Indexed OCR Text

Pages 381-400

بعدها ما لم تنقض عدتها ، إلا أشهب فإنه قال : يجبر على رجعتها
في الحيضة الأولى خاصة ، فإذا طهرت منها لم يجبر على رجعتها .
قال ابن أبي ليلى - وهو قول الكوفيين والأوزاعي والشافعي وأحمد
وإسحاق وأبي ثور - : يؤمر برجعتها ولا يجبر على ذلك . وحملوا
الأمر في ذلك على الندب ليقع الطلاق على سنة ، ولم يختلفوا أنها
إذا انقضت عدتها أنه لا يجبر على رجعتها ، فدل على أن الأمر
بمراجعتها ندب .
وحجة من قال: يجبر على رجعتها قوله {وَ ل: ((مره فليراجعها))
وأمره فرض، وأجمعوا أنه إذا طلقها في طهر قد مسّها فيه أنه لا يجبر
على رجعتها ولا يؤمر بذلك، وإن كان قد أوقع الطلاق على غير سنته.
واختلفوا في [ صفة ] (١) طلاق السُّنة ، فقال مالك : هو أن يطلق
الرجل المرأة تطليقة واحدة في طهر لم يمسّها فيه ، ثم يتركها حتى
تنقضي العدة برؤية [ الدم من أول ] (٢) الحيضة الثالثة. وهو قول
الليث والأوزاعي. وقال أبو حنيفة وأصحابه: هذا حسن في الطلاق،
وله قول آخر / قال: إذا أراد أن يطلقها ثلاثًا طلقها عند كل طهر (٥/٣ ١٥٦ -ب)
واحدة من غير جماع . وهو قول الثوري وأشهب صاحب مالك .
وقال : من طلق امرأته في طهر لم يمسّها فيه طلقةٌ واحدةٌ ، ثم إذا
حاضت وطهرت طلقها أخرى ، ثم إذا حاضت وطهرت طلقها ثالثةً
فهو مطلق للسنة . وكلا [ القولين ] (٣) عند الكوفيين طلاق سنة ،
قالوا : لما كان الطلاق للسنة في طهر لم تمس فيه ، وكانت الزوجة
(١) في (( الأصل)): وصف. والمثبت من ((هـ)).
(٢) في (( الأصل)): أول الدم من. والمثبت من (( هـ)).
(٣) في ((الأصل)): الفريقين. والمثبت من ( هـ ).
- ٣٨١ -

[الرجعية] (١) تلزمها ما أردفه من الطلاق في عدتها بإجماع ؛ كان له
أن يوقع في كل طهر لم تمس فيه طلقة ؛ لأنها زوجة مطلقة في طهر
لم تمسّ فيه ، وقد روي هذا القول عن ابن مسعود أنه طلاق للسنة .
وليس هو عند مالك وسائر أصحابه مطلقًا للسنة ، وكيف يكون
مطلقًا للسنة والطلقة الثانية لا يكون بعدها إلا حيضتان والطلقة الثالثة لا
يكون بعدها إلا حيضة واحدة وهذا خلاف السنة في العدة ؟! ومن
طلق كما قال مالك شهد له الجميع بأنه طلق للسنة .
وقال النخعي : بلغنا عن أصحاب رسول الله أنهم كانوا يستحبون
ألا يزيدوا في الطلاق على واحدة حتى تنقضي العدة .
وقال الشافعي وأحمد وأبو ثور : ليس في عدد الطلاق سُنّة ولا
بدعة ، وإنما السنة في وقت الطلاق ، فمن طلق امرأته واحدةً أو اثنتين
أو ثلاثًا في طهر لم يمسها فيه ، فهو مطلق للسنة ، وحجتهم قوله
تعالى : ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾ (٢) ولم يخص واحدة من اثنتين ولا
ثلاثة ، وكذلك أمر ابن عمر بالطلاق في القرء الثاني ولم يخص
واحدة من غيرها .
ومن جهة النظر أن من جاز له أن يوقع واحدةً جاز له أن يوقع
ثلاثًا ، وإنما السنة وردت في الموضع الذي يخشى فيه الحمل أو تطول
فيه العدة ، فإذا كان طهر لم يمسّها فيه أمن فيه الحمل وجاز أن يوقع ما
:
شاء من الطلاق في ذلك الموضع .
فيقال لهم : قوله تعالى : ﴿فطلقوهن لعدتهن ﴾ (٢) المراد منه أن لا
يطلق في الحيض ، وكذلك حديث ابن عمر ، وليس في الآية
والحديث ما يتضمن العدد ، وكيف يوقع العدد؟ مأخوذ من دليل آخر.
(١) طمس في ((الأصل)). والمثبت من ((هـ)).
(٢) الطلاق : ١ .
- ٣٨٢ -

