Indexed OCR Text
Pages 1-20
شِرُ صَحِيحٌ الَّارِّ لابْن بطّاك أُبيّ الحَمْ عَلِيَ بْ خَلَفْتُ بْ عَبْ لَمُلَيْ ضَبَطَ نِصَّهُ وَعَلْق عَليه أُبُوتِيَمْ يَاسْرِبِنْ إِبراهِيم الجزء الثَامِن مكتبة الرشد الرياض بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الشهادات باب : ما جاء في البينة على المدعي لقوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين ... ﴾ إلى ﴿ عليم﴾ (١) و قوله : ﴿ يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ﴾ إلى قوله : ﴿بما تعملون خبير﴾ (٢) / قال إسماعيل بن إسحاق : ظاهر قوله تعالى: ﴿وليملل الذي (٣/ ١٨٩٥ -ب) عليه الحق ﴾ (١) يدل أن القول قول من عليه الشيء. قال غيره : لأن الله حين أمره بالإملاء اقتضى تصديقه فيما يمليه ، فإذا كان مصدقًا فالبينة على من يدعي تكذيبه . وأما الآية الأخرى فوجه الدلالة [ منها ] (٣) أن الله قد أخذ عليه أن يقر بالحق على نفسه وأقربائه لمن ادعاه عليهم ، فدل الكتاب أن القول قول المدعى عليه ، وإن أكذبه المدعي كان على المدعى عليه إقامة البينة، والأمة مجمعة أن البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه في الأموال ، إلا ما خصت به القسامة . وقد ذكر البخاري بعد هذا من حديث ابن مسعود وابن عباس ، عن النبي: (( أن البينة على المدعي ، واليمين على المدعى عليه)). (١) البقرة : ٢٨٢ . ب (٢) النساء : ١٣٥ . (٣) من (( هـ)). - ٥ - واختلفوا في صفة يمين المدعى عليه في الحدود والنكاح والطلاق والعتق على ما يأتي بعد هذا في بابه - إن شاء الله . باب : إذا عدل رجل رجلا فقال : لا نعلم إلا خيرًا أو ما علمت إلا خيراً فساق حديث الإفك حيث قال النبي - عليه السلام - لأسامة فقال : ((أهلك ولا نعلم إلا خيرًاً)). وقال النبي - عليه السلام -: (( من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي ، فوالله ما علمت إلا خيرًاً )). اختلف العلماء في قول المسئول عن التزكية : ما أعلم إلا خيرًا فذكر ابن المنذر عن ابن عمر أنه كان إذا أنعم مدح الرجل قال : ما. علمت إلا خيرًا . وذكر الطحاوي عن أبي يوسف أنه إذا قال ذاك قبلت شهادته ، ولم يذكر خلافًا عن الكوفيين ، واحتجوا بالحديث الأول ، قال محمد بن سعيد الترمذي [ سألني ] (١) عبد الرحمن بن إسحاق القاضي عن رجل شهد عنده فزكيته له ، فقال لي : هل تعلم. منه إلا خيرًا ؟ فقلت : اللهم غفرًا، قد أعلم منه غير الخير ولا تسقط بذلك عدالته ، يلقي كناسته في الطريق ، وليس ذلك من الخير .. فسكت . وروى ابن القاسم عن مالك أنه أنكر أن يكون قوله : لا أعلم إلا خيرًا تزكية وقال : لا تكون تزكية حتى يقول رضًا وأراه عدلا رضًا . . وذكر المزني ، عن الشافعي قال : لا يقبل في التعديل ، إلا أن (١) في ((الأصل)): سألت. والمثبت من (( هـ)). - ٦ - يقول عدل عليّ وليّ ، ثم لا يقبله حتى يسأله عن معرفته ؛ فإن كانت باطنة متقدمة وإلا لم يقبل ذلك . قال الأبهري : والحجة لمالك أنه قد لا يعلم منه إلا الخير ، ويعلم غيره منه غير الخير [ مما ] (١) يجب به رد شهادته ، فيجب أن يقول : أعلمه عدلا رضًا ؛ لأن هذا الوصف الذي أمر الله - تعالى - بقبول شهادة الشاهد معه بقوله : ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم ﴾ (٢) ﴿ممن ترضون من الشهداء ﴾ (٣) فيجب أن يجمع الشاهد العدالة والرضا. قال المهلب : وأما قول أسامة: (( لا أعلم إلا خيرًا)) في التزكية ، فإن هذا كان في عصر الرسول [ الذين ] (٤) شهد الله لهم أنهم خير أمة أخرجت للناس ، فكانت الجرحة فيهم شاذة نادرة ؛ لأنهم كانوا كلهم على العدالة ، فتعديلهم أن يقال : لا أعلم إلا خيراً ، فأما اليوم فالجرحة أعم في الناس ، وليست لهم شهادة من كتاب الله ولا من سنة رسول الله بعدالة [ مستولية ] (٥) على جميعهم، فافترق حكمهم. وفي قول بريرة: (( ما أعلم عليها شيئًا أغمصه)) دليل على أن من اتهم في دينه بأمر [ أنه ] (٦) يطلب في سائر أحواله نظير ما اتهم به ، فإن لم يوجد له نظير لم يصدق عليه ما اتهم فيه ، وإن وجد لذلك نظير قويت الشبهة ، وحكم عليه بالتهمة في أغلب الحال لا في الغيب، والله أعلم . (١) في ((الأصل)): ما. والمثبت من ((هـ)). (٣) البقرة : ٢٨٢ . (٢) الطلاق : ٢ . (٤) في ((الأصل)): الذي. والمثبت من (( هـ)). (٥) في ((الأصل)): مستولة. والمثبت من (( هـ)). (٦) من ( هـ)). - ٧ - باب : شهادة المختبئ وأجازه عمرو بن حريث ، قال : وكذلك يفعل [ بالخائن ] (١) الفاجر. [٣/ ٥ ١٩٠-) وقال الشعبي وابن سيرين / وعطاء وقتادة: السمع شهادة . وكان الحسن يقول : لم يشهدوني على شيء ، ولكن سمعت كذا وكذا . فيه : ابن عمر: (( انطلق النبي وأبيّ بن كعب الأنصاري يؤمان النخل التي فيها ابن صياد ، حتى إذا دخل رسول الله طفق رسول الله يتقي بجذوع النخل وهو يختل أن يسمع من ابن صياد شيئًا قبل أن يراه ، وابن صياد مضطجع على فراشه في قطيفة له فيها رمرمة - أو زمزمة - فرأت أم ابن صياد النبي وهو يتقي بجذوع النخل فقالت لابن صياد : أي صاف ، هذا محمد ، فتناهى ابن صياد ، قال النبي - عليه السلام - لو تر کته بین )» . وفيه: عائشة: (( جاءت امرأة رفاعة القرظي إلى النبي - عليه السلام - فقالت : كنت عند رفاعة فطلقني، فأبت طلاقي ، فتزوجت عبد الرحمن ابن الزبير ، إنما معه مثل هدبة الثوب ، فقال : أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة ؟ لا ، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك . وأبو بكر جالس عنده ، وخالد بن سعيد بن العاص بالباب ينتظر أن يؤذن له . فقال : يا أبا بكر ، ألا تسمع إلى هذه ما تجهر به عند النبي - عليه السلام)) . اختلف العلماء في شهادة المختبئ ، فروي عن شريح والشعبي والنخعي أنهم كانوا لا يجيزونها ، وقالوا : إنه ليس بعدل حين اختبأ ممن يشهد عليه . وهو قول أبي حنيفة والشافعي . وذكر الطحاوي في المختصر قال : جائز للرجل أن يشهد بما سمع ، إذا كان معاينًا لمن سمعه منه ؛ وإن لم يشهده على ذلك . - (١) في ((الأصل)): الخائن. وفي ((ن)): بالكاذب، والمثبت من ((هـ)): - - ٨ - قال الشافعي في