Indexed OCR Text

Pages 281-300

لأن اللبن حفل في ضرعها [ واجتمع ] (١) وكل شيء كثَّرته فقد
حفلته ، يقال : قد احتفل القوم : إذا اجتمعوا ، ولهذا سمي محفل
القوم ، وجمع المحفل : محافل ، وذكر النبي الإبل والغنم في حديث
المصراة ، ويدخل في ذلك البقر بالمعنى ، هذا قول مالك .
باب : إن شاء رد المصراة وفي حلبتها صاع من تمر
فيه: أبو هريرة قال النبي - عليه السلام -: (( من اشترى غنمًا مصراة
فاحتلبها، فإن رضيها أمسكها ، وإن سخطها ففي حلبتها صاع من تمر)).
اختلف العلماء فيما يرد [ مع ] (٢) المصراة، فذهب [ الليث و](١)
الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور إلى أنه لا يرد معها إلا صاعًا من
تمرٍ لا من برَّ ولا غيره / على ظاهر الحديث ، واحتجوا أيضًا بحديث [٣/ق٢٤-ب]
هشام بن حسان ، عن محمد بن سيرين ، عن أبي هريرة ، أن النبي-
عليه السلام - قال: ((يرد مع المصراة صاعًا من تمر لا سمراء)) وقال
مالك : يرد مع المصراة صاعًا من قوت بلده تمرًا كان أو برًاً أو غيره ،
وحجته أن النبي - عليه السلام - إنما جعل التمر في حديث المصراة ؛
لأنه كان عيشهم ، فوجب أن يخرج كل واحدٍ من قوته .
وقال ابن أبي ليلى وأبو يوسف : يرد مع الشاة قيمة صاع من تمر .
وقال زفر : يَرُدَّ صاعًا من تمر أو نصف صاع من بر . وقال غيره :
لا يرد غير التمر . ويجيء على أصله أن التمر إذا عدم وجب رد قيمته
لا قيمة اللبن .
وقال عيسى بن دينار : لو حلبها مرة وثانية فنقص لبنها ردها ورد
(١) من ( هـ)).
(٢) في ((الأصل)): على. والمثبت من (( هـ).
- ٢٨١ -

معها صاعًا من تمر لجلبته الأولى ، ولو جاء باللبن بعينه كما حلبه [لم
يقبل من ، ولزمه غرم الصاع ؛ لأن الصاع قد وجب عليه ] (١) فليس
عليه أن يعطي فيه لبنًا [ فيدخله ] (٢) بيع الطعام قبل أن يُستوفى،
وأجاز ذلك سحنون وقال : هي إقالة إذا جاء باللبن بعينه ؛ لحدثان
ذلك .
وقال عيسى بن دينار : من اشترى عدة محفلات في صفقة ،
(فإنما)(٣) يرد [ عن] (٤) الجميع صاعًا واحدًا على ظاهر قوله: (( من
اشترى غنمًا مصراة ففي حلبتها صاع من تمر )» على هذا عامة العلماء ،
وحكي عن بعض المتأخرين أنه يرد صاعًا عن كل واحدة ، والذي عليه
الجماعة أولى بدليل هذا الحديث .
باب : بيع العبد الزاني ، وقال شريح : إن شاء رد من الزنا
فيه : أبو هريرة قال عليه السلام: (( إذا زنت الأمة فتبين زناها
فليجلدها ولا يثرب ، ثم إن زنت فليجلدها ولا يثرب ، ثم إن زنت
الثالثة فليبعها ولو بحبل من شعر)) .
وقال مرة: ((إن النبي - عليه السلام - سئل عن الأمة إذا زنت ولم
تحصن. قال: إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت
فبيعوها ولو بضفير )) .
قال ابن شهاب : لا أدري بعد الثالثة أم الرابعة .
قال المهلب : فقه هذا الحديث الحض على بيع العبد الزاني والندب
(١) من (( هـ )).
(٣) في (( هـ )»: فإنه
(٢) في ((هـ )): لأنه يدخله .
(٤) من ((هـ )) وفي (( الأصل)) على.
- ٢٨٢ -