ويقال للشافعي: إن النبي بَّ لم ينكر على ابن عمر الطلاق، وإنما
أنكر عليه موضع الطلاق ، فعلمه كيف يوقعه ولا يكون الشافعي أعلم
بهذا من عمر وابن عمر ، وقد قالا جميعًا : من طلق ثلاثًا فقد عصى
ربه .
ولو كان من السنة طلاق الثلاث في كلمة كما قال الشافعي لبطلت
فائدة قوله تعالى : ﴿لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا﴾ (١) أجمع
أهل التفسير أنه يعني به الرجعة في العدة ، قالوا : وأي أمر يحدث بعد
الثلاث فدل أن الارتجاع لا يسوغ إلا في المطلقة بدون الثلاث .
قال ابن القصار : وقد روي عن عمر وعلي وابن مسعود وابن
عباس وابن عمر وأبى موسى وغيرهم إظهار النكير على من أوقع
ثلاثًا في مرة واحدة ، وكان عمر يوجع من طلق امرأته ثلاثًا في كلمة
واحدة ضربًا ، ويفرق بينهما .
وفي حديث ابن عمر حجة لأهل المدينة والشافعي لقولهم : إن
الأقراء الأطهار لقوله عليه السلام: (( ثم تحيض ثم تطهر ، ثم إن
شاء أمسك وإن شاء طلق قبل أن يمسّ فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق
لها النساء)) فأخبر أن الطلاق في العدة لا يكون إلا في طهر يعتد به
وموضع يحتسب به من عدتها ، ويستقبلها من حينئذ ، وكان هذا منه
عليه السلام بيانًا لقوله تعالى: ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾ (١) وقد قرئت
(قبل عدتهن)) أي لاستقبال عدتهن .
ونهى عن الطلاق في الحيض ؛ لأنها لا تستقبل العدة في تلك
الحيضة عند الجميع ؛ لأن من قال : الأقراء الحيض . لا يجتزئ بتلك
الحيضة من الثلاث حيض عنده حتى تستقبل حيضةً بعد طهر ،
(١) الطلاق : ١ .
- ٣٨٣ -

وكذلك لو طلق عندهم في طهر لم يعتد إلا بالحيضة المقبلة بعد الطهر
الذي طلقت فيه ، فجعلوا عليها ثلاثة قروء وشيئًا آخر ، وذلك خلاف
الكتاب والسنة ، ويلزمهم أن يقولوا : إنها قبل الحيضة في غير عدة ،
وهذا خلاف قوله تعالى : ﴿فطلقوهن لعدتهن ﴾ (١) ولقوله عليه
السلام: (( فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء)) وسيأتي
اختلاف العلماء في هذه المسألة [ في كتاب العدة وبيان أقوالهم إن شاء
الله تعالى ] (٢) .
/ باب : إذا طلقت الحائض هل يعتد بذلك الطلاق
[٣/ق١٥٧-١]
----
فيه : ابن عمر: (( أنه طلق امرأته وهي حائض فذكر ذلك عمر للنبي
فقال : ليراجعها . قلت : تحتسب به ؟ قال : فمه ؟)).
وقال يونس بن جبير عن ابن عمر: (( قلت : تحتسب ؟ قال : أرأيت إن
عجز واستحمق )) .
وقال سعيد بن جبير عن ابن عمر: ((حسبت عليّ بتطليقة)).
الطلاق يقع في الحيض عند جماعة العلماء ، وإن كان عندهم
مكروهًا غير سنة ، ولا يخالف الجماعة في ذلك إلا طائفة من أهل
البدع لا يعتد بخلافها ، فقالوا : لا يقع الطلاق في الحيض [ولا ](٣)
في طهر قد جامع فيه ، وهذا قول أهل الظاهر وهو شذوذ لم يعرج
عليه العلماء ؛ لأن ابن عمر الذي عرضت له القصة احتسب بتلك
التطليقة، وأفتى بذلك .
(١) الطلاق : ١ .
(٢) من (( هـ)).
(٣) في ((الأصل)): إلا. والمثبت من ((هـ)).
- ٣٨٤ -

وفي أمر رسول الله ابن عمر بمراجعتها دليل بيِّن على أن الطلاق في
الحيض لازم واقع ؛ لأن المراجعة لا تكون إلا بعد صحة الطلاق
ولزومه ؛ لأنه من لم يطلق لا يقال له : راجع . لأنه محال أن يقال
الرجل زوجته في عصمته لم يفارقها : راجعها . بل كان يقال له :
طلاقك لم يعمل شيئًا . ألا ترى قول الله - تعالى - : ﴿وبعولتهن
أحق بردهن في ذلك﴾ (١) يعني : في العدة ، وهذا لا يستقيم أن يقال
مثله في الزوجات غير المطلقات .
قال المهلب: وقوله: ((أرأيت إن عجز واستحمق)) [ يعني:
أرأيت إن عجز في المراجعة التي أمر بها عن إيقاع الطلاق
واستحمق](٢) أي : فقد عقله فلم تمكن منه الرجعة ، أتبقى معلقة لا
ذات زوج ولا مطلقة ؟! وقد نهى الله عن ترك المرأة بهذه الحال فلابد
أن يحتسب بتلك التطليقة التي أوقعها على غير وجهها ، كما أنه لو
عجز عن فرض آخر الله تعالى - فلم يقمه واستحمق فلم يأت به ،
أكان يعذر بذلك وسقط عنه ؟! وهذا إنكار على من شك أنه لم يعتد
بتلك التطليقة، وقد روى قتادة، عن يونس بن جبير: (( قلت لابن
عمر : أجعل ذلك طلاقًا ؟ قال : إن كان ابن عمر عجز واستحمق ،
فما يمنعه أن يكون طلاقًا )).
وقوله: (( فمه )) استفهام كأنه قال : فما يكون إن لم يحتسب بتلك
التطليقة ، والعرب تبدل الهاء بالألف ؛ لقرب مخرجها كقولهم :
ومهما يكن عند امرئ من خليقة
والأصل : ما يكون عند امرئ ، فأبدل الهاء من الألف ، وقد
(١) البقرة : ٢٢٨ .
(٢) من (( هـ)).
- ٣٨٥ -

