Indexed OCR Text

Pages 321-340

فإن قيل : فقولوا بالجائحة في القليل والكثير ، وقد قال به أحمد
ابن حنبل وجماعة . قيل : الجائحة في لسان العرب إنما هي فيما كثر
دون ما قل ؛ لأنه [ لا يقال ] (١) لمن ذهب درهم من ماله وهو يملك
ألوفًا أنه أجيح ، ومن جهة المعقول أن المشتري قد دخل على ذهاب
اليسير من الثمرة ؛ لأنه لا بد أن يسقط شيء منها وتلحقه الآفة ويأكل
الطير وغيره منها ، فلم يجب على البائع أن يضع ( عن ) (٢) المشتري
ذلك المقدار الذي دخل عليه حتى يكون في حد الكثير ، وهو الحد
الكثير [ من ] (٣) الشيء ثلثه فصاعدًا بدليل قوله عليه السلام لسعد :
((الثلث، والثلث كثير)) فجعل ثلث ماله كثيرًا في ماله ؛ فلهذا قال
مالك : إنه يوضع الثلث فصاعدًا ؛ ليكون قد أخذ بالخبر والنظر ،
وقال يحيى بن سعيد : لا جائحة فيما أصيب دون ثلث رأس المال ،
وذلك [ في ] (٤) سنة المسلمين .
باب : شراء الطعام إلى أجل [ مسمى ] (٤)
فيه : الأعمش ذكرنا عند إبراهيم الرهن في السلف ، فقال : لا بأس به،
ثم حدثنا عن الأسود ، عن عائشة : أن النبي - عليه السلام - اشترى
طعامًا من يهودي إلى أجل [ ورهنه ] (٥) درعه )) .
لا خلاف بين أهل العلم أنه يجوز شراء الطعام بثمن معلوم إلى أجل
معلوم .
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): لم يقل.
(٣) من (( هـ)) وفي (( الأصل)): في .
(٥) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): فرهنه .
(٢) في (( هـ)): على .
(٤) من ( هـ )) .
- ٣٢١ -

باب : إذا أراد أن يبيع ( تمرًا بتمر ) (١) خير منه
!
[٣/ ق٣٢- ١]
فيه : أبو هريرة وأبو سعيد (( أن النبي - عليه السلام - استعمل رجلا
على خيبر / فجاءه ( بتمر ) (٢) جنيب فقال رسول الله: أكل تمر خيبر
هكذا ؟ فقال : لا والله يا رسول الله ، إنا لنأخذ الصاع من هذا
(بصاعين)(٣) والصاعين ( بالثلاث ) (٤) فقال رسول الله لا تفعل ، بع
[الجميع ] (٥) بالدراهم ، ثم ابتع بالدراهم جنيًا » .
فيه من الفقه : أن ( التمر ) (٦) کله جنس واحد رديئه وجيده ،
لا يجوز التفاضل في شيء منه ، ويدخل في معنى ( التمر ) (٦) جميع
الطعام ، فلا يجوز في الجنس الواحد التفاضل ولا النسيئة بإجماع ،.
فإن كانا جنسين جاز فيهما التفاضل يداً بيد ، ولم تجز النسيئة ، هذا
حكم الطعام المقتات كله عند مالك .
وعند الشافعي الطعام كله [ مقتات أو ] (٧) غير مقتات . وعند
الكوفيين : الطعام المكيل [ كله ] (٨) والموزون دون غيره.
وفيه من الفقه : أن من لم يعلم تحريم الشيء فلا حرج عليه حتى
يعلمه ، قال تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ﴾ (٩)
وأجمع العلماء أن البيع إذا وقع محرمًا ، فهو مفسوخ مردود ؛
لقوله عليه السلام : (( من عمل عملا على غير أمرنا فهو رد)).
وقد روي أن رسول الله أمر برد هذا البيع من حديث بلال بن
(١) فى (( هـ)): ثمرًا بثمر
٠
(٣) في (( هـ)): بالصاعين.
(٥) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): الجمع.
(٧) من ((هـ)) وفي ((الأصل: مقتاتًا و.
(٨) من ( هـ )).
(٢) في ( هـ )): بثمر
(٤) في ((هـ)): بالثلاثة .
(٦) في (( هـ)): الثمر .
(٩) الإسراء : ١٥ .
- ٣٢٢ -

رباح، ومن حديث أبي سعيد الخدري ، وروی منصور ( و ) (١) قيس
ابن الربيع عن أبي حمرة ، عن سعيد بن المسيب ، عن بلال قال :
((كان عندي تمر دون ، فابتعت تمرًا أجود منه في السوق بنصف كيله ؛
صاعين بصاع ، فأتيت النبي - عليه السلام - فحدثته بما صنعت ،
فقال : هذا الربا بعينه ، انطلق فرده على صاحبه ، وخذ تمرك فبعه ،
ثم اشتر التمر)) . وقد زعم قوم أن بيع (العامل) (٢) الصاعين
بالصاع كان قبل نزول آية الربا ، وقبل أن يخبرهم النبي - عليه
السلام- بتحريم التفاضل في ذلك ، ولذلك لم يأمر بفسخه .
وهذه غفلة ؛ لأنه عليه السلام قد قال في مغنم خيبر للسعدين :
((أربيتما؛ فَرُدًّا)). وفتح خيبر مقدم على ما كان بعد ذلك مما وقع في
تمرها وجميع أمرها .
وقد احتج بحديث هذا الباب من أجاز أن يبيع الطعام من رجل
بالنقد ، ويبتاع منه بذلك [ النقد ] (٣) طعامًا قبل الافتراق وبعده ؛ لأنه
لم يخص فيه بائع الطعام ولا مبتاعه من غيره ، وهو قول الشافعي
وأبي ثور ، ولا يجوز هذا عند مالك ؛ لأنه عنده كأنه طعام بطعام
والدراهم ملغاة إلا أن يكون الطعام جنسًا واحدًا وكيلا واحدًاً ؛ فيجوز
عنده .
*
باب : من باع نخلا قد أبرت أو أرضا مزروعة أو بإجارة
وقال نافع: (( أيما نخل بيعت قد أبرت - لم يذكر الثمر - فالثمر الذي
أبرها ، وكذلك العبد والحرث ، سَمّى له نافع هؤلاء الثلاث)).
(١) في ((الأصل)): بن، وهو تحريف. والمثبت من ((هـ)).
(٢) في (( هـ )): عامل خيبر .
(٣) من ( هـ )).
- ٣٢٣ -

