Indexed OCR Text
Pages 141-160
کتاب الوصايا [ باب الوصايا ] (١) وقول النبي عليه السلام وصية الرجل مكتوبة عنده وقال تعالى: ﴿ كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت﴾ (٢) الآية . فيه : ابن عمر : أن النبي - عليه السلام - قال: (( ما حق امرئ مسلم [له ] (١) شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده)). وفيه : عمرو بن الحارث ختن رسول الله [ أخو ] (٣) جويرية بنت الحارث قال: (( ما ترك رسول الله عند موته درهمًا ولا دينارًا ولا عبدًا ولا أمة ولا شيئًا إلا بغلته البيضاء وسلاحه وأرضًا جعلها صدقة)). وفيه : عبد الله بن أبي أوفى: (( قيل له : هل كان النبي - عليه السلام - أوصى؟ قال : لا . قلت : كيف كتب على الناس الوصية أو أمروا بالوصية -؟ قال : أوصى / بكتاب الله )) . [٣/ق٢١٦-ب) وفيه: عائشة: (( ذكر عندها أن عليا كان وصيا قالت : متى أوصى إليه وقد كنت مسندته إلى صدري فدعا بالطست ، ولقد انخنث في حجري فما شعرت أنه قد مات فمتی أوصی إليه ؟! )) . قال المهلب : في حديث ابن عمر الحض على الوصية خشية فجأة الموت للإنسان على غير عدة . قال ( المهلب) (٤) : واختلف العلماء (١) من (( هـ ، ن)). (٢) البقرة: ١٨٠. (٣) في ((الأصل)): أخي. والمثبت من ( هـ)). (٤) فى (( هـ)) : ابن المنذر . - ١٤١ - في وجوب الوصية على من خلّف مالا فقالت طائفة : الوصية واجبة على ظاهر الآية . قال الزهري: جعل الله الوصية حقا مما قل أو كثر. قيل لأبي مجلز : على كل مثر وصية ؟ قال : كل من ترك خيراً . وقالت طائفة: ليست الوصية واجبة كان الموصي موسراً أو فقيرًا. هذا قول النخعي والشعبي ، وهو قول مالك والثوري والشافعي. قال الشافعي: قوله: (( ما حق امرئ مسلم)) يحتمل ما الجزم، ويحتمل ما المعروف في الأخلاق إلا هذا من جهة الفرض . وقال أبو ثور : ليست الوصية واجبة إلا على رجل عليه دين أو عنده مال قوم ؛ فواجب عليه أن يكتب وصيته ويخبر بما عليه ؛ لأن الله فرض أداء الأمانات إلى أهلها ، فمن لا حق عليه ولا أمانة قبله ؛ فليس عليه أن يوصي ، والدليل على صحة هذا قوله عليه السلام : ((ما حق امرئ مسلم)) فأضاف الحق إليه كقوله : هذا حق زيد . فلا ينبغي أن يتركه ، فإذا تركه لم يلزمه . وقد روى أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر أن النبي - عليه السلام - قال: (( ما حق امرئ يريد الوصية)) فعلق ذلك بإرادة الموصي، ولو كانت واجبة لم يعلقها بإرادته ، ومما يدل على ذلك أيضًا أن ابن عمر روى الحديث عن النبي - عليه السلام - ولم يوص، ومحال أن يخالف ما رواه لو كان واجبًا ، ولكنه عقل منه الاستحباب، وروي عن ابن عباس وابن عمر أن قوله تعالى : ﴿ کتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت ﴾ (١) نسختها آية المواريث وهو قول مالك والشافعي وجماعة . وقوله عليه السلام : (( يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده )) فيه من (١) البقرة: ١٨٠. ۔۔ - ١٤٢ - الفقه أن الوصية نافذة ، وإن كانت عند صاحبها ولم يجعلها عند غيره وكذلك إن جعلها عند غيره وارتجعها . فإن قيل : إن حديث ابن أبي أوفى وعائشة أن النبي - عليه السلام- لم يوص . قال المهلب : فالجواب : أن قول ابن أبي أوفى لم يوص إنما يريد الوصية التي زعم بعض الشيعة أنه أوصى [ بالأمر ] (١) إلى علي ، وقد تبرأ علي من ذلك حين قيل له : أعهد إليك رسول الله بشيء لم يعهده إلى الناس ؟ فقال : لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما عندنا إلا كتاب الله وما في هذه الصحيفة . وأما أرضه وسلاحه وبغلته فلم يوص فيها على جهة ما يوصي الناس في أموالهم؛ لأنه قال عليه السلام: ((لا نورث ما تركنا صدقة)) فرفع الميراث [عن](٢) أزواجه وأقاربه وإنما تجوز الوصية لمن يجوز لأهله وراثته . قال ابن المنذر : ووصيته بكتاب الله غير معنى قول عائشة : ((ولا أوصى بشيء)) قال المهلب: وقوله: ((أوصى بكتاب الله)) قد فسره علي بقوله : (( ما عندنا إلا كتاب الله )) وكذلك قال عمر : حسبنا كتاب الله . حين أراد أن يعهد عند موته ، وذكر النخعي أن طلحة والزبير كانا يشددان في الوصية فقال : ما كان عليهما ألا يفعلا، توفي رسول الله فما أوصى ، وأوصى أبو بكر ، فإن أوصى فحسن وإن لم [ يوص ] (٣) فلا بأس . قال صاحب العين : انخنث السقاء وخنث : إذا مال ، وخنثته أنا . (١) في ((الأصل)): بالأموال والمثبت من (( هـ)). (٢) في ((الأصل)): على والمثبت من (( هـ )). (٣) في ((الأصل)): يوصي والمثبت من (( هـ)). - ١٤٣ - [٣/ق٢١٧-٢] باب : الوصية بالثلث / وأن يترك ورثته أغنياء خير من أن يتركهم يتكففون الناس فيه : سعد: (( جاء النبي - عليه السلام - يعودني وأنا بمكة . وهو يكره أن يموت بالأرض التي هاجر منها . قال : يرحم الله ابن عفراء . قلت : يا رسول الله ، أوصي بمالي كله ؟ قال : لا . قلت : فالشطر؟ قال : لا. قلت : فالثلث ؟ قال : الثلث ، والثلث كثير . إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس في أيديهم ، وإنك مهما أنفقت من نفقة فإنها صدقة ، حتى اللقمة ترفعها إلى في امرأتك ، وعسى الله أن يرفعك فينتفع بك ناس ويضر بك آخرون )) ولم يكن له يومئذ إلا ابنة . ذكر الله الوصية في كتابه ذكرًا مجملا ، ثم بين النبي أن الوصايا مقصورة على ثلث مال الميت ؛ لإطلاقه عليه السلام لسعد الوصية بالثلث في هذا الحديث ، وأجمع العلماء على القول به واختلفوا في القدر الذي يستحب أن يوصي به الميت ، وسيأتي بعد هذا ، إلا أن الأفضل لمن له ورثة أن يقصر في وصيته عن الثلث غنيا كان أو فقيرًا؛ لأن رسول الله لما قال لسعد: ((الثلث كثير)) أتبع ذلك بقوله: ((إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس )) ولم يكن لسعد إلا ابنة واحدة كما ذكر في هذا الحديث ، فدل هذا أن ترك المال للورثة خير من الصدقة [ به ] (١) وأن النفقة على الأهل من الأعمال الصالحة ، وروى ابن أبي شيبة من حديث ابن أبي مليكة ، عن عائشة قال لها رجل : إني أريد أن أوصي . قالت : كم مالك ؟ قال : ثلاثة آلاف. قالت : فكم عيالك ؟ قال : أربعة . قالت : إن (١) من (( هـ)). - ١٤٤ - الله يقول : ﴿ إن ترك خيرًا﴾ (١) وإن هذا شيء يسير فدعه لعيالك فإنه أفضل . وروى حماد ، عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر أنه ذكر له الوصية في مرضه فقال : أما مالي فالله أعلم ما كنت أعمل فيه ، وأما رباعي فلا أحب أن يشارك فيها ولدي أحد . وعن علي بن أبي طالب أنه دخل على رجل من بني هاشم يعوده، وله ثمانمائة درهم وهو يريد أن يوصي ، فقال له : يقول الله : ﴿إن ترك خيرًا﴾ (١) ولم تدع خيراً توصي فيه . وعن ابن عباس : من ترك سبعمائة درهم فلا [ يوص ] (٢) فإنه لم يترك خيراً . وقال قتادة في قوله : ﴿إِن ترك خيرًا﴾ (١): ألف درهم فما فوقها . قال ابن المنذر: فدلت هذه الآثار على أن من ترك مالا قليلا ، فالاختيار له [ ترك ](٣) الوصية وإبقاؤه للورثة . وقوله: (( عسى الله أن يرفعك [ فينتفع ] (٤) بك ناس ، ويضر بك آخرون)) فهذا [ قد ] (٥) خرج كما قال عليه السلام ، ثبت أن سعدًاً أمر على العراق فأتى بقوم ارتدوا عن الإسلام ، فاستتابهم فأبى بعضهم فقتلهم ، فضر أولئك ، وتاب بعضهم فانتفعوا به ، وعاش سعد بعد حجة الوداع خمسًا وأربعين سنة . وقال الطحاوي : في حديث سعد جواز الوصية بالثلث ، ولو كان جورًا لأنكر ذلك عليه السلام وأمره بالتقصير عنه ، ثم تكلم الناس بعد هذا في هبات المريض وصدقاته إذا مات من مرضه ، فقال قوم - وهم أكثر العلماء - : هي من الثلث كسائر الوصايا . واتفق على ذلك فقهاء الحجاز والعراق . (١) البقرة: ١٨٠. (٢) في ((الأصل، هـ)): يوصي. والمثبت هو الصواب. (٣) في ((الأصل)): ذلك. والمثبت من (( هـ)). (٤) في ((الأصل)): فيرفع. والمثبت من ((هـ)). (٥) من (( هـ )). - ١٤٥ - وقالت فرقة : هي من