Indexed OCR Text
Pages 441-460
وقال النسائي : ليس في شيء من الأحاديث قدر الحجر الذي يرمى به . وقال مالك : لا يرمى بالصخور العظام ويأمر الإمام بذلك ولا يتولاه بنفسه ، ولا يرفع عنه حتى يموت ، ويخلى بينه وبين أهله يغسلونه ويصلون عليه ، ولا يصلي عليه الإمام . وفي حديث جابر أن النبي - عليه السلام - صلى عليه من رواية معمر عن الزهري ، وفيه حجة لمن قال من العلماء أن للإمام أن يصلي عليه إن شاء . وقد روى عمران بن حصين (( أن امرأة أتت النبي - عليه السلام - فذكرت أنها زنت ، فلما وضعت أمر بها فرجمت وصلى عليها ، فقال له عمر: أتصلي عليها وقد زنت ؟ فقال : والذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين لوسعتهم )) . وقد وجه بعض العلماء قول مالك : لا يصلي عليه الإمام . فقال : إنما قال ذلك ليكون ردعًا لأهل المعاصي ، ولئلا يجترئ الناس على مثل فعله إذا رأوا أنه ممن لا يصلي عليه الإمام لعظيم ذنبه . باب : من أصاب ذنبًا دون الحد فأخبر الإمام فلا عقوبة عليه بعد التوبة إذا جاء مستفتيًا قال عطاء : لم يعاقبه النبي - عليه السلام . وقال ابن جريج : لم يُعاقب النبي - عليه السلام - الذي جامع في رمضان ولم يعاقب عمر - رضي الله عنه - صاحب الظبي . وفيه : عن أبي عثمان عن ابن مسعود عن النبي - عليه السلام. وفيه: أبو هريرة: (( أن رجلا وقع [ بامرأته ] (١) في رمضان ، (١) في ((الأصل)): بامرأة. والمثبت من (( هـ، ن). - ٤٤١ - فاستفتى رسول الله فقال : هل تجد رقبة ؟ قال : لا . قال : هل تستطيع صيام شهرين ؟ قال : لا . قال : فأطعم ستين مسكينًا )) .. وفيه : عائشة : أنى رجل النبي - عليه السلام - في المسجد قال : [٤/ ٢٣٥-١] احترقت . قال : مم ذلك ؟ قال : وقعت بامر أتي في رمضان / قال له : تصدق . قال : ما عندي شيء ، فجلس فأتاه إنسان يسوق حمارًا ومعه طعام - فقال عبد الرحمن : لا أدري ما هو إلى النبي - فقال : أين المحترق ؟ قال : ها أنا ذا . قال : خذ هذا فتصدق به ... )) الحديث . أجمع العلماء أنه من أصاب ذنبًا فيه حد أنه لا ترفعه التوبة ولا يجوز للإمام العفو عنه إذا بلغه . ومن التوبة عندهم أن يطهر ويكفر بالجد إلا الشافعي ، ذكر عنه ابن المنذر أنه قال : إذا تاب قبل أن يقام عليه الحد سقط عنه ، فأما من أصاب ذنبًا دون الحد ثم جاء تائبًا فتوبته تسقط عنه العقوبة ، وليس للسلطان الاعتراض عليه بل يؤكد بصيرته في التوبة ، ويأمره بها لينتشر ذلك ، فيتوب المذنب ألا ترى أن النبي - عليه السلام - لما فهم من المواقع أهله في رمضان الندم على فعله من صورة فزعه وقوله: احترقت . لم يعاقبه النبي - عليه السلام- ولا أنبهُ بل أعطاه ما يكفر به . وأما حديث أبي عثمان عن ابن مسعود الذي أشار إليه البخاري ولم يذكره فهو أبين شيء في هذا الباب، وقد ذكره في [ باب ] (١) مواقيت الصلاة [ في باب الصلاة كفارة ] (٢) . قال ابن مسعود : إن رجلا أصاب من امرأة قبلة فأتى النبي - عليه السلام - فأخبره فنزل : ﴿أقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا﴾ (٣) الآية فقال الرجل : إلي هذا يا رسول الله ؟ قال: لجميع أمتي كلهم)) .. (١) في (( هـ)): أبواب . (٣) هود : ١١٤: (٢) من (( هـ )) . ١ - ٤٤٢ - وروى يحيى عن التيمي بإسناده أن النبي - عليه السلام - قال له : ((قم فصل ركعتين )). وروى [ علقمة والأسود هذا ] (١) الحديث عن ابن مسعود وبينا فيه ما دل أنه جاء الرجل تائبًا نادماً . وقال ابن مسعود : جاء رجل إلى النبي - عليه السلام - فقال : ((إني عالجت امرأة فأصبت منها ما دون أن أمسها وأنا ها ذا فأقم علي ما شئت . فقال له عمر : قد ستر الله عليك فلو سترت على نفسك ... )) وذكر الحديث . وحجة جماعة الفقهاء في أن التوبة لا تسقط الحد قول النبي - عليه السلام - في المرأة الجهينية: ((لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم ، وهل وجدت أن جادت بنفسها)) . وقال في الغامدية: (( لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له )). فإقامة الرسول - عليه السلام [ الحد ] (٢) على هاتين مع توبتهما دليل قاطع على أن سقوط الحد بالتوبة إنما خص به المحاربون دون غيرهم . باب : إذا أقر بالحد ولم يبين هل للإمام أن يستر عليه فيه: أنس قال: (( كنت عند النبي - عليه السلام - فجاءه رجل فقال : يا رسول الله، إني أصبت حدا فأقمه عليّ، ولم يسأله عنه ، فحضرت الصلاة فصلى مع النبي - عليه السلام - فلما قضى النبي - عليه السلام- الصلاة قام إليه الرجل فقال : إني أصبت حدا فأقم في كتاب الله . قال : أليس قد صليت معنا ؟ قال : نعم. قال : فإن الله قد غفر لك ذنبك )) . (١) في ((الأصل)): عكرمة وعلقمة. والمثبت من (( هـ)). (٢) من (( هـ). - ٤٤٣ - قال المهلب وغيره : لما أقر الرجل عند النبي - عليه السلام - بأنه أصاب حدا ، ولم يبين الحدَّ ، ولم يكشفه النبي - عليه السلام - [عنه](١) ولا استفسره عليه السلام ؛ فدل على أن الكشف عن الحدود. لا يحل فإن الستر أولى. وكأنه عليه السلام رأى أن الكشف عن ذلك ضرب من التجسس المنهي [ عنه ] (١) فلذلك أضرب عنه وجعلها شبهة درأ بها الحد ؛ لأنه كان بالمؤمنين رءوفًا رحيمًا . وجائز أن يكون الرجل ظن أن الذي أصاب حدا وليس بحد فيكون ذلك مما يكفر بالوضوء والصلاة ، ولما لم تجز إقامة الحدود بالكناية دون الإفصاح وجب ألا يكشف السلطان عليه ؛ لأن الحدود لا تقام بالشبهات بل تدرأ بها ، وهذا يوجب على المرء أن يستر على نفسه إذا [٤/ ٢٣٥ -ب] [ واقع] (٢) ذنبًا ولا يخبر به أحدًا لعلَّ الله تعالى أن / يستره عليه وقد جاء في هذا الحديث عن النبي - عليه السلام - : ((من ستر مسلمًا ستره الله )) فستر المرء على نفسه أولى به من ستره على غيره . باب : هل يقول الإمام للمقر لعلك لمست أو غمزت فيه : ابن عباس قال: (( لما أتى ماعز بن مالك النبي قال : لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت. قال : لا يا رسول الله . قال : أنكتها ؟ - لا يكني - قال: فعند ذلك أمر برجمه )) . قال المهلب وغيره : في هذا الحديث دليل على جواز تلقين المقر في الحدود ما يدرأ بها عنه ألا ترى أن النبي - عليه السلام - قال لماعز : (لعلك غمزت أو قبلت)) ليدرأ عنه الحد إذ لفظ الزنا يقع على نظر (١) من (( هـ )). (٢) من: (( هـ)) وفي ((الأصل)): أوقع. - ٤٤٤ - العين وجميع الجوارح ، فلما أتى ماعز بلفظ مشترك لم يحده النبي حتى وقف على صحيح ما أتاه بغير إشكال ؛ لأن من سنته عليه السلام درء الحدود بالشبهات ، فلما أفصح وبين أمر برجمه . قال غيره : وهذا يدل أن الحدود لا تقام إلا بالإفصاح دون الكنايات، ألا ترى لو أن الشهود شهدوا على رجل بالزنا ، ولم يقولوا رأيناه أولج فيها كان حكمهم حكم من قذف لا حكم من شهد، رفقًا من الله بعباده وسترًا عليهم ليتوبوا . قال المهلب : وقد استعمل التلقين بعد النبي - عليه السلام - أصحابه الراشدون روى مالك عن يحيى بن سعيد أن عمر أتاه رجل وهو بالشام فذكر أنه وجد مع امرأته رجلا ، فبعث عمر أبا واقد إلى امرأته يسألها عما قال زوجها لعمر ، وأخبرها أنها لا تؤخذ بقوله ، وجعل يلقنها أشباه ذلك لتنزع ، فأبت أن تنزع فرجمها عمر . وروى معمر بإسناده أن عمر أتي برجل فقيل : إنه سارق ، فقال عمر: إني لأرى يد رجل ما هي بيد سارق ، فقال الرجل : والله ما أنا بسارق فخلى سبيله . وعن الشعبي قال : أُتي علي بامرأة يقال لها شراحة وهي حبلى من الزنا ، فقال: ويحك لعل [ رجلا ] (١) استكرهك ، قالت : لا . قال : فلعل وقع عليك وأنت نائمة . قالت : لا . قال: فلعل زوجك من عدونا - يعني أهل الشام - فأنت تكرهين أن تدلي عليه . قالت : لا . فجعل يلقنها هذا وأشباهه وتقول : لا . فرجمها . وعن أبي مسعود أتي بسارق سرق [ بعيرًاً ] (٢). فقال: هل وجدته ؟ قال نعم . فخلى سبيله . قال المهلب : فهذا وجه [ التلقين ] (٣) بالتعريض لمن يعرف الحد (١) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): رجل . (٢) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): يسيرًاً. (٣) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): التلقن. - ٤٤٥ - وما يلزمه فيه ، وأما تلقين الجاهل ومن لا يعرف الكلام فهو تصريح . وروى [ ابن ] (١) جريج عن عطاء قال : كان بعضهم يؤتى بالسارق فيقول: أسرقت ؟ قل : لا ، أسرقت ؟ قل : لا . وعلمي أنه سمى أبا بكر وعمر . وروى شعبة بإسناده عن أبي الدرداء أنه أتي بجارية سوداء سرقت ، فقال لها : أسرقت يا سلامة ؟ قولي : لا [ قالت : لا ] (١) فخلى سبيلها ، فقلت : أنت تلقنها؟! قال أبو الدرداء : إنها اعترفت وهي لا تدري ما يُراد بها . وقال الأعمش : كان إبراهيم يأمر بطرح المعترفين ، وكان أحمد وإسحاق يريان تلقين السارق إذا أتي به . وكذلك قال أبو ثور : إذا کان السارق امرأة أو لا يدري ما يصنع به أو ما يقول . قال المهلب : هذا التلقين على اختلاف منازله ليس بسنة لازمة إلا عند اختيار الإمام ذلك، وله ألا يلقن ولا يعرض لقوله: ((بينة وإلا حد في ظهرك )) . وأما التلقين الذي لا يحل فتلقين الخصمين في الحقوق وتداعي الناس ، وكذلك لا يجب تلقين المنتهك [ المعروف ] (١) بذلك إذا تبين ما أقر به أو شهد عليه ويلزم الإمام إقامة الحد فيه . [٤/ ق ٢٤-١] باب : سؤال الإمام المقر / بالزنا هل أحصنت فيه : أبو هريرة : أتى رجل إلى النبي وهو في المسجد فناداه : يا رسول الله، إني زنيت. یرید نفسه فأعرض عنه، فتنحى لشق وجهه الذي أعرض عنه، فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه النبي - عليه السلام - (١) من (( هـ). - ٤٤٦ - فقال : أبك جنون ؟ قال: لا يا رسول الله . قال : هل أحصنت ؟ قال : نعم ... )) الحديث . هذا لازم لكل إمام أن يسأل المقر إن كان محصنًا أو غير محصن ، لأن الله قد فرق بين حد المحصن والبكر ، فواجب على الإمام أن يقف على ذلك كما يجب عليه إذا [ أشكل ] (١) ( إعلام ) (٢) المقر أن يسأله عن ذلك ، ثم بعد ذلك يلزمه تصديق كل واحد منهما ؛ لأن الحد لا يقام إلا باليقين ولا يحل فيه التجسس . قال المهلب : ولما كان قوله مقبولا في اللمس والغمز كان قوله مقبولا في الإحصان ، فالباب واحد في ذلك . اختلف العلماء في الاعتراف بالزنا الذي يجب فيه الحد هل يفتقر إلى عدد أم لا . فقالت طائفة : لا بد من اعتراف أربع مرات على ما جاء في الحديث هذا قول ابن أبي ليلى [ والثوري والكوفيين وأحمد غير أن ابن أبي ليلى ] (٣) وأحمد قالا: يجزئ إقرار أربع مرات في مجلس واحد. وقال الكوفيون : لا يجزئ إلا في أربع ( مواضع) (٤). وقال آخرون : إذا اعترف بالزنا مرة واحدة وثبت على ذلك لزمه الحد ، روي هذا عن أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب ، وهو قول مالك والشافعي وأبي ثور . وقال أهل المقالة الأولى : لما كان الزنا مخصوصًا من بين سائر الحقوق بأربعة شهداء جاز أن يكون مخصوصًا بإقرار أربع مرات . (١) في ((الأصل)) : شكل . (٣) من (( هـ )). (٢) في (( هـ)) : احتلام. (٤) في (( هـ)) : مجالس . - ٤٤٧ - واحتج عليهم الآخرون فقالوا : قد قال عليه السلام: (( اغد يا. أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها )» ولم يقل له إن اعترفت أربعًا ، فلا معنى لاعتبار العدد في الإقرار ، وأيضًا فإنه لا يدل على. مخالفة الزنا لسائر الحقوق في أنه مخصوص بأربعة شهداء على مخالفته في الإقرار ؛ لأن القتل مخالف للأموال في الشهادات فلا يقبل في القتل إلا شاهدان ، ويقبل في الأموال شاهد وامرأتان ، ثم اتفقا في باب الإقرار أنه يقبل فيه إقرار مرة . ولو وجب اعتبار الإقرار بالشهادة لوجب ألا يقبل في الموضع الذي يقبل فيه شاهدان إلا إقرار مرتين . . وقد أجمع العلماء أن سائر الإقرارات في الشرع يكتفى فيها مرة واحدة ، وإن أقر بالردة مرة واحدة يلزمه اسم الكفر ، والقتل واجب عليه فلزم في الزنا مثله . فإن قالوا : فلم لم يُقم النبي - عليه السلام - الحد بإقراره أول مرة ؟ قيل : فائدة الخبر أنه عليه السلام لما رآه مختل الصورة فزعًا أراد التثبت في أمره هل به جنة أم لا ، مع أنه كره ما سمع منه فأعرض عنه رجاء أن يستر على نفسه ، ويتوب إلى الله ، ألا ترى أنه لقنه فقال : ((لعلك لمست أو غمزت)) فلا معنى لاعتباره العدد في الإقرار . وقوله : جمز أي : أسرع يهرول ، وقال بعض السلف لرجل : اتق الله قبل أن يجمز بك . يريد المشي السريع في جنازته . وقال الكسائي : الناقة تعدو الجمز وهو العدو الذي نثر وقال رؤبة: فإن ترینني الیوم جمزی - ٤٤٨ - باب : الاعتراف بالزنا فيه: أبو هريرة ، وزيد بن خالد قالا: (( كنا عند النبي - عليه السلام - فقام رجل فقال : أنشدك إلا قضيت بيننا بكتاب الله . فقام خصمه وكان أفقه منه فقال: اقض بيننا بكتاب الله وائذن لي. قال: [ قل ] (١) : قال : إن ابني كان عسيفًا على هذا، فزنا بامرأته / فافتديت منه بمائة شاة [٤/ ق٢٤ -ب] وخادم، ثم سألت رجالا من أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام ، وعلى امرأته الرجم . فقال عليه السلام : والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله ، المائة شاة والخادم رد عليك ، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام ، واغد يا أُنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها ، فغدا عليها فاعترفت فرجمها )). وفيه : ابن عباس، قال عمر: (( لقد خشيت أن يطول بالناس زمان حتى يقول قائل لا نجد الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله ، ألا فإن الرجم حق على من زنا وقد أحصن إذا قامت البينة أو كان الحبل [ أو ] (٢) الاعتراف)). قال المهلب وغيره : في هذا الحديث ضروب من الفقه : منها الترافع إلى السلطان الأعلى فيما قد قضى فيه غيره ممن هو دونه إذا لم يوافق الحق . ومنها فخ كل صلح ورد كل حكم وقع على خلاف السنة . قال غيره : وفيه أن ما قبضه الذي قضي له بالباطل لا يصلح له ملكه. وفيه : أن العالم قد يُفتي في مصر فيه من هو أعلم منه ، ألا ترى (١) من (( هـ )). (٢) في (( الأصل)): و. والمثبت من (( هـ، ن)). - ٤٤٩ - أنه سأل أهل العلم ورسول الله بين أظهرهم ، وكذلك كان الصحابة يفتون في ( زمن ) (١) النبي - عليه السلام . وفي سؤاله أهل العلم ورجوعه إلى النبي وَ* [دليل] (٢) على أنه يجوز للرجل ألا يقتصر على قول واحد من العلماء . وفيه : أنه جائز للخصم أن يقول للإمام العدل : احكم بيننا بالحق، لأنه قال للنبي - عليه السلام - : اقض بيننا بكتاب الله ، وقد علم أنه لا يقضي إلا بما أمره الله ، ولم ينكر ذلك عليه النبي - عليه السلام . وقال الملكان لداود - عليه السلام - فاحكم بيننا بالحق ، وذلك إذا لم يرد السائل [ التعريض ] (٣). وقوله : وكان أفقههما يعني - والله أعلم - الاستئذانه النبي - عليه السلام - في الكلام وترك صاحبه لذلك تأكيدًا . واختلف العلماء في تأويل ذلك فقال بعضهم : الرجم في كتاب الله في قوله تعالى: ﴿ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله﴾ (٤). والعذاب الذي تدرؤه الزوجة عن نفسها باللعان هو الذي يجب عليها بالبينة أو بالإقرار أو بالنكول عن اللعان . وقد بين عليه السلام آية الرجم في الثيب برجم ماعزٍ وغيره . وقال آخرون : الرجم بما نسخ من القرآن خطه وثبت حكمه . وقال غيره : معنى قوله (( لأقضين بينكما بكتاب الله)) أي بحكم الله وبفرضه ، هذا جائز في اللغة قال تعالى : ﴿ كتاب الله عليكم ﴾ (٥) أي حكمه فيكم وقضاؤه عليكم و[ منه ] (٢) قوله تعالى: ﴿أم عندهم (١) فى (( هـ)): زمان . (٣) في (( الأصل)): بالتعريض. (٢) من (( هـ)). (٥) النساء : ٢٤. (٤) النور : ٨ . - ٤٥٠ - الغيب فهم يكتبون ﴾ (١) أي يقضون . وكذلك قوله : ﴿كتب ربكم على نفسه الرحمة﴾ (٢) وكل ما قضى به النبي - عليه السلام - فهو حكم الله . وفيه : أن رسول الله [ لم ] (٣) يجعلهما قاذفين حين أخبراه . وليس في الحديث أنه سأل ابن الرجل هل زنا ؟ وهل صدقا عليه أم لا ؟ ولكن من مفهوم الحديث أنه أقر لأنه لا يجوز أن يقام الحد إلا بالإقرار أو بالبينة ، ولم يكن عليهما بينة لقوله عليه السلام: (( فإن اعترفت فارجمها)) . [ و] (٣) فيه : النفي والتغريب للبكر الزاني خلاف قول أبي حنيفة في إسقاطه النفي عن الزاني وستأتي [ أقوال العلماء في ذلك في موضعها إن شاء الله - تعالى ] (٣) . وفي الحديث من الفقه رجم الثيب بلا جلد على ما ذهب إليه أئمة الفتوى بالأمصار . وفيه من الفقه استماع الحكم من [ أحد ] (٣) الخصمين وصاحبه غائب وفتياه له دون خصمه ألا ترى أن النبي قد أفتاهما والمرأة غائبة وكانت إحدى الخصمين . وفيه : تأخير الحدود عند ضيق الوقت ؛ لأنه عليه السلام أمره بالغدو إلى المرأة فإن اعترفت رجمها . وفيه : إرسال الواحد في تنفيذ الحكم . وفيه : إقامة الحد على من أقر على نفسه مرة واحدة ؛ لأن النبي - عليه السلام - لم يقل لأنيس فإن اعترفت أربع مرات [ وقد تقدم القول في هذه المسألة في الباب الذي قبل هذا ] (٣) . (١) الطور : ٤١ . (٣) من (( هـ)). (٢) الأنعام : ٥٤ . - ٤٥١ - وفيه دليل على صحة قول مالك وجمهور الفقهاء أن الإمام لا يقوم. [٤/ ٥ ٢٥-١] بحد من قذف بين يديه حتى يطلبه المقذوف؛ لأن له / أن يعفو عن. قاذفه أو يريد سترًا، ألا ترى أنه قال بين يدي النبي: (( إن ابني كان عسيفًا [ على هذا ] (١) فزنا بامرأته فقذفها)) فلم يقم عليه النبي - عليه السلام - الجد ؛ لأنها لما اعترفت بالزنا سقط حكم قذفها ، ومثله حديث العجلاني حين رمى امرأته برجل فلاعن بينه وبين امرأته ؛ لأنه لم يطلبه بحده ولو طلبه به لحُد إلا أن يقيم البينة على ما قال . والمخالف في هذه المسألة ابن أبي ليلى فإنه يقول : إن الإمام يحد القاذف وإن لم يطلبه المقذوف . وقوله خلاف السنن الثابتة فسيأتي [ما بقي من معاني هذا الحديث بعد هذا في مواضعه - إن شاء الله تعالی، وكذلك حديث ابن عباس سيأتي الكلام عليه في الباب بعد هذا - إن شاء الله تعالى ] (١) * باب : رجم الحبلى في الزنا إذا أحصنت فيه: ابن عباس قال: (( كنت أقرئُ رجالا من المهاجرين [ منهم ] (٢) عبد الرحمن بن عوف ، فبينما أنا في منزله بمنى وهو عند عمر بن الخطاب في آخر حجة حجها إذا رجع إليّ عبد الرحمن فقال : لو رأيت رجلا أتى أمير المؤمنين اليوم فقال له : يا أمير المؤمنين ، هل لك في فلان يقول: [ لو ](١) قد مات عمر لقد بايعت فلانًا فوالله ما كانت بيعة أبي بكر إلا فلتة فتمت فغضب عمر ، ثم قال : إني - إن شاء الله - لقائم العشية في الناس ( وأحذرهم ) (٣) هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم (٢) في ((الأصل، وهـ)): فيهم. والمثبت من (( ن )). (١) من (( هـ )). (٣) فى ((هـ)): فمحذرهم. - ٤٥٢ - أمورهم . قال عبد الرحمن : فقلت : يا أمير المؤمنين ، لا تفعل ؛ فإن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم ؛ وإنهم هم الذين ( يقلبون ) (١) على قربك حين تقوم في الناس ، وإني أخشى أن تقوم فتقول مقالةً يطيرها عنك كل مطير، وألا يعوها ولا يضعوها على مواضعها ، فأمهل حتى تقدم المدينة فإنها دار الهجرة والسنة ، فتخلص بأهل الفقه وأشراف الناس فتقول ما قلت متمكنًا [فيعي](٢) أهل العلم مقالتك [ويضعونها على ] (٣) مواضعها. فقال عمر : أما والله - إن شاء الله - لأقومن بذلك أول مقام ( أقوم ) (٤) بالمدينة . قال ابن عباس : فقدمنا المدينة في عقب ذي الحجة ؛ فلما كان يوم الجمعة عجلت الرواح حين زاغت الشمس حتى أجد سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل جالسًا إلى [ ركن ](٥) المنبر فجلست إليه تمس ركبتي ركبته ، فلم أنشب أن خرج عمر بن الخطاب ، فلما رأيته مقبلا قلت لسعيد [ بن زيد ](٥) بن عمرو بن نفيل : ليقولن العشية مقالة لم يقلها منذ استخلف ، فأنكر عليّ وقال : ما عسيت أن يقول ما لم يقل قبله ؟ فجلس عمر على المنبر فلما ( جلس ) (٦) المؤذنون قام فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال : أما بعد ، فإني قائل لكم مقالة قد قدر لي أن أقولها ، لا أدري لعلها بين يدي أجلي ، فمن عقلها ووعاها فليحدث بها حيث انتهت به راحلته ، ومن خشي ألا يعقلها فلا أُحلُّ لأحد أن يكذب عليَّ ، إن الله بعث محمدًا بالحق ، وأنزل عليه الكتاب ، فكان فيما أنزل الله آية الرجم [ فقرأناها ] (٧) وعقلناها ووعیناها : رجم رسول الله ورجمنا بعده ، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل : والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله ، فيضلوا بترك فريضة (١) في (( هـ)): يغلبون . (٢) من (هـ)) وفي (( الأصل)): فيعوا . (٤) في (( هـ )) : أقومه . (٣) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): ويضعوها. (٥) من (( هـ )). (٦) في (( هـ)): سكت . (٧) في ((الأصل)): قرأناها. والمثبت من (( هـ، ن). - ٤٥٣ - أنزلها الله، والرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أُحصن من الرجال . والنساء ، إذا قامت البيئة، أو كان الحبل ، أو الاعتراف. ثم إنا كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله ألا ترغبوا عن آبائكم [ فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم. أو إن ] (١) كفرًا بكم أن ترغبوا عن آبائكم . ألا ثم إن رسول الله قال : لا تطروني كما ( أطرى النصارى ابن مريم) (٢) وقولوا: عبد الله ورسوله . ثم إنه بلغني أن قائلا منکم یقول : والله لو مات عمر بايعت فلانًا ، فلا يغترنّ امرؤ أن يقول : إنما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمت، ألا وإنها قد کانت کذلك ، ولكن الله وقی شرها ، ولیس فیکم من تقطع أعناق الإبل إلیه مثل أبي بكر ، وإنه قد كان من خيرنا حين توفى الله نبيه إلا أن الأنصار خالفونا واجتمعوا بأسرهم في سقيفة بني [٤/ ٥ ٢٥- بْ] ساعدة ، وخالف عنا علي والزبير ومن معهما / واجتمع المهاجرون لأبي بكر فقلت لأبي بكر : يا أبا بكر ، انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار ، فانطلقنا نريدهم ، فلما دنونا منهم لقينا منهم رجلان صالحان، فذَكَرا ما تمالأ عليه القوم ، فقالا : أين تريدون يا معشر [ المهاجرين؟](٣) قلنا : نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار . فقالا : لا عليكم ألا تقربوهم ، اقضوا أمركم . قلت: فوالله لنأتينهم فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة ، فإذا رجل مُزمَّل بين ظهرانيهم فقلت : من هذا ؟ قالوا : سعد بن عبادة ، قلت : ما له؟ قالوا : يوعك . فلما جلسنا قليلا تشهد خطيبهم فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال : أما بعد فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام ، وأنتم معشر المهاجرين رهط ، وقد دفت دافة من قومكم ، فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا ، وأن يحصنونا من (١) من (( هـ، ن)) وفي ((الأصل)): وإن. (٢) في (( هـ ، ن)) : أُطِرْي عيسى ابن مريم . (٣) من ((هـ، ن)) وفي ((الأصل)): المهاجرون. - ٤٥٤ - الأمر . فلما سكت أردت أن أتكلم ، وكنت زورت مقالة أعجبتني أريد أن أقدمها بين يدي أبي بكر ، وكنت أُداري [ منه ] (١) بعض الحدِّ فلما أردت أن أتكلم ، قال أبو بكر: على رسلك. فكرهت أن ( أعصيه) (٢) فتكلم أبو بكر فكان هو ( أجل ) (٣) مني وأوقر، والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري إلا قال في بديهته مثلها أو أفضل منها حتى سكت، فقال : ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل ، ولن يعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش ( هو ) (٤) أوسط العرب نسبًا ودارًا، وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين ، فبايعوا أيهما شئتم. فأخذ بيدي وبيد [أبي عبيدة](٥) بن الجراح، وهو جالس بيننا ، فلم أكره مما قال غيرها. كان والله أن أقدم فيضرب عنقي لا يقربني ذلك من إثم أحب إلي من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر ، اللهم إلا أن تُسولَ لي نفسي عند الموت شيئًا لا أجده الآن . فقال قائل [ من الأنصار ] (١) : أنا جذيلُها المحكك، وعذيقها المرجب ، منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش . فكثر اللغط وارتفعت الأصوات ؛ حتى فَرقت من الاختلاف ، فقلت : ابسط يدك يا أبا بكر [ فبسط يده ] (١) فبايعته وبايعه المهاجرون، ثم بايعه الأنصار . ونزونا على سعد بن عبادة ، فقال قائل منهم : قتلتم سعد بن عبادة ، فقلت : قتل الله سعد بن عبادة . قال عمر : وإنا والله ما وجدنا فيما