فيه : ابن عمر: (( أن النبي - عليه السلام - قال: (( من باع نخلا قد
أبرت فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع » .
قال الخليل: [الأبر] (١): لقاح النخل أبر النخل يأبرها أبرّاً،
والتلقيح: هو أن [ يؤخذ ] (٢) طلع ذكور النخيل فيدخل بين ظهراني
طلع الإناث ، وأما معنى الإبار في سائر الأشجار فإن ابن القاسم
يراعي ظهور الثمرة لا غير ، وقال ابن عبد الحكم : كل ما لا يؤبر
من الثمار فاللقاح فيها بمنزلة الإبار في النخل .
وأخذ بظاهر حديث ابن عمر : مالك والليث والشافعي وأحمد
وإسحاق ، فقالوا : من باع نخلا قد أبر ولم يشترط ثمرته المبتاع ،
فالثمرة للبائع ، وهي في النخل متروكة إلى الجداد ، وعلى البائع
السقي ، وعلى المشتري تخليته وما يكفى من الماء ، وكذلك إذا باع
الثمرة دون الأصل ، فعلى البائع السقي .
قال أبو حنيفة : سواء أَبَّر أو لم يؤبِّر هو للبائع ، وللمشتري أن
يطالبه بقلعها عن النخل في الحال ، ولا يلزمه أن يصبر إلى الجداد ،
فإن اشترط البائع في البيع ترك الثمرة إلى الجداد ، فالبيع فاسد ،
واحتجوا بالإجماع على أن الثمرة لو لم تؤبر حتى تناهت وصارت
[٣/ ق٣٢- ب] بلحا أو بسُّرا وبيع النخل، أن الثمرة لا تدخل / فيه ، فعلمنا أن
المعنى في ذكر الإبار ظهور الثمرة خاصة ؛ إذْ لا فائدة [ لذكر] (٣).
الإبار غير ذلك ، ولم يفرقوا بين الإبار وغيره ، قالوا : وقد تقرر أن
من باع دارًا له فيها متاع، فللمشتري المطالبة بنقله عن الدار في الحال،
(١) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): الأبرت.
(٢) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): يدخل.
(٣) من (( هـ)) وفي (( الأصل)) : لذلك.
- ٣٢٤ -

ومن باع شيئًا فعليه تسليمه ورفع يده عنه ، وبقاء الثمرة على النخل
بعد البيع انتفاع [ بالنخل ] (١) إلى وقت الجداد ، فيكون في معنى من
باع شيئًا واستثنى منفعته ، وهذا لا يجوز ، فخالفوا السنة إلى قياس ،
ولا قياس لأحد مع السنة .
ويقال لهم : إن من باع شيئًا مشغولا يحق للبائع ، فإن البائع يلزمه
نقله عن المبيع على ما جرت به العادة في نقل مثله ، ألا ترى أنه لو
باع داراً هو فيها وعياله في نصف الليل وله فيها طعام كثير وآلة ،
فلا خلاف أنه لا يلزمه نقله عنها نصف الليل حتى يرتاد منزلا يسكنه ،
ولا يطرح ماله في الطريق ، هذا عرف الناس ، وكذلك جرت العادة
في أخذ الثمرة عند الجداد ، وهو حين كمال بلوغها ، ولما مَلَّكَ
النبي - عليه السلام - الثمرة بعد الإبار للبائع اقتضى استيفاء منفعته بها
على كمالها ، وأغنى ذلك عن استثناء البائع تبقية الثمرة إلى الجداد ،
وأبو حنيفة يجيز أن يبيع السلعة أو الثمرة ويستثنى نصفها وثلثيها وما
شاء منها إذا كان المستثنى معلومًا ، كذلك قول أكثر العلماء إذا باع
نخلا وفيها ثمرة لم تؤبر ، فهي للمبتاع تابعة لأصلها بغير شرط ،
استدلالا بحديث ابن عمر ، وخالف ذلك أبو حنيفة فقال : هي للبائع
(بمنزلة)(٢) لو كانت مؤبرة ، إلا أن يشترطها المبتاع.
فيقال له : الثمر له صفتان : مؤبر ، وغير مؤبر ، ولما جعله النبي-
عليه السلام - إذا كان مؤبرًا للبائع بترك المشتري اشتراطها ، أفادنا
ذلك أن الثمرة للمشتري إذا لم تؤبر وكانت في أكمامها وإن لم
يشترطها المشتري ، ولو كان الحكم فيها غير مختلف حتى يكون الكل
للبائع ، لكان يقول : من باع نخلا فيها ثمر فهي للبائع . فخالف أبو
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): النخل.
(٢) في ((هـ )): بمنزلتها .
- ٣٢٥ -