أبدلت الهاء من أخت الألف وهي الياء في قولهم : هذه . وإنما
أرادوا هذي ، كما أبدلت الياء من الهاء في قولهم : دهديت الحجر،
والأصل : دهدهت ، وقالوا : دهدوهة الجمل ودهدوّة. وإنما
اجتمعت [الياء] (١) والألف والواو والهاء في بدل بعضها من بعض
لتشابههما، ولأجل تشابههما اجتمعن في أن يكن ضمائر ، وفي أن
يكن وصلا في القوافي ، وقد أبدلت الهاء من الهمزة في قولهم :
أرقت وهرقت ، وإياك وهياك ، وكأرجت وهرجت .
باب : هل يواجه الرجل امرأته بالطلاق
فيه: عائشة: (( أن ابنة الجون لما دخلت على رسول الله ودنا منها قالت:
أعوذ بالله منك . فقال لها : لقد عذت بعظيم ، الحقي بأهلك )) .
وفيه: أبو أسيد قال: (( لما دخل عليها النبي قال : هبي نفسك لي .
قالت : وهل تهب الملكة نفسها ( لسوقة ) (٢) ؟ قال : فأهوى بيده يضع
يده عليها لتسكن ، فقالت : أعوذ بالله منك . فقال : لقد عذت بمعاذ. ثم
خرج علينا فقال : يا أبا أسيد، اكسها رازقيين، وألحقها بأهلها)).
وقال يونس بن جبير لابن عمر: « رجل طلق امرأته وهي حائض ؟
قال : أتعرف ابن عمر ؟ طلق امرأته وهي حائض ... )) الحديث ..
مواجهة الرجل أهله بالطلاق جائز له لحديث عائشة ، وفي حديث
أبي أسيد أنه عليه السلام أمره أن يكسوها ويلحقها بأهلها ، وليس فيه
مواجهته لها عليه السلام بالطلاق ، وكلا الأمرين سواء غير أن ترك
(١) في (( الأصل)): الواو. والمثبت من (( هـ)).
(٢) في (( هـ، ن)): للسوقة. وما في ((الأصل)) رواية أبي ذر الهروي.
- ٣٨٦ -

مواجهة المرأة بالطلاق أرفق وألطف وأيسر في مراعاة ما جعل [ الله
-تعالى - بين الزوجين ] (١) من المودّة والرحمة .
قال الزجاج : خلق الله حواء من ضلع آدم ، وجعل بين الرجل
والمرأة المودة / والرحمة .
[٢/ ق١٥٧ -ب)
قال المهلب : وأما أمره عليه السلام أن تكسى فهي المتعة التي أمر الله
بها للمطلقة غير المدخول بها ، وسيأتي [ مذاهب العلماء فيها ] (٢)
بعد هذا .
وقوله للرجل : (( أتعرف ابن عمر ؟)) وهو يخاطبه ، إنما هو تقرير
على أصل السنة وعلى ناقلها ؛ لأنه لازم للعامة الابتداء بمشاهير أهل
العلم فقرره على ما يلزمه من ذلك لا أنه ظن أنه [ يجهله ] (٢) وقد
قال مثل هذا لرجل سأله عن أم الولد [ فقال : ] (٢) أتعرف أبا
حفص أو عمر . يريد أباه ، ولا خفاء به ، ثم أخبره بقضيته في أم
الولد إلزامًا له حكمه فيها بإمامته في الإسلام ، لا على أن السائل كان
يجهل عمر .
قال ابن المنذر: واختلفوا في قوله: ((الحقي بأهلك)) و((حبلك
على غاربك )) و(( لا سبيل لي عليك)) وما أشبه ذلك من كنايات
الطلاق ، فقالت طائفة : ينوي في ذلك ، فإن أراد طلاقًا كان طلاقًا،
وإن لم يرده لم يلزمه شيء . هذا قول الثوري وأبي حنيفة ، قالا :
إلا إن نوى واحدةً أو ثلاثًا فهو ما نوى ، وإن نوى ثنتين فهي واحدة ؛
لأنها كلمة واحدة ولا تقع على اثنتين .
(١) في ((الأصل)): بين الزوجة. والمثبت من ( هـ)).
(٢) من (( هـ)).
- ٣٨٧ -

وقال مالك في قوله: (( الحقي بأهلك)): إن أراد به الطلاق فهو ما
نوى واحدة أو اثنتين أو ثلاثًا ، وإن لم يرد طلاقًا فليس بشيء .
وقال الحسن والشعبي: إذا قال لها: ((الحقي بأهلك)) و(( لا سبيل
لي عليك)) و((الطريق لك واسع)) إن كان نوى به طلاقًا فهي واحدة
وهو أحق بها ، وإن لم ينو طلاقًا فليس بشيء .
وروي عن عمر وعلي في قوله: ((حبلك على غاربك)) أنهما
حلّفاه عند الركن على ما أراد وأمضياه ، وهو قول أبي حنيفة ،
وكذلك كل كلام يشبه الفرقة مما أراد به الطلاق فهو مثل ذلك
كقولهم: ((حبلك على غاريك)) و((قد خليت سبيلك)) و((لا ملك لي
عليك)) و((اخرجي)) و((استتري)) و((تقنعي)) و((اعتدي)).
وقال مالك: لا يُنْوَّى أحد في ((حبلك على غاربك)) لأنه لا يقوله
أحد وقد بقي من الطلاق شيئًا ، ولا يلتفت إلى نيته إن قال : لم أرد
طلاقًا .
وقال الطحاوي : هذا الحديث أصل في الكنايات عن الطلاق ؛
لأن النبي قال لابنة الجون حين طلقها: ((الحقي بأهلك)) وقد قال
كعب بن مالك لامرأته : (( الحقي بأهلك )) حين أمره رسول الله
باعتزالها فلم يكن ذلك طلاقًا ، فدلّ خبر كعب بن مالك على أن هذه
اللفظة مفتقرة إلى نية، وأن من قال لامرأته: ((الحقي بأهلك)) فإنه لا
يقضى فيه إلا بما ينوي اللافظ بها ، وإن لم ينو طلاقًا فليس بطلاق ،
وهذا قول مالك والكوفيين والشافعي .
قال غيره : فكذلك سائر الكنايات المحتملات للفراق وغيره .
وقال ابن حبيب : قال ابن القاسم وابن الماجشون ومطرف :
الكنايات المحتملات للطلاق وغيره أن يقول لامرأته: (( اجمعي عليك
- ٣٨٨ -