الكتاب الكبير للمزني : العلم من ثلاثة وجوه : ما عاينه فشهد به ، وما تظاهرت به الأخبار وثبت موقعه في القلوب ، وشهادة ما أثبته سمعًا إثبات بصر من المشهود عليه ، ولذلك قلنا : لا تجوز شهادة الأعمى . وأجاز شهادة المختبئ : ابن أبي ليلى ومالك وأحمد وإسحاق ، إلا أن مالكًا لا يجيزها له على صحة ( إلا أن ) (١) يكون المقر مختدعًا ومقدرًا على حق لا يقوله بالبراءة، والمخرج منه ومثله من وجوه الحيل. وروى ابن وهب ، عن مالك في رجل أدخل رجلين بيتًا ، وأمرهما أن يحفظا ما سمعا ، وقعد برجل من وراء البيت حتى أقر له بما له [عليه] (٢) فشهدا عليه بذلك ، فقال : أما الرجل الضعيف أو الخائف أو المخدوع الذي يخاف أن يستميل أو يستضعف إذا شهد عليه ؛ فلا أرى ذلك يثبت عليه ، وليحلف أنه ما أقر له بذلك إلا لما يذكر ، وأما الرجل الذي ليس على ما وصفت وعسى أن يقول في خلوته : أنا أقر لك خاليًا ، ولا أقر لك عند البينة ، فإنه يثبت ذلك عليه ، وهذا معنى قول ابن حريث ، وكذلك يفعل بالفاجر الخائن . واحتج مالك في العتبية بشهادة المختبئ قال : إذا شهد الرجل على المرأة من وراء الستر وعرفها وعرف ( صورتها ) (٣) وأثبتها قبل ذلك، فشهادته جائزة عليها . قال : وقد كان الناس يدخلون على أزواج النبي - عليه السلام - وبينهم وبينهن حجاب ، فيسمعون منهن ، ویحدثون عنهن . وقد سأل أبو بكر بن عبد الرحمن وأبوه عائشة وأم سلمة من وراء حجاب ، وأخبرا عنهما . (١) في ((هـ)): أن لا . - (٣) فى (( هـ)) : صوتها . (٢) من ( هـ )). - ٩ - قال المهلب : في حديث ابن عمر من الفقه جواز الاحتيال على: [المسترين] (١) بالفسق، وجحود الحقوق ، بأن يختفي عليهم حتى يسمع منهم ما يستترون به من الحق ويحكم به عليهم ، ولكن بعد أن يفهم عنهم فهمًا حسنًا ؛ لقوله عليه السلام: ((لو تركته بين)). وهذا حجة لمالك ، وكذلك في حديث رفاعة جواز الشهادة على غير الحاضر من وراء الباب والستر ؛ لأن خالد بن سعيد سمع قول امرأة رفاعة عند النبي وهو من وراء الباب ، ثم أنكره عليها بحضرة النبي وأبي بكر حين دخل إليهما ، ولم ينكر ذلك عليه . قال الأبهري : ومن الحجة لمالك أيضًا في جواز شهادة المختبئ أن المعرفة بصوت زيد تقع كما تقع بشخصه ، وذلك إذا كان قد عرف (١٩.٥/٣ - ب] صوته / وتكرر ، فجاز له أن يشهد ، كما يجوز للأعمى أن يشهد على الصوت الذي يسمعه إذا عرفه . قال المهلب : وفيه إنكار الهجر من القول ، إلا أن يكون في حق لابد له من البيان عند الحاكم في الحكم بين الزوجين ، فحينئذ يجوز أن يتكلم به . قال غيره : وقول الشعبي وغيره : السمع شهادة . قد فسره ابن أبي ليلى قال : السمع سمعان إذا قال : سمعت فلانًا يقر على نفسه بكذا أجزته ، وإذا قال : سمعت فلانًا يقول: سمعت فلانًا . لم أجزه. وهذا مذهب مالك وأحمد وإسحاق والجمهور ، وليس معنى قولهم : إن السمع شهادة أن شهادة المختبئ [جائزة؛ لأن القائلين ذلك لا يجيزونها. قال ابن المنذر : قال النخعي والشعبي : السمع شهادة وأبيا أن يجيزا شهادة المختبئ (١) في ((الأصل)): المحترين. والمثبت من (( هـ)). - ١٠ - وقد تقدم شرح ما في حديث ابن صياد من اللغة في كتاب الجنائز في باب إذا أسلم الصبي ] (١) . وقوله : فيها رمرمة . قال ثابت : يقال : ترمرم الرجل : إذا حرك فاه للكلام ، ولم يتكلم . قال بعض الشعراء يصف ملكًا : إذا ترمرم أغضى كل جبار (٢) قال الخطابي : قد يكون ترمرم : تحركت مرمته بالصوت . قال الشاعر : ولو زينته الحرب لم يترمرم (٢) ومستعجب مما يرى من أناتنا أي : لم [ ينطق ] (٣). وقال صاحب الأفعال : الرمرمة : كلام لا يفهم . قال أبو حنيفة : الرمرمة من الرعد ما لم يعل أو يفصح ، وقد زمزم السحاب ، وهو سحاب زمزام : إذا كثرت زمزمته . * باب : إذا شهد شاهد أو شهود بشيء فقال آخرون : ما علمنا بذلك [ یحکم ] (٤) بقول من شهد قال الحميدي : هذا كما أخبر بلال أن النبي صلى في الكعبة ، وقال الفضل : لم يصل . فأخذ الناس بشهادة بلال . كذلك إن شهد شاهدان [أن] (٥) لفلان على فلان ألف درهم، وشهد آخران بألف وخمسمائة ، يقضى بالزيادة . (١) من ((هـ)). (٢) اللسان (٢٥٥/١٢) . (٣) في ((الأصل)): يطلق. والمثبت من (( هـ)). (٤) في (( الأصل)): فحكم. والمثبت من (( هـ، ن). (٥) من (( هـ ، ن)). - ١١ - فيه: عقبة بن الحارث: (( أنه تزوج بنتًا لأبي إهاب بن عزيز ، فأتته امرأة فقالت : قد أرضعت عقبة والتي تزوج . فقال لها عقبة : ما أعلم أنك [أرضعتني ولا أخبرتني ] (١) فأرسل إلى آل أبي إهاب فسألهم، فقالوا: ما علمناه أرضعت صاحبتنا - فركب إلى النبي - عليه السلام - بالمدينة فسأله ، فقال رسول الله : كيف وقد قيل؟ ففارقها ونكحت زوجًا غيره)). إذا شهد شهود بشيء ، وقال آخرون : ما علمنا بذلك . فليس هذا شهادة ؛ لأن من لم يعلم الشيء فليس بحجة على من علمه ، ولهذا المعنى اتفقوا أنه إذا شهد شاهدان بألف وشاهدان بألف وخمسمائة أنه يقضى بالزيادة ، ولا خلاف بين الفقهاء أن البينتين إذا شهدت إحداهما بإثبات شيء ، وشهدت الأخرى بنفيه ، وتكافئا في العدالة أنه يؤخذ بقول من أثبت دون من نفى ؛ لأن المثبت علم ما جهل النافي ،. والقول قول من علم . : وليس حديث عقبة بمخالف لهذا الأصل ؛ لأن النبي لم يحكم بشهادة المرأة [ ولا غلب قولها على قول عقبة ، وقول من نفى الرضاع من ظهور الإيجاب ، وإنما أشار عليه السلام إلى أن قول المرأة شبهة](٢) يصلح التورع والتنزه للزوج عن زوجته لأجلها ، والدليل على أن ذلك من باب الورع والتنزه اتفاق أئمة الفتوى على أنه لا تجوز شهادة امرأة واحدة في الرضاع إذا شهدت بذلك بعد النكاح ، ومن هذا الباب إذا شهد قوم بعدالة الشاهد ، وشهد آخرون بتجريحه فالقول قول من شهد بالجرحة إذا تكافأت البينتان ؛ لأن العدالة علم ظاهر والجرحة علم باطن ، فهو زيادة على ما علم الشاهد بالعدالة . (١) في (( الأصل، هـ)): أرضعتيني وأخبرتيني. والمثبت من (( ن )). (٢) في (الأصل)): بشبهة. والمثبت من (( هـ). - ١٢ - وهذا قول مالك في المدونة، وهو قول الكوفيين والشافعي وجمهور العلماء ، ولمالك في العتبية خلاف هذا القول ، وسأذكر ذلك [ في باب تعديل كم يجوز ] (١) . باب : الشهادة على الأنساب والرضاع المستفيض والموت القديم وقال النبي: ((أرضعتني وأبا سلمة ثويبة)) والتثبت [ فيه] (٢) . [٢/ق١٩١-١] فيه: عائشة: / «استأذن عليَّ أفلح فلم آذن له ، فقال : أتحتجبين مني وأنا عمك ؟ قلت : كيف ذلك ؟ قال : أرضعتك امرأة أخي بلبن أخي. فقالت : سألت عن ذلك رسول الله فقال : صدق أفلح ، ائذني له )) . وقالت مرة : إن رجلا استأذن في بيت حفصة فقال النبي - عليه السلام - : أراه فلانًا - لعم حفصة من الرضاعة - فقالت عائشة : لو كان فلان حيا - لعمها من الرضاعة - دخل عليّ ؟ فقال النبي - عليه السلام -: نعم، إن الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة )). وفيه : ابن عباس : (( قال الرسول في ابنة حمزة : لا تحل لي ، يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب ، هي ابنة أخي من الرضاع)). وفيه : عائشة : « دخل علي النبي - عليه السلام - وعندي رجل فقال: يا عائشة ، من هذا ؟ فقلت : أخي من الرضاعة . فقال : انظرن من إخوانكن ؛ فإنما الرضاعة من المجاعة)) . معنى هذا الباب أن ما صح من الأنساب والموت والرضاع بالاستفاضة وثبت علمه في النفوس ، وارتفعت فيه الريب والشك؛ أنه (١) في ((الأصل)): بعد، والمثبت من (( هـ)). (٢) من (( هـ ). - ١٣ - لا يحتاج فيه المعرفة بعدد الذين به ثبت [ علم] (١) ذلك، ولا يحتاج إلى معرفة الشهود ، ألا ترى أن الرضاع الذي في هذه الأحاديث كلها كان في الجاهلية ، وكان مستفيضًا معلومًا عند القوم الذين وقع الرضاع فيهم ، وثبتت [ به ] (٢) الحرمة والنسب في الإسلام. ويجوز عند مالك والكوفيين والشافعي الشهادة بالسماع المستفيض في النسب والموت القديم والنكاح . وقال الطحاوي : اتفقوا أن شهادة السماع تجوز في النكاح ، ولا تجوز في الطلاق ، وتجوز عند مالك والشافعي الشهادة على ملك الدار بالسماع ، زاد الشافعي : وعلى ملك الثوب أيضًا ، ولا يجوز ذلك عند الكوفيين . قال مالك : لا تجوز الشهادة على ملك الدار بالسماع على خمس سنين ونحوها إلا فيما يكثر من السنين وهو بمنزلة سماع الولاء . قال ابن القاسم : وشهادة السماع إنما هي عليه فيما أتت عليه أربعون أو خمسون سنة . قال مالك : وليس يشهد على أجناس الصحابة إلا على السماع . وقال عبد الملك: أقل ما يجوز في الشهادة على السماع أربعة شهداء من أهل العدل أنهم لم [ يزالوا ] (٣) يسمعون أن هذه الدار صدقة على بني فلان محتبسة عليهم بما يصدق به فلان ، ولم يزالوا يسمعون. أن فلانًا مولى فلان ، قد تواطأ ذلك عندهم وفشا من كثرة ما سمعوه من العدول وغيرهم ومن المرأة والخادم والعبد . واختلف فيما يجوز من شهادة النساء في هذا الباب ، فقال مالك : لا يجوز في الأنساب والولاء شهادة النساء مع الرجال - وهو قول الشافعي - وإنما تجوز مع الرجال في الأموال خاصة أو منفردات في (١) في ((الأصل)): على. والمثبت من (( هـ)). (٣) في ((الأصل)): يزالون. والمثبت من ((هـ))". (٢) من ( هـ )). - ١٤ - الاستهلال ، وما لا يطلع عليه الرجال