إلى مباعدة الزانية ، وقوله: (( ولو بحبل من شعر )) معناه المبالغة في
. التزهيد فيها ، وليس هذا من وجه إضاعة المال ؛ لأن أهل المعاصي
[مأمور ] (١) بقطعهم ومنابذتهم .
وقوله : (( ثم إن زنت الثالثة فبيعوها )) ولم يذكر الحد اكتفاء بما
تقدم من تقرر الحد ووجوبه ، وقد قال تعالى : ﴿ فإن أتين بفاحشة
فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ﴾ (٢) يعني: الجلد ؛ لأن
الرجم لا يتنصف ، وإحصان الأمة إسلامها عند مالك والكوفيين
والشافعي وجماعة .
قوله : ( ولا یثرب ) أي لا یلومن ولا یعددن بعد الجلد ، ويؤيد
هذا أن توبة كعب بن مالك [ومن ] (٣) فر يوم حنين حين تاب الله
عليهم كانت شرفًا لهم ، ولم تكن لهم ملامة ، فبان بهذا أن اللوم
والتثريب لا يكون إلا قبل التوبة أو ( الحد ) (٤) وأوجب أهل الظاهر
بيع الأمة إذا زنت الرابعة وجلدت ، والأُمَّة كلها على خلافهم ، وكفى
بقولهم جهلا خلاف الأمة له .
اختلف العلماء في العبد إذا زنى ، هل الزنا عيب يجب الرد به أم
لا؟ فقال مالك : الزنا عيب في العبد والأمة . وهو قول أحمد
وإسحاق وأبي ثور .
وقال الشافعي : كل ما ينقص من الثمن فهو عيب .
وقال الكوفيون : الزنا في [ الأمة ] (٥) عيب؛ لأنها (تستولد)(٦)
وليس بعيب في الغلام ، وذلك ولد الزنا عيب يرد به .
(١) في (( الأصل)): مأمورون. والمثبت من (( هـ)).
(٢) النساء : ٢٥ .
(٣) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): حين.
(٤) في ((الأصل)): الجلد. والمثبت من ((هـ)).
(٥) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): الجارية.
(٦) في (( هـ)): لا تستولد.
- ٢٨٣ -

وقال مالك : إذا كانت الجارية ولد زنا فهو عيب ، وإنما جعل الزنا
عيب ؛ لأنه ربما بلغ الحد به مبلغ تلف النفس ، وأن المنايا قد تكون
من القليل والكثير ، وإذا صح أنه عيب وجب على البائع أن يبينه ،
فإذا رضي به المبتاع صح البيع كسائر العيوب ، وإذا لم يبينه كان
للمبتاع رده إن شاء .
[٣/ ق٢٥-٢) فإن قيل: فما معنى أمره عليه السلام ببيع الأمة الزانية / والذي
يشتريها يلزمه من اجتنابها ومباعدتها ما يلزم البائع . قيل : إن فائدة
ذلك - والله أعلم - المبالغة في تقبيح فعلها ، والإعلام أن الأمة الزانية
لا جزاء لها إلا البيع أبدًا، وأنها لا بقاء لها عند سيد ، وذلك زجر
لها عند معاودة الزنا ، وأدب بالغ .
باب : البيع والشراء مع النساء
فيه: عائشة: (( دخل علي رسول الله فذكرت له ، فقال لها رسول الله :
اشتري وأعتقي ، فإنما الولاء لمن أعتق )) .
وقال ابن عمر: ((إن عائشة ساومت بريرة، فخرج النبي إلى الصلاة ،
فلما جاء قالت : إنهم أَبَوْا أن يبيعوها إلا أن يشترطوا الولاء ، فقال
النبي : إنما الولاء لمن أعتق )).
والأُمة مجمعة على أن المرأة إذا كانت مالكة أمر نفسها جاز لها
أمرها ( أن ) (١) تبيع وتشتري ، وليس لزوجها عليها في ذلك
اعتراض، فإن كان في البيع محاباة قصدت إليها ، فالمحاباة كالعطية . .
وقد اختلف العلماء في عطية المرأة بغير إذن زوجها ، وهو مذكور
(١) في ((هـ)): أن لها أن.
- ٢٨٤ -