ثيابك)) و(( لا حاجة لي بك)) و((لا نكاح بيني وبينك)) و(( لا سبيل
لي عليك)) [ و((لست مني بسبيل))] (١) أو ((اذهبي لا ملك لي
عليك)) أو (( لا تحلين [ لي] (١))) أو ((احتالي لنفسك)) أو ((أنت
سائبة)) أو ((مني عتيقة)) أو (( ليس بيني وبينك حلال ولا حرام)) أو
(لم أتزوجك)) أو ((استتري عني)) أو ((تقنعي)) أو (« لست لي بامرأة
أو لا تكوني لي بامرأة حتى تكون أمه امرأته )) أو (( يا طالقة )) أو
(اعتزلي)) أو ((تأخري عني)) أو (( اخرجي)) وشبه ذلك فكله سواء بنى
بها أو لم يبن لا شيء عليه إلا أن ينوي طلاقًا ، فله ما نوى بعد أن
يحلف على ذلك .
قال غيره: والأصل أن العصمة متيقنة فلا تزول إلا بنية ((وقصد))
لقوله عليه السلام: (( الأعمال بالنيات)).
وأما الألفاظ التي. ليست من ألفاظ الطلاق ولا يكنى بها عنه فأكثر
العلماء لا يوقعون بها طلاقًا وإن قصده القائل .
وقال مالك : كل من أراد الطلاق بأي لفظ كان لزمه الطلاق حتى
بقوله: ((كلي)) و((اشربي)) و((قومي)) و((اقعدي)) ونحوه، والحجة
له أن الله - تعالى - جعل الرمز وهو الإشارة کالكلام في الكناية به
عن المراد بقوله : ﴿أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزاً .. ﴾ (٢) وكما
كان ما [ فعله] (٣) المتلاعنان من تلاعنهما وتفرقهما طلاقًا وإن لم
يلفظ به، وكذلك روي في المختلعة لما ردت عليه الحديقة [فأخذها](٤)
كان طلاقًا .
(١) من (( هـ).
(٣) في ((الأصل)): فعلها، والمثبت من (( هـ )).
(٢) آل عمران : ٤١ .
(٤) من ( هـ)).
- ٣٨٩ -

[٣ / ق١٥٨-١]
باب : من أجاز الطلاق الثلاث / لقوله عز وجل :
الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ﴾ (٤)
وقال ابن الزبير في مريض طلق : لا أرى أن ترث مبتوتة . وقال
الشعبي : ترثه . وقال ابن شُبرمة : تزوّج إذا انقضت العدة ؟ قال : نعم.
قال : أرأيت إن مات الزوج الآخر فرجع عن ذلك .
فيه : أن سهل بن سعد أخبره (( أن عويمر العجلاني جاء إلى عاصم بن
عدي الأنصاري فقال له : يا عاصم ، أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا
أيقتله فتقتلونه أم كيف يفعل ... )) الحديث . فتلاعنا فلما فرغا قال
عويمر : كذبتُ عليها يا رسول الله إن أمسكتها . فطلقها ثلاثًا قبل أن
یأمره رسول الله .
قال ابن شهاب : فكانت تلك سنة المتلاعنين .
وفيه: عائشة: ((أن امرأة رفاعة القرظي جاءت إلى النبي فقالت :
یا رسول الله، إن رفاعة طلقني فبت طلاقي، وإني نکحت بعده عبد الرحمن
ابن الزبير القرظي ، وإنما معه مثل الهدية . فقال لها النبي : لعلك تريدين
أن ترجعي إلی رفاعة، لا ، حتی یذوق عسیلتك وتذوقي عسیلته)).
وقالت عائشة مرةً: ((إن رجلا طلق امرأته ثلاثًا فتزوجت فطلق ،
فسئل النبي - عليه السلام - أتحل للأول ؟ فقال : لا ، حتى يذوق
عسیلتها کما ذاق الأول )) .
اتفق أئمة الفتوى على لزوم إيقاع طلاق الثلاث في كلمة واحدة ؛
فإن ذلك عندهم مخالف للسنة وهو قول جمهور السلف ، والخلاف
في ذلك شذوذ ، وإنما تعلق به أهل البدع ومن لا يلتفت إليه لشذوذه
(١) البقرة : ٢٢٩ .
- ٣٩٠ -

