Indexed OCR Text

Pages 161-180

من باب الديون وإن لم [ يعرفوها ] (١) لأنه لما رآه قد سماه له ورأى
الاستحقاق من حكيم متوجهًا إلى المال إن رضيه وقبله أجري مجرى
مستحقات الديون .
وأما حديث أبي هريرة فوجهه في هذا الباب - والله أعلم - أنه لما
كان العبد مسترعى في مال سيده ؛ صح أن المال للسيد ، [وأن ] (٢)
العبد لا ملك له فيه ، فلم تجز وصية العبد بغير إذن سيده ، كما قال
ابن عباس وأشبه في المعنى الموصي الذي عليه الدين ، فلم تنفذ وصيته
إلا بعد قضاء دينه ؛ لأن المال الذي بيده إنما هو لصاحب الدين
ومسترعى فيه ومسئول عن رعيته ، فلم يجز له تفويته على ربه بوصية
أو غيرها إلا أن يبقى منه بعد أداء ( ذلك ) (٣) بقية، كما أن العبد
مسترعى في مال سيده ، ولا يجوز له تفويته على سيده إلا بإذنه ،
فاتفقا في الحكم لاتفاقهما في المعنى .
*
باب : إذا أوقف أو أوصى لأقاربه ومن الأقارب
وقال النبي لأبي طلحة: (( اجعله لفقراء أقاربك . فجعلها لحسان وأبي
ابن كعب . قال أنس: وكانا أقرب إليه مني ، وكان قرابة حسان وأبيّ من
أبي طلحة )) واسمه: زيد بن سهل بن الأسود بن حرام بن عمرو بن زيد
مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار ، وحسان بن ثابت بن المنذر
ابن حرام ، فیجتمعان إلى حرام وهو الأب الثالث ، وحرام بن عمرو بن
زيد مناة بن عدي بن [ عمرو ] (٤) بن مالك بن النجار ، فهو يجامع
(١) في ((الأصل)): يعرفونها. والمثبت من ((هـ)).
(٢) في ((الأصل)): لأن. والمثبت من (( هـ )) .
(٤) في ((الأصل)): عمر. والمثبت من (( هـ، ن)).
(٣) في (( هـ)) : الدين .
- ١٦١ -

حسان أبا طلحة وأبيّ إلى ستة آباء إلى عمرو بن مالك ، وهو أبي بن
کعب بن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار.
فعمرو بن مالك يجمع حسان وأبا طلحة [وأبيا ](١) وقال بعضهم: إذا
(٣/ ق. ٢٢ -ب) أوصى لقرابته / فهو إلى آبائه في الإسلام .
فيه: أنس: قال النبي لأبي طلحة: ((أرى أن تجعلها في الأقربين .
فقال أبو طلحة : أفعل يا رسول الله . فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني
عمه )) .
وقال ابن عباس: (( لما نزلت ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ (٢) جعل
النبي ينادي: يا بني [ فهر ] (٣) ، يا بني عدي - لبطون قريش)) وقال
أبو هريرة لما نزلت : ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين ﴾ (٢) قال النبي: يا
معشر قريش » .
اختلف العلماء إذا أوصى بثلثه لأقاربه أو لأقارب فلان من الأقارب
الذين يستحقون الوصية فقال الكوفيون والشافعي : يدخل في ذلك من
كان من قبل الأب والأم . غير أنهم رتبوا أقوالهم على ترتيب مختلف
فقال أبو حنيفة : القرابة [ هم ] (٤) كل ذي رحم محرم من قبل الأب
والأم ممن لا يرث [ غير ] (٥) أنه يبدأ بقرابة الأب على قرابة الأم ،
وتفسير ذلك أن يكون له خال وعم فيبدأ [ بعمه ] (٦) على خاله ،
فيجعل له الوصية .
وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي : سواء في ذلك قرابة الأب
والأم ومن بعد منهم أو قرب ، ومن کان ذا رحم محرم أو لم یکن
(١) من ((هـ، ن)).
(٣) من ( هـ ، ن)).
(٢) الشعراء : ٢١٤ .
(٤) في ((الأصل)): هو. والمثبت من (( هـ)).
(٥) في ((الأصل)): عنه. والمثبت من ( هـ)) ..
(٦) في ((الأصل)): عمه. والمثبت من (( هـ).
- ١٦٢ -