حنيفة الحديث من وجهين : خالف نصه إذا كانت الثمرة مؤبرة ،
وخالف دليله إذا [ كانت الثمرة ] (١) لم تؤبر .
فأما بيع الأرض فيها زرع ، فروى ابن القاسم عن مالك : أن من
اشترى أرضًا فيها زرع (ظهر) (٢) ولم ( يُسَبَّل) (٣) ، فالزرع للبائع
إلا أن يشترطه المشتري ، وإن وقع البيع والبذر لم ينبت ، فهو للمبتاع
بغير شرط .
وروى ابن عبد الحكم عن مالك : إن كان الزرع لقح أكثره -
ولقاحه أن يتحبب و( يسبل ) (٣) - حتى لو يبس يومئذ لم يكن
[فسادًا] (٤) فهو للبائع إلا أن يشترطه المشتري ، وإن كان لم يلقح فهو
للمبتاع .
وذكر ابن عبد الحكم في موضع آخر من كتابه مثل رواية ابن
القاسم- والله أعلم
:
#
*
باب : بيع الزرع بالطعام كيلا
فيه : ابن عمر: (( نهى النبي - عليه السلام - عن المزابنة ، أن يبيع
(ثمرة)(٥) حائطه إن كان نخلاً بتمر کیلا ، وإن كان كرما أن يبيعه بزبيب
کیلا ، أو کان زرعًا أن يبيعه بکیل طعام ، نهى عن ذلك كله )).
أجمع العلماء أنه لا يجوز بيع الزرع قبل أن يقطع بالطعام ، [ ولا بيع
العنب في كرمه بالزبيب ] (1) ولا بيع الثمر في رءوس النخل بالتمر،
(١) من ((هـ).
(٣) في (( هـ)) : يسنبل
(٥) في (( هـ )) : ثمر .
(٢) في (( هـ )) : لم يظهر .
(٤) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): فساد.
- ٣٢٦ -

لأن النبي - عليه السلام - نهى عنه وسماه مزابنة ، وذلك خطر
وغرر؛ لأنه بيع مجهول بمعلوم من جنسه ، وأما بيع رطب ذلك بيابسه
إذا كان مقطوعًا وأمكن فيه المماثلة ، فجمهور العلماء لا يجيزون بيع
شيء من ذلك بجنسه ، لا متماثلاً ولا متفاضلاً ؛ لأنه من المزابنة
المنهي عنه ، وبهذا قال أبو يوسف ومحمد . وخالفهم أبو حنيفة فأجاز
بيع الحنطة الرطبة باليابسة ، والرطب بالتمر مثلا بمثل ، ولا يجيز ذلك
متفاضلا .
قال ابن المنذر : وأظن أبا ثور وافقه على ذلك ، واحتج له
الطحاوي وقال : لما أجمعوا أنه يجوز بيع الرطب بالرطب / مثلا (٣٣٥/٣-١]
بمثل، وإن كان في أحدهما رطوبة ليست في الآخر ، وكل ذلك ينقص
إذا بقي نقصانًا مختلفًا ، ولم ينظروا إلى ذلك فيبطلوا به البيع ، بل
نظروا إلى حاله في وقت وقوع البيع ، فالنظر أن يكون الرطب بالثمر
كذلك ، وهذا قياس فاسد ؛ لأن الرطب بالرطب وإن كان يختلف
نقصانه إذا ييس ، فهو نقصان معفو عنه لقلته ، وقد جوز في
[البيوع] (١) يسير الغرر؛ لأنه لا يكاد يخلو منه، [ و] (٢) نقصان
الرطب بالتمر له بال وقيمة فافترقا لذلك ، وحديث ابن عمر حجة
للجماعة أن النبي - عليه السلام - نهى عن بيع التمر بالتمر ، والتمر
[بالرطب] (٣)، فكأنه [ نهى ] (٢) عن بيع الرطب بالتمر على
النخل ومقطوعًا ، على عموم اللفظ ، ويدل على ذلك قوله عليه
السلام حين سئل عن اشتراء التمر بالرطب فقال: (( أينقص الرطب
إذا يبس ؟ قالوا: نعم، فنهى عنه)) . [ قال ابن القصار: فقوله -
عليه السلام - : (( أينقص الرطب إذا يبس ؟ فقالوا : نعم ، فنهى
(١) من (( هـ) وفي (( الأصل)): الشرع.
(٣) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): هو الرطب.
(٢) من ( هـ)).
- ٣٢٧ -