عن الجماعة التي لا يجوز عليها التواطؤ على تحريف الكتاب والسنة ،
وإنما يروي الخلاف في ذلك عن السلف الحجاج بن أرطاة ومحمد بن
إسحاق ، قال أبو يوسف القاضي : كان الحجاج [ بن أرطاة ] (١)
يقول: ليس طلاق الثلاث بشيء [وكان ] (٢) ابن إسحاق يقول : ترد
الثلاث إلى واحدة .
واحتجوا في ذلك بما رواه ابن إسحاق ، عن داود ابن الحصين ،
عن عكرمة ، عن ابن عباس قال: (( طلق ركانة بن يزيد امرأته ثلاثًا
في مجلس واحد فحزن عليها حزنًا شديدًا ، فسأله النبي - عليه
السلام - : كيف طلقتها ؟ قال : ثلاثًا في مجلس واحد. قال: إنما
تلك واحدة ؛ فارتجعها إن شئت . فارتجعها)).
وروى ابن جريج ، عن ابن طاوس ، عن أبيه (( أن أبا الصهباء قال
لابن عباس : ألم تعلم أن الثلاث كانت على عهد رسول الله وأبي
بكر وصدرًا من خلافة عمر ترد إلى الواحدة ؟ قال : نعم)) .
قال الطحاوي : هذان حديثان منكران قد خالفهما ما هو أولى
منهما ، روى سعيد بن جبير ومجاهد ، ومالك بن الحارث ومحمد بن
إياس بن البكير ، والنعمان بن أبي عياش كلهم عن ابن عباس فيمن
طلق امرأته ثلاثًا [ أنه قد ] (٣) عصى ربه ، وبانت منه امرأته ولا
ينكحها إلا بعد زوج ، روي هذا عن عمر وعلي ، وابن مسعود وابن
عمر ، وأبي هريرة وعمران بن حصين ، ذكر ذلك الطحاوي بالأسانيد
عنهم .
(١) من ( هـ)).
(٢) في (( الأصل)): فقال. وهو خطأ، والمثبت من ((هـ)).
(٣) في ((الأصل)): فقد. والمثبت من ((هـ)).
- ٣٩١ -

وروى ابن أبي شيبة قال : حدثنا وكيع ، عن سفيان ، عن عمرو
ابن مرة ، عن سعيد بن جبير قال: (( جاء رجل إلى ابن عباس فقال:
إني طلقت امرأتي ألفا - أو قال : مائة - قال : بانت منك بثلاث
وسائرها اتخذت بها آيات الله هزواً )).
وما رواه الأئمة عن ابن عباس مما يوافق الجماعة يدل على وهن
رواية طاوس عنه وما كان ابن عباس ليخالف الصحابة إلى رأي نفسه ،
وقد روى معمر عن ابن طاوس ، عن أبيه قال : ((كان ابن عباس إذا
سئل عن رجل طلق امرأته ثلاثًا قال : لو اتقيت الله جعل لك
مخرجًا» .
هذه الرواية لطاوس عن ابن عباس تعارض رواية ابن جريج عن ابن
طاوس عن أبيه ؛ لأن من لا مخرج له قد لزمه من الطلاق ما أوقعه ،
فسقطت رواية ابن جريج [ وأيضًا ] (١) فإن أبا الصهباء الذي سأل ابن
عباس عن ذلك لا يعرف في موالي ابن عباس ، وليس تعارض رواية
ابن جريج عن ابن عباس رواية من ذكرنا عن ابن عباس فصار هذا.
إجماعًا، وحديث ابن إسحاق منكر خطأ .
وأما طلاق ركانة زوجته البتة ثلاثًا كذلك رواه الثقات من أهل بيت
رکانة، روى أبو داود قال : حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح وأبو ثور
قالا : حدثنا الشافعي ، قال : حدثني / عمي محمد بن علي بن.
شافع ، عن عبد الله بن علي بن السائب ، عن نافع بن عجير ، عن
عبد الله بن يزيد بن ركانة : (( أن ركانة طلق امرأته شهيمة البتة ،
فأخبر النبي بذلك فقال : ما أردت ؟ فقال : والله ما أردت إلا
واحدة. فردها النبي - عليه السلام - فطلقها الثانية في زمن عمر
[٢/ق١٥٨-ب]
(١) من (( هـ)).
- ٣٩٢ -

والثالثة في زمن عثمان )» قال أبو داود : وهذا أصح ما روي في
حديث ركانة .
وحجة الفقهاء في جواز طلاق الثلاث في كلمة قوله في اللعان :
((فطلقها ثلاثًا قبل أن يأمره رسول الله بذلك)) وقبل أن يخبره أنها تطلق
عليه باللعان ، ولو كان ذلك محظورًا عليه لنهاه رسول الله عن ذلك
وأعلمه أن إيقاع الثلاث محرم ومعصية ، فصح أن إيقاع الثلاث مباح ،
ولولا ذلك لم يقره النبي - عليه السلام .
وأما وجه التعلق بحديث رفاعة في هذا الباب فقولها : (( إن رفاعة
طلقني فبت طلاقي)) فحمله البخاري على أن ذلك كان في كلمة
واحدة، وقد جاء في الحديث أنها قالت: (( يا رسول الله ، إن رفاعة
طلقني آخر ثلاث)) ذكره في كتاب الأدب في باب التبسم والضحك ،
فبان أن الثلاث كانت مفترقات ، ولم تكن في كلمة فلا حجة بهذا
الحديث في هذا الباب ، وكذلك ما ذكره عن ابن الزبير في مريض
طلق: (( لا أرى أن ترث مبتوتة)) فحمله على ظاهر الكلام ، وتأوّل
أن البتة كانت في كلمة واحدة ، ويحتمل أن تكون كانت في كلمة
واحدة أو أكثر منها .
واختلف العلماء في قول الرجل: (( أنت طالق البتة )) فذكر ابن
المنذر ، عن عمر بن الخطاب أنها واحدة ، وعن سعيد بن جبير
[مثله] (١)، وقال عطاء والنخعي: يُدَيِّن ، فإن أراد واحدة فهي واحدة،
وإن أراد ثلاثًا فثلاث . وهو قول أبي حنيفة والشافعي ، وقالت طائفة
في البتة : هي ثلاث . روي ذلك عن علي بن أبي طالب وابن عمر،
وعن سعيد بن المسيّب وعروة والزهري ، وابن أبي ليلى ومالك ،
(١) من ( هـ)).
- ٣٩٣ -