جميع المال كأفعاله وهو صحيح . وهذا القول لم نعلم أحدًا من المتقدمين قاله ، وأظنه قول أهل الظاهر إذا قبضت هبة المريض وعطاياه فهي في رأس ماله ؛ لأن ما قبض قبل : الموت ليس بوصية ، وإنما الوصية ما يستحق بموت الموصي ، وسواء. قبضت عند جماعة الفقهاء أو لم تقبض ؛ هي من الثلث . قال الطحاوي : وحديث عائشة أن أباها نحلها جداد عشرين وسقًا بالغابة فلما مرض قال : لو كنت حزتيه لكان لك ، وإنما: هو اليوم مال وإرث . فأخبر الصديق أنها لو كانت قبضته في الصحة تم لها ملكه ، وأنها لا تستطيع قبضه في المرض قبضًا يتم لها ملكه، وفعل ذلك غير جائز كما لا تجوز الوصية لها به ، ولم تنكر ذلك (٢١٧٥/٣-ب] عائشة / على أبي بكر ولا سائر الصحابة ، فدل أن مذهبهم جميعًا كان فيه مثل مذهبه ، وفي هذا أعظم الحجة على من خالف قول. جماعة العلماء . وكذلك فعل النبي في الذي أعتق ستة أعبد له عند الموت لا مال له: غيرهم ، فأقرع النبي بينهم فأعتق اثنين وأرق أربعة ، فجعل العتاق في المرض من الثلث ، فكذلك الهبات والصدقات ؛ لأنها كلها سواء في تفویت المال .. وقوله: (( خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس )) والعالة : جمع عائل : وهو الفقير الذي لا شيء له ، ومنه قوله : ﴿ ووجدك عائلا فأغنى ﴾ (١) ويتكففون الناس : يبسطون أكفهم لمسألتهم . قال صاحب العين : استكف السائل : بسط كفه . (١) الضحى : ٨. - ١٤٦ - باب : الوصية بالثلث وقال الحسن : لا يجوز للذمي وصية إلا بالثلث وقال تعالى : ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله ﴾ (١) . فيه : ابن عباس: (( لو غض الناس إلى الربع ؛ لأن رسول الله قال : الثلث ، والثلث کثیر - أو کبیر )) . وفيه : سعد: (( مرضت فعادني النبي فقلت : يا رسول الله ، ادع الله لي ألا يردني على عقبي . قال : لعل الله يرفعك فينتفع بك ناس . فقلت : أريد أن أوصي ، وإنما لي ابنة ، فقلت : أوصي بالنصف ؟ قال : النصف كثير . قلت : فالثلث ؟ قال : الثلث ، والثلث كثير - أو كبير . قال : فأوصی الناس بالثلث فجاز لهم ذلك )) . أجمع العلماء على أن الوصية بالثلث جائزة ، وأوصى الزبير بالثلث، واختلف العلماء في القدر الذي تستحب الوصية به ، فروي عن أبي بكر [ أنه أوصى ] (٢) بالخمس، وقال : إن الله - تعالى - رضي من غنائم المسلمين بالخمس . وقال معمر ، عن قتادة : أوصى عمر بالربع . وذكره البخاري عن ابن عباس . وروي عن علي بن أبي طالب أنه قال : لأن أوصي بالخمس أحب إليّ من الربع ، ولأن أوصي بالربع أحب إليّ من الثلث . واختار آخرون السدس قال إبراهيم : كانوا يكرهون أن يوصوا بمثل [نصيب أحد ] (٣) الورثة حتى يكون أقل ، وكان السدس أحب إليهم من الثلث . (١) المائدة : ٤٩ . (٢) من (( هـ )). (٣) في ((الأصل)): أحد نصيب. والمثبت من ( هـ). - ١٤٧ - واختار آخرون العشر ، روى آدم بن أبي إياس قال : حدثنا ورقاء، عن عطاء بن السائب ، عن أبي عبد الرحمن السلمي ، قال : حدثنا. سعد بن أبي وقاص (( أن رسول الله دخل عليه في مرضه يعوده فقال له: [أوص ] (١). قال : قد أوصيت يا رسول الله بمالي كله في سبيل الله وفي الرقاب والمساكين . قال : فما تركت لولدك ؟ قال : هم أغنياء بخير . قال : أوص بعشر مالك قال : فلم يزل يناقصني وأناقصه حتى قال: [ أوص ] (٢) بالثلث، والثلث كثير )) فجرت سنة. يأخذ بها الناس إلى اليوم ، وقال أبو عبد الرحمن : فمن نقص من الثلث لقول رسول الله : والثلث كثير . واختار آخرون ولمن كان ماله قليلا وله وارث ترك الوصية . روي ذلك عن علي بن أبي طالب وابن عباس وعائشة على ما تقدم في الحديث قبل هذا. وقال رجل الربيع بن خثيم: أوص لي بمصحفك . فنظر إليه ابنه وقرأ: ﴿ وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله﴾ (٣) . وأجمع الفقهاء أنه لا يجوز لأحد أن يوصي بأكثر من الثلث إلا أبا حنيفة وأصحابه فقالوا : إن لم يترك الموصي ورثة جاز له أن يوصي