Indexed OCR Text

Pages 181-200

باب قول الله تعالی : ﴿ وآتوا الیتامی أموالھم ولا تتبدلوا
إلى ﴿ما طاب لكم﴾ (١)
فيه: عائشة: (( ﴿ فإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب
لكم﴾ (١) قالت عائشة : هي اليتيمة في حجر وليها ، فيرغب في جمالها
ومالها ويريد أن يتزوجها بأدنى من سنة نسائها ، فنهوا عن نكاحهن إلا
أن بقسطوا إليهن في إكمال الصداق ، وأمروا بنكاح من سواهن من
النساء . قالت عائشة : ثم استفتى الناس رسول الله ... )) الحديث .
هذا مذكور في كتاب النكاح وهو أولى به .
باب : قول الله تعالى : ﴿ وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا
النكاح ﴾ إلى قوله: ﴿ مفروضًا﴾ (٢)
حسيبًا : كافيًا . وللوصي أن يعمل في مال اليتيم ويأكل منه بقدر
عمالته .
فيه : ابن عمر: (( أن عمر تصدق بمال له على عهد النبي وكان يقال له
ثمغ . وكان نخلا ، فقال عمر : يا رسول الله ، إني استفدت مالا وهو
عندي نفيس فأردت أن أتصدق به . فقال النبي - عليه السلام - :
تصدق بأصله لا يباع ولا يوهب ولا يورث ، ولكن ينفق ثمره . فتصدق
به عمر ، فصدقته تلك في سبيل الله وفي الرقاب والمساكين والضيف
وابن السبيل ولذي القربى ، ولا جناح على من وليه أن يأكل منه
بالمعروف أو یو کل صديقه غیر متمول به )) .
وفيه : عائشة : « ﴿ ومن كان غنیا فلیستعفف ومن كان فقيرًا فلیاکل
(١) النساء : ٢ - ٣ .
(٢) النساء : ٦ - ٧ .
- ١٨١ -

بالمعروف﴾ (١) قالت: أنزلت في [ والي ] (٢) اليتيم أن يصيب من ماله
إذا كان محتاجاً بقدر ماله بالمعروف )).
قال المهلب : إنما أدخل هذا الحديث في هذا الباب ؛ لأن عمر
حبس ماله على أصناف وجعله إلى من يليه وينظر فيه كما جعل مال
اليتيم إلى من يليه وينظر فيه ، فالنظر لهؤلاء الأصناف كالنظر لليتامى؛
لأنهم من جملة هذه الأصناف .
وفيه من الفقه أن [ عمر ] (٣) فهم عن الله أن لولي هذا المال أن
يأكل منه بالمعروف ، كما قال الله - تعالى .
وقوله : غير متمول لقول الله : ﴿ولا تأكلوها إسرافًا وبدارًا أن
يكبروا﴾ (٤) [ فدل أن ] (٥) ما ليس بسرف أنه جائز لولي اليتيم أن
يأكله .
.[٣/ ق٢٢٤ -ب]
وقوله: (( لا جناح على من وليه)) / ولم يخص غنيا من فقير ،
فيه إجازة أكل الغني مما يلي ، وتفسير قوله تعالى : ﴿ ومن كان غنيا
فليستعفف﴾ (٤) أنه على الندب وإن أكل بالمعروف لم يكن عليه
حرج- والله أعلم . :
قال المؤلف: [ إلا أن] (٦) جمهور علماء التأويل إنما أباحوا للولي
الأكل من مال اليتيم إذا كان فقيرًا ولم يذكروا في ذلك الغني ،
واختلفوا في الوصي الفقير إذا أكل بالمعروف هل يكون عليه غرم ذلك
إذا أيسر ؟ فقالت طائفة : إذا أيسر أداه . روي ذلك عن سعيد بن
(١) النساء : ٦ .
(٢) من (( هـ ، ن )).
(٣) في ((الأصل)): من. والمثبت من (( هـ)).
(٤) النساء : ٦ .
(٥) في ((الأصل)): فكل. والمثبت من (( هـ ))
(٦) من (( هـ ).
- ١٨٢ -