في كتاب الزكاة في حديث ابن عباس حين أمر [النبي وَ ﴾] (١)
النساء بالصدقة يوم العيد ، فأغنى عن إعادته .
*
باب : هل [ يبيع ] (٢) حاضر لباد بغير أجر
ع ء
وهل يعينه أو ينصحه ؟
وقال عليه السلام: إذا استنصح أحدكم أخاه ( فلينصح له) (٣) .
ورخص فیه عطاء .
فيه: جرير: ((بايعت رسول الله على شهادة أن لا إله إلا الله، والنصح
لكل مسلم )» مختصر .
وفيه : ابن عباس قال عليه السلام: (( لا تلقوا الركبان ، ولا يبيع
حاضر لباد . فقلت لابن عباس : ما قوله : لا يبع حاضر لباد ؟ قال :
لا یکون له سمساراً ».
نهي النبي أن يبيع حاضر لباد عند العلماء أريد به نفع أهل الحضر ،
لما روى سفيان عن أبي الزبير ، عن جابر أن النبي - عليه السلام -
قال: ((لا يبع حاضر لباد ؛ دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض))
قال الطحاوي : فعلمنا من هذا أن الحاضر إنما نهي أن يبيع [للبادي] (٤)
لأن الحاضر يعلم أسعار الأسواق ، فيستقصي على الحاضرين فلا يكون
لهم في ذلك ربح ، وإذا باعهم أعرابي على غرته و[ جهله ] (٥)
بأسعار الأسواق ربح عليه الحاضرون ، فأمر النبي أن يخلى بين
الأعراب والحاضرين في البيوع .
(١) من (( هـ).
(٢) من (( هـ، ن)) وفي (( الأصل)): بيع .
(٣) تكررت في (( الأصل)).
(٤) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): للتاجر.
(٥) في ((الأصل)): جهالته. والمثبت من ((هـ)) وشرح معاني الآثار (١١/٤).
- ٢٨٥ -

واختلف العلماء في ذلك ، فأخذ قوم بظاهر الحديث ، وكرهوا أن
يبيع الحاضر للبادي ، روي ذلك عن أنس وأبي هريرة وابن عمر ،
وهو قول مالك والليث والشافعي .
ورخص في ذلك آخرون ، روي ذلك عن عطاء ومجاهد ، وقال
مجاهد : إنما نهى رسول الله عن ذلك في زمانه ، فأما اليوم فلا .
وهو قول أبي حنيفة وأصحابه ، وقالوا : قد عارض هذا الحديث قوله
عليه السلام : (( الدين النصيحة)) لكل مسلم . فيقال لهم: (( الدين
النصيحة )) عام، و((لا يبع حاضر لباد)) خاص، والخاص يقضي
على العام ؛ لأن الخصوص استثناء ، كأنه قال عليه السلام : الدين
النصيحة ، إلا أنه لا يبع حاضر لباد . فيستعملان جميعًا ، فيستعمل
العام منهما فيما عدا الخاص .
وقال مالك في تفسير الحديث : لا أرى أن يبيع الحاضر للبادي
ولا لأهل القرى ، وأما أهل المدن من أهل الريف فليس بالبيع لهم
بأس إلا من كان منهم يشبه أهل البادية فإني لا أحب أن يبيع لهم
حاضر ، وقال في البدوي يقدم المدينة فيسأل الحاضر عن السعر: أكره
أن يخبره . وقال مرة أخرى : لا بأس أن يشير عليه . روى عنه ابن
القاسم القولين جميعًا .
وقال ابن المنذر : قد تأوَّل قوم نهيه عليه السلام أن يبيع حاضر
[٣/ق ٢٥ - ب] [لباد] (١) / على وجه التأديب لا على معنى التحريم ؛ لقوله عليه
السلام: (( دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض)) قال: وليس يبين
عندي أن هذا الكلام يدل على أنه [ نهي ] (١) تأديب ، بل هو عندي
عل الحظر .
(١) من (( هـ )).
- ٢٨٦ -