عنه ))] (١) فصار كأنه نهى عن الرطب بالتمر ، ولم يخف عنه عليه
السلام ذلك ، وإنما سألهم على سبيل التقرير لهم [عليه ] (١) ، حتى
إذا تقرر ذلك عندهم نهاهم عنه ، فصار كأنه نهاهم عنه ، وعلله
فقال: لا يجوز بيع الرطب بالتمر ؛ لأنه ينقص إذا يبس ، فسواء كان
الرطب في النخل أو في الأرض ، إذا بيع ( بتمر ) (٢) مجهول فإنه
يكون مزابنة ، ويقال الكوفيين: إنه يلزمكم التناقض في منعكم بيع
الحنطة بالدقيق ، وبيعها بالسويق ، والمماثلة بينهما أقرب من المماثلة
بين التمر والرطب ، وأجاز مالك والليث الدقيق بالحنطة مثلاً بمثل ،
وقول الشافعي كقول الكوفي .
باب : بيع النخل بأصله
فيه : ابن عمر ، قال النبي - عليه السلام -: ((أيما امرئ أبر نخلا ، ثم
باع أصلها ، فالذي أبر ( ثمر) (٣) النخل إلا أن [ يشترطه] (٤) المبتاع)).
وقد تقدم الكلام في الحديث قبل هذا ، ونذكر هاهنا ما لم يمر
فيه، اختلف قول مالك فيمن اشترى أصول النخل وفيها ثمر قد
(أبرها) (٥) لم يشترطها [ فأجاز ] (٦) المشترى النخل وحده أن يشتر
[الثمرة] (٧) قبل بدو صلاحها في صفقة أخرى ، كما كان له أن
يشترطها في صفقته، هذه رواية ابن القاسم ، وكذلك مالُ العبد ، وروى
ابن وهب عن مالك أن ذلك لا يجوز في الثمرة ، ولا في مال العبد له ولا
(١) من (( هـ)).
(٢) في ((هـ)) : بثمن .
(٤) من ((هـ)) وفي (( الأصل)): يشترط.
(٦) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): فأجازوا.
(٧) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): التمر .
(٣) في (( هـ )»: تمر .
(٥) في (( هـ )) : أبر .
- ٣٢٨ -

لغيره، وهذا قول المغيرة وابن دينار وابن عبد الحكم ، وهو قول
الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور ، وهذا القول أولى ؛
لعموم نهيه عليه السلام عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها ، وكذلك مالُ
العبد هو شراء مجهول ، فهو من بيع الغرر .
باب : بيع الجمَّار وأكله
فيه : ابن عمر ، (( كنت عند النبي - عليه السلام - وهو يأكل جمارًاً،
فقال : من الشجر شجرة كالرجل المؤمن ، فأردت أن أقول : النخلة ،
فإذا أنا أحدثهم ، فقال : هي النخلة )) .
بيع الجمار وأكله من المباحات التي لا اختلاف فيها بين العلماء ،
وكل ما انتفع به للأكل وغيره فجائز بيعه .
باب : بيع المخاضرة
فيه: أنس (( أن النبي - عليه السلام - نهى عن بيع المحاقلة والمخاضرة
والملامسة والمنابذة والمزابنة)).
وفيه: أنس أيضًا (( أن النبي نهى عن بيع ثمر التمر حتى يزهو ، -
فقلت لأنس : ما يزهو ؟ قال : تحمر وتصفر - أرأيت إن منع الله الثمرة
بم تستحل مال أخيك ؟! )) .
في تفسير المحاقلة ثلاثة أقوال : فقال بعضهم : هي بيع الزرع في
سنبله بالحنطة . وقيل : هي اكتراء الأرض بالحنطة . وقيل : هي
المزارعة بالثلث والربع ونحوه، وهذا الوجه أشبه بها على طريق اللغة؛
لأن المحاقلة [ مأخوذة ] (١) من الحقل / والمفاعلة من اثنين في أمر [٨٣ ق٣٣ -ب]
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): مأخوذ .
- ٣٢٩ -

أمر واحد كالمزارعة ، ويقال للأرض التي تزرع : المحافل ، كما يقال
لها: المزارع ، عن الزجاجي .
:
والمخاضرة هي بيع الثمار وهي خضر لم يبد صلاحها ، سميت
بذلك من المفاعلة أيضًا ؛ لأن المتبايعين تبايعا شيئًا أخضر .
وأجمع العلماء أنه لا يجوز بيع [ الثمار والزرع والبقول قبل بدو
صلاحها على شرط التبقية إلى وقت طيها ، ولا يجوز بيع ] (١) الزرع
أخضر إلا للقصيل وأكل الدواب ، وكذلك أجمعوا أنه يجوز بيع
البقول إذا قلعت من الأرض [ وانتفع بها ] (١) وأحاط علماً بها
المشتري ، ومن بيع المخاضرة : شراؤها مغيبة في الأرض كالفجل
والكراث والبصل واللفت وشبهه ، فأجاز شراءها مالك والأوزاعي ،
قال مالك : ذلك إذا استقل ورقه وأمن ، والأمان عنده أن يكون ما.
يقطع ( منه ) (٢) ليس بفساد. وقال أبو حنيفة: بيع [ المغيب] (٣)
في الأرض جائز ، وهو بالخيار إذا رآه . قال الشافعي : لا يجوز بيع
ما لا يرى ، وهو عنده من بيوع الغرر .
وحجة من أجاز ذلك أنه لو قلعها ثم باعها لأضر ذلك به وبالناس؛
لأنهم إنما يأكلون ذلك أولاً أولاً ، كما يأكلون الرطب والثمر ولا
يقصدون بذلك الغرر ، فإذا باعها على شيء يراه أو صفة توصف له
جاز ، فمتى جاء بخلاف الصفة أو الرؤية كان له رد ذلك بحصته ،
وإنما يجوز بيع ذلك كله على التبقية إذا [ كان قد طاب ] (٤) للأكل ،
كما يجوز بيع الثمرة على التبقية إذا [ طابت ] (٥) للأكل .
(١) من ((هـ).
(٢) في (( هـ)): منها .
(٣) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): النبت.
(٤) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): كانت .
(٥) من (( هـ)) وفي (( الأصل)): كانت .
- ٣٣٠ -

