Indexed OCR Text

Pages 221-240

واختلفوا في عقد النكاح هل يصح بلفظ الهبة مثل أن يقول الرجل:
قد وهبت لك [ ابنتي أو وليتي ] (١) ويسمّ صداقًا أو لم يسمّ ، وهو
يريد بذلك النكاح ، فقال ابن القاسم : هو عندي جائز كالبيع عند
مالك ؛ لأن من قال : أهب لك هذه السلعة على أن تعطيني كذا وكذا
فهو بيع .
وقال ابن المواز : لم يختلف مالك وأصحابه إذا تزوج على الهبة أنه
يفسخ قبل البناء ، واختلفوا إذا دخل بها ، فقال ابن القاسم وعبد
الملك: لا يفسخ ولها صداق المثل . وبهذا قال أبو حنيفة والثوري .
وقال أشهب وابن عبد الحكم وابن وهب وأصبغ أنه يفسخ وإن دخل ،
قال أصبغ : لأن فساده في البضع . وبهذا قال الشافعي ، قال : لا
يصحّ النكاح بلفظ الهبة ولا ينعقد عنده إلا بأحد لفظين إما : قد
أنكحتك أو زوجتك . وهو قول المغيرة وابن دينار وأبي ثور.
وحجة من قال : لا يصح بلفظ الهبة : أن الله - تعالى - جعل
انعقاد النكاح بلفظ الهبة خاصًا للنبي- عليه السلام - فلو انعقد نكاح
به لم يقع الخصوص ، ولما أجمعوا أنه لا تنعقد هبة بلفظ نكاح ،
كذلك لا ينعقد نكاح بلفظ هبة ، وأيضًا فإن الهبة لا تتضمن العوض
فوجب ألا ينعقد به النكاح كالإحلال والإباحة .
[ قال ابن القصار: واحتج ] (٢) أهل المقالة الأولى بأن التي
وهبت نفسها للنبي - عليه السلام - إنما قصدت بلفظ الهبة التزويج
[برسول] (٣) الله، ولم يقل عليه السلام أن النكاح بهذا اللفظ لا ينعقد،
(١) في ((الأصل)): لابنتي ووليتي. والمثبت من ( هـ)).
(٢) في ((الأصل)): واحتجوا. والمثبت من (هـ)).
(٣) في ((الأصل)): لرسول. والمثبت من (( هـ)).
- ٢٢١ -

وقولهم : إن لفظ الهبة خاص للنبي - عليه السلام - فإننا نقول : إن
الخصوصية له أنه بلا مهر ، وليس ذلك لغيره .
[ وقولهم ] (١) أنه لما لم تنعقد هبة بلفظ نكاح فكذلك لا ينعقد
نكاح بلفظ هبة ، فالفرق بينهما أنه إذا قال : أنكحتك مملوكتي
فلا يفهم منه أنه وهبها ، ولا يقع بذلك تمليك ، والهبة يقع بها
التمليك فافترقا .
وقولهم : إن الهبة لا تتضمن العوض ؛ فإنه يبطل بقوله : قد
زوجتك على ألا مهر . فالنكاح ينعقد عندهم ، ولفظ الهبة إذا قصد
بها النكاح يتضمن العوض ؛ لقوله : ﴿ خالصةً لك من دون المؤمنين
قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم ﴾ (٢) وكذلك الإحلال والإباحة
إذا قصد به النكاح صحّ وضمن العوض عندنا .
باب : نهي النبي عليه السلام عن نكاح المتعة
[ فيه: علي قال لابن عباس: ((إن النبي ◌َّ نهى عن نكاح المتعة] (٣)
وعن لحوم الحمر الأهلية زمن خیبر )) .
قال أبو جمرة : سمعت ابن عباس سئل عن متعة النساء فرخص ، فقال.
له [ مولىَ له] (٤): ((إنما ذلك في الحال الشديد ، وفي النساء قلة
ونحوه، فقال ابن عباس : نعم )) .
وفيه : جابر وسلمة بن الأكوع قالا : « کنا في جیش فأتى رسول الله
وَ ال﴿ فقال: إن الله قد أذن لكم أن تستمتعوا فاستمتعوا)).
(١) في ((الأصل)): وقوله. والمثبت من (( هـ)).
(٢) الأحزاب : ٥٠ .
!
(٣) من (( هـ، ن)).
(٤) في ((الأصل)): مولاه. والمثبت من ((هـ، ن)).
- ٢٢٢ -

