Indexed OCR Text

Pages 401-420

البخاري ، منهم : مالك وأحمد بن حنبل ، وقال مالك : يجوز أن
يستأجره على بيع سلع إذا ضرب لذلك أجلاً ، قال : وكذلك إذا قال
له : بع [ لي ] (١) هذا الثوب ولك درهم ، أنه جائز وإن لم يوقت
له ثمنًا ، وهو جُعْلٌ ، وكذلك إن جعل له في كل مائة دينار شيئًا ،
وهو جُعْلٌ .
وقال أحمد بن حنبل : لا بأس أن يعطيه من الألف [ شيئًا ] (١)
معلومًا .
وذكر ابن المنذر عن حماد والثوري أنهما كرها أجر السمسار ،
وقال أبو حنيفة : إن دفع إليه ألف درهم يشتري له بها بزا بأجر عشرة
دراهم ، فهو فاسد ، [ وذلك لو قال له : اشتر مائة ثوب ، فهو
فاسد ] (١) ، فإن اشترى فله أجر مثله ، ولا يجاوز ما سمى له من
الأجر .
وقال أبو ثور : إذا جعل له في كل ألف شيئًا معلومًا لم يجز ،
[وإن جعل له في كل ثوب شيئًا معلومًا لم يجز ] (١) ؛ لأن ذلك غير
معلوم ، فإن عمل على ذلك فله أجر مثله ، فإن اكتراه شهراً على أن
یشتري له وہبيع فذلك جائز .
وحجة من كرهه : أنه إجارة في أمد غير محصور ، والإجارة
مفتقرة إلى أجل معلوم .
وحجة من أجازه : أنه إذا سمى له ما على المائة ، فقد عُرفت أجرة
كل ثوب واستغني عن الأجل فيه ؛ لأنه عندهم من باب الجعل ،
وليس على المشتري إذا لم يطلب الشراء [ شيء ] (٢) من أجر
(٢) في ((الأصل)): شيئًا، والمثبت من (( هـ).
(١) من ( هـ)).
- ٤٠١ -

السمسار عند من أجازه ، وإنما عليه أجره إذا طلب الشراء أو طلب
البيع .
وقوله: (( لا تكون له سمساراً )) يعني: من أجل (الضرر) (١)
الداخل على التجار ، لا من أجل أجرته ، لأن السمسار أجير ، وقد
(٣/ ٤٧٥-] ((أمر النبي - عليه السلام - / بإعطاء الأجير أجره قبل أن يجف عرقه
من حديث زيد بن أسلم عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، وأما
[قول] (٢) ابن عباس: بع هذا الثوب فما زاد على كذا فهو لك .
وقول ابن سيرين : بعه بكذا فما كان من ربح فهو لك ، أو بيني
وبينك . فإن أكثر العلماء لا يجيزون هذا البيع ، وممن كرهه النخعي
والحسن والثوري والكوفيون ، وقال مالك والشافعي : لا يجوز ، فإن :
باع فله أجر مثله . وأجازه أحمد وإسحاق ، وقالا : هو من باب
القراض ، وقد لا يربح المقارض .
وحجة الجماعة أنه قد يمكن ألا يبيعه بالثمن الذي سمّى له ؛
فيذهب عمله باطلاً ، وهو من باب الغرر ، وهي أجرة مجهولة أو
جعل مجهول فلا يجوز ، وأما حجة من أجازه فقول النبي - عليه.
السلام - : (( المسلمون عند شروطهم )) ولا حجة لهم فيه ؛ لأنه قد
أحكمت السنة أنه لا يجوز من شروط المسلمين شرط أحل حرامًا أو
حرم حلالاً، وأما معنى قوله: (([ المسلمون ] (٣) عند شروطهم)).
يعني : الجائزة بينهم .
(١) في (( هـ)): الغرر .
(٢) في ((الأصل)): حديث، والمثبت من ( هـ).
(٣) في ((الأصل)): المسلمين، والمثبت من (( هـ)).
- ٤٠٢ -

باب : هل يؤاجر ( المسلم ) (١) نفسه من مشرك
في أرض الحرب
فيه : خباب : (( كنت قيّنًا ، فعملت للعاص بن وائل فاجتمع لي عنده
فأتيته أتقاضاه ، فقال : لا والله ، لا أقضيك حتى تكفر بمحمد . فقلت :
أما والله حتى تموت ثم تبعث فلا . قال : وإني لميت ثم مبعوث ؟! قلت :
نعم ... )) الحديث .
قال المهلب : كره العلماء أن يؤاجر المسلم نفسه من مشرك في دار
الحرب أو دار الإسلام ؛ لأن في ذلك ذلة للمسلمين ، إلا أن تدعوا
إلى ذلك ضرورة ، فلا يخدمه فيما [ يعود ] (٢) على المسلمين بضرٍّ،
ولا فيما لا يحل مثل : عصر خمر ، أو رعاية خنازير أو عمل سلاح
أو شبه ذلك ، وأما في دار الإسلام فقد أغنى الله بالمسلمين وبخدمتهم
عن الاضطرار إلى خدمة المشركين ، وقد أمر الله عباده المؤمنين بالترأس
على المشركين ، فقال تعالى : ﴿ فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم
الأعلون﴾ (٣) فلا يصلح لمسلم أن يهين نفسه بالخدمة لمشرك إلا عند
الضرورة ، فإن وقع ذلك فهو جائز ؛ لأنه لما جاز لنا أن نأخذ أموالهم
بالمعاوضة منهم في أثمان ما بيع [ منهم ] (٤) ، كان كذلك المنافع
الطارئة منا - والله أعلم - ألا ترى أن خبابًا عمل للعاص بن وائل
وهو كافر ، وجاز له ذلك ، وقد تقدم تفسير القين في كتاب البيوع
في باب ((القين والحداد)).
*
(١) في ((هـ ، ن)): الرجل .
(٢) في ((الأصل)): لا يعود، ولفظة ((لا)) مقحمة، وليست في ( هـ)).
(٤) من (( هـ).
(٣) محمد : ٣٥ .
- ٤٠٣ -