والأوزاعي وأبي عبيدة . واحتج الشافعي بحديث ركانة ، واحتج
مالك بحديث ابن عمر (( أبت الطلاق طلاق البتة)) .
قال ابن المنذر : وقد دفع بعض العلماء حديث ركانة ، وقال .
عبد الله بن علي بن يزيد بن ركانة، عن أبيه، عن جده لا [يعرف](١)
سماع بعضهم من بعض .
واختلفوا في طلاق المريض يموت في مرضه ، فقالت طائفة: ترثه
ما دامت في العدّة. روي عن عثمان بن عفان أنه ورّث امرأة عبد الرحمن
ابن عوف منه ، وكانت في العدة ، وبه قال النخعي و[الشعبي](٢)
وابن شبرمة وابن سيرين وعروة ، وهو قول الثوري والكوفيين
والأوزاعي وأحد قولي الشافعي .
وقالت فرقة : ترثه بعد العدة ما لم تزوّج . روي عن عطاء
والحسن وابن أبي ليلى ، وبه قال أحمد وإسحاق وأبي عبيد .
وقالت فرقة : ترثه وإن تزوجت . هذا قول ربيعة ومالك والليث
وهو الصحيح عن عثمان رواه مالك في الموطأ عن ابن شهاب .
وقالت فرقة : لا ترث مبتوتة بحال وإن مات في العدة . كقول ابن
الزبير ، وهو أحد قولي الشافعي ، وبه قال أبو ثور وأهل الظاهر ،.
واحتجوا لقول ابن الزبير بالإجماع على أن الزوج لا يرثها وإن ماتت
في العدة ولا بعد انقضاء العدة [ إذا ] (٣) طلقها ثلاثًا وهو صحيح أو
مريض ، فكذلك الزوجة لا ترثه . ومن قال : لا ترثه إلا في العدة
استحال عنده أن ترث المبتوتة في حال لا ترث فيه الرجعية ؛ لأنه
لاخلاف بين المسلمين أن من طلق امرأته [ صحيحًا طلقة يملك فيها
(١) في (( الأصل)): يترك. والمثبت من (( هـ)).
(٢) في ((الأصل)): الشافعي. وهو تحريف، والمثبت من (( هـ).
(٣) في (( الأصل)): فإن. والمثبت من (( هـ)).
- ٣٩٤ -

رجعتها ] (١) ثم انقضت عدتها قبل موته أنها لا ترثه ؛ لأنها أجنبية
ليست منه ولا هو منها ، فلا تكون المبتوتة المختلف في ميراثها في
العدة أقوى من الرجعية المجتمع على توريثها في العدة .
وأما الذين قالوا : (( ترثه بعد العدة ما لم تنكح)) فإنهم اعتبروا
إجماع المسلمين أنه لا ترث امرأة زوجين في حال واحد ، وقولهم غير
صحيح ؛ لأنه لا يخلو أن تكون له زوجة بعد انقضاء العدة أو لا
تكون له زوجة ، فإن كانت له زوجة فلا يحل لها النكاح للإجماع أن
امرأة تكون في عصمة زوج لا يحل لها نكاح غيره ، وإن كانت غير
زوجة فمحال أن ترثه وهي زوجة لغيره ، ومثل هذه العلة تلزم من
قال: ترثه بعد العدة وإن تزوجت.
وأهل هذه المقالة اتهمت المريض بالفرار من ميراث الزوجة،
والمريض محجور عليه الحكم في ثلثي ماله / بأن ينقص ورثته بأن (١٥٩٥/٣-٢)
يدخل عليهم وارثًا فكذلك هو ممنوع من أن يخرج عنهم وارثًا ، كما
منع النبي - عليه السلام - الذي قتل وليه ميراثه بسبب ما أحدث من
القتل فكذلك لا ينبغي أن يكون المريض مانعًا زوجته الميراث بسبب ما
أحدثه من الطلاق ؛ لأن الميراث [ حق ] (٢) قد ثبت لها بمرضه .
#
باب : من خير نساءه وقوله تعالى : ﴿ يا أيها النبي قل
لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا ﴾ (٣) الآية
فيه : عائشة: (( خيرنا رسول الله ، فاخترنا الله ورسوله ، فلم يعد ذلك
علينا شيئًا)) .
(١) في (( الأصل)): طلاقًا يملك فيه الرجعة. والمثبت من (( هـ)).
(٣) الأحزاب : ٢٨.
(٢) من (( هـ )).
- ٣٩٥ -