وزاد [ سلمة] (١) عن النبي - عليه السلام -: (( أيما رجل وامرأة توافقا
فعشرة ما بينهما ثلاث ليال ، فإن أحبّا أن یتزایدا أو يتتار كا تتاركا. فما
أدري أشيء كان لنا خاصة أم للناس عامةً )) قال [ أبو عبدالله] (٢): وقد
بيّنه علي عن النبي - عليه السلام - أنه منسوخ .
وذكر الطحاوي عن علي بن أبي طالب وابن عمر أن النهي عن
المتعة كان يوم خيبر ، ورواه مالك ومعمر ويونس عن ابن شهاب في
هذا الحديث: (( أن النبي - عليه السلام - نهى عن متعة النساء يوم
خيبر ، وعن أكل لحوم الحمر الإنسية )) .
وقد رويت آثار [ أُخر ] (٣) أن نهيه عليه السلام عن المتعة كان في
غير يوم خيبر ، فروى أبو [العميس] (٤) عن إياس بن سلمة ، عن
أبيه: (( أن رسول الله أذن في المتعة عام أوطاس، ثم نهى عنها )) من
حديث ابن أبي شيبة . وروى عكرمة [ بن ] (٥) عمار ، عن سعيد
المقبري ، عن أبي هريرة: ((أنه حرم / المتعة في غزوة تبوك)) ذكره(٥/٣ ١٣٥-١)
الطحاوي .
وقال عمرو ، عن الحسن : ما حلت المتعة قط إلا ثلاثًا في عمرة
القضاء ، ما حلت قبلها ولا بعدها . وروى حماد بن زيد ، عن أيوب
، عن الزهري، عن الربيع بن [ سبرة ] (٦) عن أبيه قال:
(١) في ((الأصل)): سالم. وهو تحريف، والمثبت من (( هـ)).
(٢) في ((الأصل)): أبو عبيد. وهو تحريف، والمثبت من (( هـ، ن)).
(٣) من (( هـ)).
(٤) في ((الأصل)): القعيس. وهو تحريف، والمثبت من ((هـ)). وأبو العميس
هو عتبة بن عبد الله المسعودي ، من رجال التهذيب .
(٥) في ((الأصل)): وابن. والمثبت من (( هـ)).
(٦) في ((الأصل)): سمرة. وهو تحريف، والمثبت من ((هـ)). والربيع بن سبرة
هو ابن معبد الجهني ، من رجال التهذيب .
- ٢٢٣ -

((نهى رسول الله عن المتعة عام الفتح)) وروى عبد العزيز بن عمر بن
عبد العزيز، عن الربيع بن [سبرة ] (١) عن أبيه. (( أنه نهى عنها في
حجة الوداع )) .
قال الطحاوي: فكل هؤلاء الذين رووا عن رسول الله إطلاقها
أخبروا أنها كانت في سفر ، وأن النهي لحقها في ذلك السفر بعد ذلك
فمنع منها ، وليس أحد منهم يخبر أنها كانت في حضر ، وكذلك
روي عن ابن مسعود قال: (( كنا نغزو مع النبي وليس لنا نساء ،
فقلنا: يا رسول الله ، ألا نستخصي ؟ فنهانا عن ذلك ، ورخص لنا
أن ننكح بالثوب إلى أجل)) من حديث إسماعيل بن [ أبي ] (٢)
خالد، عن قيس بن أبي حازم ، عن ابن مسعود . وأخبر ابن مسعود
أن النبي - عليه السلام - إنما كان أباحها لهم في حال الغزو .
فأمّا حديث سبرة الذي فيه إباح النبي - عليه السلام - لها في حجة
الوداع ؛ فخارج عن معانيها كلها ؛ لأن في حديث ابن مسعود أن
إباحتها لهم كان في حال ضرورتهم إليها ، حتى سألوه أن يأذن لهم
في الاستخصاء، وحديث سلمة في غزوة أوطاس وهو وقت ضرورة.
وأخلق بحديث سبرة الذي فيه أنها كانت في حجة الوداع أن يكون
خطأ؛ لأنه لم يكن لهم حينئذ من الضرورات ما كان لهم في الغزوات
الآخر ، وقد اعتبرنا هذا الحرف فلم نجده إلا في رواية عبد العزيز بن
عمر بن عبد العزيز خاصة .
فأما عبد العزيز بن الربيع بن سبرة فرواه عن أبيه ، وذكر أنه كان
(١) في (( الأصل)): سمرة. وهو تحريف، والمثبت من ((هـ)). والربيع بن سبرة
هو ابن معبد الجهنى ، من رجال التهذيب :
(٢) من (( هـ)» : وإسماعيل بن أبي خالد من رجال التهذيب .
- ٢٢٤ -

عام الفتح ، وقد رواه إسماعيل بن عياش ، عن عبد العزيز بن عمر
ابن عبد العزيز ، فذكر أن ذلك كان في فتح مكة وأنهم شكوا [إليه](١)
العزبة في حجة الوداع ، فرخص لهم فيها ، ومحالٌ أن يشكوا إليه
العزبة في حجة الوداع ؛ لأنهم كانوا حجوا بالنساء ، وكان تزويج
النساء بمكة يمكنهم ولم يكونوا حينئذ كما كانوا في الغزوات المتقدمة .
فلما اختلفت المواطن المذكورة فيها الإباحة في حديث سبرة ارتفع
[ الموطن] (٢) والوقت، وصار حديثه لا على موطن ولا على وقت،
ولكن على النهي المطلق ، قال غيره : روى أهل مكة واليمن عن ابن
عباس تحليل المتعة ، وروي أنه رجع عنها بأسانيد ضعيفة ، وإجازة
المتعة عنه أصح ، وهو مذهب الشيعة .
واتفق فقهاء الأمصار من أهل الرأي والأثر على تحريم نكاح المتعة،
وشذ زفر عن الفقهاء ، فقال : إن تزوجها عشرة أيام أو نحوها أو
شهرًا فالنكاح ثابت والشرط باطل . ولا خلاف أن المتعة نكاح إلى
أجل لا ميراث فيه ، وأن الفرقة تقع فيه عند انقضاء الأجل من غير
طلاق ، وليس هذا حكم الزوجية عند أحد من الأمّة ، وقد نزعت
عائشة والقاسم بن محمد في أن تحريمها ونسخها في القرآن وذلك أن
قوله تعالى : ﴿والذين هم لفروجهم حافظون﴾ (٣) الآية وليست المتعة
نكاحًا ولا ملك يمين .
وقد روي عن علي وابن مسعود في قوله تعالى : ﴿ فما استمتعتم
به منهن﴾ (٤) قالا : ينسخ الطلاقَ والعدةَ والميراثَ المتعةُ . وقال نافع:
سئل ابن عمر عن المتعة فقال: حرام. فقيل له : إن ابن عباس
(١) من (( هـ).
(٢) في (( الأصل)): المواطن. والمثبت من (( هـ )).
(٣) المؤمنون : ٥ .
(٤) النساء : ٢٤ .
- ٢٢٥ -