باب : ما يعطى في الرقية بفاتحة الكتاب
وقال ابن عباس عن النبي - عليه السلام -: « أحق ما أخذتم علیه.
أجرًا كتاب الله )) .
وقال [ الشعبي ](١): لا يشترط المعلم، إلا أن يُعطى شيئًا فيقبله.
وقال الحكم : لم أسمع أحدًا كره أجر المعلم .
وأعطى الحسن عشرة دراهم .
ولم ير ابن سيرين بأجر القسام بأسًا ، وقال : كان يقال : السجت :
الرشوة في الحكم، وكانوا يُعطون على الخرص .
فيه : أبو سعيد قال: (( انطلق نفر من أصحاب النبي - عليه السلام -
في سفرة سافروها حتى نزلوا على حي من أحياء العرب فاستضافوهم
فأبوا أن يضيفوهم ، فلدغ سيد ذلك الحي ، فسعوا له بكل شيء ، لا
[ينفعه ] (٢) شيء، فقال بعضهم: لو أتيتم هذا الرهط الذين نزلوا، لعله
سيكون عند بعضهم شيء ، فأتوهم فقالوا : يا أيها الرهط ، إن سيدنا ٠٠
لدغ وسعينا له بكل شيء ، لا ينفعه، فهل عند ( أحدكم ) (٣) من شيء؟
فقال بعضهم : نعم ، والله إني لأرقي ، ولكن والله لقد استضفناكم فلم
تضيفونا ، فما أنا براق لكم حتى تجعلوا لنا جُعْلاً، فصالحوهم على قطيع
من الغنم ، فانطلق يتفل عليه ويقرأ (( الحمد لله ربّ العالمين))، فكأنما
نشط من عقال ، فانطلق يمشي ، وما به قَلَبة ، قال : فأوفوهم جُعْلَهُم
الذي صالحوهم عليه ، فقال بعضهم : اقسموا ، فقال الذي رقى: لا
تفعلوا حتى نأتي النبي - عليه السلام - فنذكر له الذي كان ، فننظر ما
(١) في ((الأصل)): النخعي، وهو خطأ، والمثبت من (( هـ، ن)).
(٢) في ((الأصل)): ينفعهم، والمثبت من (( هـ، ن)).
(٣) في ((هـ، ن)) : أحدٍ منكم .
- ٤٠٤ -

يأمرنا فقدموا على رسول الله فذكروا له / فقال : وما يدريك أنها رقية؟ [٣/ ٤٧٥- ب]
ثم قال : قد أصبتم ، اقسموا واضربوا لي معكم سهمًا ... )) الحديث.
اختلف العلماء في جواز الأجر على الرقى بكتاب الله وعلى
تعليمه، فأجاز ذلك عطاء وأبو قلابة ، وهو قول مالك والشافعي
وأحمد و[ أبي ] (١) ثور ، وحجتهم حديث ابن عباس وحديث أبي
سعيد .
وكره تعليم القرآن بالأجر الزهري ، وقال أبو حنيفة وأصحابه : لا
يجوز على تعليم القرآن أجر .
قال الطحاوي : وتجوز الأجرة على الرقى وإن كان يدخل في بعضه
القرآن ؛ لأنه ليس على الناس أن يرقي بعضهم بعضًا ، [ وتعليم.
الناس بعضهم بعضاً ] (٢) القرآن واجب؛ لأن في ذلك التبليغ عن الله
إلا أن من علمه منهم أجزأ عن بقيتهم ، وذلك كتعليم الصلاة لا يجوز
أخذ الأجرة عليه ، ولا يجوز على الأذان ، واحتجوا بأحاديث ضعاف
منها حديث ابن مسعود أن النبي - عليه السلام - قال: ((اقرءوا
القرآن ولا تأكلوا به )) وبحديث حماد بن سلمة عن أبي جرهم ، عن
أبي هريرة، [ ومرة يرويه حماد عن أبي المهزم، عن أبي هريرة ] (٢)
قال: قلت: (( يا رسول الله ، ما تقول في المعلمين ؟ قال : درهمهم
حرام)). وبحديث المغيرة بن زياد عن عبادة [ بن نُسَي] (٢) ، عن
الأسود بن ثعلبة ، عن عبادة بن الصامت أنه قال: ((علم رجل من
أهل الصفة سورةً من القرآن فأهدى إليه [ قوسًا ] (٣) ، فقال له
رسول الله : إن سرك أن يطوقك الله طوقًا من نار فاقبلها)).
(٢) من (( هـ ).
(١) في ((الأصل)): أبو، والمثبت من ((هـ).
(٣) في ((الأصل)): قوس، وفي (( هـ)): فرساً. وما أثبتناه هو الصواب.
- ٤٠٥ -