بماله كله ، وقالوا : إن الاقتصار على الثلث في الوصية إنما كان من أجل أن يدع ورثته أغنياء ، ومن لا وارث له فليس ممن عني بالحديث . وروي هذا القول عن ابن مسعود ، وبه قال عبيدة [ومسروق ] (٤) وإليه ذهب إسحاق بن راهويه . وقال زيد بن ثابت: لا يجوز لأحد أن يوصي بأكثر من ثلثه وإن لم (١) في ((الأصل، هـ))؛ أوصي. والمثبت هو الجادة. (٢) في ((الأصل)): أوصي. والمثبت من ((هـ)). (٤) من (( هـ )). (٣) الأنفال : ٧٥ . - ١٤٨ - يكن له وارث. وهو قول مالك والأوزاعي والحسن بن حي والشافعي، واحتجوا بقوله عليه السلام: (( الثلث كثير )) وبما رواه آدم ابن أبي إياس حدثنا عقبة بن الأصم ، حدثنا عطاء بن أبي رباح ، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله /: ((إن الله جعل لكم ثلث (٢١٨٥/٣-١ أموالكم عند الموت زيادة في أعمالكم )) وروى أبو اليمان حدثنا أبو بكر [ بن ] (١) أبي مريم ، عن ضمرة بن حبيب ، عن أبي الدرداء ، عن النبي أنه قال: ((إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم عند وفاتكم)) ولم يخص من كان له وارث أو غيره . وفي المسألة قول شاذ آخر وهو جواز الوصية بالمال كله وإن كان له وارث . روى الوليد بن مسلم ، عن الأوزاعي قال : أخبرني هارون ابن رئاب ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : قال عمرو بن العاص حين حضرته الوفاة : إني قد أردت الوصية فقلت له : [أوص] (٢) في مالك ومالي . فدعا كاتبًا فأملى عليه قال عبد الله: حتى قلت : ما أراك إلا قد أتيت على مالك ومالي فلو دعوت إخوتي فاستحللتهم . وعلى هذا القول وقول أبي حنيفة رد البخاري في هذا الباب ، ولذلك صدر بقول الحسن : لا تجوز وصية إلا بالثلث . واحتج بقوله : ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله ﴾ (٣) وحكم النبي - عليه السلام - أن الثلث كثير هو الحكم بما أنزل الله ، فمن تجاوز ما حد رسول الله وزاد على الثلث في وصيته فقد أتى ما نهى النبي عنه ، وكان بفعله ذلك عاصيًا إذا كان بحكم رسول الله عالمًا . قال الشافعي: وقول النبي: (( الثلث كثير )) يريد أنه غير قليل وهذا (١) في ((الأصل)): عن، والمثبت من (( هـ)). (٢) في ((الأصل)): ادعوا. والمثبت من (( هـ)). (٣) المائدة : ٤٩ . - ١٤٩ - أولى معانيه ، ولو كرهه رسول الله [ لقال له ] (١): غض منه . وقاله الطحاوي. وفي قول سعد: ((ولا يرثني إلا ابنة لي )) إبطال قول من يقول بالرد على الابنة ؛ لأن الابنة لا تحيط بالميراث وقد كان لسعد عصبة يرثونه باب : قول المريض لوصيه : تعاهد ولدي وما يجوز للموصى إليه من الدعوى فيه: عائشة أنها قالت: ((كان عتبة بن أبي [ وقاص ] (٢) عهد إلى أخيه سعد أن ابن وليدة زمعة مني ، فاقبضه إليك . فلما كان عام الفتح أخذه سعد فقال : ابن أخي قد كان عهد إلي فيه . فقام [ عبد ] (٣) بن زمعة فقال : [ أخي ] (٤) وابن وليدة أبي ، ولد على فراشه . فتساوقا إلى رسول الله ، فقال رسول الله : هو لك يا عبد بن زمعة ... )) الحديث . لا يجوز عند أحد من أهل العلم دعوى أحد لغيره ؛ لحي أو ميت إلا بوصية [ تثبت ] (٥) أو وكالة ، فإذا ثبت ذلك كلف حينئذ ما تكلف المدعي لنفسه إذا ادعى ولا بينة [ له ] (٦). وفيه : ادعاء أخي الميت ، وفي ذلك ثبوت حق للأب ولا يستلحق عند جمهور العلماء إلا الأب ، وقد تقدم في باب أم الولد . (١) من ( هـ)) .. (٢) من (( هـ، ن)). (٣) في ((الأصل)): عبد الله. والمثبت من ((هـ، ن)). (٤) في (( الأصل)): ابن أخي، والمثبت من (( هـ، ن)). (٥) في (( الأصل)): نسب. والمثبت من (( هـ)) .. (٦) في (( الأصل، هـ)): عليه . والمثبت هو الصواب . - ١٥٠ - باب : إذا أوصى المريض برأسه إشارة بينة جازت فيه: أنس: (( أن يهوديا رض رأس جارية بين حجرين فقيل لها : من فعل بك أفلان أو فلان حتى سمى اليهودي ، فأومأت برأسها فجيء به ، فلم يزل حتى اعترف ، فأمر النبي فرض رأسه بالحجارة )). اختلف