يفتي بها قال : فهلا يزمزم إذا حرك فاه ولا يتكلم . يزمزم بها في زمن
عمر .
وقال ابن عمر وابن الزبير : [المتعة ] (١) هي السفاح. وقال نافع
عن ابن عمر : قال عمر : متعتان كانتا على عهد النبي أنا أنهى عنهما
وأعاقب عليهما : متعة النساء ومتعة الحج .
قال الطحاوي : فهذا عمر نهى عن المتعة بحضرة أصحاب النبي -
عليه السلام - فلم ينكر ذلك عليه منكر ، وفي ذلك دليل على
متابعتهم له على ما نهى عنه ، وذلك دليل على نسخها ، ثم هذا ابن
[٥/٢ ١٢٥ - ب) عباس يقول: إنما أبيحت والنساء قليل، فلما كثرن ارتفع المعنى /
الذي من أجله أبيحت .
فإن قيل : أليس قد رويتم عن علي أن النبي - عليه السلام -
حرمها يوم خيبر . فما معنى رواية الربيع بن سبرة : أنه حرمها في
حجة الوداع ؟ قيل : كانت عادة النبي - عليه السلام - تكرير مثل
هذا في مغازيه ، وفي المواضع الجامعة ، فذكرها في حجة الوداع
لاجتماع الناس حتى يسمعه من لم يكن سمعه ، فأكد ذلك حتى لا
تبقى شبهة لأحد يدعي تحليلها، ولأن أهل مكة كانوا يستعملونها كثيرًاً.
قال الطحاوي : والحجة على زفر حديث الربيع بن سبرة ، عن
أبيه: ((أن الرسول لما نهى عن المتعة قال لهم : من كان عنده من هذه
النساء شيء فليفارقهن ؛ فإن الله قد حرم المتعة إلى يوم القيامة )) فدل
هذا على أن العقد المتقدم لا يوجب دوام العقد للأبد ولو أوجب دوامه
لكان بفسخ الشرط الذي تعاقدا عليه ، ولا يفسخ النكاح إذا كان ثبت
(١) من ( هـ)).
- ٢٢٦ -

على صحته وجوازه قبل النهي ، ففي أمره إياهم بالمفارقة دليل على أن
مثل ذلك العقد لا يجب به ملك بضع ، والله أعلم .
#
باب : عرض المرأة نفسها على الرجل الصالح
فیه : أنس: « جاءت امرأة إلى الرسول تعرض علیه نفسها ، قالت : يا
رسول الله ، ألك بي حاجة . فقالت بنت أنس : ما أقل حياءها ،
واسوءتاه ، واسوءتاه . قال : هي خير منك ، رغبت في النبي فعرضت
نفسها علیه )) .
وفيه : سهيل: (( أن امرأة عرضت نفسها على النبي - عليه السلام -
فقال له رجل : يا رسول الله ، زوجنيها . فقال : ما عندك ؟ قال : ما
عندي شيء. قال: قد زوجتكها بما معك من القرآن ... )) مختصراً .
قال المهلب : فيه جواز عرض المرأة نفسها على الرجل الصالح
[وتعريفه ] (١) برغبتها فيه لصلاحه وفضله ، ولعلمه وشرفه ، أو
لخصلة من خصال الدين ، وأنه لا عار عليها في ذلك ولا غضاضة ،
بل ذلك زائد في فضلها ؛ لقول أنس لابنته: (( هي خير منك)).
وفيه أن للرجل الذي تعرض المرأة نفسها عليه [ ألا ] (٢) ينكحها إلا
إذا وجد في نفسه رغبةً فيها ، ولذلك صَوّبَ النبي النظر فيها وصعّده،
فلما لم يجد [ في نفسه ] (٣) رغبة فيها سكت عن إجابتها .
وفيه : جواز سكوت العالم ومن سئل حاجةً إذا لم يرد الإسعاف
ولا الإجابة في المسألة ، وأن ذلك أدب في الرد بالكلام وألين في
صرف السائل .
(١) في ((الأصل)): وتعريفها. والمثبت من (هـ)).
(٢) في ((الأصل)): لا. والمثبت من (( هـ)).
(٣) من ( هـ ).
- ٢٢٧ -

وفيه : أن سكوت المرأة في الجماعات لازم لها إذا لم يقم الدليل
على أن سكوتها كان لحياء أو لحشمة ؛ لأنه كان للمرأة أن تقول : يا
رسول الله ، إنما أرغبُ فيك ولا أرغب في غيرك . وكذلك يجب أن
يكون سكوت كل من عقد عليه عقد في جماعة ، ولم يمنعه من الإنكار
خوف ولا حياء ولا آفة في فهم ولا سمع أن ذلك العقد لازم له .
وفيه دليل على [ جواز ] (١) استمتاع الرجل بشورة المرأة وبما
يشتري لها من صداقها ؛ لقوله عليه السلام : (( ما تصنع بإزارك ؟ إن
لبسته لم يكن عليها منه شيء )) مع علمه أن النصف لها ، فلم يمنعه
من الاستمتاع بنصفه الذي وجب لها ، وجوز له لبسُه أجمع ، وإنما
منع من ذلك ؛ لأنه لم يكن له ثوب غيره ، فخشي أن تحتاج إليه المرأة
فيبقى عاريًا .
#
باب : عرض الرجل ابنته أو أخته على أهل الخير
فيه: ابن عمر : (( أن عمر حين تأيمت حفصة بنت عمر من خُنيس بن
حذافة - وكان من أصحاب النبي عليه السلام - فتوفي بالمدينة ، فقال
عمر : أتيت عثمان بن عفان فعرضت عليه حفصة ، فقال : سأنظر في
أمري فلبثت ليالي [ ثم لقيني ] (٢) فقال: قد بدا لي ألا أنزوّج يومي
(٣/ ١٢٦-١) هذا . فقال عمر : فلقيت أبا بكر / الصديق ، فقلت : إن شئت زوجتك
حفصة بنت عمر ، فصمت أبو بكر فلم يرجع إلي شيئًا ، فكنت أوجد
عليه مني على عثمان ، فلبثت أيامًا ، ثم خطبها النبي - عليه السلام -
فأنكحتها إياه ، فلقيني أبو بكر فقال : لعلك وجدت عليّ حين عرضت
عليّ حفصة ، فلم أرجع إليك شيئًا . قال عمر : قلت : نعم . قال
(١) من ((هـ )).
(٢) من (( هـ ، ن)) .
- ٢٢٨ -