والمغيرة بن زياد ضعيف، وأبو جرهم غير معروف ، [ وأبو المهزم
مجمع على ضعفه ] (١) ، وحديث ابن مسعود ضعيف ، ومحال أن
تُعارض هذه الأحاديث حديث ابن عباس وأبي سعيد الخدري ، وإنما
[تتعارض] (٢) الأحاديث إذا تساوت طرقها في النقل والعدالة ، وأما
إذا كان بعضها ضعيفًا فالصحيح منها يسقط الضعيف .
وأما قول الطحاوي : إن تعليم الناس القرآن بعضهم بعضًا فرض،.
فغلط ؛ لأن تعلم القرآن ليس بفرض ، فكيف تعليمه ! وإنما [ الفرض
المتعين ] (٣) منه على كل أحد ما تقوم به الصلاة ، وغير ذلك
[فضيلة] (٤) ونافلة، وكذلك تعليم الناس بعضهم [ بعضا ] (١) الصلاة
ليس بفرضٍ متعين عليهم ، وإنما هو على الكفاية ، ولا فرق بين
الأجرة [على ] (٥) الرقى [و] (١) على تعليم القرآن ؛ لأن ذلك كله
منفعة .
وقوله عليه السلام : ((إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله)) هو
عام يدخل فيه إباحة التعليم وغيره ، فسقط قولهم .
وقد أجاز مالك أجر المؤذن ، وكره أجر الإمام ، وأجاز الشافعي
جميع ذلك بحديث ابن عباس وأبي سعيد .
قال المهلب : ومما يدل على جواز أخذ الأجرة على ذلك ، أن
الذين أخذوا الغنم تحرجوا من قسمتها وأكلها حتى سألوا رسول الله
عن ذلك ، فأعلمهم النبي أنها حلال لهم أخذ الأجر عليه ، وأكد.
تأنيسهم ، وطيِّب نفوسهم بأن قال: (( اضربوا لي معكم بسهم » .
(١) من (( هـ)).
(٢) في ((الأصل)): يعارض، والمثبت من (( هـ)).
(٣) في ((الأصل)): المفرض المعين، والمثبت من (( هـ)).
(٤) في ((الأصل)): فريضة، وهو خطأ، والمثبت من ((هـ)) .:
(٥) في ((الأصل)): في، والمثبت من (( هـ )).
٠١
- ٤٠٦ -

وأما أجر القسام فإن أكثر الفقهاء أجازوه ، وأما ما روي عن مالك
فيه من الكراهة ، فإنما ذلك لأن القسام كانوا يرزقون من بيت المال ،
فإذا لم يكن ذلك فلا بأس باستئجارهم على القسمة عنده ، والقسمة
مثل عقد الوثائق ، كل ذلك جائز عنده ، وعقد الوثائق فرض على
الكفاية بقوله : ﴿ وليكتب بينكم كاتب بالعدل ﴾ (١) فلما لم يتعين
الفرض [ جاز ] (٢) فيه أخذ الأجرة .
وقال ابن المنذر وأبو حنيفة : يكره تعليم القرآن بالأجر ، ويجوز أن
يستأجر الرجل أن يكتب له نوحًا أو شعرًا أو غناء معلومًا بأجر معلوم.
فيجيز الإجارة فيما هو معصية ، ويبطلها فيما هو طاعة لله تعالى !
وقد دلت السنة على إجازته .
قال المهلب : وفي حديث أبي سعيد من الفقه : وجوب التضيّف
على العادة المعروفة بين الناس في ( القِرَى) (٣)، وقوله: ((قد
استضفناكم فلم تضيفونا )» دليل أنهم فاوضوهم في منع معروفهم بأن
منعوهم هؤلاء أيضًا معروفهم في الرقية إلا بعوض ، فهذا يدل على أن
ترك الضيافة وأخذ الأجرة على الرقية ليس من مكارم الأخلاق .
وقوله عليه السلام: ((وما يدريك أنها رقية)) [ يدل ] (٤) أن في
القرآن ما يخص الرقى وأن فيه ما لا يخصها ، وإن كان القرآن كله
مرجوّ البركة من أجل أنه كلام الله ، لكن إذا كان في الآية تعوذ /
بالله أو دعاء كان أخص بالرقية مما ليس فيه ذلك ، وإنما أراد النبي -
عليه السلام - بقوله : (( وما يدريك أنها رقية )) أن يختبر علمه بذلك ؛
[٣/ق٤٨-١]
(١) البقرة : ٢٨٢ .
(٢) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): جازت.
(٣) في (( هـ)»: القديم .
(٤) من (( هـ )).
- ٤٠٧ -