حضرنا من أمر أقوى من مبايعة أبي بكر . خشينا إن [ فارقنا ] (٦) القوم ولم تكن بيعة أن يبايعوا رجلا منهم بعدنا ، فإما بايعناهم على ما لا نرضى، وإما نخالفهم [ فيكون ] (٧) فسادًا فمن بايع رجلا على (١) من ((هـ، ن)). (٢) في (( هـ، ن)): أغضبه . (٣) في (( هـ، ن)) : أحلم . (٤) في (( هـ ، ن)): هم . (٥) من ((هـ، ن)) وفي (( الأصل)): عبادة. وهو تحريف. (٦) من ((هـ)) وفي (( الأصل)): فارقت . وهو خطأ. (٧) من (( هـ) وفي ((الأصل)) : فيما يكون . - ٤٥٥ - غير مشورة من [ المسلمين ] (١) فلا يتابع هو ولا الذي بايعه تغرة - أن يقتلا)) . أما قوله : باب رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت فمعناه : باب هل يجب على الحبلى رجم أم لا ؟ وأجمع العلماء أن الجبلى من الزنا لا رجم عليها حتى تضع . واختلفوا إذا وضعت متى يجب عليها الرجم . فقال مالك : إذا وضعت حُدَّت إذا وجد للمولود من يرضعه وإن لم يوجد أخّرت حتى ترضعه وتفطمه خوف هلاكه . وقال الشافعي : لا ترجم حتى تفطمه كما فعل عليه السلام في المرجومة على ما رواه مالك في الموطأ . وقال الكوفيون : ترجم بعد الوضع على ما رواه عمران بن حصين أن امرأة أتت النبي - عليه السلام - فذكرت أنها زنت فأمر بها أن تقعد حتى تضعه ، فلما وضعته أتته فأمر بها فرجمت وصلى عليها . واختلفوا في المرأة توجد حاملا ولا زوج لها ، فقال مالك : إن قالت استكرهت أو تزوجت . أن ذلك لا يقبل منها ويقام عليها الحد؛ إلا أن تقيم بينة على ما ادَّعت من ذلك ، أو تجيء بدماء أو استغاثت حتى أتت وهي على ذلك . وقال ابن القاسم : إن كانت غريبة طارئة فلا حد عليها . وقال الكوفيون والشافعي : إذا وجدت حاملا ولا زوج لها فلا حد عليها إلا أن تقر بالزنا أو تقوم عليها بينة ، ولم يفرقوا بين طارئة وغيرها [٤/ فى٢٦-١] / واحتجوا بقوله عليه السلام: ((ادرءوا الحدود بالشبهات)). (١) من (( هـ ) . - ٤٥٦ - وحجة مالك : قول عمر بن الخطاب في هذا الحديث: ((الرجم في كتاب الله حق على من زنا إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف )) فسوى بين البيئة والإقرار وبين وجود الحبل في أن ذلك كله موجب للرجم . وقد روي مثل هذا القول عن عثمان وعلي وابن عباس ، ولا مخالف لهم من الصحابة . وفي هذا الحديث ضروب من العلم منها : قول ابن عباس : ((كنت أقرئُّ رجالا من المهاجرين)) يعني أقرئهم القرآن ، ففيه أن العلم يأخذه الكبير عن الصغير ؛ لأن ابن عباس لم يكن من المهاجرين لصغر [سنه](١) . قال المهلب: وقول القائل: ((لو مات عمر بايعت فلانًا )) يعني رجلا من الأنصار ففيه أن رفع مثل هذا الخبر إلى السلطان واجب لما يخاف من الفتنة على المسلمين ، ألا ترى إنكار عمر تلك المقالة ، وقال: (( لن يعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش )) والمعروف هو الشيء الذي لا يجوز خلافه . وهذا يدل أنه لم يختلف في ذلك على عهد النبي ◌َ﴾ ولو اختلف فيه لعُلم الخلاف فيه ، والمعروف ما عرفه [أهل العلم] (٢) وإن جهله [ كثير ] (٣) من غيرهم كما أن المنكر ما أنكره أهل العلم . [ والدلائل ] (٤) على أن الخلافة في قريش كثيرة منها أنه عليه السلام أوصى بالأنصار من ولي أمر المسلمين أن يقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم ، فأخبر أنهم مستوصى بهم محتاجون أن يتقبل (٢) من ((هـ )) وفي ((الأصل)): أهله. (١) من ( هـ)). (٣) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): أكثر . (٤) في ((الأصل)): بالدلائل. والمثبت من (( هـ)). - ٤٥٧ - إحسانهم ويتجاوز عن إساءتهم ، وفي هذا دليل واضح أنه ليس لهم في الخلافة حق ، وكذلك قال عمر : إني لقائم العشية فمحذرهم هؤلاء الذين يريدون أن [ يغصبوهم ] (١) أمورهم . فالغصب لا يكون .. إلا [ أخذ ] (٢) ما لا يجب وإخراج الأمر عن قريش هو الغصب. قال المهلب : وفي قول عبد الرحمن لعمر حين أراد أن يقوم في الموسم دليل على جواز الاعتراض على السلطان في الرأي إذا خشي . من ذلك الفتنة واختلاف الكلمة . وقوله : ( إني أخاف ألا يعوها