واختلفوا هل يفسخ البيع ، فروى عيسى عن ابن القاسم أنه یفسخ،
فإن فات فلا شيء عليه . وروى سحنون عنه أنه يمضي البيع ، وهو
قول ابن وهب والشافعي .
واحتج الشافعي على جواز البيع بقوله عليه السلام: (( دعوا الناس
يرزق الله بعضهم من بعض)) ولم يقع الفساد في ثمن ولا مثمون
ولا في عقد البيع ، فلا ينبغي فسخه .
باب : من کره أن یبیع حاضر لباد بأجر ، وبه قال ابن عباس
فیه : ابن عمر : ( نهى النبي - عليه السلام - أن يبيع حاضر لباد )) .
أراد البخاري في هذا الباب والذي قبله أن يجيز بيع الحاضر للباد
بغير أجر ، ويمنعه إذا كان بأجر ، واستدل على ذلك بقول ابن عباس:
لا يكون له سمسارًا . فكأنه أجاز ذلك لغير السمسار إذا كان ذلك من
طريق النصح [ للمسلم ] (١) وقد أجاز الأوزاعي أن يشير الحاضر على
البادي ، وقال : ليست الإشارة بيعًا .
وقد روي عن مالك الرخصة في الإشارة عليه ، وقال الليث :
لا يشير عليه ؛ لأنه إذا أشار عليه فقد باع له ، ولم يراع الفقهاء في
السمسار أجرًا ولا غيره ، والناس في تأويل هذا الحديث على قولين :
فمن كره بيع الحاضر للباد كرهه بأجر وغير أجر ، ومن أجازه أجازه
بأجر وغير أجر .
(١) من (( هـ )).
- ٢٨٧ -

باب : لا يشتري حاضر لباد بالسمسرة
وكرهه ابن سيرين وإبراهيم البائع والمشتري . وقال إبراهيم : إن
العرب يقولون : بع لي ثوبًا وهي تعني الشراء .
فيه: أبو هريرة وأنس قال النبي: (( لا يبع حاضر لباد )).
اختلف العلماء في شراء الحاضر للبادي ، فكرهته طائفة كما كرهت
البيع له ، واحتجوا بأن البيع في اللغة يقع على الشراء ، كما يقع
الشراء على البيع ؛ لقول الله: ﴿وشروه بثمن بخس﴾ (١) [يعني](٢)
باعوه ، وهو من الأضداد: ، وروي ذلك عن أنس .
وأجازت طائفة الشراء لهم ، وقالوا : إن النهي إنما جاء في البيع
خاصة ولم يعدوا ظاهر اللفظ ، روي ذلك عن الحسن البصري .
واختلف قول مالك في ذلك ، فمرة قال : لا يشتري [ له ] (٢)
ولا يشير عليه ، ومرة أجاز الشراء له . وبهذا قال الليث والشافعي ..
واحتج الشافعي [ لجواز ] (٣) الشراء له بقوله عليه السلام: ((دعوا
الناس يرزق الله بعضهم من بعض)) .
باب : النهي عن تلقي الركبان ، وبيعه مردود لأن صاحبه عاص آثم
إذا كان به عالمًا وهو خداع في البيع والخداع لا يجوز
فيه : أبو هريرة : (( نهى النبي - عليه السلام - عن التلقي، وأن يبيع
حاضر لباد )) وقال طاوس: سألت ابن عباس عن [ معنى ] (٢) قوله:
((لا يبيعن حاضر لباد )) فقال : لا يكون له سمساراً .
(١) يوسف : ٢٠.
(٢) من (( هـ )).
(٣) من ((هـ) وفي ((الأصل)) : بجواز .
- ٢٨٨ -