وهو قول أبي ثور . وقال أبو يوسف ومحمد : من جمعه أب
(واحد)(١) منذ كانت الهجرة . وقال آخرون : القرابة كل من جمعه
و[الموصي] (٢) أبوه الرابع إلى ما هو أسفل منه. وهو قول أحمد بن
حنبل .
وقال آخرون : القرابة كل من جمعه و[الموصي ] (٢) أب واحد في
الإسلام أو الجاهلية ممن يرجع بآبائه وأمهاته إليه أبًا عن أب أو أما عن
أم إلى أن يلقاه .
وقال مالك : لا يدخل في الأقارب إلا من كان من قبل الأب
خاصة : العم وابنة الأخ وشبههم ، ويبدأ بالفقراء حتى يغنوا ثم يعطى
الأغنياء .
قال الطحاوي : وإنما جوز أهل هذه المقالات الوصية للقرابة إذا
كانت تلك القرابة تحصى وتعرف ، فإن كانت لا تحصى ولا تعرف فإن
الوصية لها باطل في قولهم جميعًا إلا أن يوصي لفقرائهم ، فتكون
الوصية [ جائزة ] (٣) لمن رأى الموصي دفعها إليه منهم ، وأقل ما
يجوز أن يجعلها فيهم اثنان فصاعدًا . في قول محمد .
وقال أبو يوسف: إن دفعها إلى واحد أجزأه . واحتج لأبي يوسف
ومحمد بأن النبي لما قسم سهم ذي القربى أعطى بني هاشم جميعًا ،
وفيهم من رحمه منهم محرمة وغير محرمة ، وأعطى بني المطلب
وأرحامهم منه جميعًا غير محرمة ؛ لأن بني هاشم أقرب إليه من بني
المطلب ، فلما لم يقدم في ذلك رسول الله من قربت رحمه على من
بعدت ، وجعلهم كلهم قرابة يستحقون ما جعل الله لقرابته ، سقط
(١) في ((هـ)): وأم. (٢) في ((الأصل)): الوصي. والمثبت من (( هـ).
(٣) فى ((الأصل)): جائز. والمثبت من ( هـ)).
- ١٦٣ -

قول أبي حنيفة في اعتباره ذا الرحم المحرم واعتباره الأقرب فالأقرب ،
وسقط قول من جعل أهل الحاجة منهم أولى ؛ لأن النبي - عليه
السلام - عم بعطيته بني هاشم وفيهم أغنياء .
وحجة أخرى على أبي حنيفة وذلك أن أبا طلحة لما أمره رسول الله
أن يجعل أرضه في فقراء قرابته جعلها لحسان وأبيّ، [وأبي ] (١) إنما
يلقى أبا طلحة عند أبيه السابع ويلتقي مع حسان عند أبيه الثالث ، فلم
يقدم أبو طلحة حسان لقرب رحمه [على ] (٢) أبيّ لبعد رحمه منه
ولم ير واحدًا منهما مستحقا لقرابته منه في ذلك إلا كما يستحق منه
الآخر ، فثبت فساد قول أبي حنيفة .
واحتج بعض أصحاب الشافعي فقال : إنما استحقوا باسم القرابة
فيستوي في ذلك القريب والبعيد والغني والفقير ، كما أعطى من شهد
القتال باسم الحضور . قال الطحاوي : ثم نظرنا لقول من قال: هو
إلى آبائه في الإسلام . فرأينا النبي أعطى سهم ذوي القربى بني هاشم
وبني المطلب ، ولا يجتمع هو مع واحد منهم إلى أب مذ كانت
الهجرة ، وإنما يجتمع معهم في آباء كانت في الجاهلية ، وكذلك أبو
طلحة وأبيّ وحسان لا يجتمعون عند أب إسلامي ، ولم يمنعهم ذلك.
[٣/ ٥ ٢٢١- ١) أن [ يكونوا ] (٣) قرابة / يستحقون ما جعل للقرابة ؛ فبطل قول أبي
يوسف ومحمد ، وثبت أن الوصية لكل من يوقف على نسبه أب عن
أب أو أم عن أم ، حتى يلتقي هو والموصي لقرابته إلى جد واحد في
الجاهلية أو في الإسلام .
وأما الذين قالوا : إن القرابة هم الذين يلتقون عند الأب الرابع ،
(١) من ((هـ)).
(٢) في (( الأصل)): عن. والمثبت من (( هـ )).
(٣) في (( الأصل)): يكون. والمثبت من ( هـ)).
- ١٦٤ -

فإنهم ذهبوا إلى أن النبي لما قسم سهم ذي القربى أعطى بني هاشم
وبني المطلب ، وإنما يلتقي هو وبنو المطلب عند أبيه الرابع ؛ لأنه
محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف ،
والآخرون هم بنو المطلب بن عبد مناف . فإنما يلتقي معهم عند
[عبد](١) مناف وهو أبوه الرابع ، فمن الحجة عليهم في ذلك
[للآخرين ] (٢) أن النبي لما أعطى بني هاشم و[بني ] (٣) المطلب حرم
بني أمية وبني نوفل ، وقرابتهم منه كقرابة بني المطلب فلم يحرمهم ؛
لأنهم ليسوا قرابة ، ولكن لمعنى غير القرابة [ فكذلك من فوقهم لم
يحرمهم ؛ لأنهم ليسوا قرابة ، ولكن لمعنى غير القرابة ] (١) وكذلك
أعطى أبو طلحة لحسان وأبيّ وإنما يلتقي مع أبيّ لأبيه السابع ، فلم
ينكر رسول الله على أبي طلحة ما فعل ، وقد أمر الله نبيه أن ينذر
عشيرته الأقربين ، فدعا عشائر قريش كلها ، وفيهم من يلقاه عند أبيه
الثاني ، وعند أبيه الثالث وعند أبيه الرابع وعند الخامس وعند السابع،
وفيهم من يلقاه عند آبائه الذين فوق ذلك إلا أنه ممن جمعته وإياهم
قريش ، فبطل قول من جعله إلى الأب الرابع ، وثبت قول من جعله
إلى أب واحد في الجاهلية أو الإسلام . واحتج أصحاب مالك لقوله:
إن القرابة قرابة الأب خاصة ؛ لأن النبي لما أعطى ذوي القربى لم يعط
قرابته من قبل أمه شيئًا ، وسيأتي في الباب بعد هذا [ وقد تقدم كثير
من معنى حديث أبي طلحة في كتاب الزكاة في باب فضل الزكاة على
الأقارب ] (٤) .
*
(٢) في ((الأصل)): الآخرين. والمثبت من ( هـ )).
(١) من ( هـ).
(٣) في ((الأصل)): بنو. والمثبت من ( هـ)).
(٤) من ( هـ)).
- ١٦٥ -