لأنه ربما خفي موضعها في ﴿ الحمد ﴾ [ و] (١) قوله: ﴿ وإياك
نستعين ﴾ هو الموضع الذي فيه الرقية ؛ لأن الاستعانة به تعالى على
كشف الضر ، وسؤال الفرج والتبرؤ إليه من الطاقة ، والإقرار بالحاجة
إليه و[إلى عونه ] (٢) هو في معنى الدعاء .
[ قال المؤلف ] (٣): ويحتمل أن يكون الراقي إنما [ رقى ] (٤)
بالحمد لله لما علم أنها ثناء على الله ، فاستفتح رقيته بالثناء رجاء
الفرج، كما يرجى في الاستفتاح به في الدعاء الإجابة ، ولذلك قال
إبراهيم التيمي : إذا بدأ الرجل بالثناء قبل الدعاء فقد استوجب ، وإذا
بدأ بالدعاء قبل الثناء كان على الرجاء .
قال صاحب الأفعال : أنشطت العقدة : حللتها ، والتفل :
البصاق، يقال : تفل تفلاً : بصق .
باب : ضريبة العبد وتعاهد ضرائب الإماء
فيه : أنس قال: (( حجم أبو طيبة النبي - عليه السلام - ، فأمر له
بصاع أو ( بصاعين ) (٥) من طعام ، وكلم مواليه ، فخخفف من غلته أو
ضريبته )) .
وترجم له : باب خراج الحجام، وذكر فيه: (( أن النبي - عليه السلام-
احتجم وأعطى الحجام أجره )) ولو علم كراهية لم يعطه ، وقال أنس:
((كان النبي - عليه السلام - يحتجم، ولم يكن يظلم أحدًا أجره )).
(١) في ((الأصل)): وهو. والمثبت من (( هـ)).
(٢) في ((الأصل)): والمعونة.
(٣) من (( هـ)» :
(٤) في (( الأصل)): أراد، والمثبت من (( هـ)).
(٥) فى (( هـ، ن)): صاعين .
- ٤٠٨ -

وترجم للأول باب (( من كلم موالي العبد أن يخففوا عنه من خراجه».
قال المهلب : فيه من الفقه : أنه لا بأس أن يضرب الإنسان على
عبده خراجًا معلومًا في الشهر ، وأن يبلغ في ذلك وسع العبيد
وطاقتهم ، ولا يثقل عليهم ؛ لأن التخفيف لا يكون إلا عن ثقل .
وفيه : الشفاعة للمديان في الوضيعة ، وللعبد في الضريبة ، وإن
كان ليس بالدين الثابت لكنه مطالب به مستعمل فيه .
وفيه : استعمال العبد بغير إذن سيده إذا كان معوضًا لذلك معروفًا
به .
وفيه : الحكم بالدليل ؛ لأنه استدل على أنه مأذون له في العمل
(لانتصابه) (١) له وعرض نفسه عليه .
وأما مذاهب العلماء في خراج الحجام وكسبه ، فقال ابن القصار :
يجوز للحجام أن يأكل من كسبه ، وإن كان عبدًا جاز لسيده أن يأكله،
وإن كنَّا لا نحبه ؛ لأنها صنعة دنية ، ولكنه غير محرم ، وبهذا قال
جماعة الفقهاء إلا أحمد وغيره من أصحاب الحديث [ فإنهم ] (٢)
قالوا : هو محرم على الأحرار ومباح للعبيد ، ولا يجوز للحر أن
يحترف بالحجامة ، وإن كان غلامه حجامًا لم ينفق على نفسه من
كسبه، وإنما ينفقه على العبد وعلى بهائمه .
والقصد بالحجام : الذي يحجم ليس الذي يزين الناس ، واستدلوا
لقولهم بحديث أبي رافع أن النبي - عليه السلام - قال : (( كسب
الحجام خبيث)) قالوا : والخبيث عبارة عن الحرام ، [ بحديث ابن
محيصة ] (٣) عن أبيه قال: (( استأذنت النبي - عليه السلام - في
(١) في (( هـ)): لاقتضائه .
(٢) من (( هـ)) .
(٣) في ((الأصل)): بدليل محيصة، والمثبت من (( هـ)).
- ٤٠٩ -

إجارة الحجام فنهاني عنها ، فما زلت أسئله حتى قال : اعلفه
ناضحك، وأطعمه رقيقك)) .
وحجة الجماعة حديث أنس وابن عباس : (( أن النبي احتجم ،
وأعطى الحجام أجرة ، قال ابن عباس : ولو علم كراهيةً لم يعطه )).
قال الطحاوي : وفي إياحة النبي أن يطعمه رقيقه وناضحه دليل أنه
ليس بحرام ، ألا ترى أن المال الحرام الذي لا يحل للرجل أكله لا
يحل له أن يطعمه رقيقه ولا ناضحه ، فثبت بذلك نسخ ما تقدم من
نهيه ، وهو النظر عندنا ؛ لأنا رأينا الرجل يستأجر الرجل يفصد له
عِرقًا ، أو ينزع له ضرسًا فيجوز ذلك ، فكذلك تجوز الحجامة .
قال غيره : والدليل على ذلك قوله تعالى : ﴿قو أنفسكم وأهليكم
ناراً﴾ (١) قال أهل التفسير : جنبوهم ما يقود إلى النار وما يؤدي إلى
سخطه، وذلك [ فرض ] (٢) على المخاطبين بهذه الآية.
وقال ربيعة : إن الحجامين كان لهم سوق على عهد عمر بن
الخطاب . وقال يحيى بن سعيد : لم يزل المسلمون مقرين بأجر
(الحجام ) (٣) ولا ينكرونها.
وأما قولهم : إنها صنعة دنية ، فليست بأدنى من صنعة الكناس
الذي ينقل الحش ، وليست بحرام ، وكذلك الحجام .
[٤٨٥/٣-ب] وقولهم : إن اسم الخبيث عبارة عن الحرام ، فليس كذلك ، /
وقد يقع على الحلال ، قال تعالى : ﴿ولا تيمموا الخبيث منه
تنفقون﴾ (٤)، وكانوا يتصدقون بالحشف ورديء التمر فنزلت هذه
الآية فيه .
(١) التحريم : ٦ .
.
(٣) في (( هـ)»: الحجامة
(٢) في ((الأصل)): حرام، والمثبت من (( هـ)).
(٤ ) البقرة : ٢٦٧ .
- ٤١٠ -