ولا يضعوها مواضعها » ففيه دليل أنه لا يجب أن يوضع [ دقيق ] (٣) العلم إلا عند أهل الفهم له والمعرفة بمواضعه . وقوله : (( يطيرها عنك كل مطير)) دليل أنه لا يجب أن يحدث بكل حديث يسبق منه إلى الجهال الإنكار لمعناه ؛ لما يخشى من افتراق الكلمة في تأويله . وقوله : (( أمهل حتى تقدم المدينة )» الفضل كله فيه ، وفيه دليل على أن أهل المدينة مخصوصون بالعلم والفهم ، ألا ترى اتفاق عمر مع عبد الرحمن على ذلك ورجوعه إلى رأيه . وفيه الحرص على المسارعة إلى استماع العلم ، وأن الفضل في القرب من العالم . وأما قوله لسعيد بن زيد: ((ليقولن اليوم مقالة )) أراد أن ينبهه ليحضر فهمه لذلك . (١) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): يخصبونهم. (٣) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): رقيق. (٢) من (( هـ )) . - ٤٥٨ - وأما إنكار سعيد عليه فلعلمه باستقرار الأمور من الفرائض والسنن عندهم . وقوله : (( فمن عقلها ووعاها فليحدث بها )) يعني على حسب ما وعى وعقل . وفيه : الحض لأهل الضبط والفهم للعلم على تبليغه ونشره . [ وفي ] (١) قوله: ((ومن خشي ألا يعقلها فلا أحل له أن يكذب عليَّ)) . النهي لأهل التقصير والجهل عن الحديث بما لم يعلموه ولا ضبطوه ، وإدخاله في هذا الحديث آية الرجم وأنها نزلت على النبي - عليه السلام - وقرئت وعمل بها . ثم قوله : (( لا ترغبوا عن آبائكم )) أنه كان أيضًا من القرآن ورفع خطه، فمعنى [ ذلك ] (٢) أنه لا يجب لأحد أن يتنطع فيما لا نص فيه من القرآن ، وفيما لا يعلم من سنته عليه السلام . ويتسور برأيه فيقول ما لا يحل له مما سولت له نفسه الأمارة بالسوء ، وبما نزغ به الشيطان في قلبه حتى يسأل أهل العلم بالكتاب والسنة عنه كما تنطع الذي قال (لو مات عمر لبايعت فلانًا)) لما لم يجد الخلافة في قريش مرسومة في كتاب الله فعرفه عمر أن الفرائض والسنن والقرآن / [ منه ] (٢) ما ثبت [٤/ ٢٦,٥ -ب] حكمه عند أهل العلم به ورفع خطه فلذلك قدم عُمر هاتين القصتين اللتين لا نص لهما في كتاب الله ، وقد كانتا في كتاب الله ولا يعلم ثبات حكمها إلا أهل العلم كما لا يعرف أهل بيت الخلافة ولمن تجب إلا من عرف مثل هذا الذي يجهله كثير من الناس . وقوله : ((أخشى إن طال بالناس زمان )) فيه دليل على دروس العلم (١) في ((الأصل)): وهي. (٢) من (( هـ ). - ٤٥٩ - مع مرور الزمن ، ووجود الجاهلين السبيل إلى التأويل بغير علم فيضلوا ويضلوا كما قال عليه السلام . وقوله : (( كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم )) أي كفر حق ونعمة . وقوله : (( لا تطروني )) عرفهم ما خشي عليهم جهله ، والغلو فيه. كما صنعت النصارى في قولهم لعيسى أنه ابن الله - عز وجل . وقولهم : (( إن بيعة أبي بكر كانت فلتة)) وقول عمر : إنها كانت كذلك فلتة. فقال أبو عبيد : معنى الفلتة الفجأة ، وإنما كانت كذلك، لأنها لم ينتظر بها العوام ، وإنما [ ابتدرها ] (١) أكابر أصحاب محمد من المهاجرين وعامة الأنصار إلا تلك الطيرة التي كانت من بعضهم ثم أضعفوا له كافتهم لمعرفتهم أنه ليس لأبي بكر منازع ، ولا شريك في الفضل ، ولم يكن يحتاج في أمره إلى نظر ولا مشاورة فلهذا كانت فلتة وقى الله بها الإسلام وأهله شرها . وقال الكرابيسي: في قولهم (( كانت فلتة)) لأنهم تفلتوا في ذهابهم إلى الأنصار وبايعوا أبا بكر بحضرتهم وفيهم من لا يعرف ما يجب عليه ، فقال قائل منهم: (( منا أمير ومنكم أمير)) وقد ثبت عن النبي - عليه السلام - أن الخلافة في قريش فإما بايعناهم على ما لا يجوز لنا، وإما قاتلناهم على ذلك فهي الفلتة . ألا ترى قول عمر: ((والله ما وجدنا فيما حضرنا من أمر أقوى من بيعة أبي بكر ، ولأن أقدم فيضرب عنقي أحب إليَّ [ من ] (٢) أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر)) فهذا يدل أن قول عمر: ((كانت فلتة)) لم. يرد مبايعة أبي بكر ، وإنما أراد ما وصفه من خلاف الأنصار عليهم ، وما كان من أمر سعد بن عبادة وقومه . (١) في ((الأصل)): انتظرها . (٢) من (( هـ). - ٤٦٠ -