باب : هل يدخل الولد [ والنساء ](١) في الأقارب
فيه : أبو هريرة: (( لما نزلت: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ (٢) قام
النبي فقال : يا معشر قريش ، اشتروا أنفسكم ، لا أغني عنكم من الله:
شيئًا. يا بني عبد منافٍ ، لا أغني عنكم من الله شيئًا . يا عباس بن عبد
المطلب ، لا أغني عنك من الله شيئًا . يا صفية عمة رسول الله ، لا أغني
عنك من الله شيئًا . يا فاطمة بنت محمد ، سليني ما شئت من مالي ،
لا أغني عنك من الله شيئًا )» ..
أجمع العلماء على أن [ اسم ] (٣) الولد يقع على البنين والبنات
وأن النساء التي من صلبه وعصبته كالعمة والابنة والأخت يدخلون في
الأقارب إذا أوقف على أقاربه ، ألا ترى أن النبي خص عمته بالنذارة:
كما خص ابنته ، وكذلك من كان في معناهما ممن يجمعه معه أب
واحد . وروى أشهب عن مالك أن الأم لا تدخل في مرجع الحيس ..
وقال ابن القاسم : تدخل الأم في ذلك ولا تدخل الأخوات للأم .
واختلفوا في ولد البنات أو ولد العمات ممن لا يجتمع في أب واحد
مع الوصي والمحبس هل يدخلون في القرابة أم لا ؟ فقال أبو حنيفة
والشافعي : إذا أوقف وقفًا على ولده أنه يدخل فيه ولد ولده ، وولد
بناته ما تناسلوا، وكذلك إذا أوصى لقرابته يدخل فيه ولد البنات ...
والقرابة عند أبي حنيفة كل ذي رحم محرم ، فيسقط عنده ابن العم
وابن العمة ، وابن خال والخالة ؛ لأنهم ليسوا بمحرمين .
والقرابة عند الشافعي : كل ذي رحم محرم وغيره ، فلم يسقط
عنده ابن العم ولا غيره . وقال مالك : لا يدخل في ذلك ولد
(١) في ((الأصل)): أو السيد، والمثبت من (( هـ)). (٢) الشعراء : ٢١٤.
(٣) من (( هـ)).
- ١٦٦ -

البنات . وقوله : لقرابتي وعقبي ، كقوله : لولدي وولد ولدي .
يدخل فيه ولد البنين ، ومن يرجع إلى عصبة الأب وصلبه ولا يدخل
ولد البنات .
قال ابن القصار : وحجة من أدخل ولد البنات في الأقارب قوله
في الحسن بن علي: (( إن ابني هذا سيد ، ولعل الله أن يصلح به بين
فئتين من المسلمين)) قالوا : ولا تظن أحدًا يمتنع أن يقول في ولد
البنات أنهم ولد لأبي أمهم فالمعنى يقتضي ذلك ؛ لأن الولد في اللغة
مشتق من التولد وهم / متولدون عن أبي أمهم لا محالة ؛ لأنه أحد [٣ق٢٢١ -ب]
أصليهم الذي يرجعون إليه ، قال تعالى: ﴿إنا خلقناكم من ذكر
وأنثى﴾ (١) فللذكر حظه وللأنثى حظها، والتولد عن جهة الأب
كالتولد عن جهة الأم ، وقد دل القرآن على ذلك قال تعالى : ﴿ومن
ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي
المحسنين وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين ﴾ (٢)
فجعل عيسى من ذريته وهو ابن بنته، ولم يفرق في الاسم بين بني بنيه
وبني ابنته .
واحتج عليهم [ أهل ] (٣) المقالة الثانية فقالوا : إنما سمى النبي
الحسن ابنًا على وجه التحنن والفضيلة دون الحقيقة ، وإنما أبوه في
الحقيقة عليّ وإليه نسبه ، ولا يمتنع أن تقع التسمية تارة على الحقيقة
وتارة على المجاز ، ألا ترى أن النبي - عليه السلام - قال في
العباس: ((اتركوا لي أبي)) فلا يمتنع أن يسمى ولد البنات ابنًا كما
يسمى الجد والدًا، والعم والدًا، والخال والدًا، إلا أن اسم الأب
في هذا متميز يرجع في حقيقته إلى ولد الصلب خاصة ، كما يرجع
في اسم الأب حقيقة إلى الأب دينًا .
(١) الحجرات : ١٣ .
(٣) من ( هـ)).
(٢) الأنعام : ٨٤ - ٨٥.
- ١٦٧ -