من أمور النساء ، وأجاز الكوفيون شهادة رجل وامرأتين في الأنساب . وأما الرضاع فيجوز فيه عند مالك شهادة امرأتين دون رجل ، وسيأتي مذاهب العلماء في هذا في [ كتاب الرضاع ] (١) إن شاء الله. باب : شهادة القاذف والسارق والزاني وقوله : ﴿ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا ﴾ (٢) وجلد عمر أبا بكرة وشبل بن معبد ونافعًا بقذف المغيرة ثم استتابهم وقال : من تاب قبلت شهادته ، وأجازه عبد الله بن عتبة وعمر بن عبد العزيز ، وسعيد بن جبير وطاوس ومجاهد والشعبي وعكرمة والزهري ومحارب بن دثار وشريح ومعاوية بن قرة . وقال أبو الزناد : الأمر عندنا بالمدينة إذا رجع القاذف عن قوله فاستغفر ربه قبلت شهادته. وقال الشعبي وقتادة : إذا أكذب نفسه جلد وقبلت شهادته . [ وقال الثوري: إذا جلد العبد ثم أعتق جازت شهادته ] (٣) وإن استقضي / المحدود فقضاياه جائزة . وقال بعض الناس : لا تجوز شهادة (١٩١٥/٣ -ب] القاذف وإن تاب ، ثم قال : لا يجوز نكاح بغير شاهدين؛ فإن تزوج بشهادة محدودين جاز، وإن تزوج بشهادة عبدين لم يجز، وأجاز شهادة المحدود والعبد والأمة لرؤية هلال رمضان ، وكيف تعرف توبته . ونفى النبي - عليه السلام - الزاني سنة ، ونهى عن كلام كعب بن مالك وصاحبيه حتى مضى خمسون ليلة . (٢) النور : ٤ - ٥ . (١) في ((الأصل)): الباب. والمثبت من ((هـ)). (٣) من (( هـ، ن)). - ١٥ - فيه: عائشة: (( أن امرأة سرقت في غزوة الفتح ، فأتي بها النبي - عليه السلام - فأمر بها فقطعت يدها . قالت عائشة : فحسنت توبتها وتزوجت وكانت تأتي بعد ذلك فأرفع حاجتها إلى النبي )) . وفيه : زيد بن خالد: (( أن النبي - عليه السلام - أمر فيمن زنى ولم يحصن بجلد مائة وتغريب عام )) . اختلف العلماء في شهادة القاذف: هل ترد شهادته قبل الحد أم لا؟ فروی ابن وهب عن مالك أنه لا ترد شهادته حتى بحد . وهو قول الكوفيين . وقال الليث والأوزاعي والشافعي : ترد شهادته وإن لم يحد . وهو قول ابن الماجشون . وحجة من أجازها قبل الحد بأن الحد لا يكون إلا بأن يطلبه المقذوف. ويعجز القاذف عن البينة ، فإذا لم يطلب القاذف لم يؤمن عليه أن يعترف بالزنا [ أو ] (١) تقوم عليه بينة فلا يفسق القاذف ولا يجد ؛ : لأنه على أصل العدالة حتى يتبين كذبه . وحجة الشافعي أنه بالقذف يفسق ؛ لأنه من الكبائر ، ولا تقبل: شهادته حتى تصح براءته بإقرار المقذوف له بالزنا أو قيام البيئة عليه ، وهو عنده على الفسق حتى تتبين براءته ويعود إلى العدالة ، وهو قبل . الحد شر حالا منه حين يحد ؛ لأن الحدود كفارات للذنوب ، وهو بعد الحد خير منه قبله ، فكيف أرد شهادته في [ خير ] (١) حالتيه وأجيزها في شرها . واختلفوا إذا حد وتاب فقال جمهور السلف : إذا تاب وحسنت حالته قبلت شهادته ، وممن روي عنه سوى من ذكره البخاري في قول (١) في (( هـ )): و . (٢) من (( هـ)). - ١٦ - ابن المنذر عطاء ، واختلف فيه عن سعيد بن المسيب ، وهو قول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور وأبي عبيد . وممن قال : إن شهادة