باب : كسب البغي والإماء
وكره إبراهيم أجر النائحة والمغنية ، وقول الله - تعالى - : ﴿ولا
تكرهوا فتياتكم على البغاء .... ﴾ (١) الآية . وقال مجاهد : فتياتكم :
إمائكم .
فيه : أبو مسعود الأنصاري ( أن النبي - عليه السلام - نھی عن ثمن
الكلب ، ومهر البغي ، وحلوان الكاهن )) .
وفيه : أبو هريرة (( نهى النبي عن كسب الإماء)).
ذكر أهل التفسير في هذه الآية أنها كانت لعبد الله بن أبي حارثة أمة
يكرهها على الزنا ، فلما حرم الله الزنا قال لها : [ ألا ] (٢) تزنين ؟
قالت : والله لا أزني أبدًا، [ فنزلت ] (٣) هذه الآية، ليعرف أن
إثمن على من أكرههن ، قال إسماعيل بن إسحاق: [ فدلت ] (٤)
هذه الآية أن المكرهة على الزنا والمغتصبة توطأ ، أنه لا حد
[عليها](٥). قال غيره : وحرم الله كسب البغي بفرجها .
وأجمع العلماء على إبطال أجر النائحة والمغنية ، وهو عندهم من
أكل المال بالباطل .
والبغي : الفاجرة ، والاسم البغاء .
(١) النور : ٣٣.
(٢) في ((الأصل)): لا، والمثبت من ( هـ).
(٣) في ((الأصل)): ونزلت، والمثبت من (( هـ ).
(٤) في (( الأصل)): فنزلت، والمثبت من ( هـ).
(٥) في (( الأصل: عليهن، والمثبت من (( هـ)).
- ٤١١ -

باب : عسب الفحل
فيه : ابن عمر (( نهى النبي عن عسب الفحل)).
اختلف العلماء في تأويل هذا الحديث ، فكرهت طائفة أن يستأجر
الفحل لينز به مدةً معلومةً بأجر معلوم ، ذكر ذلك عن أبي سعيد
الخدري والبراء بن عازب ، وذهب الكوفيون والشافعي وأبو ثور إلى
أنه لا يجوز عسب الفحل ، واحتجوا بحديث ابن عمر ، فقالوا :
هو شيء مجهول لا ندري أينتفع به أم لا ؟ وقد لا ينزل الفخل .
وقال عطاء : لا يأخذ عليه أجرًا ، ولا بأس أن يعطي الأجر إذا لم تجد
من يطرقك . ورخص فيه الحسن وابن سيرين ، وأجاز ذلك مالك مدةً
معلومةً [ أو ضربات معلومة ] (١) ، واحتج الأبهري بأنها بيع منفعة ،
وكما جاز للإنسان الانتفاع به جاز أن يبيعه ويعاوض عليه غير الوطء
خاصة ، وإنما الذي لا يجوز أخذ العوض عليه ما لا يجوز فعله ، مما
هو منهي عنه كبيع الخمر والخنزير ، ومهر البغي ، وحلوان الكاهن ،
وشبه ذلك من الأعيان المحرمة ، والمنافع الممنوعة ، ومعنى نهيه عليه
السلام عن عسب الفحل هو أن يكر به إلى العلوق ؛ لأن ذلك
مجهول لا يدري متى يعلق ، ولا يجوز إجارة المجهول ، كما لا
يجوز بيعه ، فأما إذا كان إلى أجل معلوم أو نزوات معلومة فلا بأس
بذلك .
قال صاحب الأفعال : [ تقول العرب: عسب ] (٢) الرجل عسبًا:
أكرى منه فحلاً ينز به ، ويقال : العسب : ماء الفحل ، قال أبو
علي: قال أبو ليلى : العسب : ماء الفحل فرسًا كان أو بعيرًا ، ولا
يتصرف منه فعل ، يقال : قطع الله عسبه ، أي : ماءه ونسله .
(١) من (( هـ)).
(٢) في ((الأصل)): أعسب، والمثبت من (( هـ ).
- ٤١٢ -