واختلفوا في بيع القثاء والبطيخ وما يأتي بطنا بعد بطن ، فقال
مالك: يجوز بيعه إذا بدا صلاحه ، ويكون للمشتري ما ينبت حتى
ينقطع ثمره ؛ لأن وقته معروف عند الناس .
وقال أبو حنيفة والشافعي : لا يجوز بيع بطن منه إلا بعد طيبه
كالبطن [ الأولى ] (١)، وهو عندهم من بيع ما لم يخلق . وجعله
مالك كالثمرة إذا بدا صلاح أولها ، جاز [ بيع ] (٢) ما بدا صلاحه
وما لم يبد ؛ [ لحاجتهم ] (٣) إلى ذلك، ولو منعوا منه لأضر بهم ؛
لأن ما تدعو إليه الضرورة يجوز فيه بعض الغرر ، ألا ترى أن الظئر
تكرى لأجل لبنها الذي لم يخلق ولم يوجد إلا أوله ، ولا يدرى
[كم] (٤) يشرب الصبي منه [ أولاً ] (٢)، كذلك لو اكترى عبدًا
[يخدمه](٥) لكانت المنفعة التي وقع عليها العقد لم تخلق ، وإنما
تحدث أولاً أولاً ، ولو مات العبد لوقعت المحاسبة على ما حصل من
المنفعة ، فَجُوِّز ذلك لحاجة الناس إليه ، فيبع ما لم يخلق ، وقد
جرت العادة في الأغلب إذا كان الأصل سليمًا من الآفات أن تتبايع
بطونه وتتلاحق ، وعدم مشاهدته لا يدل على بطلان بيعه ، بدليل بيع
الجوز واللوز في قشرهما ، وفساده [ لا] (٢) يبين من خارج ، ولو
كان مقشورًاً مغطى بشيء غير قشره لم يصح بيعه .
*
*
(١) من ((هـ)) وفي (( الأصل)): الأول.
(٢) من (( هـ ).
(٣) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): لحاجتهما.
(٤) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): هل .
(٥) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): لخدمة.
- ٣٣١ -

باب : من أجرى أمر الأمصار
على ما يتعارفون بينهم في البيوع والإجارة ، والمكيال، والوزن ،
وسنتهم على نياتهم ومذاهبهم المشهورة
وقال شريح للغزّضالين : سنتكم بينكم . وقال ( عبد الوهاب عن
أيوب ، عن محمد ) (١): لا بأس العشرة [ بأحد عشر] (٢) ويأخذ
للنفقة ربحًا ، وقال النبي - عليه السلام - لهند: (( خذي ما يكفيك
وولدك بالمعروف )) .
وقال: [ ((من كان فقيرًاً فليأكل بالمعروف)) ] (٣) واكترى الحسن
من عبد الله بن مرداس حمارًا ، فقال : بكم ؟ فقال : بدانقين
فركبه ، ثم جاءه مرة أخرى فقال : الحمار الحمار . فركبه ولم
يشارطه ، فبعث إليه بنصف درهم .
فيه: أنس قال: (( حجم رسول الله أبو طيبة ، فأمر له رسول الله بصاع
من تمر ، وأمر أهله أن يخففوا عنه من خراجه » .
:
وفيه : عائشة (( قال النبي - عليه السلام - لهند حين قالت له : إن أبا
سفيان رجل شحيح، فهل [ عليّ ] (٤) جناح أن آخذ من ماله سرا ؟
فقال : خذي أنت وبنيك ما يكفيك بالمعروف )» .
وقالت عائشة: ﴿ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف ﴾ (٥) أنزلت في
(ولي) (٦) اليتيم الذي يقيم عليه، ويصلح في ماله، إن كان فقيرًا / أكل
منه بالمعروف .
[٣/ق٣٤-١]
(١) في (( هـ )» : ابن سيرين.
(٢) في ((هـ)) وفي ((الأصل)): بإحدى عشرة.
(٣) من ((هـ ).
(٤) من ((هـ)) وفي (( الأصل)) : هي .
(٥) النساء : ٦ .
(٦) في (( هـ)): والي .
- ٣٣٢ -

العرف عند الفقهاء أمر معمول به ، وهو كالشرط اللازم في البيوع
وغيرها ، ولو أن رجلاً وَكَّل رجلا على بيع سلعة ، فباعها بغير النقد
الذي هو عرف الناس لم يجز ذلك ، ولزمه النقد الجاري ، وكذلك
لو باع طعامًا موزونًا أو مكيلاً بغير [ الوزن أو ] (١) الكيل المعهود لم
يجز ، و[ لزمه ] (٢) الكيل المعهود المتعارف من ذلك.
وقوله : يأخذ للعشرة أحد عشر ، يعني: لكل [ عشرة ] (٣) دينار
[ من رأس ] (١) المال [ ربح ] (١) دينار.
واختلف العلماء في ذلك ، فأجازه قوم وكرهه آخرون ، وممن
كرهه : ابن عباس ، وابن عمر ، ومسروق ، والحسن ، وبه قال
أحمد وإسحاق ، وقال أحمد : البيع مردود . وأجازه سعيد بن
المسيب والنخعي ، وهو قول مالك والثوري والكوفيين والأوزاعي .
وحجة من كرهه .: لأنه [عنده ] (١) بيع مجهول إلا أن يعلم عدد
العشرات ، فيعلم عدد ربحها ، ويكون الثمن كله معلوماً .
وحجة من أجازه : بأن الثمن معلوم ، فالربح معلوم .
وأصل هذا الباب بيع الصبرة كل قفيز بدرهم ، ولا يعلم مقدار ما
في الصبرة من الطعام ، فأجازه قوم وأباه آخرون ، ومنهم من قال :
لا يلزمه [ منه ] (١) إلا القفيز الواحد، ومن البيع [العشرة ] (٤)
الواحدة .
واختلفوا في النفقة هل يأخذ لها ربحًا في بيع المرابحة ؟
فقال مالك : لا يؤخذ في النفقة ربح إلا فيما له تأثير في السلعة
(١) من (( هـ)).
(٢) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): لزم.
(٣) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): عشر من .
(٤) من ( هـ)) وفي ((الأصل)) : العشيرة .
- ٣٣٣ -