جبير وعبيدة وأبي العالية ومجاهد وعطاء ، واحتجوا بما رواه قبيصة
[عن سفيان] (١) عن أبي إسحاق، عن حارثة بن [ مصرف ] (٢)
قال: قال عمر : إني أنزلت مال الله بمنزلة مال اليتيم ، إن استغنيت
استعففت ، وإن احتجت استقرضت ، ثم قضيت .
وقالت طائفة : لا غرم عليه إذا أيسر . روي ذلك عن عطاء أيضًا
والحسن البصري والنخعي وقتادة ، وعليه الفقهاء ، وقد روي حديث
عمر ولم يذكر فيه: قضيت . رواه سعيد ، عن قتادة ، عن أبي
مجلز، عن عمر . ومن رأى القضاء ، فذلك خلاف لكتاب الله ؛
لأن الله أباح للولي الفقير أن يأكل بالمعروف ولم يوجب عليه
[شيئًا](٣). وقد روي عن ابن عباس ما يبين هذه القصة، روى حماد
ابن زيد ، عن يحيى بن سعيد ، عن القاسم بن محمد أن رجلا سأل
ابن عباس [ فقال ] (١): إن لي إبلا وليتيم في حجري إبل، وأنا أمنح
من إبلي وأفقر فما يحل لي من إبله ؟ فقال : إن كنت تلتمس ضالتها
وتهنا جرباها [ وتليط ] (٤) حوضها وتسقيها ؛ فاشرب غير مضر بنسل
ولا ناهك في ظهر .
قال ابن القاسم : ما سمعنا بفتيا من غير رواية أحسن منها .
فهذا ابن عباس قد أباح للغني أن يشرب من لبنها بالمعروف من أجل
قيامه عليها وخدمته لها ، فكيف يجب أن يكون على الفقير أن يقضي
ما أكل منها بالمعروف إذا أيسر ، والنظر في ذلك أيضًا يبطل وجوب
القضاء ؛ لأن عمر شبه [ مال الله بمال اليتيم ] (٥) .
(١) من ( هـ).
(٢) فى (( الأصل، هـ)): مضرب. والمثبت من تفسير الطبري (١٧١/٤/١)
(٣) في (( الأصل)): شيء. والمثبت من (( هـ)).
(٤) في (( الأصل)): تلط. والمثبت من (( هـ)).
(٥) في ((الأصل)): مال اليتيم بمال الله. والمثبت من ((هـ)).
- ١٨٣ -

وقد أجمعت الأمة أن الإمام الناظر للمسلمين لا يجب عليه غرم ما
أكل منه بالمعروف ؛ لأن الله قد فرض سهمه في مال الله ، فلا حاجة
لهم في قول عمر : (( ثم قضيت أن)) لو صح عنه، والله الموفق.
وأما تأويل قوله تعالى : ﴿ فإن آنستم منهم رشدًا فادفعوا إليهم
أموالهم ﴾ (١) قال ابن عباس : ابتلوا اليتامى أي : اختبروا عقولهم
وهو قول الحسن وقتادة ، وقال الثوري : جربوهم .
وقوله : ﴿حتى إذا بلغوا النكاح﴾ (١) يعني: الحلم . عن ابن
عباس ومجاهد ﴿ فإن آنستم منهم﴾ (١) : عرفتم منهم رشدًا. وبهذا:
قال مالك وأكثر العلماء ، وقال الشعبي والقاسم بن محمد : إن
الرجل [ يشمط ] (٢) وما أونس منه الرشد ، وفيه قول آخر : وهو أن
يكون بعد بلوغه صالحًا في دينه .. عن الحسن ، وبه قال الشافعي
وقال أبو حنيفة : إذا بلغ اليتيم - وكان صحيح العقل - دفع إليه ماله
وإن لم يؤنس منه الرشد ؛ لأنه لا يرى الحجر على حر مسلم .
قال ابن المنذر : الصبي ممنوع من دفع المال إليه قبل بلوغه وإن كان
مصلحًا، فإذا بلغ وکان غیر رشيد وجب منع ماله منه، وكل ما أباحه الله
بشرطين لم يجز إطلاقه بأحدهما ، ألا ترى أن من طلق زوجته ثلاثًا
لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره ويطأها، فإن نكحت ولم (تُطأ)(٣)
لم تحل للأول ، فكذلك لا يجوز دفع المال إلى اليتيم - وإن بلغ
النكاح - حتى يؤنس منه الرشد ، والله الموفق .
(١) النساء : ٦ .
(٢) في ((الأصل)): يمشط. والمثبت من (( هـ).
(٣) في ((هـ)): يطأها.
- ١٨٤ -

باب : قول الله : ﴿ إن الذين يأكلون أموال الیتامی
ظلمًا ﴾ (١) الآية
فيه : أبو هريرة : قال النبي : (( اجتنبوا السبع الموبقات . قالوا : يا
رسول الله ، وما هن ؟ قال : الشرك بالله ، والسحر ، وقتل النفس التي
حرم الله إلا بالحق ، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف،
وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات )» .
/ قال المؤلف : أكل مال اليتيم من الكبائر، وقد أخبر الله أن من [٢٢٥٥/٣-٢)
أكله ظلمًا أنه يأكل النار ويصلى السعير ، وهذا عند أهل السنة إن
أنفذ الله عليه الوعيد ؛ لأنه عندهم في مشيئة الله ، قال سعيد بن
جبير: لما نزلت: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً﴾ (١) أمسك
الناس فلم يخالطوا اليتامى في طعامهم حتى نزلت : ﴿ ويسألونك عن
اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم ﴾ (٢) قال:
وليس في القرآن: ﴿ويسألونك﴾ إلا ثلاث عشرة مسألة من قلة ما
كانوا يسألونه، وسيأتي ما قال العلماء في الكبائر في كتاب الأدب .
باب : قول الله تعالى: ﴿ ويسألونك عن الیتامی
قل إصلاح لهم خير ﴾ (٢) الآية
لأعنتکم : لأحر جکم وضیق . وعنت : خضعت . وقال نافع : ما رد
ابن عمر على أحد وصية . وكان ابن سيرين أحب الأشياء إليه في مال
الیتیم أن يجتمع نصحاؤه وأولياؤه فينظرون الذي هو خير له . وكان
طاوس إذا سئل عن شيء من أمر اليتيم قرأ: ﴿والله يعلم المفسد من
(١) النساء : ١٠ .
(٢) البقرة : ٢٢٠ .
- ١٨٥ -