أبو بكر: فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت علي إلا أني كنت
علمت أن رسول الله قد ذكرها ، فلم أكن لأفشي سرّ رسول الله ، ولو
تركها رسول الله قبلتها )).
وفيه : أم حبيبة بنت أبي سفيان قالت للنبي - عليه السلام - : (( إنا قد
تحدثنا أنك [ ناكح ] (١) درة بنت أبي سلمة . قال رسول الله: أعلى أم
سلمة ؟ لو لم أنكح أم سلمة ما حلت لي ، إن أباها أخي من الرضاعة )).
وفي حديث عمر من الفقه الرخصة في أن يعرض الرجل ابنته على
الرجل الصّالح رغبةً فيه ، ولا نقيصة عليه في ذلك .
وفيه : أن من عرض عليه ما فيه الرغبة فله النظر والاختيار ، وعليه
أن يخبر بعد ذلك بما عنده لئلا يمنعها من غيره ؛ لقول عثمان بعد
ليال: (( [ قد بدا لي ] (٢) ألا أتزوج يومي هذا)).
وفيه : الاعتذار لأن عثمان قال : لا أريد التزويج يومي هذا)) ولم
يقل أبو بكر : لا أريد التزويج ، وقد كان يريده حين قال : (( لو
تركها لنكحتها )) ولم يقل : نعم ، ولا لا .
وفيه : الرخصة أن يجد الرجل على صديقه في الشيء يسأله فلا
يجيبه إليه ولا يعتذر بما [ يعذره به ] (٣) لأن النفوس جبلت على
ذلك، لا سيما إذا عرض عليه ما فيه الغبطة له .
وقوله : ((وكان وجدي على أبي بكر أشدّ من وجدي على عثمان))
لمعنيين : أحدهما : أن أبا بكر لم يردّ عليه الجواب . والثاني : أن أبا
بكر أخص بعمر منه بعثمان [ لأن النبي 18َّ آخى بين أبي بكر
وعمر](٤) فكانت موجدته عليه أكثر لثقته به وإخلاصه له .
(٢) من (( هـ ).
(١) في ((الأصل)): تنكح. والمثبت من (( هـ، ن).
(٣) في (( الأصل)): يعتذر له. والمثبت من (( هـ)).
(٤) في ((الأصل)): لأن أبا بكر أخا عمر. والمثبت من ((هـ)).
- ٢٢٩ -

وفيه : كتمان السر فإن أظهره الله أو أظهره صاحبه جاز للذي أسر
إليه إظهاره ، ألا ترى أن النبي - عليه السلام - لما أظهر تزويجها
أعلم أبو بكر عمر بما كان أسرّ إليه منه ، وكذلك فعلت فاطمة في
مرض النبي - عليه السلام - حين أسرّ إليها [ أنها ] (١) أول أهله
لحاقًا به ، فكتمته حتى توفي ، وأسرّ رسول الله إلى حفصة تحريم
جاريته مارية ، فأخبرت حفصة عائشة بذلك ، ولم يكن النبي - عليه
السلام - أظهره ، فذم الله فعل حفصة وقبول عائشة لذلك فقال :
﴿إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما﴾ (٢) أي: مالت وعدلت عن الحق.
وفي قول أبي بكر لعمر بعد تزويج رسول الله بها: ((لعلك
وجدت عليّ)) دليل على أن الرجل إذا أتى إلى أخيه ما لا يصلح أن
يؤتى إليه من سوء المعاشرة أن يعتذر ويعترف ، وأن الرجل إذا وجب
عليه الاعتذار من شيء وطمع بشيء تقوى به حجته أن يؤخر ذلك
حتى يظفر ببغيته ليكون أبرأ له عند من يعتذر إليه .
وفي قول عمر لأبي بكر: [ نعم ] (٣) دليل على أن [على ] (٣)
الإنسان [ أن ] (٣) يخبر بالحق عن نفسه وإن كان عليه فيه شيء.
قال المهلب : والمعنى الذي أسرّ أبو بكر عن عمر ما أخبره به
النبي - عليه السلام - هو أنه خشي أبو بكر أن يذكر ذلك لعمر ثم
يبدو للنبي [ الإعراض ] (٤) عن نكاحها فيقع في قلب عمر للنبي مثل
ما وقع في قلبه لأبي بكر ..
وفي قول أبي بكر لعمر: (( كنت علمت أن النبي - عليه السلام -.
(١) في ((الأصل)): أن. والمثبت من (( هـ)).
(٢) التحريم : ٤ .
(٣) من (( هـ )).
(٤) ليست في ((الأصل ، هـ )) والسياق يقتضيها ..
- ٢٣٠ -