وعين قائمة كالصبغ والخياطة و[الكمد ] (١) فهذا كله يحسب في أصل
[ المال ] (٢) ويحسب له ربح؛ لأن تلك المنافع [ كأنها ] (٣) سلعة
ضمت إلى سلعة ، قال مالك : ولا يحسب في المرابحة أجر
السماسرة ، ولا أجرِ الشدِّ والطيِّ ولا النفقة على الرقيق ، ولا كراء
البيت ، وإنما يحسب هذا في أصل المال ، ولا يحسب له ربح ، وأما
كراء البز فيحسب له الربح ؛ لأنه لا بد منه ، ولا يمكنه حمله ببدنه من
بلد إلى بلد ، فإن أربحه المشتري على ما لا تأثير له جاز إذا رضي
بذلك ، فإن لم يبين البائع للمشتري ذلك ، وأجمل البيع ؛ كان
للمشتري رد ذلك كله إن شاء ؛ لأن البائع قد غره .
وقال أبو حنيفة : يحسب في المرابحة أجر القصارة ، وكراء البيت،
وأجر السمسرة ، ونفقة الرقيق وكسوتهم ، ويقول : قام عليَّ بكذا
وكذا .
وأما أجرة الحجام فأكثر العلماء يجيزونها ، هذا إذا كان الذي يعطاه
مما يرضى به ، فإن أعطي ما لا يرضى به فلا يلزم ، ورد إلى عرف
الناس ، ومما يدل على أن العرف سنة جارية قوله - عليه السلام -
لهند: (( خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف)) . فأطلق لها أن تأخذ من
متاع زوجها ما [ تعلم ] (٤) أن نفسه تطيب لها بمثله ، وكذلك أطلق
الله ( لولي ) (٥) اليتيم أن يأكل من ماله بالمعروف .
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): الكماد .
(٢) من ((هـ )) وفي ((الأصل)) : الثمن.
(٣) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): كلها .
(٤) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): يعلم .
(٥) في ((هـ )): لوالي.
- ٣٣٤ -

باب : بيع الشريك من شريكه
فيه: جابر: (( جعل الرسول الشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت
الحدود ، وصرفت الطرق فلا شفعة )).
وترجم له باب ((بيع الأرض والدور والعروض مشاعًا غير مقسوم)).
بيع الشريك من الشريك في كل شيء مشاع جائز ، وهو كبيعه من
الأجنبي ، فإن باعه من الأجنبي فللشريك الشفعة لعلة الإشاعة ،
وخوف دخول ضرر الدخيل عليه ، وإن باعه من شريكه ارتفعت
الشفعة ، وإذا كان للشريك الأخذ بالشفعة بالسنة الثابتة عن النبي
-عليه السلام - فعلى البائع إذا أحب البيع ألا يبيع من أجنبي حتى
يستأذن شريكه ، وقد روي هذا عن النبي - عليه السلام - من حديث
سفيان عن أبي الزبير ، عن جابر قال : قال رسول الله : (( من
[كانت] (١) له شركة فى أرض أو [ ربعة ] (٢) فليس له أن يبيع حتى
يستأذن شريكه ، فإن شاء أخذ وإن شاء ترك)) .
وأما / بيع العروض مشاعًا فأكثر العلماء أنه لا شفعة فيها، وإنما [٣/ق٣٤ -ب]
الشفعة في الدور والأرض خاصة ، هذا قول عطاء والحسن وربيعة
والحكم وحماد ، وبه قال مالك والثوري والكوفيون والأوزاعي
والشافعي وأحمد وإسحاق .
وروي عن عطاء أنه قال : الشفعة في كل شيء حتى في الثوب وإذا
اختلف فيها قول عطاء فكأنه لم يأت عنه فيها شيء ، فهو كالإجماع
أنه لا شفعة في العروض والحيوان ، قاله ابن المنذر .
(١) في ((الأصل)): كان. والمثبت من ((هـ)) ومصنف ابن أبي شيبة (١٦٨/٧).
(٢) في ((الأصل)): ربع. والمثبت من (( هـ)) والمصنف.
- ٣٣٥ -