المصلح﴾ (١) قال عطاء في يتامى، الصغير والكبير : ينفق الولي على
كل إنسان بقدره من حصته .
ذكر أبو عبيد ، عن ابن عباس في قوله : ﴿ويسألونك عن اليتامى
قل إصلاح لهم خير ﴾ (١) قال: لما أنزل الله: ﴿إن الذين يأكلون
أموال اليتامى ظلماً﴾ (٢) الآية كره المسلمون أن يضموا [اليتامى] (٣)
إليهم، وتحرجوا أن يخالطوهم في شيء، وسألوا النبي عنه فأنزل الله:
ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم ... ولو
شاء الله لأعنتكم ﴾ (١) يعني : لأحرجكم وضيق عليكم ، ولكنه يسر
ووسع فقال: ﴿ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرًا فليأكل
بالمعروف ﴾ (٤) وروى النخعي ، عن عائشة قالت : إني لأكره أنّ
يكون مال اليتيم عندي ، لا أخلط طعامه بطعامي ولا شرابه بشرابي
قال أبو عبيد : والذي دار عليه المعنى من هذا أن الله - تعالى - لما
أوجب النار لآكل مال اليتيم أحجم المسلمون عن كل شيء من أمرهم
حتى عن مخالطتهم ، فنسخ الله ذلك بالإذن في المخالطة ، والإذن في
الإصابة من مالهم بالمعروف إذا كان الولي محتاجًا . قال أبو عبيد :
ومخالطة اليتامى أن يكون لأحدهم المال ويشق على كافله أن يفرز
طعامه عنه ولا يجد بدا من خلطه بعياله ، فيأخذ من مال اليتيم ما يرى
أنه كافيه بالتحري ، فيجعله مع نفقة أهله ، وهذا قد يقع فيه الزيادة
والنقصان ، فجاءت هذه الآية الناسخة بالرخصة فيه .
قال أبو عبيد : وهذا عندي أصل لما يفعله الرفقاء في الأسفار أنهم
يتخارجون النفقات بينهم بالسوية وقد لا يتساوون في كثرة المطعم وقلتُه،
وليس كل من قل طعمه تطيب نفسه بالتفضل على رفيقه ، فلما كان
(١) البقرة : ٢٢٠ .
(٣) من (( هـ)).
(٢) النساء : ١٠ .
(٤) النساء : ٦.
- ١٨٦ -

هذا في أموال اليتامى واسعًا كان في غيرهم أوسع ، ولولا ذلك لخفت
أن يضيق فيه الأمر على الناس .
باب : استخدام اليتيم في السفر والحضر
إذا كان صلاحًا له ونظر الأم وزوجها لليتيم
فيه: أنس قال: (( قدم النبي المدينة ليس له خادم ، فأخذ أبو طلحة
بيدي ، فانطلق بي إلى رسول الله فقال : يا رسول الله ، إن أنسًا غلام
كيس فليخدمك . قال : فخدمته في السفر والحضر ، ما قال لي لشيء
صنعته: لم [ صنعت هذا هكذا؟](١) ولا لشيء لم أصنعه لم [ لم](٢)
تصنع هذا هكذا ؟)) .
قال المهلب : فيه من الفقه : جواز استخدام [ اليتيم ] (٣) الحر
الصغير الذي لا يحوز أمره .
وفيه : أن خدمة العالم والإمام واجبة على المسلمين وأن ذلك شرف
لمن خدمهم لما يرجى من بركة ذلك .
[٣/ ق٢٢٥-ب)
/ باب : إذا أوقف أرضًا ولم يبين الحدود
فهو جائز وكذلك الصدقة
فيه : أنس قال: (( كان أبو طلحة أكثر أنصاري بالمدينة مالا من نخل ،
وكان أحب ماله إليه بيرحاء مستقبلة المسجد ، وكان النبي يدخلها
(١) في ((الأصل)): صنعته، والمثبت من ( هـ، ن)).
(٣) من (( هـ)).
(٢) في ((الأصل)): لا. والمثبت من (( هـ، ن).
- ١٨٧ -

ويشرب من ماء فيها طيب . قال أنس : فلما نزلت: ﴿لن تنالوا البر
حتى تنفقوا مما تحبون ﴾ (١) [ قام أبو طلحة فقال: يا رسول الله ، إن الله.
يقول: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾] (٢) وإن أحب أموالي
إليّ بیرجاء وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله ، فضعها حيث
أراك [الله](٣) . فقال: بخ ، ذلك مال رابح - أو رايح ، شك ابن مسلمة
- وقد سمعت ما قلت ، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين . قال أبو
طلحة : أفعل يا رسول الله . فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه)) .
وفيه : ابن عباس: (( أن رجلا قال لرسول الله أن أمه توفيت ، أينفعها
إن تصدقت عنها ؟ قال : نعم. قال : فإن لي مخرافًا فأنا أشهدك أني قد
تصدقت به عنها )) .
قال المهلب : إذا لم يبين الحدود في الوقف فإنما يجوز إذا كان
للأرض اسم معلوم يقع عليها وتتعين به ، كما كان بيرحاء معينًا ،
وكما كان الخراف معينًا عند من أشهده ، وعلى هذا الوجه تصح
الترجمة ، وأما إذا لم يكن الوقف معينًا وكانت له مخاريف وأموال
كثيرة، فلا يجوز الوقف إلا بالتحديد والتعيين، ولا خلاف في هذا .
وفيه أن لفظ الصدقة يخرج الشيء المتصدق به عن ملك الذي يملكه
قبل أن يتصدق به ، ولا رجوع له فيه ، وهو حجة لمالك في إجازته
للموهوب له ، وللمتصدق عليه المطالبة بالصدقة وإن لم يحزها حتى
يحوزها ، وتصح له ما دام المتصدق والواهب حيا ، بخلاف ما ذهب
إليه الكوفيون والشافعي أن اللفظ بالصدقة والهبة لا يوجب شيئًا لمعين
وغيره حتى تقبض ، وليس للموهوب له ولا للمتصدق عليه المطالبة
بها على ما تقدم في كتاب الهبات .
(١) آل عمران : ٩٢ .
(٢) من (( هـ ، ن).
- ١٨٨ -

