذه الآثار المتواترة الثابتة . باب : الدعاء للمشركين فيه : أبو هريرة: (( أن طفيل بن عمرو قدم على النبي - عليه السلام - فقال : (١) المقارضة تكون في العمل السيئ والقول السيئ يقصد الإنسان به صاحبه ، انظر لسان العرب ( مادة قرض ) . (٢) آل عمران : ١٢٨ . - ١٢٧ - يا رسول الله إن [ دوسًا] (١) قد عصت وأبت ، فادع الله عليها ، فظن الناس أنه يدعو عليهم، فقال: اللهم اهد دوسًا وائت ( بها) (٢))) . قد تقدّم هذا الباب في كتاب الجهاد ، ونبه البخاري على معناه في الترجمة فقال : باب الدعاء للمشركين بالهدى ليتألفهم، [ومر ] (٣) هناك. باب: قول النبي - عليه السلام -: ((اللهم اغفر لي ما قدمت : وما أخرت » فيه : أبو موسى: (( أن النبي - عليه السلام - كان يدعو بهذا الدعاء: رب اغفر لي خطيئتي وجهلي، وإسرافي في أمري كله ، وما أنت أعلم به مني ، اللهم اغفر لي خطاياي وعمدي ، وجهلي وهزلي ، وكل ذلك عندي ، اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت ، وما أسررت وما أعلنت، أنت المقدم وأنت المؤخر ، وأنت على كل شيء قدير )) . قال الطبري : إن قال قائل : ما وجه دعاء النبي - عليه السلام - الله أن يغفر له خطيئته وجهله وما تقدّم من ذنبه ، وقد أعلمه الله - تعالى - أنه قد غفر له ذلك كله ، فما وجه سؤاله ربه مغفرة ذنوبه ، وهي مغفورة، وهل يجوز إن كان كذلك أن يسأل العبد ربه أن يجعله من بني آدم - وهو منهم - وأن يجعل له يدين ورجلين وقد جعلهما له؟ فالجواب : أنه عليه السلام كان يسأل ربه في صلاته حين اقترب أجله ، وبعد أن أنزل عليه: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح ﴾ (٤) ناعيًا إليه نفسه فقال له: ﴿فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابًا ﴾ (٥) . وكان عليه السلام يقول : (١) في ((الأصل)): دويسًا. والمثبت من (( هـ، ن)). (٢) في (( هـ، ن)): بهم . (٤) النصر : ١ . (٣) في (( الأصل)) : ومن. (٥) النصر : ٣ . - ١٢٨ - (( إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم سبعين مرة)). فكان هذا من فعله في آخر عمره وبعد فتح مكة ، وقد قال الله تعالى له : ﴿ليغفر لك الله ما تقدّم من ذنبك وما تأخر﴾ (١) . باستغفارك منه، فلم يسأل النبي - عليه السلام - أن يغفر له ذنبًا قد غفر له ، وإنما غفر له ذنًا وعده مغفرته له باستغفاره ، ولذلك قال : ﴿ فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابًا﴾(٢). قال غير الطبري : وقد اختلف العلماء في الذنوب هل تجوز على الأنبياء ، فذهب أكثر العلماء إلى أنه لا تجوز عليهم الكبائر لعصمتهم، وتجوز عليهم الصغائر. وذهبت المعتزلة إلى أنه لا تجوز عليهم الصغائر كما لا تجوز عليهم الكبائر ، وتأولوا قوله تعالى : ﴿ ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ (١) . فقالوا : إنما غفر له تعالى ما يقع منه من سهو وغفلة ، واجتهاد في فعل خير لا يوافق به حقيقة ما عند ربه ، فهذا هو الذي غفر له ، وسمّاه :ذنبًا؛ لأن صفته صفة الذنب المنهي عنه ، إلا أن ذلك تعمد ، وهذا بغير قصد . وهذا تأويل بعيد من الصواب ، وذلك أنه لو كان السهو والغفلة ذنوبًا للأنبياء يجب عليهم الاستغفار