وفيه : ابن مسعود: (( نهى النبي - عليه السلام - عن تلقي البيوع)).
وفيه : ابن عمر أن النبي - عليه السلام - قال: (( لا تلقوا السلع حتى
يهبط بها الأسواق » .
قال ابن المنذر : [ كره ] (١) تلقى السلع للمشتري مالك والليث
والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق ، وأجاز ذلك أبو حنيفة .
واختلفوا في معنى التلقي ، فذهب مالك إلى أنه لا يجوز تلقي
السلع حتى تصل إلى السوق ، ومن تلقاها فاشتراها منهم شركه فيها
أهل السوق إن شاءوا ، فكان واحدًا منهم .
قال ابن القاسم : وإن لم يكن للسلعة سوق / عرضت على الناس [٣/ ق٢٦-١]
في المصر فيشتركون فيها إن أحبوا ، فإن أخذوها ، وإلا ردوها عليه ،
ولم أردها على بائعها . وقال غير ابن القاسم : يفسخ البيع في ذلك.
وقال الشافعي : من تلقى [ فقد ] (٢) أساء ، وصاحب السلعة
بالخيار إذا قدم بها السوق في إنفاذ البيع أو رده ؛ لأنهم يتلقونهم
فيخبرونهم بكساد السلع وكثرتها ، وهم أهل غِرَّةً، و[ هذا] (٢) مكر
وخديعة . وحجته ما رواه أيوب ، عن ابن سيرين ، عن أبي هريرة :
((أن النبي - عليه السلام - نهى عن تلقي الجلب ، فإن تلقاه فاشتراه ،
فصاحبه بالخيار إذا أتى السوق )) فذهب مالك أن نهيه عليه السلام عن
التلقي إنما أريد به نفع أهل السوق ، لا نفع رب السلعة ، وعلى ذلك
يدل مذهب الكوفيين والأوزاعي .
وقال الأبهري : معنى النهي عن التلقي لئلا يستبد الأغنياء وأصحاب
الأموال بالشراء دون أهل الضعف ؛ فيؤدي ذلك إلى الضرر [بهم] (٢)
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): يكره.
(٢) من (( هـ )).
- ٢٨٩ -

في معايشهم ، ولهذا المعنى قال مالك : إنه يشرك بينهم إذا تلقوا
السلع ( ليشترك ) (١) فيها من أرادها من أهل الضعف ، ولا ينفرد بها
الأغنياء ..
ومذهب الشافعي [ أنه ] (٢) إنما أريد بالنهي نفع رب السلعة لا نفع
أهل السوق، وهذا أشبه بمعنى قوله عليه السلام: ((فإن تلقاها
فصاحبها بالخيار)) فجعل [النبي وَّر] (٢) الخيار للبائع ؛ لأنه
المغرور، فثبت أن المراد بذلك نفع رب السلعة .
وقال أبو حنيفة وأصحابه : إذا كان التلقي في أرض لا يضر بأهلها
فلا بأس به ، وإن كان يضرهم فهو مكروه [ و] (٢) عن الأوزاعي
نحوه .
واحتج الكوفيون بحديث ابن عمر قال : (( كنا نتلقى الركبان
فنشتري منهم الطعام ، فنهانا النبي - عليه السلام - أن نبيعه حتى نبلغ
به سوق الطعام)).
وقال الطحاوي : في هذا الحديث إباحة التلقي ، وفي الأحاديث
الأولى النهي عنه ، فأولى بنا أن نجعل ذلك على غير التضاد ، فيكون
ما نهي عنه من التلقي لما في ذلك من الضرر على غير المتلقين المقيمين
في السوق ، وما أبيح من التلقي هو ما لا ضرر عليهم فيه .
قال المؤلف : وتأويل هذا الحديث يأتي ذكره في باب منتهى التلقي
بعد هذا .
قال الطحاوي : والحجة في إجازة الشراء مع التلقي المنهي عنه ما.
حدثنا علي بن معبد ، حدثنا عبد الله بن أبي بكر السهمي ، إحدثنا
(١) فى (( هـ): ليسوى :.
(٢) من (( هـ)).
- ٢٩٠ -