ولما ذكر عيسى - عليه السلام - مع ولد البنين الذين هم ذرية على
الحقيقة جرى عليه الاسم على طريق الاتساع والتغليب للأكثر
المذكورين ، وهذا شائع في كلام العرب ، ودليل آخر وهو قوله :
﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ (١) فلم يعقل المسلمون من ظاهر الآية إلا
ولد الصلب وولد الابن خاصة ، ألا ترى قوله تعالى : ﴿وللرسول
ولذي القربى ﴾ (٢) اختص ذلك ببني أعمامه ومن يرجع بنسبه إليه ؛
لأنه- عليه السلام - أعطى سهم القرابة [بني] (٣) أعمامه دون بني
أخواله فكذلك ولد البنات ؛ لأنهم لا ينتمون إليه بالنسب ، ولا
[يلتقون] (٤) معه في أب قال الشاعر :
بنونا بنو آبائنا وبناتنا
بنوهن أبناء الرجال الأباعد
وفي إعطائه عليه السلام [ بني ] (٥) المطلب وهم بنو أعمامه حجة
على أبي حنيفة أن ابن العم داخل في القرابة ، ولما أعطى النبي لبني
المطلب وبني هاشم جاء عثمان وجبير بن مطعم إليه عليه السلام فقال:
(( قد عرفنا بني هاشم لمكانك الذي وضعك الله فيهم ، فما بالنا وبني
المطلب أعطيتهم ومنعتنا وقرابتنا واحدة ؟! فقال عليه السلام : إنهم لم
يفارقونا في جاهلية ولا إسلام )) وعثمان من بني عبد شمس ، وجبير
ابن مطعم من بني نوفل ، وهم إخوة عبد شمس بن عبد مناف ،
والمطلب بن عبد منافٍ ، وهاشم بن عبد مناف .
فأعطى بني المطلب وهم بنو أعمامه وأعطى بني هاشم وهم بنو
جده، وليس فيهم من يرجع إلى أجداد الأمهات مثل ولد البنات
(١) النساء : ١١.
(٣) من (( هـ)).
(٢) الحشر : ٧ .
(٤) في ((الأصل)): يلقون. والمثبت من (( هـ)).
(٥) في ((الأصل)): بنو. والمثبت من (( هـ)).
- ١٦٨ -

والأخوال وغيرهم من ذوي الأرحام ، فدل ذلك على فساد قول أبي
حنيفة والشافعي في أن القرابة تقع على قرابة الأب والأم ؛ لأنه عليه
السلام لم يعط إلا من رجع إلى عصبته . ويرد قول الشافعي في
التسوية بين الأقرب والأبعد، لأنه عليه السلام لما أعطى بني هاشم وبني
المطلب ومنع الآخرين علم أنه لا يستحق بالقرابة إلا على وجه الاجتهاد
وقد يدخل في القرابة جميع قريش؛ لقوله: (( يا معشر قريش))
وخص بعضهم بالعطاء فصح قول مالك أن يبدأ بالفقراء قبل الأغنياء .
قال المهلب : وقوله عليه السلام لابنته: ((سليني من مالي ما
شئت)» فيه من الفقه أن الاستثلاف للمسلمين وغيرهم بالمال جائز ؛ لأنه
إذا جاز أن يستألف المسلم بالمال حتى يزداد بصيرة في الإسلام جاز أن
يستألف الكافر حتى يدخل في الإيمان ؛ بل هو أوكد .
#
باب : هل ينتفع الواقف بوقفه
وقد اشترط عمر : لا جناح على من وليه أن يأكل منها وقد يلي
الواقف وغيره ، فكذلك کل من / جعل بدنة أو شيئًا لله فله أن ينتفع بها
کما ینتفع غيره وإن لم يشترط .
[٢/ ق٢٢٢-٤١
فيه : أنس: (( أن النبي رأى رجلا يسوق بدنة فقال له : اركبها . فقال:
يا رسول الله، إنها بدنة . فقال في الثالثة - أو في الرابعة - : اركبها
ويلك - أو ويحك )) .
قال المؤلف : لا يجوز للواقف أن ينتفع بوقفه ؛ لأنه أخرجه لله
وقطعه عن ملكه ، فانتفاعه بشيء منه رجوع في صدقته ، وقد نھی
النبي عن ذلك ، وإنما يجوز له الانتفاع به إن شرط ذلك في الوقف أو
أن يفتقر المحبس أو ورثته فيجوز لهم الأكل منه .
- ١٦٩ -

وقال ابن القصار : من حبس دارًا أو سلاحًا أو عبدًا في سبيل الله
فأنفذ ذلك في وجوهه زمانًا ، ثم أراد أن ينتفع به مع الناس ، فإن كان
من حاجة فلا بأس به .
وذكر ابن حبيب عن مالك قال : من حبس أصلا تجري غلته على
المساكين ، فإن ولده يعطون منه إذا افتقروا - كانوا يوم مات أو حبس
فقراء أو أغنياء - غير أنهم لا يعطون جميع الغلة مخافة أن يندرس
الحبس ، ولكن يبقي منه سهمًا للمساكين ؛ ليبقى اسم الحبس ،
ويكتب على الولد كتاب أنهم إنما يعطون منه ما [ أعطوا ] (١) على
المسكنة وليس على حق لهم فيه دون المساكين .
واختلفوا إذا أوصى بشيء للمساكين فغفل عن قسمته حتى افتقر
بعض ورثته ، وكانوا يوم أوصى أغنياء أو مساكين ، فقال مطرف :
أرى أن يعطوا من ذلك على المسكنة وهم أولى من الأباعد . وقال ابن
الماجشون : إن كانوا يوم أوصى أغنياء ثم افتقروا أعطوا منه ، وإن
كانوا مساكين لم يعطوا منه ؛ لأنه أوصى وهو يعرف حاجتهم فكأنه
أزاحهم عنه . وقال ابن القاسم : لا يعطوا منه شيئًا مساكين كانوا أو
أغنياء يوم أوصى .
وقول مطرف أشبه بدلائل السنة .
قوله : وكذلك كل من جعل بدنة أو شيئًا لله فله أن ينتفع بها كما
ينتفع غيره وإن لم يشترط ، فإنما ينتفع من ذلك إذا لم يشترط بما لا
مضرة على من سبل له الشيء ، وإنما جاز ركوب البدنة التي أخرجها
لله ؛ لأنه ركبها إلى موضع النجر ولم يكن له غنى عن سوقها إليه،
ولم يركبها في منفعةٍ له ، ألا ترى أنه لو كان ركوبها مهلكًا لها لم
يجز له ذلك ، كما لا يجوز له أكل شيء من لحمها ..
(١) في ((الأصل)): يعطوا، والمثبت من ((هـ)).
- ١٧٠ -