ذكرها)» فيه دليل أنه [ جائز للرجل ] (١) أن يذكر لأصحابه [ولمن] (٢)
يثق برأيه أنه يخطب امرأة قبل أن يظهر خطبتها ، وقول أبي بكر : ((لم
أكن لأفشي سرّ رسول الله)) يدل أنه من ذكر امرأة قبل أن يظهر
خطبتها، فإنّ ذكره في معنى السرّ ، فإن إفشاء السرّ في النكاح وفي
غيره من المباح لا يجوز .
وفيه : أن الصديق لا يخطب امرأة علم أن [ صديقه ] (٣) يريدها
لنفسه، وإن كان لم يركن [ إليها ] (٤) لما يخاف من القطيعة بينهما،
ولم تخف القطيعة بين غير الإخوان ؛ لأن الاتصال بينهما ضعيف غير
اتصال الصداقة في الله .
وفي قول أبي بكر: ((لو تركها تزوجتها)) / دليل أن الخطبة إنما [٣/ ١٢٦،٥ -ب]
تجوز بعد أن يتركها الخاطب .
وفيه : الرخصة في تزويج من عرّض النبي - عليه السلام - فيها
بخطبة أو أراد أن يتزوجها ، ألا ترى قول أبي بكر : ((لو تركها
تزوجتها )) وقد جاء في خبر آخر الرخصة في نكاح من عقد النبي فيها
النكاح ولم يدخل بها ، وأن أبا بكر كرهه [ورخص ] (٥) فيه عمر .
روى داود بن أبي هند ، عن عكرمة قال: (( تزوج النبي امرأة من
كندة يقال لها : قتيلة ، فمات ولم يدخل بها ولا حجبها ، فتزوجها
عكرمة بن أبي جهل ، فغضب [ أبو ] (٦) بكر وقال: تزوّجت من
(١) في ((الأصل)): حاجة الرجل. والمثبت من ( هـ)).
(٢) في ((الأصل)): ولم. والمثبت من (( هـ)).
(٣) في ((الأصل)): الصديق. والمثبت من (( هـ ).
(٤) في ((الأصل، هـ)): إليه. وما أثبتناه هو الصواب.
(٥) في ((الأصل)): فرخص، والمثبت من (( هـ)).
(٦) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): أبا.
- ٢٣١ -

نساء رسول الله ؟! فقال عمر : ما هي من نسائه وما دخل بها ولا
حجبها ، ولقد ارتدت مع من ارتد فسكت .
وفيه : أن الأب تخطب إليه بنته الثيب كما تخطب إليه البكر ،
ولا تخطب إلى نفسها ، وأنه يزوجها .
وفيه : فساد قول من قال أن للمرأة البالغة المالكة أمرها : تزويج
نفسها وعقد النكاح عليها دون وليها ، وإبطال قول من قال : للبالغ
الثيب إنكاح من أحبّت دون وليها ، وسيأتي بيان ذلك في باب من
قال: لا نكاح إلا بولي إن شاء الله .
وفي تركه أن يأمره باستثمارها - ولم نجد عن عمر أنه استأمرها -
دليل أن للرجل أن يزوج ابنته الثيب من غير أن يستأمرها إذا علم أنها لا
تكره ذلك ، وكان الخاطب لها كفئًا ؛ لأن حفصة لم تكن لترغب عن
رسول الله ، فأغنى علم عمر عن استثمارها .
وقوله : (( تأيمت حفصة)) أي : صارت غير ذات زوج بموت
زوجها عنها ، والعرب تدعو كل امرأة لا زوج لها وكل رجل [ لا
امرأة له](١) : أيمًا ، ومنه قول الشاعر :
فإن تنكحي أنكح وإن تتأيّمي وإن كنت أفتى منكم أتأيم (٢)
(١) في ((الأصل)): امرأة لا. والمثبت من (( هـ)).
(٢) كذا في ((الأصل)) والبيت لابن بري ولفظه كما في لسان العرب (٣٩/١٢):
يدا الدهر ما لم تنكحي أتأيم
فإن تنكحي أنكخ وإن تتأيمي
- ٢٣٢ -

باب : قول الله تعالى : ﴿ولا جناح عليكم فيما عرضتم
به من خطبة النساء ﴾ (١) الآية
وقال مجاهد عن ابن عباس: ﴿فيما عرضتم به من خطبة النساء﴾ (١)
يقول : إني أريد التزويج ، ولوددت أني تيسر لي امرأة صالحة . وقال
القاسم : يقول : إنك عليّ لكريمة وإني فيك لراغب ، وإن الله لسائق
إليك خيراً أو نحو هذا. وقال عطاء: [ بعرض ] (٢) ولا يبوح يقول :
إن لي حاجةٌ وأبشري ، وأنت بحمد الله نافقة . وتقول هي : قد أسمع
ما تقول ، ولا تعد شيئًا . ولا [ يواعد ] (٣) وليها بغير علمها، وإن
واعدت رجلا في عدتها ثم نكحها بعد لم يفرق بينهما . وقال الحسن :
﴿لا تواعدوهن سرا﴾ (١): الزنا. ويذكر عن ابن عباس ﴿حتى يبلغ
الكتاب أجله﴾ (١) أي: حتى تنقضي العدة.
وحرّم الله - تعالى - عقد النكاح في العدة بقوله : ﴿ولا تعزموا
عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله ﴾ (١) وهذا من المحكم المجتمع
على تأويله أن بلوغ أجله انقضاء العدة ، وأباح تعالى التعريض في
العدة بقوله: ﴿ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء﴾(١)
الآية، ولم يختلف العلماء في إباحة ذلك .
قال المهلب : وإنما منع من عقد النكاح في العدة - والله أعلم -
لأن ذلك ذريعة إلى المواقعة في العدة التي هي محبوسة فيها على ماء
الميت [ أو ] (٤) المطلق ، كما منع المحرم بالحج من عقد النكاح ؛ لأن
ذلك داعيه إلى المواقعة ، فحرم عليه السبب والذريعة إلى فساد ما هو
(١) البقرة : ٢٣٥ .
(٢) في (( الأصل)): يعرج. والمثبت من (( هـ).
(٤) من (( هـ ).
(٣) في (( الأصل)): يعد. والمثبت من ( هـ)).
- ٢٣٣ -