وقال مسروق: (( لا أبالي خيرتها واحدة أو مائة بعد أن تختارني )) .
قال المؤلف : روي مثل قول مسروق عن عمر بن الخطاب وعلي بن
أبي طالب ، وابن مسعود وزيد بن ثابت ، وابن عباس وعائشة ، ومن
التابعين : عطاء وسليمان بن يسار ، وربيعة وابن شهاب ، كلهم قال:
إذا اختارت زوجها فليس بشيء . وهو قول أئمة الفتوى .
وروي عن علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت : إن اختارت زوجها
فواحدة . وهو قول الحسن البصري ، والقول الأول هو الصحيح
لحديث عائشة .
قال المهلب : والتخيير هو أن يجعل الطلاق إلى المرأة ؛ فإن لم
تطلق ما جعل إليها من ذلك فليس بشيء ، وكما أنه إذا جعل طلاق
امرأته بيد رجل فلم يستعمل ما جعل بيده فليس بشيء .
وقال ابن المنذر : وحديث عائشة دلالة على أن المخيرة إذا اختارت
زوجها لم يكن ذلك طلاقًا ، ويدل على أن اختيارها نفسها يوجب
الطلاق؛ لأن في قولها: ((فاخترناه )) فلم يكن طلاقًا دلالة على أنهن
لو اخترن أنفسهن كان ذلك طلاقًا ، ويدل على معنى ثالث وهو أن
المخيرة إذا اختارت نفسها فهي تطليقة يملك زوجها رجعتها ؛ إذ غير
جائز أن يطلق رسول الله بخلاف أمر الله .
واختلف العلماء إذا خيرها فاختارت نفسها ، فروي عن عمر وابن
مسعود وابن عباس أنها واحدة رجعية ، وبه قال ابن أبي ليلى والثوري
والشافعي . وفيها قول ثان : إن اختارت نفسها فواحدة بائنة ، روي
هذا عن علي بن أبي طالب ، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه ، وقالت
طائفة: إن اختارت نفسها فقد طلقت ثلاثًا ، روي ذلك عن زيد بن
ثابت وعن الحسن البصري ، وهو قول مالك والليث ، والفرق بين
التخيير والتمليك عند مالك أن قول الرجل : قد ملكتك ، أي : قد
- ٣٩٦ -

ملكتك ما جعل الله لي من الطلاق واحدة أو اثنتين أو ثلاثًا ، فلما
جاز أن يملكها بعض ذلك دون بعض وادعى ذلك ، كان القول قوله
مع يمينه ، وقال في الخيار : إذا اختارت نفسها المدخول بها فهو
الطلاق كله ، وإن أنكر زوجها فلا يكره له وإن اختارت واحدة فليس
بشيء ، وإنما الخيار البتات إما أخذته وإما تركته ؛ لأن معنى التخيير :
التسريح ، قال الله - تعالى - في آية ( التسريح ) (١): ﴿ فتعالين
أمتعكن وأسرحكن سراحًا جميلا﴾ (٢) فمعنى التسريح البتات [لأن](٣)
الله - تعالى - قال : ﴿ الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح
بإحسان﴾ (٤) والتسريح بإحسان هي الطلقة الثالثة .
قال ابن المنذر: وقالت جماعة: ((أمرك بيدك)) و((اختاري))
سواء. قال الشعبي : هو في قول عمر وعلي وزيد بن ثابت سواء ،
وهو قول النخعي وحماد والكوفي والزهري وسفيان الثوري والشافعي
وأبي عبيد .
باب : إذا قال فارقتك أو سرحتك أو البرية أو الخلية
أو ما عنى به الطلاق فهو على نيته
وقول الله تعالى: ﴿وسرحوهن سراحًا جميلا﴾ (٥) وقال :
﴿وأسر حكن سراحًا جميلا﴾ (٢) وقال: ﴿فإمساك بمعروف أو تسريح
بإحسان﴾ (٤) [ وقال تعالى: ﴿أو فارقوهن بمعروف﴾ (٦) . وقالت
عائشة: ((قد ] (٧) علم النبي أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه)) .
(١) في ((هـ)): التخيير. (٢) الأحزاب: ٢٨.
(٣) في ((الأصل)): قال. وهو تحريف، والمثبت من ( هـ)).
(٥) الأحزاب : ٤٩ .
(٤) البقرة : ٢٢٩ .
(٦) الطلاق : ٢ .
(٧) من (( هـ ، ن)).
- ٣٩٧ -

اختلف قول مالك فيمن قال لامرأته: (( قد فارقتك)) أو ((سرحتك))
أو (( خليت سبيلك)) فروى عيسى عن ابن القاسم أنها كلها [ثلاث](١)
(١٥٩٥/٣ -ب) في التي بنى بها إلا أن ينوي أقل / فله نيته ويحلف ، وفي التي لم يبن
بها [ حتى ينوي أقل .
قال ابن المواز : وأصح قوليه في ذلك أنها في التي لم يبن بها ](٢)
واحدة إلا أن يريد أكثر ، وقاله ابن القاسم وابن عبد الحكم . وقال
أبو يوسف في قوله: ((فارقتك)) أو ((خلعتك)) أو (( خليت سبيلك))
أو ((لا ملك لي عليك)) أنها ثلاثًا ثلاثًا.
واختلفوا في الخلية والبريّة والبائن ، فروي عن علي بن أبي طالب
أنها ثلاث ، وبه قال الحسن البصري ، وروي عن ابن عمر في الخلية
والبرية والبتة : هي ثلاث ، وعن زيد بن ثابت في البريّة : ثلاث.
وفيها قول ثان : أن الخلية والبريّة والبائن ثلاث في المدخول بها .
هذا قول ابن أبي ليلى ، وقال مالك : هي ثلاث في المدخول بها
ويديَّن في التي لم يدخل بها تطليقة واحدة أراد أم ثلاثًا ، فإن قال
واحدة كان خاطباً من الخطاب ، وقاله ربيعة .
وقال الثوري وأبو حنيفة : نيته في ذلك ، فإن نوى ثلاثًا فهي ثلاث
وإن نوى واحدة فهي واحدة بائنة ، وهي أحق بنفسها ، وإن نوى ثنتين
فهي واحدة .
وقال الشافعي : هو في ذلك كله غير مطلق حتى يقول: أردت
بمخرج الكلام مني طلاقًا فيكون ما نوى [ فإن نوى ] (٣) دون الثلاث
كان رجعيا ، ولو طلقها واحدة بائنة كانت رجعية .
(١) في ((الأصل)): ثلاثًا. والمثبت من ((هـ)).
(٢) سقط من ((الأصل)). والمثبت من (( هـ)).
(٣) من (( هـ
- ٣٩٨ -