وفي هذا الحديث دليل أن الكلام بها قد أوجب حكمًا ، فله المطالبة
للمعين على ما قاله مالك ؛ لقوله: (( وإنها صدقة يا رسول الله
فضعها حيث أراك الله )) فلم يجز لأبي طلحة الرجوع فيها بعد قوله :
(( إنها صدقة يا رسول الله)) لأنه قد صح [ إخراجه ] (١) لها عن ملكه
بهذا اللفظ إلى من يجوز له أخذها .
وفيه : أن من أخرج شيئًا من ماله لله ولم يملكه [ أحداً ] (٢) فجائز
أن يضعه حيث أراه الله من سبل الخير على ما تقدم في باب: إذا أوقف
شيئًا فلم يدفعه إلى غيره [ فهو جائز ] (٣) ، وأنه يجوز أن يشاور فيه
من يثق برأيه ، وليس لذلك وجه معلوم لا يتعدى كما قال بعض
الناس : معنى قول الرجل : لله ، وفي سبيل الله كذا [ دون كذا ، ألا
ترى ] (٤) أن الصدقة الموقوفة رجعت إلى قرابة أبي طلحة ولو سبلها
في وجه من الوجوه لم تصرف إلى غيره .
وذهب مالك والشافعي إلى أن من حبس دارًا على قوم معينين أو
تصدق عليهم بصدقة ولم يذكر أعقابهم ، أو ذكر ولم يجعل لها
بعدهم مرجعًا إلى المساكين أو إلى من لا يعدم وجوده من وجوه البر ،
فمات المحبس عليهم وانقرضوا ؛ أنها لا ترجع إلى الذي حبسها أبدًا،
وترجع حبسًا على أقرب الناس بالمحبس يوم ترجع لا يوم حبس ، ألا
ترى أن أبا طلحة جعل حائطه ذلك صدقة لله ولم يذكر وجهًا من
الوجوه التي توضع فيه الصدقة ، أمره رسول الله أن يجعلها في
أقاربه، وكذلك كل صدقة لا يذكر لها مرجع تصرف على أقارب
المتصدق بدليل هذا الحديث ، وهذا عند مالك فيما لم يرد به صاحبه
(١) في (( الأصل)): إخراجها. والمثبت من (( هـ)).
(٢) في ((الأصل)): أحد. والمثبت من (( هـ)).
(٤) في (( الأصل)): دوري إلى. والمثبت من ((هـ).
(٣) من (( هـ ).
- ١٨٩ -

حياة المتصدق عليه، فإذا أراد ذلك فهي عنده عمرى ترجع إلى صاحبها
بعد انقراض المتصدق عليه ، ولمالك فيها قول ثان : أنه إذا حبس على
(٢٢٦٥/٣-١] قوم معينين / ولم يجعل لها مرجعًا إلى المساكين أنها ترجع [ملكًا] (١)
إلى ربها كالعمرى . قيل لمالك : لو قال في صدقته : هي حبس على
فلان [ هل تكون بذلك محبسة ؟ قال : لا ؛ لأنها لمن ليس بمجهول،
وقد حبسها على فلان ] (٢) فهي عمرى ؛ لأنه أخبر أن تحبيسها غير.
دائم ولا ثابت ، وأنه إلى غاية . ولم يختلف قوله إذا قال : هي
حبس صدقة أنها لا ترجع إليه أبداً .
فالألفاظ التي ينقطع بها ملك الشيء عن ربه ولا يعود إليه أبدًا عند
مالك وأصحابه أن يقول : حبس صدقة ، أو حبس لا يباع ، أو حبس
على أعقاب مجهولين مثل الفقراء والمساكين وفي سبيل الله . فهذا كله
عندهم مؤبد لا يرجع إلى صاحبها ملك أبدًا . وأما إذا قال : حياة
المحبس [ عليه ] (٢) أو إلى أجل من الآجال فإنها ترجع إلى صاحبها
ملكًا أو إلى ورثته ، وهي كالعمرى والسكنى .
قال ابن المنذر : واختلفوا في الرجل يأمر وصيه يضع ( ثلثه ) (٣)
حيث أراه الله . فقالت طائفة : يجعله في سبيل الخير ولا يأكله . هذا
قول مالك وبه قال الشافعي وزاد : لا يعطيه وارثًا للميت ؛ لأنه إنما
کان يجوز له منه ما كان يجوز للميت .
وقال أبو ثور : يجوز أن يعطيه لنفسه أو لولده أو لمن شاء ،
ويجعله لبعض ورثة الميت ، وليست هذه وصية للميت إنما هذا أمر
للموصي أن يضعه حيث يشاء . وهو قول الكوفيين غير أنهم قالوا :
(١) في ((الأصل)): ملك. والمثبت من ( هـ)).
(٣) في ((هـ)): ثلث ماله .
(٢) من ( هـ )
- ١٩٠ -