وقوله : يلي الواقف وغيره . فاختلف العلماء في ذلك فذكر ابن
المواز عن مالك أنه إن شرط في حبسه أن يليه لم يجز . وقاله ابن
القاسم وأشهب . وقال ابن عبد الحكم عن مالك : إن جعل الوقف
بيد غيره يحوزه ويجمع غلته ، ويدفعها إلى الذي حبسه يلي تفرقته
وعلى ذلك حبس ؛ أن ذلك جائز .
وقال ابن كنانة : من حبس ناقته في سبيل الله فلا ينتفع بشيء منها،
وله أن ينتفع بلبنها لقيامه عليها . فمن أجاز للواقف أن يليه فإنما يجيز
له الأكل منه بسبب ولايته وعمله ، كما يأكل الوصي من مال يتيمه
بالمعروف من أجل ولايته وعمله ، وإلى هذا المعنى أشار البخاري في
هذا الباب .
ومن لم يجز للواقف أن يلي وقفه فإنما منع ذلك قطعًا للذريعة إلى
الانفراد بغلته ، فيكون ذلك رجوعًا فيه، وسأذكرها في الباب بعد هذا.
باب : إذا أوقف شيئًا فلم يدفعه إلى غيره فهو جائز
لأن عمر أوقف وقال : لا جناح على من وليه أن يأكل . ولم يخص إن
وليه عمر أو غيره . وقال النبي لأبي طلحة : أرى أن تجعلها في الأقربين .
فقال : أفعل . فقسمها في [ أقاربه ] (١) وبني عمه .
وإذا قال : داري صدقة ولم یبین للفقراء أو غيرهم فهو جائز يضعها
في الأقربين أو حيث أراد . وقال النبي لأبي طلحة حين قال له : أحب
أموالي إليّ بيرحاء وإنها صدقة . فأجاز النبي ذلك . وقال بعضهم : لا
يجوز حتى يبين لمن، والأول أصح، وإذا قال : أرضي أو بستاني صدقة
/ على أمي فهو جائز وإن لم يبين ذلك .
[٢/ق٢٢٢ -ب]
(١) في ((الأصل: الأقربين. والمثبت من (( هـ، ن)).
- ١٧١ -

فيه : ابن عباس: (( أن سعد بن عبادة توفيت أمه وهو غائب عنها
فقال: يا رسول الله ، إن أمي توفيت وأنا غائب عنها ، أينفعها شيء إن
تصدقت به عنها ؟ قال : نعم . قال : فإني أشهدك أن حائطي المخراف
صدقة عنها )) .
اختلف العلماء في الوقف إذا لم يخرجه الواقف من يده إلى أن
مات . فقالت طائفة : يصح الوقف ولا يفتقر إلى قبض . وهو قول
أبي يوسف والشافعي ، وقالت طائفة : لا يصح الوقف حتى يخرجه
[عن] (١) يده ويقبضه غيره . هذا قول ابن أبي ليلى ومالك ومحمد
ابن الحسن . وحجة القول الأول أن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي
طالب وفاطمة - رضي الله عنهم - أوقفوا أوقافًا وأمسكوها بأيديهم
وكانوا يصرفون الانتفاع بها في وجوه الصدقة فلم يبطل .
واحتج الطحاوي لأبي يوسف فقال : رأينا أفعال العبادات على
ضروب فمنها العتاق وينفذ بالقول ؛ لأن العبد إنما يزول ملك مولاه
عنه [ بقوله: أنت الله ] (٢) ومنها الهبات والصدقات لا تنفذ بالقول
حتى يكون معه القبض من الذي ملكها ، فأردنا أن ننظر حكم الأوقاف
بأيها هي أشبه فنعطفه عليه ، فرأينا الرجل إذا أوقف أرضه أو داره فإنما
ملك الذي أوقفها عليه منافعها ولم يملكه من رقبتها شيئًا ، إنما
أخرجها من ملك نفسه إلى الله ، فثبت أن نظير ذلك ما أخرجه من
ملكه إلى الله ، فكما كان ذلك لا يحتاج فيه إلى قبض مع القول ؛
كذلك الوقف لا يحتاج فيه إلى قبض مع القول .
(١) من (( هـ )).
(٢) في (( الأصل)): إلى الله، والمثبت من ( هـ)).
- ١٧٢ -