فيه وموقوف عليه ، وأباح التعريض في العدة خشية أن [ تفوت ] (١)
نفسها .
واختلفوا في ألفاظ التعريض ، والمعنى واحد ، وقال قتادة وسعيد
ابن جبير في قوله تعالى : ﴿ولكن لا تواعدوهن سرا﴾ (٢) قال:
لا يأخذ عهدها في عدتها ألا تنكح غيره .
قال إسماعيل بن إسحاق [ وهذا أحسن ] (٣) من قول من تأوّل في
قوله : ﴿ولكن لا تواعدوهن﴾ (٢) أنه الزنا ؛ لأن ما قبل الكلام وما
[٣/ ٥ ١٢٧-٢] بعده لا يدل عليه، ويجوز في اللغة أن يسمّى الغشيان سرا / فسمّى
النكاح : سرا ؛ إذ كان الغشيان يكون فيه كما يسمى التزويج نكاحًا ،
وهو أشبه في المعنى؛ لأنه لما أجيز لهم التعريض في النكاح لم يؤذن
لهم في غيره ، فوجب أن يكون كل شيء يجاوز التعريض فهو
محظور ، والمواعدة تُجاوز التعريض ، فوسع الله على عباده في
التعريض في الخطبة لما علم منهم .
وبلغني عن الشافعي أنه احتج بهذا التعريض في القذف ، وقال :
كما لم يجعل التعريض في هذا الموضع بمنزلة التصريح [ كذلك لا
يجعل التعريض في القذف بمنزلة التصريح ] (٣) واحتج بما هو حجة
عليه [ إذا كان ] (٤) التعريض بالنكاح قد فهم عن صاحبه ما أراد
[فكذلك ينبغي أن يكون التعريض بالقذف قد فهم عن صاحبه ](٣) ما
أراد ، فإذا فهم أنه قاذف حكم عليه بحكم القذف، وينبغي له على
قوله هذا أن یزعم أن التعريض بالقذف مباح کما أبیح التعریض بالنكاح،
وسيأتي استيعاب الحجة عليه في كتاب الحدود - إن شاء الله .
(١) فى ((الأصل)): تعرب. والمثبت من (هـ)).
(٣) من (( هـ)).
(٢) البقرة : ٢٣٥ .
(٤) في ((الأصل)): وكان. والمثبت من ( هـ )
- ٢٣٤ -

واختلفوا في الرجل يخطب امرأة في عدتها جاهلا ويواعدها ،
ويعقد بعد العدة ، فكان مالك يقول : فراقها أحب إليّ دخل بها أو
لم يدخل ، وتكون تطليقة واحدة، ويدعها حتى تحل [ ويخطبها ](١)
وقال الشافعي : إن صرّح بالخطبة وصرحت له [ بالإجابة ] (٢) ولم
يعقد النكاح حتى تنقضي العدة فالنكاح ثابت والتصريح لهما مكروه ؛
لأن النكاح حادث بعد الخطبة .
واختلفوا إذا تزوجها في العدة ودخل [ بها ] (٣) فقال مالك والليث
والأوزاعي : يفرق بينهما ولا تحل له أبدًا . قال مالك والليث :
ولا بملك اليمين . واحتجوا بأن عمر بن الخطاب قال : لا يجتمعان
أبدًا وتعتد منهما جميعًا .
وقال الثوري والكوفيون والشافعي : يفرق بينهما ؛ فإذا انقضت
عدتها من [ الأول ] (٤) فلا بأس أن يتزوجها . واحتجوا بإجماع
العلماء أنه لو زنى بها لم يحرم عليه تزويجها ، فكذلك وطؤه إياها
في العدة ، قالوا: وهو قول علي بن أبي طالب . ذكره عبد الرزاق ،
وذكر عن ابن مسعود مثله ، وعن الحسن أيضًا .
وذكر عبد الرزاق ، عن الثوري ، عن الأشعث ، عن الشعبي ،
عن مسروق : أن عمر رجع عن ذلك وجعلهما يجتمعان .
واختلفوا هل تعتد منهما جميعًا ، فروى المدنيون عن مالك أنها تتم
بقية عدتها من الأول وتستأنف عدةً أخرى من الآخر ، روي ذلك عن
عمر وعلي ، وهو قول الليث والشافعي وأحمد وإسحاق . وروى
(١) من (( هـ)).
(٢) في ((الأصل)): بالإباحة. والمثبت من (( هـ).
(٣) في ((الأصل)): معها. والمثبت من (( هـ )).
(٤) في (( الأصل)): الآخر. والمثبت من (( هـ)).
- ٢٣٥ -