باب : إذا اشترى شيئا لغيره بغير إذنه فرضي
فيه : ابن عمر: (( خرج ثلاثة نفر يمشون فأصابهم المطر فدخلوا في غار
في جبل فانحطت عليهم صخرة ... )) الحديث ((فقال الثالث: اللهم إن
كنت تعلم أني استأجرت أجيرًا بفرق من ذرة ، فأعطيته فأبى ، فعمدت
إلى ذلك الفرق فزرعته حتى اشتريت منه بقرًا و[ راعيها ] (١) ثم جاء
فقال : يا عبد الله ، أعطني حقي . فقلت : انطلق إلى تلك البقر وراعيها
فقال : أتستهزئ بي ؟! قال: فقلت : ما أستهزئ بك ، ولكنها لك،
اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك ، فافرج عنا ، فَكُشف
[عنهم ] (٢) )) .
أجمع الفقهاء أنه لا يلزم شراء الرجل لغيره بغير إذنه إلا حتى يعلمه
ويرضى به فيلزمه بعد الرضا به إذا أحاط علماً به ، واختلف ابن
القاسم وأشهب في مسألة من هذا الباب ، إذا أودع رجل رجلاً طعامًا
فباعه المودَع بثمن ، فرضي المودِعِ ، فقال ابن القاسم : له الخيار ، إن
شاء أخذ مثل طعامه من المودَع ، وإن شاء أخذ الثمن الذي باعه به .
وقال أشهب : إن رضي بذلك فلا يجوز ؛ لأنه طعام بطعام فيه
خيار . وهذا الحديث دليل على صحة قول ابن القاسم ؛ لأن فيه أن
الذي كان ترك الأجير : فرق ذرة ، وأنه زرعه له الذي بقي عنده حتى
صار منه [ بقر ] (٣) وراعيها [ فلو كان خيار صاحب الطعام يحرِّم
عليه الطعام ، ما جاز له أخذ البقر وراعيها ] (٤) لأن أصلها كان من
ذلك الفرق المزروع له بغير علمه ، وقد رضي النبي - عليه السلام -
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): راعيًا.
(٢) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): عنا .
(٣) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): بقراً.
(٤) من (( هـ ).
- ٣٣٦ -

بذلك وأقره ، وأخبر أن الذي انطبق عليه الغار توسل بذلك إلى ربه،
ونجاه به ، فدل هذا الحديث أنه لم يكن أخذ الأجير للبقر وراعيها
[لازمًا] (١) إلا بعد رضاه بذلك لقوله: ((أتستهزئ بي؟)) وإنكاره ما
بذل له عوضا من الفرق ، ولذلك عظمت المثوبة في هذه القصة ،
وظهرت هذه الآية الشنيعة من أجل تطوع الزارع للفرق بما بذل له ،
وأنه فعل أكثر مما كان يلزمه في تأدية ما عليه ، فشكر الله له ذلك .
وقد اختلف العلماء في الطعام المغصوب يزرعه الغاصب ، فذكر
ابن المنذر أن قول مالك والكوفيين : أن الزرع للغاصب ، وعليه مثل
الطعام الذي غصب ؛ لأن كل من تعدى على كُلُّ مَالَهُ مثل فليس عليه
غير مثل الشيء المتعدى عليه ، غير أن الكوفيين قالوا : إن زيادة
الطعام حرام على الغاصب لا [ تحل ] (٢) له ، وعليه أن يتصدق به ،
وقال أبو ثور : كل ما أخرجت الأرض من الحنطة فهو لصاحب
الحنطة ، وسيأتي اختلافهم فيمن تعدى على ذهب أو ورق ، فتجر فيه
بغير إذن صاحبه في كتاب الإجارة في باب من استأجر أجيرا فترك
الأجير أجره ، فعمل فيه المستأجر فزاد في حديث ابن عمر بعد هذا -
إن شاء الله .
[ وقوله: ((يتضاغون عند رجلي)). قال صاحب العين : يقال :
ضغا يضغو ضغوًا، أضغيته: وهو صوت الذليل ] (٣).
(١) من ((هـ)) وفي (( الأصل)): لازم .
(٢) من ((هـ)) وفي (( الأصل)) : يحل.
(٣) من (( هـ)).
- ٣٣٧ -

باب : الشراء والبيع مع المشركين وأهل الحرب
فيه : عبد الرحمن بن أبي بكر قال: (( كنا مع النبي - عليه السلام - ثم
جاء رجل مشرك مشعان طويل بغنم يسوقها ، فقال له النبي - عليه
السلام - : أبيعًا أم عطية - أو قال أم هبة - ؟ فقال / : لا بل بيع ،
فاشترى منه شاة» .
[٣/ ق٣٥-١]
الشراء والبيع من الكفار كلهم جائز ، إلا أن أهل الحرب لا يباع
[منهم ] (١) ما يستعينون به على إهلاك المسلمين من العدة والسلاح ،
[ولا ما يقوون ] (٢) به عليهم .
قال ابن المنذر : واختلف العلماء في مبايعة من الغالب على ماله
الحرام وقبول هداياه وجوائزه ، فرخصت طائفة في ذلك ، كان الحسن.
البصري لا يرى بأسا أن يأكل الرجل من طعام العشار والصراف
والعامل ، ويقول : قد أحل الله طعام اليهود والنصارى ، وأكله
أصحاب رسول الله، وقد قال تعالى في اليهود : ﴿ أكالون
للسحت﴾ (٣).
وقال مكحول والزهري : إذا اختلط المال وكان فيه الحلال والحرام،
فلا بأس أن يؤكل منه ، وإنما يكره من ذلك الشيء الذي يعرفه بعينه .
وقال الحسن : لا بأس ما لم يعرفوا شيئًا بعينه .
وقال الشافعي : لا يجب مبايعة من أكثر ماله ربا أو كسبه من
حرام، وإن بايعه لم أفسخ البيع لأن هؤلاء قد يملكون حلالاً ، ولا
يحرم إلا حراما بَيِّنًا، إلا أن يشتري [ الرجل ] (٤) حراما [ بينًا
يعرفه](٥) ، والمسلم والذمي والحربي في هذا سواء .
!
(١) تكررت في (( الأصل).
(٢) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): ومما يعزون.
(٤) من (( هـ).
(٣) المائدة : ٤٢ .
(٥) في ((هـ )) : يتبايعونه.
- ٣٣٨ -