وأيضًا فإن القبض لو أوجبناه [ لكان] (١) القابض يقبض ما لم
يملك بالوقف ، فقبضه إياه وغير قبضه سواء. فثبت قول أبي يوسف
وإليه ذهب البخاري ، واستدل من قوله : فقسمها أبو طلحة في
أقاربه وبني عمه ؛ أن الوقف لم يخرج من يدي أبي طلحة .
وحجة الذين جعلوا القبض شرطًا في صحة الوقف إجماع أئمة
الفتوى على أنه لا تنفذ الهبات والصدقات بالقول حتى يقبضها الذي
ملكها ، ألا ترى أن أبا بكر قال في مرضه لابنته ، وقد كان نحلها
[أحداً] (٢) وعشرين وسقًا: لو كنت حزتيه لكان لك، فإنما هو
اليوم مال وارث . فكان حكم الوقف حكم الهبات .
وقول النبي لأبي طلحة: ((أرى أن تجعلها في الأقربين )) لا حجة
فيه لمن أجاز الوقف، وإن لم يخرج عن يد الذي أوقفه ؛ لأنه ليس في
الحديث أن أبا طلحة لم يخرج الوقف عن يده ، ولو استدل مستدل
بقوله : (( فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه )) أنه أخرجها عن يده
لساغ ذلك ، ولم يكن من استدل أنه لم يخرجها عن يده أولى منه
بالتأويل .
واختلفوا إذا قال : هذه الدار وهذه الضيعة وقف ولم يذكر وجوهًا
تصرف فيها . فعند مالك أنه يصح الوقف ، وكذلك لو قال : على
أولادي وأولادهم . ولم يذكر بعدهم الفقراء أو بني تميم ممن لم ينقطع
نسلهم فإنه يصح الوقف ، ويرجع ذلك إلى فقراء عصبته ، وإن لم
يكونوا فقراء [فإلى فقراء] (٣) المسلمین . وبه قال أبو يوسف ومحمد،
وهو أحد قولي الشافعي ، والقول الثاني : أنه لا يصح الوقف .
(١) في ((الأصل)): فإنما، والمثبت من (( هـ).
(٢) في (( الأصل)): أحد، والمثبت من (( هـ)).
(٣) من (( هـ ).
- ١٧٣ -

قال ابن القصار : وحجة القول الأول أنه إذا قال : وقفت . فإنما
أراد البر والقربة ، وأن لا ينتفع هو بشيء من ذلك ، فالانتفاع يكون
محبوسًا على ولده وولد ولده ، فإذا انقرضوا صرف ذلك إلى أقرب
الناس به من فقراء عصبته ، وهذا المعنى يحصل به البر والقربة ،
وكذلك إذا قال : هذا وقف محرم ؛ لأنه معلوم أنه قصد به البر
والقربة [ فحمل ] (١) ( على ) (٢) ما علم من قصده ، كرجل أوصى
بثلث ماله فإن ذلك يفرق في الفقراء والمساكين وإن لم يسمهم ؛ لأنه
قد علم ذلك من قصده ، ألا ترى قول سعد بن عبادة للنبي: («فإني
أشهدك أن حائطي المخراف صدقة عنها )) ولم يسم على من يتصدق
بالحائط ، ولم ينكر ذلك النبي - عليه السلام - ولو لم تجز الصدقة
[٣/ ٢٢٣-١) والوقف على غير مسمين لم يترك النبي بيان ذلك / لأن عليه فرض
التبليغ والبيان .
قال المهلب : ولا حاجة بنا إلى أن نذكر على من يكون الوقف؛
لأن الله قد بين أصناف الذين تجب لهم الصدقات في كتابه ، وقد
مضى من سنة رسول الله في قصة أبي طلحة ما فيه شفاء ، فرأى عليه
السلام في قصة أبي طلحة أن تصرف الصدقة إلى صنف واحد وهم
أقارب أبي طلحة .
قال ابن القصار : فإن قيل : قد قلتم إنه إذا أوقف على من لا يولد
له ولم يكن له ولد في الحال لم يجز الوقف ، وقلتم هاهنا إذا قال :
وقف . صح الوقف فما الفرق ؟
قيل : الفرق بينهما أنه إذا أوقفه على من لم يولد له فقد وقفه على
غير موجودين ؛ لأنه قد يجوز أن لا يولد له ، وإذا وقفه ولم يذكر
(١) في ((الأصل)): كحمل. والمثبت من (( هـ)).
(٢) مكررة في « الأصل ؟
- ١٧٤ -
٠!

وجهًا يصرفه فيه ، ففقراء المسلمين الذين تجوز لهم الصدقة - وقد
ذكرهم الله في كتابه - [ موجودون ] (١) غير معدومين ففي أيها يجعله
الإمام صح الوقف .
#
باب : إذا تصدق وأوقف بعض ماله أو بعض
رقیقه أو دوابه فهو جائز
فيه: كعب: ((قلت : يا رسول الله، إن من توبتي أن أنخلع من مالي
صدقة إلى الله وإلى رسوله . قال : أمسك عليك بعض مالك فهو خير
لك. قلت : فإني أمسك سهمي الذي بخيبر)) .
اتفق مالك والكوفيون والشافعي وأكثر العلماء أنه يجوز للصحيح أن
يتصدق بماله كله في صحته ، إلا أنهم استحبوا أن يبقي لنفسه منه ما
يعيش به خوف الحاجة وما يتقى من آفات الفقر ؛ لقوله عليه السلام :
(( أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك)) فحضه على الأفضل ، وفي
هذا حجة لمن قال : إن الغنى أفضل من الفقر ؛ لقوله عليه السلام :
((فهو خير لك)) وقد ذكرت من خالف ذلك في كتاب الزكاة في باب
لا صدقة إلا عن ظهر غنى [ من كلام الطبرى] (٢).
واستدل البخاري بأنه لما جازت الصدقة بالعقار ووقف غلاتها على
المساكين جاز ذلك في الرقيق والدواب ؛ إذ المعنى واحد في انتفاع
المساكين بغلاتها وبقاء أصولها [ وقد تقدم بيان هذا في باب الشروط
في الوقف فأغنى عن إعادته ، وسأذكر اختلاف العلماء في وقف
الرقيق والحيوان بعد هذا - إن شاء الله تعالى ] (٢).
(١) في ((الأصل)): موجودين. والمثبت من (( هـ)).
(٢) من (( هـ).
- ١٧٥ -