منها ؛ لكانوا أسوأ حالاً من سائر الناس غيرهم ؛ لأنه قد وردت السنة المجمع عليها أنه لا يؤاخذ العباد بالخطأ والنسيان فلا يحتاجون إلى الاستغفار من ذلك، وما لم يوجب عليهم الاستغفار فلا يسمى عند العرب ذنبًا. فالنبي عليه السلام المخبر لنا بذلك عن ربه أولى بأن يدخل مع أمته في معنى ذلك ، ولا يلزمه حكم السهو والخطأ ، وإنما يقع استغفاره عليه السلام كفارة (١) الفتح : ٢ . (٢) النصر : ٣. - ١٢٩ - للصغائر الجائزة عليه ، وهي التي سأل الله غفرانها له بقوله: ((اغفر لي ما قدمت وما أخرت )) . وسأذكر هذه المسألة في حديث الشفاعة في باب [ قوله تعالى: ﴿لما خلقت بيدي﴾ (١) في كتاب الاعتصام إن شاء الله تعالى ؛ لأن الحديث يقتضي ذلك ] (٢). [٤/ ق١٧٣ - ١] وفيها قول آخر / يحتمل والله أعلم ، أن يكون دعاؤه عليه السلام ليغفر الله له ذنبه على وجه ملازمة الخضوع لله - تعالى - واستصحاب حال العبودية والاعتراف بالتقصير شكرًا لما أولاه ربه - تعالى - مما لا سبيل له إلى مكافأة بعمل ، فكما كان يصلي صلى الله عليه حتى ترم قدماه ، فيقال له قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فيقول: ((أفلا أكون عبداً شكورًا)). فكان اجتهاده في الدعاء ، والاعتراف بالذلل والتقصير ، والأعواز والافتقار إلى الله تعالى شكرًاً لربه ، كما كان اجتهاده في الصلاة حتى ترم قدماه شكرًا لربه ، إذ الدعاء لله - تعالى - من أعظم العبادة له، [ وليسُنّ ] (٣) ذلك لأمته عليه السلام فيستشعروا الخوف والحذر ولا يركنوا إلى الأمن ، وإن كثرت أعمالهم وعبادتهم لله - تعالى - ، وقد رأيت المحاسبي أشار إلى هذا المعنى، فقال : خوف الملائكة والأنبياء الله - تعالى - هو خوف إعظام لأنهم آمنون في أنفسهم [ بأمان ] (٤) الله لهم ، فخوفهم تعبد لله إجلالاً وإعظامًا . باب : الدعاء في الساعة التي في يوم الجمعة قد تقدم في كتاب الصلاة . (١) سورة ص : ٧٥ . (٢) في (( الأصل)): الاعتصام. والمثبت من ( هـ). (٣) في ((الأصل)): ليس والمثبت من (( هـ)). (٤) في (( الأصل)): فأمان: والمثبت من (( هـ)). - ١٣٠ - باب : قول النبي - عليه السلام - يستجاب لنا في اليهود ولا يستجاب لهم فینا فيه : عائشة: (( أن اليهود أتوا النبي - عليه السلام - فقالوا : السّام عليك ، قال : وعليكم ، فقالت عائشة : السّام عليكم ولعنكم الله وغضب عليكم . فقال رسول الله - عليه السلام - : مهلاً يا عائشة ، عليك بالرفق ، وإياك والعنف أو الفحش . قالت : أو لم تسمع ما قالوا؟! قال : أو لم تسمعي ما قلت ، رددت عليهم ، فيستجاب لي فيهم، ولا يستجاب لهم في )) . قال المؤلف: معنى هذا الحديث - والله أعلم - أنه وَلَه إنما يستجاب له في اليهود ؛ لأنهم على غير طريق الحق وضالين عن الهدى ، ومعاندين في التمادي على كفرهم بعدما تبين لهم الحق بالآيات الباهرات ، فلذلك يستجاب له فيهم ، ولهذا المعنى لم يستجب لهم في النبي - عليه السلام - لأنهم ظالمون في دعائهم عليه، قال تعالى : ﴿ وما دعاء الكافرين إلا في ضلال﴾ (١) . وهذا أصل في دعاء الظالم أنه لا يستجاب [ فيمن ] (٢) دعا عليه ، وإنما يرتفع إلى الله - تعالى - من الدعاء ما وافق الحق وسبيل