وقال إسحاق : هو إلى نيته يديّن .
وقال أبو ثور : هي تطليقة رجعية ، ولا يسئل عن نيته في ذلك .
(ويمكن ) (١) أن يكون البخاري أشار إلى قول الكوفيين والشافعي
وإسحاق في قوله: (( أو ما عنى به الطلاق فهو على نيته )) والحجة
لذلك أن كل كلمة تحتمل أن تكون طلاقًا وغير طلاق ، فلا يجوز أن
يلزم بها الطلاق إلا أن يقر المتكلم أنه أراد بها الطلاق فيلزمه ذلك
بإقراره ، ولا يجوز إبطال النكاح؛ لأنهم قد أجمعوا على صحته بيقين.
وقوله: ((بريت مني)) أو ((بريت منك)) وهو من البريّة ، وكان
بعض أصحاب مالك يرى المباراة من البرية ويجعلها ثلاثًا ، وتحصيل
مذهب مالك أن المباراة من باب الصلح والفدية والخلع ، وذلك كله
واحدة عندهم بائنة، والحجة لمالك في قوله: ((قد فارقتك))
و((سرحتك)) و((خلية)) و((بريّة)) و((بائن)) أنها ثلاث في المدخول بها
أن هذه الألفاظ مشهورة في لغة العرب مستعملة في عرفهم للإبانة
وقطع العصمة [ كالطلاق الثلاث ] (٢) بل هذه الألفاظ أشهر عندهم
وأكثر استعمالا من قولهم : أنت طالق . ولم يرد الشرع بخلافها ،
وإنما ورد أن يفرق عدد الطلاق ، فإن ترك ذلك وأوقع الأصل وقع .
وأما قوله لعائشة: (( إني ذاكر لك أمراً فلا تعجلي حتى تستأمري
أبويك)) ففيه حجة لمن قال : إنه إذا خير الرجل امرأته أو ملكها ؛ أن
لها أن تقضي في ذلك وإن افترقا من مجلسهما . روي هذا عن الحسن
والزهري وقاله مالك ، وروي عن مالك أيضًا أن لها أن تقضي ما لم
يوقفها [السلطان] (٣) وكان قول مالك الأول أن اختيارها على
(١) في (( هـ)) : ويشبه.
(٢) في ((الأصل)): كالثلاث. والمثبت من (( هـ)).
(٣) في (( الأصل)): بالسلطان. والمثبت من (( هـ)).
- ٣٩٩ -

المجلس وهو اختيار ابن القاسم ، وهو قول الكوفيين والثوري
والأوزاعي والليث والشافعي وأبي ثور .
قال أبو عبيد : والذي عندنا في هذا اتباع السنة في عائشة في هذا
الحديث حين جعل لها التأخير إلى أن تستأمر أبويها ، ولم يجعل
قيامها من مجلسها خروجًا من الأمر .
وقال المروزي : وهذا أصح الأقاويل عندي ، وقاله ابن المنذر
والطحاوي ، وبهذا نقول ؛ لأن النبي قد جعل لها الخيار في المجلس
وبعده حتى تشاور أبويها ، ولم يقل : فلا تستعجلي حتى تستأمري
أبويك في مجلسك .
باب : من قال لامرأته أنت علي حرام
قال الحسن : بنيته وقال أهل العلم : إذا طلق ثلاثًا فقد حرمت عليه
فسمّوه حرامًا بالطلاق والفراق وليس هذا كالذي يحرم الطعام ؛ لأنه لا
يقال للطعام الحل : حرام ، ويقال للمطلقة : حرام . وقال في الطلاق
الثلاث : لا تحل [ له ) (١) حتى تنكح زوجا غيره .
وقال اللیث : حدثني نافع قال : « كان ابن عمر إذا سئل عمن طلق
ثلاثًا [ قال] (٢): لو طلقت مرةً أو مرتين ؛ فإن النبي أمرني بهذا / فإن
طلقها ثلاثًا حرمت حتی تنكح زوجا غيره » .
[٣/ ق ١٦٠-١]
فيه: عائشة: (( طلق رجل امرأته فتزوجت زوجًا غيره فطلقها، وكانت
معه مثل الهدبة ، فلم تصل منه إلى شيء تريده ، فلم يلبث أن طلقها ،
(١) من ( هـ، ن)).
(٢) في ((الأصل)): فقال. والمثبت من (( هـ، ن)).
- ٤٠٠ -