ليس له أن يجعلها لأحد من ورثة الميت ؛ فإن جعله لبعضهم فهو
باطل مردود على جميع الورثة .
وفيه من الفقه : أن من تصدق بشيء من ماله بعينه أن ذلك يلزمه ،
وإن كان أكثر من ثلث ماله ؛ لأن النبي لم يقل لأبي طلحة هل هو
ثلث مالك ؟ كما قال لأبي لبابة ، وقال لسعد : الثلث كثير . وقد
تقدم في الزكاة .
باب : إذا أوقف جماعة أرضًا مشاعًا فهو جائز
فيه : أنس: (( أمر النبي ببناء المسجد فقال : يا بني النجار ، ثامنوني
بحائطكم هذا. قالوا : لا والله . لا نطلب ثمنه إلا من الله)) .
وقف المشاع جائز عند مالك كهبته وإجارته وبه قال أبو يوسف
والشافعي ، وقال محمد بن الحسن : لا يجوز . بناء على أصلهم في
الامتناع من إجارة المشاع ، وحجة من أجاز ذلك أن بني النجار جعلوا
حائطهم لمكان المسجد وقالوا : لا نطلب ثمنه إلا إلى الله - تعالى .
وأجاز النبي ذلك من فعلهم وكان ذلك [ وقفًا ] (١) للمشاع، والحجة
في السنة لا في خلافها .
باب : الوقف للغني والفقير والضيف
فيه: ابن عمر: (( أن عمر وجد مالا بخيبر فأتى النبي - عليه السلام -
فقال : إن شئت تصدقت بها . فتصدق بها في الفقراء والمساكين وذي
القربى والضيف )) .
(١) في ((الأصل)): وقف. والمثبت من ( هـ ).
- ١٩١ -

ليس من شرط الوقف أن يكون للفقراء والمساكين خاصة ، ألا ترى
أن عمر شرط في وقفه مع الفقراء والمساكين ذا القربى والضيف ، وقد
يكون فيهم أغنياء ، وكذلك قال النبي - عليه السلام - لأبي طلحة :
(( إني أرى أن تجعلها في الأقربين)) فجعلها لحسان بن ثابت وأبيّ بن
كعب ، ولم يكونوا فقراء ، ولم يحرم الله على الأغنياء من الصدقات
إلا الزكاة وصدقة الفطر خاصة ، وأحل لهم الفيء والجزية وصدقات
التطوع كلها ، فجائز للموقف أن يجعل وقفه فيمن شاء من أصناف
الناس ، أغنياء كانوا أو فقراء ، أو قرباء كانوا أو بعداء له ، شرطه في
ذلك . وهذا لا خلاف فيه .
[ باب ] (١) وقف الأرض للمسجد
فيه: أنس: (( لما قدم النبي المدينة أمر ببناء المسجد وقال : يا بني
النجار، ثامنوني بحائطكم هذا . فقالوا : لا والله لا نطلب ثمنه إلا إلى
الله)) وترجم له باب إذا قال الواقف لا نطلب ثمنه إلا إلى الله .
[٢٢٦٥/٢- ب] فى هذا الحديث حجة على أبي حنيفة / في إبطاله الأوقاف
والأحباس ؛ لأن الأمة مجمعة أن من جعل أرضًا له مسجدًاً للمسلمين
في صحته أنه ليس لورثته ردها ميراثًا بينهم . وقال أبو حنيفة في
الرجل يحبس داره على المساكين يسكنونها : أنها ترجع ميراثًا بين
ورثته، ويجيز ذلك إن فعله في مرضه أو في وصيته ، ويكون في ثلثه
فإن قال : إن المسجد لا يجوز له ولا لورثته الرجوع فيه بعد أن أخرجه
في صحته وجعله مسجدًا لجماعة المسلمين؛ قيل له : فما الفرق بين ما
جعل من ذلك مسجدًا وبين ما جعله سقاية أو مقبرة أو ( موقفًا ) (٢)
(١) من (( هـ ، ن ))
(٢) في (( هـ )): مرفقًا .
- ١٩٢ -