الصّدق. باب : فضل التهليل فيه: أبو هريرة أن النبي - عليه السلام - قال: (( من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة، كانت له عدل عشر رقاب ، وكتبت له مائة حسنة ، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزًا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي ، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل عمل أكثر منه)) . (١) الرعد: ١٤، غافر: ٥٠. (٢) فى ((الأصل)): فيما. والمثبت من ((هـ)). - ١٣١ - قال المؤلف : روى جابر بن عبد الله عن النبي - عليه السلام - أنه قال: ((أفضل الذكر التهليل لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله )) [وقال عليه السلام: ((أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي : لا إله إلا الله))](١). وقد قيل إنه اسم الله الأعظم ، وذكر الطبري من حديث سعيد بن أبي عروبة ، عن عبد الله بن باباه المكي ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: ((إن الرجل إذا قال : لا إله إلا الله فهي كلمة الإخلاص التي لا يقبل الله عملاً حتى يقولها ، فإذا قال : الحمد لله، فهي كلمة الشكر التي لم يشكر الله أحد حتى يقولها )) . وروي عن الأعمش، عن مجاهد ، عن ابن عباس قال: (( من قال لا إله إلا. الله ، فليقل على إثرها : الحمد لله رب العالمين)) . وقد روى سعيد ابن جبير ، عن ابن عباس قال : قال النبي - عليه السلام -: ((أول من يدخل الجنة الحمادون ، الذين يحمدون الله في السراء والضراء )) وقال عليه السلام (( من قال : أشهدك أن ما أصبح بي من نعمة فمنك وحدك ، لا شريك لك ، لك الحمد والشكر ، فقد أدى شكر ذلك اليوم)) وكان عليه السلام إذا أتاه أمر يكرهه قال: ((الحمد لله على كل حال ، وإذا رأى أمرًا يسره قال : الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات )) . [٤/ ق١٧٣ -ب] / باب : فضل التسبيح فيه: أبو هريرة قال رسول الله وي له: ((من قال سبحان الله وبحمده [في يوم ] (١) مائة مرة حطت خطاياه، وإن كانت مثل زبد البحر)). وفيه : أبو هريرة قال النبي - عليه السلام -: (( كلمتان خفيفتان على اللسان (١) من ((هـ، ن)). - ١٣٢ - ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن : سبحان الله وبحمده ، سبحان الله العظيم)) . معنى قولهم في لغة العرب [ سبحان الله ] (١) تنزيه الله من الأولاد والصاحبة والشركاء . وقال وهب بن منبه : ما من عبد يقول سبحان الله وبحمده ، إلا قال الله - تعالى - : صدق عبدي سبحاني وبحمدي ، فإن سأل أعطي ما سأل ، وإن سكت غفر له ما لا يحصى . وروي عن النبي - عليه السلام - أنه قال: (( صلاة الملائكة التسبيح، فأهل السماء الدنيا سجود إلى يوم القيامة يقولون : سبحان ذي الملك والملكوت ، وأهل السماء الثانية قيام إلى يوم القيامة يقولون: [سبحان ذي العزة والجبروت ، وأهل السماء الثالثة قيام إلى يوم القيامة يقولون](١): سبحان الحي الذي لا يموت)). وروى الليث ، عن ابن عجلان قال : جئت إلى القعقاع بن حكيم في السحر أسأله فلم [ يجبني ] (٢) ، فلما فرغ قال: هذه الساعة يوكل الله الملائكة بالناس يقولون سبحان الملك القدوس . [ و] (١) روي عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿ الباقيات الصالحات﴾ (٣) سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ، وهو قول سعيد بن المسيّب ومجاهد . فإن قيل : هل ينوب شيء عن تكرار التسبيح والتحميد؟ قيل : قد روي عن صفية قالت: ((مرّ بي النبي - عليه السلام - وأنا أسبح بأربعة آلاف - (١) من (( هـ)). (٢) في (( الأصل)): يجيبني، والمثبت من (( هـ ). (٣) الكهف : ٤٦ . - ١٣٣ - نواة، فقال : لقد قلت كلمة هي [ أفضل ] (١) من تسبيحك . قلت : وما قلت ؟ قال : قلت : سبحان الله عدد ما خلق)). وعن كريب عن ابن عباس: ((أن النبي - عليه السلام - مرّ على جويرية في مصلاها باكراً تسبح وتذكر الله ، فمضى لحاجته ، فرجع إليها بعد ما ارتفع النهار ، فقال لها : ما زلت في مكانك هذا ؟ قالت : نعم . فقال النبي صلى الله عليه : لقد تكلمت بكلمات لو وزنت بما قلت لرجحت ، سبحان الله عدد ما خلق ، سبحان الله رضا نفسه ، سبحان الله زنة عرشه ، سبحان الله مداد كلماته ، والحمد لله مثل ذلك » . وقال بعض الناس : هذه الفضائل التي جاءت عن النبي - عليه: السلام -: (( من قال سبحان الله وبحمده مائة مرة غفر له ... )). [و](٢) ما شاكلها إنما هي لأهل الشرف في الدين والكمال [ و] (٣) الطهارة من الجرائم العظام ، ولا يظن أن من فعل هذا وأصرّ على ما شاء من شهواته وانتهك دين الله وحرماته أنه يلحق بالسابقين المطهرين، وينال منزلتهم في ذلك [ بحكاية ] (٤) أحرف ليس معها تقىّ ولا إخلاص ، ولا عمل ، ما أظلمه لنفسه من يتأول دين الله على هواه . باب : فضل ذكر الله فيه : أبو موسى : قال النبي - عليه السلام -: (( مثل الذي يذكر ربه ، والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت )» . وفيه: أبو هريرة قال النبي - عليه السلام -: (( إن لله- تعالى- ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر ، فإذا وجدوا قومًا يذكرون الله تنادوا : هلموا إلى (١) في ((الأصل)): لأفضل. والمثبت من ((هـ)). (٢) من (( هـ)). (٣) في ((الأصل)): في والمثبت من ((هـ)). (٤) في ((الأصل)): فحكاية. والمثبت من ( هـ). - ١٣٤ - حاجتكم ، فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا ، فيسألهم ربهم جل ثناؤه وهو أعلم منهم ، ما يقول عبادي ؟ قالوا : يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويمجدونك . قال : فيقول : هل رأوني ؟ قال : فيقولون : لا، والله ما رأوك . قال : فيقول : فكيف لو رأوني ؟ فيقولون : لو رأوك كانوا لك أشدّ عبادةً وأشد تمجيداً وأكثر تسبيحًا . قال : فما يسألون ؟ قالوا : يسألونك الجنة . قال : فيقول : هل رأوها ؟ قال : فيقولون : لا والله يا رب ما رأوها . قال : فيقول : فكيف لو رأوها ؟ قال : يقولون : لو [أنهم ] (١) رأوها كانوا أشد حرصًا عليها، وأشد طلبًا لها ، وأعظم رغبةً فيها . قال : فمّم يتعوذون ؟ قالوا : يتعوذون من النار . قال : يقول: وهل رأوها ؟ قال : يقولون : لا والله يا رب ما رأوها . قال : يقول : وكيف لو رأوها ؟ قال : يقولون : لو رأوها كانوا أشد منها فرارًا، وأشد لها مخافة . قال : فيقول : اشهدوا أني قد غفرت لهم . قال: يقول ملك من الملائكة : فيهم فلان ليس منهم ، إنما جاء لحاجة . قال : هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم )) . قال المؤلف : هذا حديث شريف في فضل ذكر الله / عز وجل (١٧٤٥/٤ -١] وتسبيحه وتهليله ، وقد وردت في ذلك أخبار كثيرة منها ما روى زيد ابن أسلم : سمعت عبد الله بن عمر قال : قلت لأبي ذرّ : يا عمّ ، أوصني. قال : سألت رسول الله كما سألتني ، فقال: (( ما من يوم وليلة إلا ولله فيه صدقة يمنّ بها على من يشاء من عباده ، وما مَنّ الله على عباده [ بمثل أن ] (٢) يلهمهم ذكره)). وروى شعبة وسفيان عن أبي إسحاق عن أبي مسلم الأغر أنه شهد على أبي هريرة وأبي سعيد، أنهما شهدا على رسول الله وَ ل أنه قال: (١) من (( هـ، ن). (٢) في ((الأصل)): بأن. والمثبت من (( هـ ). - ١٣٥ - (ما من قوم يذكرون الله إلا حفّت بهم الملائكة ، وغشيتهم الرحمة ، ونزلت عليهم السكينة ، وذكرهم الله فيمن عنده)). وقال معاذ : ليس شيء أنجى من عذاب الله من ذكر الله . وقال ابن عباس ، يرفع الحديث: (( من عجز منكم عن الليل أن: يكابده ، وبخل بالمال أن ينفقه ، وجبن عن العدو أن يجاهده ، فليكثر من ذكر الله )) . وروى أبو سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله مَلِيمٍ: («سيروا، سبق المستهترون . قيل : ومن هم يا رسول الله ؟ قال : الذين أُهتروا واستهتروا بذكر الله ، يضع الذكر عنهم أثقالهم ، ويأتون يوم القيامة خفافًا )) (١) .. وروى أبو هريرة عن النبي - عليه السلام - قال: (( ما جلس قوم مجلسًا لم يذكروا الله فيه، ولم يصلوا على نبيهم إلا كان عليهم ترة)). وعن جابر قال: قال رسول الله - عليه السلام -: ((ارتعوا في رياض الجنة ، قالوا: يا رسول الله ، وما رياضُ الجنّة ؟ قال : مجالس الذكر ، واغدوا وروحوا في ذكر الله ، واذكروهُ في أنفسكم ، من أحبّ أن يعلم منزلته عند الله فلينظر كيف منزلة الله عنده ، فإن الله ينزل العبد من نفسه حيث أنزله من نفسه )) . وروى الأعمش عن سالم [ بن أبي الجعد ] (٢) قال : قيل لأبي الدرداء : إن رجلاً أعتق مائة نسمةً قال : إن ذلك من مال رجل لكثير، وأفضل من ذلك إيمان ملزوم بالليل والنهار ، ولا يزال لسان أحدكم رطبًا من ذكر الله . (١) أخرجه ابن عدي في الكامل (١٥/٥) من طريق أبي سلمة عن أبي الدرداء، ولفظه: سبق المفردون ، وفي النهاية في غريب الحديث (٢٤٢/٥) المستهترون. بذكر الله يعني الذين أولعوا به . (٢) في ((الأصل)): عن أبي العز وهو تحريف. والمثبت من (( هـ)). - ١٣٦ - وعن ابن عباس قال : (( سأل موسى صلوات الله عليه ربه - تعالى- فقال : ربّ ، أي عبادك أحبّ إليك ؟ قال : الذي يذكرني ولا ينساني)) . ثم قال ابن عباس : ما جلس قوم في بيت من بيوت الله ، يذكرون الله ، إلا كانوا أضيافًا لله عز وجل ما داموا فيه [ حتى يتصدعوا عنه، وأظلتهم الملائكة بأجنحتها ما داموا فيه ] (١) . ذكر هذه الآثار كلها الطبري في آداب النفوس ، قال المؤلف : وفقه هذا الباب أنّ معنى أمر الله تعالى العبد بذكره وترغيبه فيه ؛ ليكون ذلك سببًا لمغفرته تعالى له ورحمته إياه ، لقوله تعالى : ﴿فاذكروني أذكركم﴾(٢) وذكر الله للعبد رحمة له، قال ثابت البناني: قال أبو عثمان النهدي : إني لأعلم الساعة التي يذكرنا الله - تعالى - فيها . قيل : ومن أين تعلمها ؟ قال: [يقول ] (٣) الله: ﴿فاذكروني أذكركم﴾(٢). وقال السدي : ليس من عبد يذكر الله إلا ذكره الله ، لا يذكره مؤمن إلا ذكره الله برحمته ، ولا يذكره كافر إلا ذكره الله بعذاب . وروي معناه عن ابن عباس وقيل : المعنى : اذكروا نعمتي عليكم شكراً لها ، أذكركم برحمتي والزيادة من النعم . وروي عن عمر بن الخطاب : إن الذكر ذكران : أحدهما : ذكر الله عند أوامره ونواهيه ، [ والثاني : ذكر الله باللسان، وكلاهما فيه الأجر، إلا أن ذكر الله تعالى عند أوامره ونواهيه ] (١) إذا فعل الذاكر ما أُمر به ، وانتهى عما نُهي عنه ؛ أفضل من ذكره باللسان مع مخالفة أمره ونهيه ، والفضل كله والشرف والأجر في اجتماعهما من الإنسان، وهو ألا ينسى ذكر الله عند أمره ونهيه فينتهي ، ولا ينساه من ذكره بلسانه ، وسأذكر في كتاب الرقاق في باب من همّ بحسنة أو سيئة ، (٢) البقرة : ١٥٢ . (١) من (( هـ )). (٣) في (( الأصل)): يذكر. والمثبت من (( هـ). - ١٣٧ - ۔۔۔ هل يكتب الحفظة الذكر بالقلب ؟ [ وما للسلف في ذلك إن شاء الله تعالى ] (١) . وذكر البخاري في كتاب الاعتصام في باب قوله تعالى : ويحذركم الله نفسه ﴾ (٢) حديث أبي هريرة عن النبي - عليه السلام- قال: ((إذا ذكرني عبدي في نفسه ذكرته في نفسي ، وإذا ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم ... )) الحديث . قال الطبري : ومن جسيم ما يُرجى به للعبد الوصول إلى رضا ربه ذكره إياه بقلبه ، فإن ذلك من شريف أعماله عنده ؛ لحديث أبي هريرة. فإن قيل : فهل من أحوال العبد حال يجب [ عليه ] (١) فيها ذكر الله فرضًا بقلبه ؟ قيل : نعم هي أحوال أداء فرائضه ، من صلاة وصيام ، وزكاة وحج وسائر الفرائض ، فإن على كل من لزمه عمل شيء من ذلك أن يكون عند دخوله في كل ما كان من ذلك له تطاول بابتداء بأوّل وانقضاء بآخر أن يتوجّه إلى الله - تعالى - بعمله ، وبذكره في حال ابتدائه فيه ، وما لم يكن له تطاول منه ، فعليه توجهه (٤/ ق١٧٤ -ب] إلى الله بقلبه في حال عمله وذكره ، ما كان / مشتغلاً به ، وما كان نفلاً وتطوعًا فإنه وإن لم يكن فرضًا عليه فلا ينتفع به عامله إن لم يرد به وجه الله ، ولا ذكره عند ابتدائه فيه . # * باب : قول الرجل : لا حول ولا قوة إلا بالله فيه : أبو موسى : (( أخذ النبي - عليه السلام - في عقبة أو في ثنية ، فلما علا عليها نادى رجل فرفع صوته : لا إله إلا الله والله أكبر ، قال : والنبي - عليه السلام - على بغلته، فقال : أربعوا على أنفسكم ، فإنكم لا تدعون أصمّ ولا غائبًا ، ثم قال : ألا أدلك على كنز من كنز الجنة ؟ قلت: بلى. قال: لا حول ولا قوة إلا بالله )) . (١) من ( هـ )). (٢) آل عمران : ٢٨. - ١٣٨ - قال الطبري : إن قال قائل : أي أنواع الذكر أفضل ؛ فإن ذلك أنواع كثيرة ، منها التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير ؟ قيل : أعلى ذلك وأشرفه الكلمة التي لا يصح لأحدٍ عمل إلا بها، ولا [إيمان](١) إلا بالإقرار بها ، وذلك التهليل ، وهو لا إله إلا الله ، على ما تقدّم في حديث جابر في باب فضل التهليل ، روى أبو هريرة عن رسول الله وَ: ((الإيمان بضع (وستون ) (٢) خصلة ، أكبرها شهادة أن لا إله إلا الله وأصغرها إماطة الأذى عن الطريق)). وقال عليه السلام: ((أفضل ما قلت أنا والنبيون من [ قبلي ] (٣): لا إله إلا الله)). فإن قيل : ما معنى قول النبي - عليه السلام - للذي رفع صوته بلا إله إلا الله، ألا أدلك على كنز من كنز الجنة ( فقال ) (٤) : لا حول ولا قوة إلا بالله ، ولا إله إلا الله تغني عن غيرها ، وهي المنجية من النار ؟ فالجواب : أن النبي - عليه السلام - كان معلمًا لأمته ، وكان لا يراهم على حالة من الخير ، إلا أحبّ لهم الزيادة عليها فأحب للذي رفع صوته بكلمة الإخلاص والتوحيد أن يردفها بالتبرؤ من الحول والقوة لله - تعالى - وإلقاء القدرة إليه ، فيكون قد جمع مع التوحيد الإيمان بالقدر . وقد جاء نحو هذا المعنى في حديث عبد الله بن باباه المكي ، عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال : إن الرجل إذا قال : لا إله إلا الله، فهي كلمة الإخلاص التي لا يقبل الله من أحد عملاً حتى يقولها ، فإذا قال : الحمد لله ، فهي كلمة الشكر التي لم يشكر الله أحد حتى يقولها ، فإذا قال : الله أكبر فهي [ كلمة ] (٥) تملأ ما بين السماء والأرض ، فإذا قال : سبحان الله فهي صلاة الخلائق التي لم يدع الله (١) في ((الأصل)): الإيمان. والمثبت من (( هـ)). (٢) في (( هـ): وستين . (٣) فى ((الأصل)): قبل. والمثبت من ((هـ)). (٤) في (( هـ)) : قل . (٥) من (( هـ). - ١٣٩ - أحدًا حتى قرره بالصلاة والتسبيح ، وإذا قال : لا حول ولا قوة إلا بالله . قال : استسلم عبدي . وروي عن سالم بن عبد الله ، عن أبي أيوب الأنصاري: ((أن النبي - عليه السلام - ليلة أسري به مَرّ على إبراهيم خليل الله ، فقال له : مُر أمتك فليكثروا من غراس الجنة ، فإن تربتها طيبة وأرضها. واسعة. قال له النبي ◌َله : وما غراس الجنة ؟ قال : لا حول ولا قوة إلا بالله)) . ومن حديث جابر عن النبي - عليه السلام- قال: ((أكثروا من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله، فإنها [ تدفع](١) تسعًا وتسعين داءً أدناها الهم )). وقال مكحول : من قالها كشف عنه [سبعون] (٢) بابًا من الضر، أدناها الفقر. ومعنى لا حول ولا قوة إلا بالله : لا حول عن معاصي الله إلا بعصمة الله ، ولا قوة على طاعة الله إلا بالله ، قال النبي - عليه السلام -: (( كذلك أخبرني جبريل عن الله - تعالى - )). وروي عن عليّ بن أبي طالب تفسير آخر قال تفسيرها : إنا لا نملك مع الله شيئًا، ولا نملك من دونه شيئًا ، ولا نملك إلا ما ملکنا مما هو أملك به منا. وحكى أهل اللغة أن معنى لا حول : لا حيلة ، يقال : ما للرجل حيلة ولا قول ولا احتيال ولا محتال ولا محالة ولا محال ، وقوله : وهو شديد المحال ﴾ (٣) يعني: المكر والقوة والشدّة. * باب : لله مائة اسم غير واحد فيه : أبو هريرة - روايةً - قال: (( إن لله تسعة وتسعين اسماً مائة إلا واحدًا ، لا يحفظها أحد إلا دخل الجنة، وهو وتر يحب الوتر)). (١) في ((الأصل)): ترفع. والمثبت من (( هـ)). (٢) في (( الأصل)): تسعين. والمثبت من ( هـ)). (٣) الرعد : ١٣ . - ١٤٠ -