ابن القاسم عن مالك أن عدةً واحدة تكون لهما جميعًا ، سواء كانت
العدة بالحيض أو الحمل أو الشهور ، وهو قول الأوزاعي والثوري
و[أبي] (١) حنيفة، وحجتهم الإجماع على أن الأول لا ينكحها في بقية
العدة منه، فدل ذلك على أنها في عدة من الثاني ، ولولا ذلك
لنكحها في عدتها منه ، وهذا غير لازم ؛ لأنه منع الأول من أن
ينكحها في بقية عدتها إنما وجب لما يتلوها من عدة الثاني ، وهما
حقان قد وجبا عليها لزوجين كسائر حقوق الآدميين لا يدخل أحدهما
في صاحبه .
باب : النظر إلى المرأة قبل التزويج
فيه: عائشة: قال لي النبي: (( أريتك في المنام يجيء بك الملك في
سرقة من حرير ، فقال [ لي ] (٢) هذه امرأتك [ فكشفت] (٣) عن
وجهك الثوب، فإذا هي أنت ، فقلت : إن يكن هذا من عند الله يمضه )).
وفيه : سهل قال: (( جاءت امرأة إلى النبي فقالت: [ يا رسول الله](٢)
جئت [ لأهب ] (٤) نفسي لك . فنظر إليها النبي - عليه السلام - فصعّد
النظر [ إليها ] (٢) وصوبه ثم طأطأ رأسه ... )) الحديث .
ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا بأس بالنظر إلى المرأة إذا أراد أن
يتزوجها ، وهو قول مالك والثوري والكوفيين والشافعي وأحمد
وقالوا: لا ينظر إلى غير وجهها وكفيها . وقال الأوزاعي : ينظر إليها
(١) في ((الأصل)): أبو. والمثبت من ((هـ)).
(٢) من ((هـ ، ن)).
---
(٣) في ((الأصل)): وكشف. والمثبت من (( هـ ، ن)).
(٤) في (( الأصل)): لأهدي. والمثبت من (( هـ)).
- ٢٣٦ -
:

ويجتهد وينظر إلى مواضع اللحم . وحجتهم أن النبي نظر إلى المرأة
التي وهبته نفسها وأراه الله عائشة في منامه قبل تزويجه بها .
قال الطحاوي : ومن حجتهم / ما حدثنا سليمان بن شعيب قال : (٣/ق ١٢٧ -ب]
حدثنا يحيى بن حسان ، حدثنا أبو شهاب [ الحناط] (١) عن الحجاج
ابن أرطاة ، عن محمد بن سليمان بن أبي حثمة قال : ((رأيت محمد
ابن مسلمة يطارد [ ثبيتة ] (٢) بنت الضحاك فوق [ إجّار ] (٣) لها
ببصره طردًا شديدًا ، فقلت : أتفعل هذا وأنت من أصحاب
رسول الله ؟! قال: سمعت النبي - عليه السلام - يقول: ((إذا ألقي
في قلب امرئ خطبة امرأة فلا بأس أن ينظر إليها )) .
وروى أبو معاوية ، عن عاصم الأحول ، عن بكر بن عبد الله ،
عن المغيرة بن شعبة قال: (( خطبت امرأة فقال لي النبي - عليه
السلام - : هل نظرت إليها ؟ قلت : لا . قال : فانظر ؛ فإنه أحرى
أن يؤدم بينكما)) . ففي هذه الأحاديث إباحة النظر إلى وجه المرأة لمن
أراد نكاحها . ورواه أبو حميد وأبو هريرة وجابر عن النبي - عليه
السلام .
واحتج الشافعي بأن ينظر إليها بإذنها وبغير إذنها [ إذا كانت
مستترة] (٤) لقوله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾ (٥)
(١) في ( الأصل)): الخياط. وهو تصحيف، فقد ضبطه ابن ماكولا في الإكمال
(٢٧٦/٣) بالحاء المهملة بعدها نون .
(٢) في ((الأصل)): نبيهة. وهو تحريف، وضبطها ابن ناصر الدين في توضيح
المشتبه (٣٤٦/١) بالثاء المثلثة وقبل الهاء مثناة فوقية مفتوحة .
(٣) في ((الأصل)): جدار. والمثبت من ((هـ)) وشرح معاني الآثار (١٣/٢).
والإجار : السطح - بلغة الشام والحجاز - ليس حوله ما يرد الساقط عنه .
والإجارة : سطح ليس عليه سترة . انظر : لسان العرب ( مادة : أجر ).
(٥) النور : ٣١ .
(٤) من (( هـ)).
- ٢٣٧ -

قال: الوجه والكفان . وخالفهم آخرون وقالوا : لا يجوز لمن أراد
نكاح امرأة ولا لغيره أن ينظر إليها إلا أن يكون زوجًا لها أو ذا محرم
منها ، ووجهها وكفاها عورة بمنزلة جسدها ، واحتجوا بحديث ابن
إسحاق ، عن محمد بن إبراهيم ، عن [ سلمة بن ] (١) أبي الطفيل،
عن علي بن أبي طالب: (( أن النبي قال له : يا علي ، لا تتبع بالنظرة.
النظرة ، فإنما لك الأولى وليست لك الآخرة)).
قالوا : فلما حرم رسول الله النظرة الثانية ؛ لأنها تكون باختيار
الناظر ، وخالف بين حكمها وحكم ما قبلها إذا كانت بغير اختيار من
الناظر ؛ دل على أنه ليس لأحد أن ينظر إلى وجه امرأة إلا أن تكون
زوجة أو ذات محرم
واحتج عليهم أهل المقالة الأولى أن الذي أباحه النبي - عليه
السلام- في الآثار الأُول هو النظر للخطبة لا لغير ذلك ، وذلك نظر
لسبب هو حلال ، ألا ترى لو أن رجلا نظر إلى وجه امرأة لا نكاح
بينه وبينها ليشهد عليها أو لها أن ذلك جائز ، وكذلك إذا نظر إلى
وجهها ليخطبها ، فأما المنهي عنه فالنظر [ لغير ] (٢) الخطبة ولغير ما.
هو حلال .
ورأيناهم لا يختلفون في نظر الرجل إلى [ صدر ] (٣) الأمة إذا أراد
أن يبتاعها أن ذلك له جائز حلال ولو نظر إليها لغير ذلك كان [ذلك](٤)
(١) في ((الأصل)): مسلمة عن. وهو تحريف، والمثبت من ((هـ))، وشرح
معاني الآثار . وسلمة بن أبي الطفيل مترجم في الجرح والتعديل (١٦٦/٤).
(٢) في ((الأصل)): إلى غير. والمثبت من ((هـ)) وشرح معاني الآثار (١٥/٢).
(٣) في ((الأصل)): صورة، والمثبت من ((هـ)) وشرح معاني الآثار (١٥/٢).
(٤) من (( هـ)) وشرح معاني الآثار .
- ٢٣٨ -