باب : إذا استأجر أرضًا فمات أحدهما
قال ابن سيرين : ليس لأهله أن يخرجوه إلى تمام الأجل .
وقال الحسن والحكم وإياس بن معاوية : تمضي الإجارة إلى أجلها .
وقال ابن عمر: (( أعطى النبي - عليه السلام - خيبر بالشطر ، فكان
ذلك على عهد النبي - عليه السلام - وأبي بكر وصدرًا من خلافة عمر ،
ولم يذكر أن أبا بكر وعمر جدّدا الإجارة بعدما قبض النبي» .
فيه: ابن عمر (( أعطى النبي - عليه السلام - خبير اليهود أن يعملوها
ويزرعوها، ولهم شطر ما يخرج منها)).
وأن ابن عمر حدثه (( أن المزارع كانت تكرى على شيء سماه نافع ، ولا
أحفظها )) .
وأن رافع بن خديج حدث: (( أن النبي نهى عن كراء المزارع)).
اختلف العلماء في هذا الباب ، فقالت طائفة : لا تنفسخ الإجارة
بموت أحدهما ولا بموتهما ، بل يقوم الوارث منهما مقام الميت ، هذا
قول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور / ومن حجتهم ما [٤٩٥/٣-١]
ذكره البخاري في هذا الباب ، وقال الكوفيون والثوري والليث :
تنتقض [ الإجارة ] (١) بموت أيهما مات، واحتجوا لذلك
[فقالوا](٢): لو قلنا: إن العقد لا ينفسخ، لم تحل للمكتري أن يستوفي
المنافع من ملك المكري ، أو من ملك الوارث ، فبطل أن يستوفيها من
ملك المكري ؛ لأن المكري إذا مات فلا ملك له ، ولا يجوز أن
يستوفيها من ملك الوارث ؛ لأن الوارث لم يملكها ، ولا عقد له معه،
فلا يجوز أن يستوفي المنافع من [ ملكه فوجب أن ينفسخ العقد.
(١) من (( هـ ).
(٢) في ((الأصل)): فقلنا، والمثبت من ( هـ)).
- ٤١٣ -

قال ابن القصار : فيقال لهم: إن المكتري لا يستوفي المنافع من] (١)
ملك واحد منهما . قلنا إنما يستوفيها من ملك نفسه ؛ لأن المكري كان
[ يملك ] (٢) الرقبة وما يحدث لها من المنافع ، فلما عقد على منافعها
مدةً ما [زال ] (٣) ملكه عنها إلى المكتري ، فإذا مات قبل انقضاء المدة
لم ينتقل إلى الوارث عنه ملك المنافع ؛ لأنها ليست في ملكه ، وإنما
انتقلت إليهم العين دون المنافع ، فالمكتري إذا استوفى المنافع فإنه لا
يستوفي شيئاً ملكه الوارث ، بل يستوفي ملك نفسه ، وأيضاً فإن
مذهب أبي حنيفة أن الرجل إذا وقف دارًا أو ضيعة على غيره ، وجعل
[ إليه] (١) النظر في ذلك، فأكرى الموقف على يديه ذلك عن غيره.
[ثم مات ] (١) ، فالإجارة لا تنفسخ كما نقول نحن .
(١) من ((هـ)).
(٢) في ((الأصل)): ملك. والمثبت من ((هـ)).
(٣) في ((الأصل)): أزال. والمثبت من ((هـ).
- ٤١٤ -

كتاب الحوالة والكفالة
وهل يرجع في الحوالة
وقال الحسن وقتادة : إذا كان يوم أحال عليه [ مليا ] (١) جاز .
وقال ابن عباس: (( يتخارج [ الشريكان] (٢) وأهل الميراث ، فيأخذ
هذا عينًا وهذا دينًا ، فإن توي لأحدهما لم يرجع على صاحبه )) .
فيه: أبو هريرة قال : قال النبي - عليه السلام -: (( مطل الغني ظلم،
وإذا أنبع أحدكم على ملي فليتبع )) .
قال أبو عبد الله بن أبي صفرة : الحوالة لا تكون إلا بعد
[حلول](٣) أجل الدين؛ لقوله عليه السلام: ((مطل الغني ظلم)) لأن
المطل لا يكون إلا بعد [ حلول ] (٤) الأجل .
وقوله: (( إذا أتبع أحدكم على ملي فليتبع)) معناه الحوالة ، يقول :
إذا أحيل أحدكم على ملي فليستحل . قال الخطابي : وأكثر المحدثين
يقولون : إذا اتبع بتثقيل التاء ، والصواب أتبع بالتخفيف .
وقال ابن المنذر : هذا الخبر يدل على معان منها : أن من الظلم دفع
الغني صاحب المال عن ماله بالمواعيد ، ومن لا يقدر على القضاء غير
داخل في هذا المعنى ؛ لأن الله - تعالى - قد أنظره بقوله: ﴿ وإن
كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة ﴾ (٥).
(١) في ((الأصل)): ملي، والمثبت من (( هـ، ن)).
(٢) في ((الأصل)): الشريكين، والمثبت من (( هـ، ن)).
(٣) في ((الأصل)): طول، والمثبت من ((هـ)).
(٤) من ((هـ ) .
(٥) البقرة : ٢٨٠ .
- ٤١٥ -