قال المهلب : وفيه أن من تاب الله عليه وخلصه من ملمة نزلت به ؛
أنه ينبغي له أن يشكر الله على ذلك بالصدقة وما شاكلها من أفعال البر.
باب : قول الله تعالى: ﴿ وإذا حضر القسمة أولو
القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه ﴾ (١)
فيه : ابن عباس: (( أن ناسًا يزعمون أن هذه الآية نسخت . ولا والله ما
نسخت ، ولکنها مما تهاون الناس بها ، هما واليان : وال يرث وذلك
الذي يرزق ، ووال لا يرث فذلك الذي يقول بالمعروف يقول : لا أملك
لك أن أعطيك )) .
اختلف العلماء في هذه الآية فقال قوم : إنها منسوخة بالمواريث .
هذا قول سعيد بن المسيب وطائفة من التابعين . وقالت عائشة وابن
عباس والنخعي وعطاء والحسن : إنها محكمة غير منسوخة . وقال ابن
عباس : هي واجبة يعمل بها .
وذكر إسماعيل القاضي أن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر
قسم ميراث أبيه عبد الرحمن - وعائشة - حية فلم يدع في الدار
مسكينًا ولا ذا قرابة إلا أعطاه من ميراث أبيه وتلا : ﴿ وإذا حضر
القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين ... ﴾ (٢) الآية . قال القاسم
ابن محمد : فذكرت ذلك لابن عباس فقال : ما أصاب ، إنما ذلك
في الوصية [ يريد الميت أن يوصي . وقال ابن المسيب : إنما ذلك في
الثلث عند الوصية ] (٣)
(١) النساء : ٨ .
(٢) النساء : ٨ .
(٣) من ( هـ )).
- ١٧٦ -

وروى قتادة عن يحيى بن [ يعمر ] (١) قال : ثلاث آيات في كتاب
الله محكمات مدنيات قد ضيعهن الناس . فذكر هذه الآية ، وآية
[الاستئذان] (٢) للذين لم يبلغوا الحلم في العورات الثلاث، وهذه
الآية ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى﴾ (٣) / الآية.
[٣/ق٢٢٣ -ب]
وقال إسماعيل : وأما الذين قالوا : إنها محكمة . فيمكن أن
يكونوا تأولوا أنها على الترغيب دون الإيجاب ، ويمكن أن يكونوا
تأولوها على الإيجاب ، وأما الذين قالوا : إنها منسوخة . فأحسب
أنهم تأولوها على الإيجاب ثم [ نسخت ] (٤) بآية الوصية ، وأما
الذين تأولوا أن ذلك إنما عني به من الوصية فإن الله - تعالى - قال
في آية المواريث : ﴿ من بعد وصية يوصي بها أو دين ﴾ (٥) فليس يجوز
أن ينقص أهل المواريث مما جعل الله لهم إلا بدين على الميت أو وصية
يوصي بها فتنفذ ، إلا أن تكون الوصية للفقراء أو في أبواب البر
فيخص منها أولو القربى واليتامى بالاجتهاد ، وقد تأول زيد بن أسلم
أن هذا شيء أمر به الذي يوصي في وقت وصيته كما تأوله ابن عباس .
وروى ابن وهب عن يعقوب ابن عبد الرحمن قال : سألت زيد بن
أسلم عن قوله : ﴿وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى
والمساكين﴾ (٦) قال : هذا الرجل حين يوصي ويحضره ناس ويحضره
أولو القربى واليتامى والمساكين [ فيذكرونه ] (٧) قرابته والمساكين،
فيقولون: فلان مسکین، وفلان ذو حاجة. فأمره أن یحسن ولا يجحف
(١) في ((الأصل)): نعيم. والمثبت من ((هـ)) ويحيى بن يعمر من رجال
التهذيب .
(٢) في ((الأصل)): الاستبان. وهو تحريف، والمثبت من (( هـ).
(٣) الحجرات : ١٣ .
(٤) في ((الأصل)): نسخها. والمثبت من (( هـ)).
(٥) النساء : ١١ .
(٦) النساء : ٨ .
(٧) في ((الأصل)): فيذكر. والمثبت من (( هـ)).
- ١٧٧ -