لجماعة المسلمين ، وهل بينك وبين من عكس هذا عليك ، فأجاز ما
أبطلت، وأبطل ما أجزت فرق من أصل أو قياس ؛ فلن يقول في شيء
من ذلك قولا إلا ألزم في الآخر مثله .
قال الطبري . وقد أجاز العلماء أوقاف أهل الذمة ولم يروا نقضها
فكيف تنقض أوقاف المسلمين ؟! ووجدت بخط أبي عبيد الخيري :
وسئل أبو الحسن علي بن ميسرة القاضي البغدادي عن رجل كان له
على نصراني دين ، فأفلس النصراني ولا مال له سوى وقف أوقفه على
مساكين أهل ملته قبل استحداثه الدين ؛ هل يجوز نقض الوقف وأخذ
المسلم له قضاء من دينه أم لا ؟ فأجاب بأن قال بأن أهل الذمة ليست
أملاكهم مستقرة ، وإنما لهم شبهة ملك على ما في أيديهم ، فإذا
اختاروا رفع أيديهم عن الشبهة ارتفعت ، ولم يعترض عليهم في نقض
ما عقدوه مما لو كان في شريعتنا لم يجز نقضه ؛ لأنهم على ذلك
صولحوا، ولما جاز إقرارهم على غير دين الحق إذا أعطوا الجزية وجب
أن لا يعترض عليهم في نقض وقف ولا غيره مما يتعلق بحق الله .
باب : الوقف و کیف یکتب
فيه : ابن عمر: (( أصاب عمر أرضًا بخيبر فأتى النبي فقال : أصبت
أرضًا لم أصب مالا قط أنفس منه ، فكيف تأمرني به ؟ قال : إن شئت
حبست أصلها وتصدقت بها . فتصدق عمر أنه لا يباع أصلها ولا توهب
ولا تورث : في الفقراء والقربى ، والرقاب وفي سبيل الله ، والضيف
وابن السبيل ، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف أو يطعم
صدیقًا غیر متمول فیه )) .
- ١٩٣ -

هذا الحديث أصل في إجازة الحبس والوقف، وهو قول أهل المدينة .
والبصرة ، ومكة والشام ، والشعبي من أهل العراق ، وبه قال أبو
يوسف ومحمد بن الحسن والشافعي ، وقال أبو حنيفة وزفر :
[الحبس] (١) باطل، ولا يخرج عن ملك الذي أوقفه ويرثه ورثته ، ولا
يلزم الوقف عنده إلا أن يحكم به الحاکم وینفذه أو يوصي به بعد موته،
وإذا أوصى به اعتبر من الثلث، فإن جمله الثلث جاز وإلا رد .
وحجة الجماعة قوله عليه السلام لعمر : (( إن شئت حبست أصلها))
وهذا يقتضي أن الشيء إذا حبس صار محبوسًا ممنوعًا منه ، لا يجوز .
الرجوع فيه ؛ لأن هذا حقيقة الحبس ، ألا ترى أن عمر لما أراد التقرب
بفعل ذلك رجع في صفته إلى بيان النبي وذلك قوله : فتصدق بها
عمر. أنه لا يباع أصلها ولا توهب ولا تورث . وعند المخالف هذا
باطل ، وليس في الشريعة صدقة بهذه الصفة .
[وأيضًا] (٢) فإن المسألة إجماع من الصحابة، وذلك أن أبا بكر
وعمر وعثمان وعليا وعائشة وفاطمة وعمرو بن العاص وابن الزبير
[وجابرًا ] كلهم أوقفوا الوقوف، وأوقافهم بمكة والمدينة معروفة
مشهورة .
واحتج أبو حنيفة بما رواه عطاء ، عن ابن المسيب قال : سألت
شريحًا عن رجل جعل داره حبسًا على الآخر فالآخر من ولده ؟
فقال: لا حبس على فرائض الله. قالوا : فهذا شريح قاضي عمر
وعثمان وعلي والخلفاء [ الراشدين ] (٤) حكم بذلك واحتج أيضًا بما
(١) في ((الأصل)): والحسن. والمثبت من (( هـ).
(٣) في (( الأصل)): وجابر. والمثبت من (( هـ)).
(٤) في (( الأصل)): الراشدون. والمثبت من (( هـ).
(٢) من ( هـ )
- ١٩٤ -

رواه ابن لهيعة ، عن أخيه عيسى ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال:
(سمعت النبي يقول بعد ما نزلت سورة النساء، وأنزل الله فيها
الفرائض : نهى / عن الحبس)).
[٣/ ق٢٢٧-١]
قال الطبري : ولا حجة له في قول شريح ؛ لأن من تصدق بماله
في صحة بدنه فقد زال ملكه عنه ، ومحال أن يقال لما زال ملكه عنه
قبل موته بزمان حبسه عن فرائض الله، ولو كان حابسًا عن فرائض الله
من أزال ملكه عما ملكه لم يجز لأحد التصرف في ماله ، وفي إجماع
الأمة أن ذلك ليس كذلك ما ينبئ عن فساد تأويل من تأول قول شريح؛
أنه بمعنى إبطال الصدقات المحرمات ، فثبت أن الحبس عن فرائض الله
إنما هو لما يملكه في حال موته ، فيبطل حبسه كما قال شريح ، ويعود
میراثًا بین ورثته .
ومثال ذلك أن يحبس مالا في حياته على إنسان بعينه فيجعل له
غلته دون رقبته ، أو على قوم بأعيانهم ، ولا يجعل لحبسه مرجعًا في
السبل التي لا يفقد أهلها بحال ، فإن ذلك يكون حبسًا على فرائض
الله ، وليس في حديث عطاء أن الرجل جعل لحبسه مرجعًا بعد
انقراض ورثته ، ولا أخرجها من يده إلى من حبسها عليه ولا إلى
فائض حتى تحدث به الوفاة، فكانت لا شك أن صاحبها هلك و[هي](١)
في ملكه ولورثته بعد وفاته ، فيكون هذا من الحبس عن فرائض الله ،
إذ كانت الصدقة لا تتم لمن تصدق بها عليه إلا بقبضه لها .
وأما الصدقة التي ( أمضى ) (٢) المصدق بها في حياته على ما أذن
الله به على لسان رسوله وعمل به الأئمة الراشدون ، فليس من الحبس
(١) في (( الأصل)): هو. والمثبت من ( هـ )).
(٢) فى (( هـ): أمضاها.
- ١٩٥ -