العلماء في إشارة المريض فذهب مالك والليث والشافعي إلى أنه إذا ثبتت إشارة المريض على ما يعرف من حضره جازت وصيته. وقال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي أنه إذا سئل المريض عن الشيء فأومأ برأسه أو بيده فليس بشيء حتى يتكلم . قال أبو حنيفة : وإنما تجوز إشارة الأخرس أو من مرت عليه سنة لا يتكلم ، وأما من اعتقل لسانه ولم يدم به ذلك . فلا تجوز إشارته . واحتج الطحاوي عليه بحديث أنس أن النبي رض رأس اليهودي بين حجرين بإشارة [ المرضوضة] (١) . قال الطحاوي : فجعل رسول الله إشارتها بمنزلة دعواها ذلك بلسانها من غير اعتبار دوام ذلك عليها مدة من الزمان ، فدل على أن من اعتقل لسانه فهو بمنزلة الأخرس في جواز إقراره [بالإيماء] (٢) والإشارة، وقد ثبت أن النبي - عليه السلام - صلى وهو قاعد فأشار إليهم فقعدوا . واحتج الشافعي بأنه قد أصمتت أمامة بنت أبي العاص فقيل لها : لفلان/ كذا ولفلان كذا ؟ فأشارت ( أي ) (٣) نعم. فنفذت وصيتها. (٢١٨٥/٣ -ب] قال المهلب : وأصل الإشارة في كتاب الله في قصة مريم : فأشارت إليه ﴾ (٤) يعني: سلوه. وقوله تعالى: ﴿ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزًا ﴾ (٥). (١) في ((الأصل)): المجروحة. والمثبت من (( هـ)). (٢) في ((الأصل)): بالأيمان. والمثبت من ( هـ). (٣) في ((هـ)): أن . (٥) آل عمران : ٤١ . (٤) مريم : ٢٩ . - ١٥١ - باب : لا وصية لوارث فيه : ابن عباس قال: ((كان المال للولد وكانت الوصية للوالدين ، فنسخ الله من ذلك ما أحب ، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين ، وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس ، وجعل للمرأة الثمن والربع ، وللزوج الشطر والربع )) . أجمع العلماء على أن الوصية للوارث لا تجوز . قال ابن المنذر : وقد روي عن النبي مثل ما اتفق عليه من ذلك حدثنا ، محمد بن علي، حدثنا سعيد بن منصور ، حدثنا إسماعيل بن عياش ، حدثنا شرحبيل ابن مسلم الخولاني قال : سمعت أبا أمامة الباهلي يقول : ((خطبنا النبي - عليه السلام - في حجة الوداع فقال : إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه ، فلا وصية لوارث ... )) وذكر الحديث . وروى قتادة، عن شهر بن حوشب ، عن عبد الرحمن بن [غنم](١) عن [عمرو] (٢) بن [ خارجة] (٣) ((سمعت النبي في خطبته ... )) بمثله. قال [ ابن المنذر ] (٤) : واختلفوا إذا أوصى لبعض ورثته فأجازه بعضهم في حياته ثم بدا لهم بعد وفاته . فقالت طائفة : ذلك جائز عليهم ، وليس لهم الرجوع فيه . هذا قول عطاء والحسن وابن أبي ليلى والزهري وربيعة والأوزاعي . وقالت طائفة: لهم الرجوع في ذلك إن أحبوا ، هذا قول ابن مسعود وشريح والحكم وطاوس ، وهو قول الثوري وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وأبي ثور . (١) في ((الأصل)): غني. والمثبت من ((هـ). (٢) في ((الأصل)): عمرة. والمثبت من ((هـ). : (٣) في ((الأصل، هـ)): حارثة، والصواب خارجة كما أثبتنا، وعمرو بن خارجة صحابي مشهور من رجال التهذيب . (٤) من (( هـ)). - ١٥٢ - وقال مالك : إذا أذنوا له في صحته فلهم أن يرجعوا ، وإن أذنوا له في مرضه وحين يحجب عن ماله، فذلك جائز عليهم. وهو قول إسحاق. وحجة القول الأول أن المنع إنما وقع من أجل الورثة ، فإذا (أجازوا)(١) جاز وصار بمنزلة أن يجب لهم على إنسان [مال ] (٢) فيبرئوه منه . وقد اتفقوا أنه إذا أوصى بأكثر من الثلث لأجنبي جاز بإجازتهم ، فكذلك هذا . وحجة [ الذين ] (٣) رأوا فيه الرجوع أنهم أجازوا شيئًا لم يملكوه في ذلك الوقت ، وإنما يملك المال بعد وفاته ، وقد يموت الوارث المستأذن قبله ، ولا يكون وارثًا وقد يرثه غيره ، وقد أجاز من لا حق له فيه فلا يلزمه شيء منه . وحجة مالك أن الرجل إذا كان صحيحًا فهو أحق بماله كله يصنع فيه ما شاء ، فإذا أذنوا له في صحته فقد تركوا شيئًا لم يجب لهم ، وذلك بمنزلة الشفيع