وفيه ما دل على تحصين الأموال ، وذلك أمره باتباع المَليّ دون
(المعسر ) (١)؛ لأنه حض بقوله : (( ومن أتبع على ملي فليتبع )) فدل
أن من أتبع على غير ملي فلا يتبع . قال غيره : وهذا معناه عند
العلماء : إرشاد وندب وليس بواجب ، ويجوز عندهم لصاحب
الدين إذا رضى بذمة غريمه ، وطابت نفسه على الصبر عليه ( ألا) (٢)
يستحيل عليه ، وإذا علم منه غنىً جاز له ألا يستحيل عليه إذا كان سيئ.
القضاء، [ وأوجب أهل الظاهر أن يستحيل على الملي فرضًا] (٣)
والحوالة عند الفقهاء رخصة من بيع الدين بالدين ؛ لأنها معروف ،
كما كانت العربيَّة متثناة من المزابنة ؛ لأنها معروف وكما جاز قرض
الدراهم بالدراهم إلى أجل ؛ لأن ذلك معروف .
واختلف الفقهاء في الرجل يحتال بالمال على مليٍّ من الناس ، ثم
يفلس المحال عليه أو يموت ، فقالت طائفة : يرجع على المحيل بماله .
هذا قول شريح والشعبي والنخعي ، وبه قال أبو يوسف ومحمد ،
وقال أبو حنيفة : يرجع عليه إذا مات المحال عليه مفلسًا . وقال
الحكم: لا يرجع ما دام حيا حتى يموت ولا يترك شيئًا ، فإن الرجل.
يوسر مرةً ويعسر مرةً . وقالت طائفة : لا يرجع على المحيل بالمال
أفلس المحال عليه أو مات ، وسواء غره بالفلس أو طوّل عليه أو أنكر؛
لأنه في معنى من قبض العوض ، هذا قول الليث والشافعي وأحمد
وأبي ( عبيد ) (٤) وأبي ثور ، وقال مالك : لا يرجع على الذي أحاله
إلا أن يغره من فلس علمه . واحتج الشافعي فقال : قول الرجل :
[٣/ق٤٩-ب) أحلته وأبرأني ، أي: حولت حقه عني / وأثبته على غيري ، فلا:
(١) في (( هـ)): المعدوم.
(٣) من (( هـ )).
(٢) في (( هـ)) : أن .
(٤) في (( هـ )) : عبيدة .
- ٤١٦ -
۔

يرجع فيه ، ودل قوله عليه السلام: (( من أتبع على ملي فليتبع)) على
تحول المال عن المحيل إلى المحال عليه ، ولو لم يكن كذلك ما ضره
لو أحيل على معدم . والحجة لمالك أن الحوالة تحول من دين إلى
دین، وبیع دین بدین ، باع صاحب الحق دينه الذي له علی زید بالدين
الذي لعمرو عليه في ذمته ، فليس له أن يرجع متى مات أو
[أفلس](١)؛ لأن حقه قد وجب على المحال عليه ، وفي ذمته دون ذمّة
المحيل ، وكأنه باع سلعةً له بسلعة ، وهذا يوجب براءة كل واحد
منهما من صاحبه ، وذلك مخالف للمحالة ؛ لأن الحمالة وثيقة من
حقه ، وليس بيع شيء ، فأمّا إذا غره المحيل بفلس فإنه يرجع على من
غره ؛ لأن ذلك عيب لم يرض به صاحب الحق ، كما يرجع المشتري
على البائع بإرش العيب إذا دلس به ، أو يرد السلعة إن كانت قائمة ،
ألا ترى قوله عليه السلام: ((وإذا أتبع أحدكم على ملي فليتبع)
فحكم أن الاتباع بشرط الملاء ، فدل أنه إذا أحيل على غير مليّ أنه لا
يتبع ، وإذا لم يتبعه وجبت له المطالبة بدينه ، ويقال الكوفيين : إن
الحوالة بيع دراهم في ذمة المحيل بدراهم في ذمة المحال عليه ، وبيع
الدراهم بالدراهم صرف ، والصرف يبطل بترك القبض ، فعلم أن
الحوالة في معنى القبض والاستيفاء ، ولولا ذلك لم تصح الحوالة .
فإن قالوا : إن إفلاس الغريم يجري مجرى العيب ، فيجب أن
يكون له الرد بالعيب والرجوع إلى الحق قيل : هو عيب حدث بعد
البيع ، فسقطت المطالبة به ، والعيب الذي يجب به الرجوع إلى الحق
هو العيب المتقدم قبل سقوط المطالبة ، والفرق بين الحوالة والحمالة
عند مالك ، أن الحمالة والكفالة لفظان معناهما الضمان ، وهما
(١) في ((الأصل)): فلس. والمثبت من ((هـ)).
- ٤١٧ -

وثيقة لصاحب الدين بمنزلة الرهن هو وثيقة للمرتهن ، وليس هو
بانتقال من دين إلى دين ، ولا من ذمة إلى ذمة ، فمتى تلف [ الحميل
م
رجع إلى المتحمل ](١) عنه ، كما إذا تلف الرهن فللمرتهن أخذ حقه
من الراهن .
باب : إن أحال دین الميت على رجل جاز
إذا أحال علی ملي فليس له رده
فيه : سلمة بن الأكوع (( كنا عند النبي إذا أتي بجنازة فقالوا: [صل](٢)
عليها ، فقال : هل عليه دين ؟ قالوا: لا . قال: [ فهل ] (٣) ترك شيئًا
قالوا : لا ، فصلى عليه ، ثم أتي بجنازة أخرى ، فقالوا : يا رسول الله ،
[صلّ] (٢) عليها، قال: هل عليه دين؟ [ قيل] (٤): نعم ، قال : فهل
ترك شيئًا ؟ قالوا: ثلاثة دنانير ، فصلى عليها ، ثم أتي بالثالثة ، فقالوا :
[ صل ] (٢) عليها، قال: هل ترك شيئًا؟ قالوا: لا ، قال : فهل عليه
دين ؟ قالوا : ثلاثة دنانير ، قال : صلوا على صاحبكم ، قال أبو قتادة :
[صلّ ] (٢) علیه یا رسول الله ، وعلى دينه ؛ فصلی علیه )) .
وإنما ترجم إن أحال دين الميت على رجل ، ثم أدخل حديث
الضمان ؛ لأن الحوالة والجمالة عند بعض العلماء معناهما متقارب
[وهو قول ابن أبي ليلى ] (٥) وإليه ذهب أبو ثور ، فلهذا جاز
(١) في ((الأصل)): الجيل رجع إلى التحمل، والمثبت من ((هـ)).
(٢) في ((الأصل)): صلي. والمثبت من ((هـ، ن)).
(٣) في (( الأصل: هل والمثبت من (( هـ، ن)).
(٤) في ((الأصل)): قال. وهو خطأ، والمثبت من (( هـ، ن)).
(٥) من (( هـ)).
- ٤١٨ -