عن فرائض الله ، ولا حجة في قول شريح ولا أحد مع مخالفة السنة
وعمل أئمة الصحابة الذين هم الحجة على جميع الخلق .
ويقال للمحتج بقول شريح في إبطال الصدقات المحرمات في
الصحة : إن شريحًا لم يقل : لا حبس عن فرائض الله في الصحة .
فكيف وجب أن تكون صدقة المتصدق في حال الصحة من الحبس عن
فرائض الله ولا يجب أن تكون صدقة في مرضه الذي يموت فيه ، أو
في وصيته من الحبس عن فرائض الله ؟ ومعنى الصدقتين واحد ،
و[ما] (!) البرهان على أن التي أجزت هي الجائزة والتي أبطلت هي
الباطلة ؟
فإن قال : إن للرجل في مرضه إخراج ثلث ماله فيما [ شاء ] (٢)
ولا اعتراض للورثة عليه فيه .
قيل : وكذلك له في حال صحته إخراج جميع ماله فيما [ شاء ](٢)
وليس للورثة عليه سبيل ، ولما كان ما [ يفعله ] (٣) الرجل في ثلثه
لا يدخل في قوله عليه السلام: (( لا حبس عن فرائض الله )) عند
الجميع كان ما يفعله الرجل في صحته أولى بذلك لمن أنصف . .
قال ابن القصار: وأما حديث ابن عباس فرواه ابن لهيعة ، وهو
رجل اختلط عقله في آخر عمره وأخوه غير معروف فلا حجة فيه ،
وقد تأول الناس في حديث ابن عباس تأويلا هو أولى من تأويل
شريح، وذلك أن معنى قوله: ((لا حبس عن فرائض الله )) منع ما
(١) في ((الأصل)): هذا. والمثبت من ((هـ)).
(٢) في ((الأصل)): بينا. والمثبت من (هـ)).
(٣) في ((الأصل)): يجعله. والمثبت من (( هـ).
- ١٩٦ -

كان أهل الجاهلية يفعلونه من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ،
[كأن](١) يحبسون ما يجعلونه كذلك ولا يورثونه أحدًا ، فلما نزلت
آية المواريث قال رسول الله: (( لا حبس )).
فإن قيل: هذا تأويل فاسد ؛ لأن قوله: (( لا حبس » يقتضي نفي
حبس فعل في الإسلام ، وفعل أهل الجاهلية لم يفعل في الإسلام .
قيل : هو نفي لما كانوا يفعلونه وهم كفار بعد الإسلام .
فإن قيل : كيف يجوز أن تخرج الأرض بالوقف من ملك أربابها ،
لا إلى ملك مالك ؟ قال الطحاوي : يقال لهم : وما ينكر هذا وقد
اتفقت أنت وخصمك على الأرض يجعلها صاحبها مسجدًا للمسلمين
ويخلي بينهم وبينها ، وقد خرجت بذلك من ملك إلى غير ملك ولكن
إلى الله - تعالى - وكذلك السقايات والجسور والقناطر فما الزمت
مخالفك في حجتك عليه يلزمك في هذا كله .
باب : وقف الدواب والكراع / والعروض والصامت
[٣/ ق٢٢٧ -ب]
وقال الزهري فيمن جعل ألف دينار في سبيل الله ودفعها إلى غلام له
تاجر يتجر بها وجعل ربحه صدقة للمساكين والأقربين ، هل للرجل أن
يأكل من ربح تلك الألف شيئًا ، وإن لم يكن جعل ربحها صدقة
للمساکین قال : ليس له أن یأکل منها .
فيه : ابن عمر: « أن عمر حمل على فرس في سبيل الله أعطاها رسول
(١) في ((الأصل)): كانوا. والمثبت من ( هـ)).
- ١٩٧ -