بولده ، فنهى الذين حضروا أن يتكلموا بغير ذلك وتلا : ﴿ وليخش
الذين لو تركوا من خلفهم ﴾ مثل ما ترك ﴿ذرية ضعافًا خافوا عليهم
فليتقوا الله وليقولوا قولا سديداً﴾ (١).
وقال قتادة في قوله تعالى : ﴿ وليخش الذين لو تركوا﴾ (١)
[قال](٢): إذا حضرت وصية ميت فاؤمره بما كنت تأمر به نفسك مما.
يتقرب به إلى الله ، وخف في ذلك ما كنت تخافه على ضعفهم لو
تركتهم بعدك ، فاتق الله وقل قولا سديدا إن هو زاغ ..
باب : ما يستحب لمن توفي فجأة أن
يتصدق عنه وقضاء النذر عن الميت
فيه : عائشة : (( أن رجلا قال للنبي : إن أمي افتلتت نفسها ، وأراها لو
تكلمت تصدقت ، أفأتصدق عنها ؟ قال : نعم ، تصدق عنها )) .
وفيه: ابن عباس: (( أن سعد بن عبادة استفتى رسول الله فقال : إن
أمي ماتت وعليها نذر. فقال: اقضه عنها)).
قال ابن المنذر : حديث عائشة يدل على إجازة الصدقة التطوع عن
الميت ، ومثله حديث العلاء ، عن أبيه ، عن أبي هريرة أن النبي قال:
(( إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة : صدقة جارية ، أو علم
ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له )) وروى أبو نعيم ، عن هشام، عن.
قتادة ، عن سعيد (( أن سعد بن عبادة قال للنبي حين أمره أن يتصدق
عن أمه : أي الصدقة أفضل يا رسول الله ؟ قال: سقي الماء: )) ..
فدلت هذه الآثار عن النبي أن تأويل قوله : ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما
(١) النساء : ٩ .
(٢) في (( الأصل)): قالوا. والمثبت من (( هـ)).
- ١٧٨ -

سعى ﴾ (١) على الخصوص ، فأما العتق عن الميت فلا أعلم فيه خبرًا
يثبت عن النبي - عليه السلام .
وقد ثبت عن عائشة أم المؤمنين أنها أعتقت ( عبدًا ) (٢) عن أخيها
عبد الرحمن وكان مات ولم يوصى . وأجاز ذلك الشافعي ، وقال
بعض أصحابه : لما جاز أن يتطوع بالصدقة وهي مال جاز أن يتطوع
بالعتق ؛ لأنه مال .
وفرق غيره بين الصدقة والعتق فقال : إنما أجزنا الصدقة بالأخبار
الثابتة ، والعتق لا خبر فيه ، بل في قوله عليه السلام: (( الولاء لمن
أعتق )» دليل على منعه ؛ لأن الحي هو المعتق بغير أمر الميت فله
الولاء، فإذا ثبت له الولاء فليس للميت منه شيء .
وهذا القول ليس بصحيح ؛ لأنه قد روي في حديث سعد بن عبادة
أنه قال للنبي: (( إن أمي هلكت فهل ينفعها أن أعتق عنها ؟ قال :
نعم)) فدل أن العتق ينفع الميت ، ويشهد لذلك فعل عائشة في عتقها
عن أخيها .
وقد اختلفت الآثار في النذر الذي كان على أم سعد ، فقيل : إنه
كان غير عتق . وذلك مذكور في كتاب النذور في باب من مات وعليه
نذر . وقال ابن المنذر : ممن كان يجيز الحج التطوع عن الميت :
/ الأوزاعي والشافعي وأحمد ، ومنعه غيرهم . وقد تقدم في كتاب
الحج، وقد ثبت عن عائشة أم المؤمنين أنها أعتقت عن أخيها عبد
الرحمن بعد ما مات .
[٣ / ق٢٢٤ - ٢]
قال ابن المنذر : وفي ترك النبي إنكار فعل المرأة التي افتلتت نفسها
(١) النجم : ٣٩ .
(٢) في (( هـ )): عبيدًا .
- ١٧٩ -

حين ماتت ولم توص ؛ دليل على أن تارك الوصية غير عاص لله ؛ إذ
لو كان فرضًا لأخبر النبي أنها قد تركت فرضًا ، وأما قضاء الدين عن
الميت فما لزم الذمة فلا خلاف في قضائه عن الميت ، وما لزم
[البدن](١) ففيه الخلاف عن العلماء ، وقد تقدم في كتاب النذور وفي
كتاب الحج .
وقوله: ((افتلتت نفسها)) أي: أخذت نفسها فجأة ، يقال: افتلت
الشيء إذا أخذته فجأة .
--
باب : الإشهاد في الوقف والصدقة
.--
فيه: ابن عباس: (( أن سعد بن عبادة توفيت أمه وهو غائب ، فأتى
النبي فقال : يا رسول الله ، إن أمي توفيت وأنا غائب عنها فهل ينفعها
شيء إن تصدقت [ به ] (٢) عنها ؟ قال : نعم . قال : فإني أشهدك أن
حائطي المخراف صدقة عنها )) .
الإشهاد واجب في الوقف ولا يتم إلا به . قال المهلب .: [وإذا](٣)
كان الله قد أمر بالإشهاد في البيع ، والبيع خروج ملك بعوض ظاهر،
فالوقف أولى بذلك ؛ لأن الخروج عنه بغير عوض ، مع أن الأكثر في
الأوقاف والصدقات أن تكون على غير عوض في الأعيان .
(١) في ((الأصل)): النذر. والمثبت من (( هـ).
(٣) من (( هـ ).
(٢) من ( هـ ، ن).
- ١٨٠ -