يترك شفعته قبل البيع ، أو الولي إذا عفا عمن سيقتل وليه ، فتركه لما لم يجب له غير لازم ، فإذا أذنوا له في مرضه فقد تركوا ما وجب لهم من الحق ، فليس لهم أن [يرجعوا ] (٤) فيه إذا كان قد أنفذه ؛ لأنه قد فات ، فإن لم ينفذ المريض ذلك كان للوارث الرجوع فيه ؛ لأنه لم يفت بالتنفيذ قاله [ الأبهري ] (٥). وذكر ابن المنذر عن إسحاق بن راهويه أن قول مالك في هذه المسألة أشبه بالسنن من غيره، قال ابن المنذر: واتفق مالك والثوري والكوفيون والشافعي وأبو ثور أنهم ؛ إذا أجازوا ذلك بعد وفاته لزمهم . (١) في ((هـ ) : أجازوه . (٢) في (( الأصل)): مالا. والمثبت من (( هـ)). (٣) في ((الأصل)): الذي، والمثبت من (( هـ)). (٤) في ((الأصل)): يرجعون. والمثبت من (( هـ). (٥) في ((الأصل)): الأزهري. والمثبت من ( هـ)). - ١٥٣ - باب : الصدقة عند الموت فيه : أبو هريرة قال : (( قيل للنبي - عليه السلام - : يا رسول الله ، أي الصدقة أفضل ؟ قال : أن تصدق وأنت صحيح حريص تأمل الغنى ونخشى الفقر ، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت : لفلان كذا ولفلان كذا ، وقد كان لفلان)) . قال المهلب : فيه دليل على أن أفضل الصدقات ما جاهد الإنسان فيه نفسه وغلب طاعة الله على شهواته ، وقد جاهدها أيضًا على حب [٢١٩٠/٣-١] الغنى / وجمع المال. وقوله: ((إذا بلغت الحلقوم)) فيه ذم من أذهب طيباته في حياته ولم يقدم لنفسه من ماله في وقت شحه وحب غناه ، حتى إذا رأى المال لغيره جعل يسرع بالوصية لفلان كذا ولفلان كذا ، ويتورع عن التبعات والمظالم ، وروي عن ابن مسعود في قوله: ﴿وآتى المال على حبه﴾ (١) قال : أن تؤتيه وأنت صحيح شحيح تأمل الغنى وتخشى الفقر . وقال قتادة : يا ابن آدم ، اتق الله ولا تجمع إساءتين في مالك إساءة في الحياة الدنيا وإساءة عند الموت ، انظر قرابتك الذين يحتاجون ولا يرثونك ، أوص لهم من مالك بالمعروف . وقال ابن عباس : الضرار في الوصية من الكبائر ، ثم قرأ : ﴿ تلك حدود الله ومن يتعد حدود الله ﴾ (٢) وقال عطاء في قوله تعالى: ﴿فمن خاف من موص جنفًا أو إثمًا ﴾ (٣) قال : ميلا. وقال أبو عبيدة: جورًا عن الحق وعدولا . وقال طاوس : هو الرجل يوصي لولد أبنته . ويحتمل قول طاوس قد أوصيت لولد ابنتي (١) البقرة : ١٧٧ . (٢) الطلاق : ١ . : (٣) البقرة : ١٨٢ : - ١٥٤ - بكذا ، ومعناه أن يريد بذلك ابنته ، فذلك مردود بإجماع ، فإن لم يرد فوصيته له من الثلث . ويستحب له أن يوصي لقرابته الذين لا يرثون ؛ لقول النبي : «الصدقة على [ المساكين ] (١) صدقة ، وهي على ذي الرحم ثنتان : صدقة ، وصلة )) . والذي يجب أن يرد من الوصية من باب الجور والميل الوصية بأكثر من الثلث ، والوصية للوارث ، والوصية في أبواب المعاصي . باب : قول الله تعالى : ﴿ من بعد وصية يوصي بها أو دين﴾ (٢) ويذكر أن شريحًا وعمر بن عبد العزيز وطاوسًا وعطاء وابن أذينة أجازوا إقرار المريض بالدين . وقال الحسن : أحق ما تصدق به الرجل آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة . وقال إبراهيم والحكم : إذا أبرأ الوارث من الدین برئ . وأوصى رافع بن خديج ألا تكشف امرأته الفزارية عما أغلق عليه بابها. وقال الحسن : إذا قال لمملوكه عند الموت : كنت أعتقتك جاز . وقال الشعبي : إذا قالت المرأة عند موتها : إن زوجي قضاني وقبضت منه جاز. وقال بعض الناس : لا يجوز إقراره لسوء الظن به للورثة ، ثم استحسن فقال : يجوز إقراره بالوديعة والبضاعة والمضاربة . وقد قال النبي - عليه السلام -: (( إياكم والظن؛ فإن الظن أكذب الحديث))، (١) في (( هـ)): المسكين . (٢) النساء : ١١ . - ١٥٥ - ولا يحل مال المسلمين بالظن؛ لقول النبي: (( آية المنافق إذا اؤتمن خان )) وقال تعالى : ﴿ إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ﴾ (١) فلم يخص وارثًا من غيره . فيه [ ابن عمرو ] (٢) عن النبي . وفيه: أبو هريرة قال