القاذف لا تجوز أبدًا وإن تاب : شريح والحسن والنخعي وسعيد بن جبير ، وهو قول الثوري والكوفيين وقالوا: توبته فيما بينه وبين الله قال : وأما المحدود في الزنا والسرقة والخمر إذا تابوا قبلت شهادتهم . واحتج الكوفيون في رد شهادة القاذف بعموم قوله : ﴿ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا﴾ (١) وقالوا : إن الاستثناء في قوله: ﴿ إلا الذين تابوا﴾ (٢) راجع إلى الفسق خاصة لا إلى قبول الشهادة. وقال آخرون : الاستثناء راجع إلى الفسق و(الشهادة) (٣) جميعًا إلا أن يفرق بين ذلك بخبر يجب التسليم له ، وإذا قبل الكوفيون شهادة الزاني و( القاتل ) (٤) والمحدود في الخمر إذا تابوا ، أو المشرك إذا أسلم وقاطع الطريق ، ثم لا تقبل شهادة من شهد بالزنا فلم تتم الشهادة فجعل قاذفًا ، وأجمعت الأمة أن التوبة تمحو الكفر ، فوجب أن يكون ما دون الكفر أولى ، وقد قال الشعبي: يقبل الله توبته ولا تقبلون شهادته ! واحتجوا بأن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - جلد الذين قذفوا المغيرة واستتابهم وقال : من تاب قبلت شهادته . وكان هذا بحضرة جماعة الصحابة من غير نكير ، ولو كان تأويل الآية ما تأوّله الكوفيون لم يجز أن يذهب علم ذلك عن الصحابة ، ولقالوا لعمر : لا يجوز قبول توبة القاذف أبدًا . ولم يسعهم السكوت عن القضاء بتحريف تأويل الكتاب ، فسقط قولهم . (١) النور : ٤ . (٢) النور : ٥، وغيرها . (٣) في (( هـ )»: التوبة . (٤) في (( هـ)) : القاذف. - ١٧ - واختلف قول مالك وأصحابه هل تقبل شهادته في كل شيء [فروى. عنه ابن نافع أن المحدود إذا حسنت حاله قبلت شهادته في كل شيء](١) وهي رواية ابن عبد الحكم عنه ، وهو قول ابن كنانة ، ورواه أبو زيد عن أصبغ . [٢/ ق١٩٢-١] وذكر الوقار عن / مالك أنه لا تقبل شهادته فيما حد فيه خاصة وتقبل فيما سوى ذلك إذا تاب . وهو قول مطرف وابن الماجشون . وروى العتبي عن أصبغ وسحنون مثله ، والقول الأول أولى لعموم. الاستثناء ، ورجوعه إلى أول الكلام وآخره ، ومن ادعى تخصيصه فعليه الدليل . واختلف مالك والشافعي في توبة القاذف ما هي ؟ فقال الشافعي : توبته أن يكذب نفسه . روي ذلك عن عمر بن الخطاب ، واختاره إسماعيل بن إسحاق . وقال مالك : توبته أن يزداد خيّرا . ولم يشترط إكذاب نفسه في توبته ؛ لجواز أن يكون صادقًا في قذفه . قال المهلب : وكان المسلمون احتجوا في هذا على أبي بكرة ، ألا ترى أنهم يروون عنه الأحاديث ، ويحملون عنه السنة وهو لم يكذب نفسه ، وقد قال له عمر : ارجع عن قذفك المغيرة ونقبل شهادتك . وإنما قال له عمر ذلك - والله أعلم - استظهارًا له كمال التوبة بالرجوع عما قال في القذف ، وإن كان يستجزئ بصلاح حاله عن [تكذيب ] (٢) نفسه في قبول شهادته . وأما قوله : وكيف تعرف توبته وقد نفى النبي الزاني سنة ، ونهى عن كلام كعب بن مالك وصاحبيه حتى مضى خمسون ليلة ؟ فتقدير الكلام. باب شهادة القاذف والسارق والزاني وباب كيف تعرف توبته، وكثيرًا ما يفعله البخاري يردف ترجمة على ترجمة وإن بعد ما بينهما ، (١) من (( هـ ). (٢) في ((الأصل)): كذب. والمثبت من ( هـ )). - ١٨ - وأراد بقوله: وكيف تعرف توبته ... إلى آخر الكلام الاحتجاج لقول مالك أنه ليس من شرط توبة القاذف تكذيب النفس وتخطئتها ، والرد على الشافعي ؛ فإنه زعم أن ذلك من شرط التوبة ، ووجه الحجة لذلك أن النبي بعث معلمًا للناس ، وأمرهم بالتوبة من ذنوبهم، ولم يأمرهم بأن يستهلوا بأنهم على معاصي الله ، بل قد أمر النبي من أتى معصية ألا يتحدث بها ولا يفشيها . واستدل البخاري [ أن ] (١) القاذف يكون تائبًا بصلاح الحال ، دون إكذابه لنفسه واعترافه أنه عصى الله أو خالف أمره بلسانه ؛ حين لم يشترط ذلك على الزاني في مدة تغريبه ، ولا كعب بن مالك وصاحبيه في الخمسين ليلة ، فإن زعم الشافعي أن توبة القاذف كانت مخصوصة بذلك؛ كلف الدليل عليه من كتاب أو سنة، أو إجماع أو قياس صحيح. وإنما أدخل البخاري حديث عائشة في هذا الباب لقولها في التي سرقت: (( فحسنت توبتها)) لأن فيه دليلا أن السارق إذا تاب وحسنت حاله قبلت شهادته ، وكذلك حديث زيد بن خالد أن النبي - عليه السلام - جعل حد الزاني جلد مائة وتغريب عام ، ولم يشترط عليه عليه السلام بعد الحد والتغريب ، إن تاب ألا تقبل شهادته ، ولو كان ذلك شرطًا لذكره عليه السلام . وإنما ذكر قول الثوري وأبي حنيفة ؛ ليلزمها التناقض في قولهما أن القاذف لا تجوز شهادته ، وهم يجيزونها في مواضع ، وأجاز الثوري شهادة العبد إذا جلد قبل العتق وهذا تناقض ؛ لأن من قذف فقد فسق، وليس العتق توبة ، وهو لو قذف بعد العتق وتاب لم تجز شهادته عنده، وكذلك أجاز قضايا المحدود [ في القذف وهذا تناقض، (١) في ((الأصل)): بأن. والمثبت من ((هـ)). - ١٩ - وكيف تجوز قضايا المحدود ] (١) ولا تجوز شهادته ، وكذلك يلزم أبا حنيفة التناقض في إجازته النكاح بشهادة محدودین ، وإنما أجاز ذلك ؛ لأن من مذهبه أن الشهود في النكاح خاصة على العدالة وفيما سوى ذلك على الجرحة وهذا تحكم، وتغني حكاية هذا القول عن الرد عليه .. : (١٩٢٥/٣ -ب] وقال ابن المنذر: أجاز أبو حنيفة النكاح / بشهادة فاسقين ، وقد أجمع أهل العلم على رد شهادتهم ، وأبطل النكاح بشهادة عبدين . وقد اختلف أهل العلم في قبول شهادتهم ، والنظر دال على أن شهادتهم مقبولة إذا كانا عدلين ، ودليل القرآن وهو قوله: ﴿ إن أكرمكم عند الله أتقاكم ﴾ (٢) . وأما إجازته شهادة المحدود في هلال رمضان ، فإنه أجرى ذلك مجرى الخبر ، والخبر يخالف الشهادة في المعنى ؛ لأن المخبر له مدخل في حكم ما شهد به وهذا غلط ؛ لأن الشاهد على هلال رمضان لا يزول عنه اسم شاهد ولا يسمى مخبراً ، فحكمه حكم الشاهد في المعنى لاستحقاقه ذلك بالاسم ، وأيضًا فإن الشهادة على هلال رمضان حكم من الأحكام ، ولا يجوز أن يكون يقبل في الأحكام إلا من تجوز شهادته في كل شيء ، ومن جازت شهادته في هلال رمضان ولم تجز في القذف ؛ فليس بعدل ولا هو ممن يرضى ؛ لأن الله إنما تعبدنا بقبول من نرضى من الشهداء ، والله الموفق . (١) من (( هـ). (٢) الحجرات : ١٣ . - ٢٠ -