هشام ، عن محمد ، عن أبي هريرة، قال رسول الله: « لا [تلقوا](١)
الجلب ، فمن تلقاه فهو بالخيار إذا أتى السوق)) . ففي هذا الحديث
عن الرسول النهي عن تلقي الجلب ، ثم جعل للبائع الخيار في ذلك
إذا دخل السوق ، والخيار لا يكون إلا في بيع صحيح ؛ لأنه لو كان
فاسداً لأجبر بائعه ومشتريه على فسخه .
باب : منتهى التلقي
فيه : ابن عمر : (( كنا نتلقى الركبان فنشتري منهم الطعام ، فنهانا
النبي - عليه السلام - أن نبيعه حتى نبلغ به سوق الطعام)).
قال [عبيد الله ] (٢) عن نافع، عن ابن عمر: ((كانوا يتبايعون الطعام
في أعلى السوق ، فيبيعونه في مكانه فنهاهم رسول الله أن يبيعوه في
مكانه حتی ینقلوه )) .
وقال أبو عبد الله : هذا في أعلى السوق ، يبينه حديث عبيد الله .
قال المهلب : قول البخاري : هذا في أعلى السوق . يعني قول
ابن عمر في الحديث الأول: (( كنا نتلقى الركبان فنشتري منهم ) يريد
أنهم كانوا يتلقونهم في أعلى السوق ، وذلك جائز ، وبين ذلك ( عبد الله
ابن عمر ) (٣) بقوله: ((كانوا يتبايعون الطعام في أعلى السوق)).
وأن [ ما ] (٤) كان خارجاً عن السوق في الحاضرة أو قريبًا منها بحيث
يجد من يسأله عن سعرها ، أنه لا يجوز الشراء هنالك ؛ لأنه داخل
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): تلقى .
(٢) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): عبد الله .
(٣) في (( هـ)): عبيد الله .
(٤) من (( هـ)).
- ٢٩١ -

في معنى التلقي ، وأما الموضع البعيد الذي لا يقدر فيه على ذلك
فيجوز فيه البيع ، وليس بتلق .
[٣/ ق٢٦ -ب]
قال مالك: وأكره أن يشتري في نواحي المصر / حتى يهبط (به)(١)
السوق . قال ابن المنذر : وبلغني هذا القول عن أحمد وإسحاق ،
أنهما نهيا عن التلقي خارج السوق ، ورخصا في ذلك في أعلى
السوق ، واحتجا بحديث مالك عن نافع ، عن ابن عمر (( أن النبي -
عليه السلام - نهى عن تلقي السلع حتى يهبط بها الأسواق)) .
ومذاهب العلماء في حد التلقي متقاربة ، روي عن يحيى بن سعيد
أنه قال في مقدار الميل في المدينة أو آخر منازلها : هو من تلقي البيوع
المنهي عنه . وروى ابن القاسم ، عن مالك أن الميل من المدينة تلقي .
قيل له : فإن كان على ستة أميال ؟ فقال : لا بأس بالشراء وليس
بتلق. وروى أشهب عن مالك في الصحافين الذين يخرجون إلى
الأجنة فيشترون الفاكهة [ قال ] (٢) ذلك تلق [وقال أشهب] (٣):
لا بأس بالشراء وليس [ ذلك ] (٢) بتلق؛ لأنهم يشترون في مواضعه
من غير جالب .
وقال ابن حبيب : لا يجوز للرجل في الحضر أن يشتري ما مر به
من السلع وإن كان على بابه إذا كان لها مواقف في السوق تباع فيها،
وهو متلق إن فعل ذلك ، وما لم يكن لها موقف وإنما يطاف بها.
فأدخلت أزقة الحاضرة ، فلا بأس أن يشتري وإن لم تبلغ السوق .
وقال الليث : من كان على بابه أو في طريقه ، فمرت به سلعة
فاشتراها ، فلا بأس بذلك ، والمتلقي عنده الخارج القاصد إليه ..
(١) في (( هـ )» : بها .
(٢) من (( هـ).
(٣) من ((هـ)) وفي ((الأصل)) : فقال .
- ٢٩٢ -