النبي - عليه السلام -: (( آية المنافق [ثلاث](٣): إذا حدث كذب، وإذا اؤتمن خان، وإذا وعد خلف)) . قال ابن المنذر : أجمع العلماء أن إقرار المريض بالدين لغير الوارث جائز إذا لم يكن عليه دين في الصحة . واختلفوا إذا أقر لأجنبي وعليه دين في الصحة ببينة . فقالت طائفة : يبدأ بدين الصحة . هذا قول النخعي والكوفيين ، قالوا : فإذا استوفاه صاحبه فأصحاب الإقرار في المرض يتحاصون . وقالت طائفة : هما سواء دين الصحة والدين الذي يقربه في المرض إذا كان لغير وارث. هذا قول الشافعي وأبي ثور وأبي عبيد ، وذكر أبو عبيد أنه قول أهل المدينة ، ورواه عن الحسن. وممن أجاز إقرار المريض بالدين للأجنبي الثوري وأحمد وإسحاق . قال : واختلفوا في إقرار المريض للوارث بالدين فأجازه طائفة ، هذا قول الحسن وعطاء ، وبه قال إسحاق وأبو ثور . قال : وروينا عن شريح والحسن أنهما أجازا إقرار المريض لزوجته بالصداق . وبه قال الأوزاعي ، وقال الحسن بن صالح : لا يجوز إقراره لوارث في مرضه إلا لامرأته بصداق . وقالت طائفة : لا يجوز إقرار المريض للوارث . روي ذلك عن القاسم وسالم ويحيى الأنصاري والثوري وأبي حنيفة وأحمد بن [٢١٩٥/٢- ب] حنبل، وهو الذي رجع إليه الشافعي / وفيها قول ثالث قاله مالك (١) النساء : ٥٨ . (٢) من (( هـ)). (٣) من (( هـ ، ن )) - ١٥٦ - قال : إذا أقر المريض لوارثه بدين نظر ، فإن كان لا يتهم فيه قبل إقراره، مثل أن يكون له بنت وابن عم فيقر لابن عمه بدين فإنه يقبل إقراره، ولو كان إقراره لبنته لم يقبل ؛ لأنه يتهم في أنه يزيد ابنته على حقها من الميراث وينقص ابن عمه ، ولا يتهم في أن يفضل ابن عمه على ابنته . قال : ويجوز إقراره لزوجته في مرضه إذا كان له ولد منها أو من غيرها ، فإن كان (١) يعرف منه انقطاع إليها ومودة ، وقد كان الذي بينه وبين ولده متفاقمًا ولعل لها الولد الصغير منه فلا يجوز إقراره لها . واحتج من أبطل إقرار المريض للوارث بأن الوصية للوارث لما لم تجز فكذلك الإقرار في المرض ، ويتهم المريض في إقراره بالدين للوارث ؛ لأنه أراد بذلك الوصية . واحتج من أجاز ذلك بقول الحسن : إن أحق ما تصدق به الرجل آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة ؛ لأنه في حال يرد على الله ، فهو في حالة يتجنب المعصية والظلم ما لا يتجنبه في حال الصحة ، والتهمة منتفية عنه، وقد نهى رسول الله عن الظن وقال : ((إنه أكذب الحديث)) وقال: (( آية المنافق إذا حدث كذب ، وإذا اؤتمن خان )) وقد أجمع العلماء على أنه إذا أوصى رجل لوارثه بوصية وأقر له بدين في صحته ثم رجع عنه ؛ أن رجوعه عن الوصية جائز ، ولا يقبل رجوعه عن الإقرار . ولا خلاف أن المريض لو أقر بوارث لصح إقراره ، وذلك يتضمن الإقرار بالمال وشيء آخر وهو النسب والولاية ، فإذا أقر بمال فهو أولى أن يصح ، وهذا معنى صحيح . وقد تناقض أبو حنيفة في استحسانه (١) ورد بالأصل : له . وهي مقحمة . - ١٥٧ - جواز الإقرار بالوديعة والمضاربة والبضاعة ولا فرق بين ذلك وبين الإقرار بالدين ؛ لأن ذلك كله أمانة ولازم للذمة . واحتج أصحاب مالك بأنه يجوز إقراره في الموضع الذي تنتفي عنه التهمة ؛ وذلك أن المرض يوجب حجرًا في حق الورثة ، يدل على ذلك أن الثلث الذي يملك التصرف فيه من جميع الجهات لا يملك وضعه في وارثه على وجه الهبة والمنحة ، فلما لم تصح هبته في المرض لم يصح إقراره له ، ويجوز أن يهب ماله كله في الصحة للوارث ، وفي المرض لا يصح ، فاختلف حكم الصحة والمرض .. وأما قول إبراهيم والحكم : إذا أبرأ الوارث من الدين (١) فلا يبرأ عند مالك ؛ لأنه تلحقه تهمة أنه أراد الوصية لوارثه . وأما قول رافع بن خديج : ألا تكشف امرأته . فلا خلاف عن مالك ، أن كل زوجةٍ فإن جميع ما في بيتهما لها وإن لم يشهد لها زوجها بذلك، وإنما يحتاج إلى الإشهاد والإقرار إذا علم أنه تزوجها فقيرة وأن ما في بيتها من متاع الرجل ، أو في أم الولد . وأما قول الحسن : إذا قال لمملوكه عند الموت كنت أعتقتك جاز . فلا يجوز عند مالك ؛ لأنه يتهم أن یکون أراد عتقه من رأس ماله وهو ليس له من ماله [ إلا] (٢) الثلث، فكأنه أراد الهروب بثلثي المملوك عن الورثة ، ولو [ أعتقه ] (٣) عند موته كان من ثلثه .. (١) ورد بالأصل : بدين ، وهي مقحمة . (٣) في ((الأصل)): أن عتقه. والمثبت من (( هـ)). (٢) من (( هـ ) - ١٥٨ - باب : قول الله تعالی : ﴿ من بعد وصية يوصي بها أو دين ﴾ (١) ويذكر أن النبي قضى بالدين قبل الوصية . وقوله تعالى: ﴿ إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾ (٢) فأداء الأمانة [أحق ] (٣) من تطوع الوصية. وقال النبي: (( لا صدقة إلا عن ظهر غنى )) . وقال ابن عباس : لا يوصي العبد إلا بإذن أهله . وقال النبي - عليه السلام -: ((العبد راع في مال سيده)) . فيه : حكيم : سألت النبي فأعطاني ثلاثًا ، ثم قال لي : يا حكيم، إن هذا المال [ خضر حلو ] (٤) فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه ، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه ، و کان کالذي يأكل ولا يشبع ، واليد العليا خير من اليد السفلى . فقلت : والذي بعثك بالحق لا أرزأ أحدا بعدك شيئًا حتى أفارق الدنيا . فكان أبو بكر بدعو حکیمًا لیعطیه / فيأبى أن يقبله منه، ثم إن عمر دعاه ليعطيه فأبى أن يقبله منه فقال عمر : يا معشر المسلمين ، إني أعرض عليه حقه الذي قسم الله له من هذا الفيء فيأبى أن يأخذه. فلم يرزا [ حكيم ] (٥) أحدًا من الناس بعد النبي حتى توفي )) . [٢/ ق ٢٢٠ -١] وفيه ابن عمر : قال النبي - عليه السلام - : (( كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ، والرجل راع (٦) في أهله ومسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها ، والخادم في مال سيده راع ومسئول عن رعيته . وحسبت أنه قال : والرجل في [ مال ] (٧) أبيه)). (١) النساء : ١١ . (٢) النساء : ٥٨ . (٣) في ((الأصل)): حق، والمثبت من ((هـ، ن)). (٤) في ((الأصل، هـ)): خضرة حلوة. والمثبت من (( ن)). (٥) في ((الأصل)): حكيمًا. والمثبت من (( هـ، ن)). (٦) ورد بالأصل هنا : مال . وهي زائدة . (٧) من ((هـ، ن)). - ١٥٩ - ذكر إسماعيل بن إسحاق بإسناده عن علي بن أبي طالب قال : (([تعدون] (١) الوصية قبل الدين، وقد قضى محمد أن الدين قبل الوصية)) والأمة مجمعة على هذا . قال إسماعيل : وليس يوجب تبدية اللفظ بالوصية قبل الدين أن تكون مبداة على الدين ، وإنما يوجب الكلام أن يكون الدين والوصية تخرجان قبل قسم الميراث ؛ لأنه لما قيل من بعد كذا وكذا علم أنه من بعد هذين الصنفين قال الله : ﴿ولا تطع منهم آثمًا أو كفورًا﴾ (٢) أي: لا تطع أحدًا من هذين الصنفين؛. وقد يقول الرجل : مررت بفلان وفلان فيجوز أن يكون الذي بدأ بتسميته مر به أخيراً ويجوز أن يكون مر به أولا ؛ لأنه ليس في اللفظ ما يوجب تبدئة الذي سمى أولا . قال تعالى: ﴿يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين﴾(٣) ففهم إنما أمرت بذلك كله ، ولم يجب أن يكون السجود قبل الركوع، ولو قال : مررت [ بفلان ففلان أو مررت ] (٤) بفلان ثم فلان لوجب أن يكون الذي بدأ بتسميته هو الذي مر به أولا ، فلما قال تعالى : ﴿من بعد وصية يوصي بها أو دين﴾ (٥) وجب أن تكون قسمة المواريث التي فرض الله بعد الدين والوصية ولم يكن في القرآن تبدئة أحدهما على الآخر باللفظ المنصوص ، ولكن فهم بالسّنة التي مضت، والمعنى أن الدين قبل الوصية ؛ لأن الوصية إنما هي تطوع يتطوع بها [الموصي] (٦) وأداء الدين فرض عليه ، فعلم أن الفرض أولى من التطوع . قال المهلب : وإنما أدخل حديث حكيم في هذا الباب ؛ لأنه جعله (١) في ((الأصل)): تقرون. والمثبت من ( هـ)). (٢) الإنسان : ٢٤ . . (٣) آل عمران : ٤٣ . (٤) من (( هـ ). . (٥) النساء : ١١. (٦) في ((الأصل)): الوصي. والمثبت من (( هـ ). - ١٦٠ -