أن يعبر عن الضمان بأحال ؛ لأنه كله نقل ذمة رجل إلى ذمة آخر ،
ونقل ما على رجل من دين إلى آخر ، والحمالة في حديث أبي قتادة
براءة الذمة الميت ، فصار كالحوالة سواء .
وقد اختلفوا في الرجل يضمن دينًا معلومًا عن ميت بعد موته ، ولم
يترك وفاءً ، فقالت طائفة : الضمان له لازم ترك الميت شيئًا أم لا.
هذا قول ابن أبي ليلى ، وبه قال مالك والشافعي .
وقال أبو حنيفة : لا ضمان على الكفيل ؛ لأن الدين قد توي ، فإن
ترك شيئًا ضمن الكفيل بقدر ما ترك ، فإن ترك وفاءً فهو ضامن لجميع
ما تكفل به .
قال ابن المنذر : فخالف أبو حنيفة هذا الحديث ، وفي امتناع
رسول الله أن يصلي عليه قبل ضمان أبي قتادة ، وصلاته عليه بعد
ضمانه البيان البين عن صحة ضمان أبي قتادة ، وأن من ضمن عن
ميت دينًا فهو له لازم ترك الميت شيئًا أو لم يترك ؛ لأنهم قالوا له : ما
ترك وفاءً .
وفي حديث أبي قتادة حجة على أبي حنيفة في قوله أنه لا تصح
الكفالة بغير قبول الطالب ، و[ خالفه ] (١) أبو يوسف وقال :
الكفالة جائزة كان له مخاطب أو لم يكن .
/ وقال ابن القاسم : لا أحفظ عن مالك فيه شيئًا، وأراه لازمًا، [٣/ق٥٠-١]
وأجازه الشافعي إذا عرف مقدار ما تكفل به .
وقال الطحاوي : قد أجاز النبي - عليه السلام - ضمان أبي قتادة
[عن الميت ] (٢) من غير قبول المضمون له ، فدلّ على صحّة قول أبي
يوسف .
(١) في ((الأصل)): خالفنا. والمثبت من (( هـ)).
(٢) من (( هـ)).
- ٤١٩ -

واختلفوا إذا تكفل عن رجل بمال ، هل للطالب أن يأخذ من
[أيهما](١) شاء منهما، فقال الثوري والكوفيون والأوزاعي والشافعي
وأحمد وإسحاق : يأخذ أيهما شاء من المطلوب أو من الكفيل حتى
يستوفي حقه . وهذا كان قول مالك ثم رجع عنه وقال : لا يأخذ
الكفيل إلا أن يفلس الغريم أو يغيب .
وقالت طائفة : الكفالة والحوالة والضمان سواء ، ولا يجوز أن
يكون شيء واحد على اثنين ، على كل واحد منهما . هذا قول أبي
ثور ، وقال ابن أبي ليلى : إذا ضمن الرجل عن صاحبه مالا تحول
على الكفيل ، وبرئ صاحب الأصل إلا أن يشترط المكفول ( له ) (٢).
عليهما أن يأخذ أيهما شاء ، واحتج ببراءة الميت من الدين بضمان أبي
قتادة ، ولذلك صلى النبي عليه ، وقال الأبهري : وحجة مالك أن
يأخذ الذي عليه الحق ، فإن وفى بالدين وإلا أخذ ما نقصه من
[مال](١) الحميل ؛ فلأن الذي عليه الحق قد أخذ عوض ما يؤخذ منه،
ولم يأخذ الحميل عوض ما يؤخذ منه ، وإنما دخل على وجه المكرمة
والثواب ، فكان التبدئة بالذي عليه الحق أولى إلا أن يكون الذي عليه
الحق غائبًا أو معدمًا ، فإنه يؤخذ من الحميل ؛ لأنه معذور في أخذه
في هذه الحال . وهذا قول حسن ، والقياس أن للرجل مطالبة أي
الرجلين شاء ، وحجة هذا القول ما رواه شريك عن عبد الله بن
محمد بن عقيل [ عن جابر] (١) «أن رجلاً مات وعليه دين ، فلم
يصلّ عليه النبي حتى قال أبو اليسر أو غيره : هو علي ، فصلى عليه،
فجاءه من الغد يتقاضاه ، فقال : إنما كان ذلك أمس ، ثم أتاه من بعد
الغد فأعطاه، فقال عليه السلام: ((الآن بردت عليه جلدته)). قال
(١) من ( هـ)).
(٢) تكررت في ((الأصل)).
- ٤٢٠ - .