وحجة من رخص في ذلك قوله - عليه السلام - للمشرك المشعان
في الغنم: (( أبيعا أم عطية أم هبة)) ؟ قال ابن المنذر : وأيضًا فإن
النبي - عليه السلام - رهن درعه عند يهودي [ قال ] (١) : وكان ابن
عمر وابن عباس يأخذان هدايا المجتار ، وبعث عمر بن ( عبد الله )(٢)
ابن معمر إلى ابن عمر بألف دينار ، وإلى القاسم بن محمد بألف
دينار، فأخذها ابن عمر وقال: [ وصلته رحم ] (١)، لقد جاءتنا
على حاجة ، وأبى أن يقبلها القاسم ، فقالت امرأته : إن لم تقبلها
فأنا ابنة عمه كما هو ابن عمه ، فأخذتها ، وقال عطاء : بعث معاوية
إلى عائشة بطوق من ذهب فيه جوهر ، فقوِّم بمائة ألف فقسمته بين
أزواج النبي - عليه السلام .
وكرهت طائفة الأخذ منهم ، روي ذلك عن مسروق وسعيد بن
المسيب والقاسم بن محمد و( بشير ) (٣) بن سعيد وطاوس وابن
سيرين وسفيان الثوري وابن المبارك ومحمد بن واسع وأحمد بن
حنبل، وأخذ ابن المبارك قذاة من الأرض فقال : من أخذ منهم مثل
هذه فهو منهم . وقد تقدم هذا المعنى في كتاب الزكاة في باب من
أعطاه الله شيئا من غير مسألة ولا إشراف نفس .
قال المهلب : وقوله عليه السلام [ للمشرك] (١): ((أبيعا أم عطية
أم هبة؟)) فإنما قال ذلك على معنى أن يثيبه لو كانت هدية ، لا أنه
كان يقبلها منه دون إثابة عليها ، كما فعل عليه السلام بكل من هاداه
من المشركين ، [ وسيأتي حكم هدية المشركين ] (1) في كتاب الهبة في
باب ((قبول الهدية من المشركين إن شاء الله)).
وفيه : قصد الرؤساء وكبراء الناس بالسلع لاستجزال الثمن .
(١) من (( هـ ).
(٢) في (( هـ)): عبيد الله. (٣) في ((هـ): بشر.
- ٣٣٩ -

وفيه : أن ابتياع الأشياء من مجهول الناس ومن لا يعلم حاله بعفاف أو
غيره جائز حتى يطلع على ما يلزم الورغ عنه ، أو يوجب ترك مبايعته
لغصب أو سرقة أو غير ذلك ، قال ابن المنذر : لأن من بيده الشيء
فهو مالكه على الظاهر ، ولا يلزم المشتري أن يعلم حقيقة ملكه له
بحكم اليد . وقال صاحب العين : يقال : شعر مشعان ، إذا كان
منتفشًا ، ورجل مشعان الرأس .
باب : شراء المملوك من الحربي وهبته وعتقه
وقال عليه السلام لسلمان : « کاتب » و کان حرا فظلموه وباعوه ،
وسبي عمار وصهيب وبلال ، وقال تعالى : ﴿والله فضل بعضكم على
بعض في الرزق ... ﴾ إلى قوله : ﴿ أفبنعمة الله يجحدون ﴾ (١)
فيه: أبو هريرة ، قال النبي - عليه السلام -: (( هاجر إبراهيم بسارة ،
فدخل بها قرية فيها ملك من الملوك أو جبار من الجبابرة ، فقيل : دخل
[٥/٣ ٣٥- ب) إبراهيم بامرأة هي من أحسن النساء ، فأرسل إليه : أن يا إبراهيم / من
هذه التي معك ؟ قال : أختي ، ثم رجع إليها فقال : لا تُكَذِّبِي حديثي،
فإني أخبرتهم أنك أختي، والله إن على [ الأرض ] (٢) من مؤمن غيري
وغيرك . فأرسل بها إليه ، فقام إليها ، فقامت ( تتوضأ ) (٣) وتصلي،
فقالت : اللهم إن كنت آمنت بك وبرسولك ، وأحصنت فرجي إلا على
زوجي ، فلا تسلط عليّ الكافر، فغط حتى ركض برجله - قال الأعرج :
قال أبو سلمة بن عبد الرحمن : إن أبا هريرة قال : قالت : اللهم إن يمت
يقال هي قتلته ، فأرسل ، ثم قام إليها ، فقامت توضأ وتصلي ، وتقول :
إن كنت آمنت بك وبرسولك ، وأحصنت فرجي إلا علی زوجي ، فلا
(١) النحل : ٧١ .
(٣) في (( هـ )): توضأ.
(٢) من (( هـ)).
- ٣٤٠ -