الله ليحمل عليها ، فحمل عليها رجلا ، فأخبر عمر أنه قد وقفها يبيعها ،
فسأل النبي أن يبتاعها . فقال : لا تبتعها ، ولا ترجعن في صدقتك)).
اختلف العلماء في وقف الحيوان والعروض والدنانير والدراهم
فأجاز ذلك مالك إلا أنه كره وقف الحيوان أن يكون على العقب ، فإن
وقع أمضاه . وأجاز ابن القاسم وأشهب وقف الثياب ، وقال محمد
ابن الحسن والشافعي : يجوز وقف الحيوان .
وقال أبو حنيفة و[ أبو ] (١) يوسف : لا يجوز وقف الحيوان
والعروض والدنانير والدراهم . وقالوا : إن هذه أعيان لا تبقى على
حال [ أبد] (٢) الدهر، فلا يجوز وقفها، وأيضًا فإن الوقف يصح
على وجه التأبيد ، فمن أوجبه فيما لا يتأبد صار كمن أوقف وقفًا مؤقتًا.
يومًا أو شهراً أو سنة ، وهذا لا يجوز .
ولو صح الوقف فيما لا يتأبد لصح في جميع الأثمان وسائر ما
يملك كالهبة والوصية . وقال ابن القصار : الوقف المؤقت يجوز عند
مالك، ويجوز في جميع الأنواع مما يبقى غالبًا ، والدليل على جواز
وقف الحيوان والسلاح حديث عمر في الفرس الذي حمل عليه في
سبيل الله، وقوله عليه السلام : (( إنکم تظلمون خالدًا ، إنه قد حبس
أدراعه وأعتده في سبيل الله » واعتده هي خیله ، فأخبر أنه حبس خيله
وسلاحه في سبيل الله ، ولفظ حبس يقتضي أن يكون محبوسًا عن
جميع المنافع إلا على الوجه الذي حبس فيه ، ولو لم يصح تجبيس
(١) في ((الأصل)): أبي. والمثبت من (( هـ).
(٢) في ((الأصل)): أبدًا. والمثبت من (( هـ ).
.- ١٩٨ -

ذلك لم يكونوا ظالمين فيما طلبوا من ذلك ، ولكان عليه السلام
يبطله.
فإن قيل : لا حجة في حديث عمر على جواز وقف الحيوان ؛ لأن
هذا الفرس الذي حمل عليه عمر في سبيل الله إنما كان هبة منه له
فلذلك جاز له بيعه ، ولو كان حبسًا لم يجز بيعه ، ولذلك قال
الشافعي وابن الماجشون : لا يجوز بيع الفرس الحبس ويترك أبدًا .
فالجواب : أن ربيعة ومالكًا أجازا بيع الفرس الحبس إذا لم يبق فيه
قوة للغزو ويجعل ثمنه في آخر . قال ابن القاسم : فإن لم يبلغ
شورك به فيه ، وكذلك الثياب إذا لم يبق فيه منفعة بيعت واشتري
بثمنها ما ينتفع به ، فإن لم يكن تصدق به في سبيل الله .
وأما صحة الحجة لحديث عمر في هذا الباب فإنه لا يخلو أن يكون
هذا الفرس الذي حمل عليه عمر حبسًا [أو هبة وتمليكًا] (١). وعلى
كلا الوجهين فقد جاز للرجل بيعه ، ولم يأمر النبي بفسخ البيع حين
بلغه ذلك ، وفهم من قوله عليه السلام: (( لا تشتره وإن أعطاكه
بدرهم واحد )) أن نهيه عن شرائه إنما كان على وجه التنزه لا على
التحريم ، ولو كان على التحريم لبين له عليه السلام أنه لا يحل
شراؤه بدرهم ولا بأقل ، وقد تقدم [ شيء في هذا المعنى في باب
إذا حمل على فرس في سبيل الله فهو كالعمرى والصدقة في آخر
أبواب المنحة والهبات ] (٢) .
واختلفوا في حبس الدنانير والدراهم على من تكون زكاتها ، فقال
(١) فى ((الأصل)): أو تمليكًا أو هبة. والمثبت من ( هـ)).
(٢) من ( هـ).
- ١٩٩ -

مالك في المدونة : لو أن رجلا [ حبس مائة دينار ] (١) موقوفة يسلفها
الناس ويردونها هل ترى فيها زكاة ؟ قال : نعم ، الزكاة فيها قائمة
كل عام . وخالف ذلك ابن القاسم فقال في رجل قال الرجل : خذ
هذه المائة دينار تتجر فيها ولك ربحها وليس عليك فيها ضمان ، فليس
على الذي هي في يده أن يزكيها ولا على الذي [ هي ] (٢) له زكاتها
حتى يقبضها فيزكيها زكاة واحدة . قال سحنون : أراها كالسلف ،
وعليه ضمانها إن تلفت ، كالرجل يحبس المال على الرجل فينتقص أنه
ضامن له .
وأما قول الزهري في الرجل [ يجعل ] (٣) ألف دينار في سبيل الله
[٢٢٨٥/٢-١) أنه لا يأكل من ربحها، فإنما ذلك إذا كان / في غنى عنها ، وأما إن
احتاج وافتقر فمباح له الأكل [ منها ] (٤) ويكون كأحد المساكين .
قال ابن حبيب : وهذا قول مالك وجميع أصحابنا أنه ينفق على
ولد الرجل وولد ولده من حبسه إذا احتاجوا ، وإن لم يكن جعل لهم
في ذلك اسمًا، فإن استغنوا فلا حق لهم. واستحسن مالك أن لا
يستوعبوها إذا احتاجوا وأن يكون منها سهم جار على الفقراء لئلا
يدرس . وقاله ربيعة ويحيى بن سعيد .
(١) في ((الأصل)): مائة دنانير. والمثبت من (( هـ)).
(٢) من ( هـ )).
(٣) في (( الأصل)): يجعل له. والمثبت من (( هـ)).
(٤) في ((الأصل)): كلمة غير واضحة. والمثبت من (( هـ)).
:
- ٢٠٠ -