عليه [حرامًا] (١) فكذلك نظره إلى وجه المرأة إن كان فعل ذلك لمعنى هو
حلال فهو غير مكروه .
وإذا ثبت أن النظر إلى وجه المرأة لخطبتها حلال خرج بذلك حكمه
من حكم العورة ؛ لأنا رأينا ما هو عورة لا يباح لمن أراد نكاحها النظر
إليه ، ألا ترى أنه من أراد نكاح امرأة فحرام عليه النظر إلى شعرها أو
إلى صدرها أو إلى ما أسفل من ذلك من بدنها ، كما يحرم ذلك منها
على من لم يرد نكاحها ، فلما ثبت أن النظر إلى وجهها حلال لمن
أراد نكاحها ؛ ثبت أنه حلال أيضًا لمن لم يرد نكاحها إذا [ كان لا](٢)
يقصد بنظره [ ذلك ] (٣) إلى معنى هو عليه حرام ، وقد قال المفسرون
في قوله : ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾(٤) أن ذلك المستثنى هو
الوجه والكفان .
باب : من قال لا نكاح إلا بولي
لقوله تعالى: ﴿وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن﴾(٥)
فدخل فيه الثيب والبكر . وقال تعالى : ﴿ ولا تنكحوا المشركين
حتى يؤمنوا﴾ (٦) وقال تعالى: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم﴾ (٧)
فيه: عائشة: (( أن النكاح كان في الجاهلية على أربعة أنحاء : فنكاح
منها نكاح الناس اليوم يخطب الرجل إلى الرجل ابنته فيصدقها ثم
(١) في ((الأصل)): حرام، والمثبت من ((هـ))، وشرح معاني الآثار .
(٢) في ((الأصل)): لم. والمثبت من ((هـ)) وشرح معاني الآثار (١٦/٢).
(٣) من (( هـ ) وشرح معاني الآثار .
(٤) النور : ٣١ .
(٥) البقرة : ٢٣٢ .
(٧) النور : ٣٢.
(٦) البقرة : ٢٢١ .
- ٢٣٩ -

۔۔
ينكحها ، والنكاح الآخر كان الرجل يقول لامرأته إذا طهرت من طمئها:
أرسلي إلى فلان ، فاستبضعي منه . فيعتزلها زوجها ولا يمسها أبدًا حتى
يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه ، فإذا تبين حملها
[٣/ ٥ ١٢٨-١] أصابها زوجها إذا أحبّ، وإنما يفعل / ذلك رغبة في نجابة الولد، فكان
هذا النكاح نكاح الاستبضاع، ونكاح آخر يجتمع [ الرهط ] (١) ما دون
العشرة فيدخلون على المرأة كلهم يصيبها ، فإذا حملت ووضعت ومرّ
ليال بعد أن تضع حملها أرسلت إليهم فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع
حتى يجتمعوا عندها ، فتقول لهم : قد عرفتم الذي كان من أمركم، وقد
ولدت وهو ابنك يا فلان . تسمّ من أحبّت باسمه ، فتلحق به ولدها ،
لا يستطيع أن يمتنع الرجل منه ، والنكاح الرابع يجتمع الناس الكثير
فيدخلون على المرأة لا تمنع من جاءها ، وهن البغايا ، كن ينصبن على
أبوابهن رايات تكون علمًا ، فمن أرادهن دخل عليهن ، فإذا حملت
إحداهن ووضعت حملها وجمعوا [ لها ] (٢) ودعوا القافة لهم ، ثم
[ألحقوا] (٣) ولدها بالذي يرون فالتاط به، ودعي ابنه لا يمتنع من ذلك،
فلما بعث محمد بالحق هدم نكاح الجاهلية كله إلا نكاح الناس اليوم)) .
وفيه : عائشة: (( في قوله تعالى: ﴿ وما يتلى عليكم في الكتاب في
يتامى النساء ... ﴾ (٤) الآية قالت : هذا في اليتيمة التي تكون عند
الرجل لعلها أن تكون شريكته في ماله، وهو أولى [ بها، فيرغب ] (٥)
عنها أن ینکحها فيعضلها لمالها ولا ينكحها غيره كراهية أن یشر که أحد في
مالها)).
(١) في ((الأصل)): الرط. والمثبت من (( هـ)).
(٢) من ( هـ ، ن )).
(٤) النساء : ١٢٧ .
(٣) في ((الأصل)): لحقوا. والمثبت من ((هـ)).
(٥) في ((الأصل)): به، فرغب. والمثبت من ١ هـ، ن)).
- ٢٤٠ -