قال ابن حبيب : ومن كان موضعه [ في ] (١) غير الحاضرة قريبًا
منها أو بعيدًا [ فلا ] (٢) بأس أن يشتري ما مرَّ به للأكل خاصة لا للبيع،
رواه أشهب عن مالك .
باب: إذا ( شرط ) (٣) في البيع شروطًا لا تحل
فيه : حديث [ بريرة ] (٤) وقول النبي - عليه السلام -: (( ما بال رجال
يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله ، ما كان من شرط ليس في
كتاب الله فهو باطل ، وإن كان مائة شرط ، قضاء الله أحق ، وشرط الله
أوثق ، وإنما الولاء لمن أعتق )) .
أجمع العلماء على أنه من اشترط في البيع شروطًا لا تحل أنه لا يجوز
شيء منها ؛ لقوله عليه السلام: ((من اشترط شرطًا ليس في كتاب الله
فهو باطل )) .
واختلفوا في غيرها من الشروط في البيع على مذاهب مختلفة ،
فذهبت طائفة إلى أن البيع جائز والشرط باطل على نص حديث
[بريرة] (٤) وهو قول ابن أبي ليلى والحسن البصري والشعبي والنخعي
والحكم ، وبه قال أبو ثور ، قالوا : ودلَّ هذا الحديث أن الشروط
كلها في [ البيوع ] (٥) تبطل وتثبت البيوع . وذهبت طائفة إلى أن
البيع ( جائز ] (١) والشرط جائز، واحتجوا بحديث جابر : ((أن
النبي اشترى منه جملا وشرط ركوبه إلى المدينة )» روي ذلك عن ابن
شبرمة وبعض التابعين .
(١) من (( هـ )).
(٢) من ((هـ)) وفي (( الأصل): لا.
(٣) في (( هـ)): اشترط.
(٤) من (( هـ )) وفي ((الأصل)): بريدة . وهو تحريف.
(٥) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): البيع.
- ٢٩٣ -

وذهبت طائفة إلى أن البيع باطل والشرط باطل ، واحتجوا بحديث
عمرو بن شعيب عن أبيه ، عن جده: (( أن النبي - عليه السلام -
نهى عن بيع وشرط )) وهو قول الكوفيين والشافعي ، فحملوا هذه
الأحاديث التي نزعوا بها على العموم ، ولكل واحد منها موضع
لا يتعداه ، ولها عند مالك أحكام مختلفة ، وقد يجوز عنده البيع
والشرط في مواضع فأما إجازته للبيع والشرط ، فمثل أن يشرط
المشتري [ على البائع ] (١) شيئًا مما في ملك البائع مما لم يدخل في
صفقة البيع ، وذلك أن يشتري منه زرعًا ويشترط على البائع حصاده ،
أو يشتري منه دارًا ويشترط البائع سكناها مدة يسيرة ، أو يشترط ركوب
الدابة يومًا أو يومين ، وقد روي [ عنه ] (١) أنه لا بأس أن يشترط
سكنى الدار الأشهر والسنة . ووجه إجازته لذلك أن البيع وقع على
الشيئين معًا : على الزرع ، وعلى الحصاد ، والحصاد إجارة ،
والإجارة بيع منفعة ، وكذلك وقع البيع على الدار غير سكنى المدة ،
وعلى الدابة غير الركوب ، وأبو حنيفة والشافعي لا يجيزان هذا البيع
كله؛ لأنه عندهم بيع [ و] (١) إجارةَ ، ولا يجوز ؛ لأن الإجارة
عندهم بيع منافع طارئة في ملك البائع لم تخلق بعد ، وهو من باب
[٢٧٥/٣-١] [ بيعتين] (٢) في / بيعة، ومما أجاز فيه مالك البيع والشرط
(شراء)(٣) العبد على أن يعتق ؛ اتباعًا للسنة في بريرة ، وهو قول
الليث ، وبه قال الشافعي في رواية الربيع ، ولم يقس عليه غيره من
أجل نهيه عليه السلام عن بيع وشرط ، وأجاز ابن أبي ليلى هذا البيع
وأبطل الشرط ، وبه قال أبو ثور .
(١) من (( هـ).
(٢) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): بيعين.
(٣) في (( هـ)): اشتراء
- ٢٩٤ -

وأبطل أبو حنيفة البيع والشرط ، وأخذ بعموم نهيه عليه السلام عن
بيع وشرط ، إلا أن أبا حنيفة يقول : إن المبتاع إذا أعتقه كان مضمونًا
عليه بالثمن ، وهذا خلاف أصوله ؛ لأنه كان ينبغي أن يكون مضمونًا
عليه بالقيمة ، كما قال وقلنا في البيع الفاسد ، ومضى أبو يوسف
ومحمد على القياس فقالا : يكون مضمونًا عليه بالقيمة .
قال ابن المنذر : وما قالوه خطأ ؛ لأن البيع إن كان غير جائز والعبد
في ملك البائع لم يزل ملكه عنه ، وعتق المشتري له باطل ؛ لأنه أعتق
ما لا يملك .
ومما أجاز فيه مالك البيع وأبطل الشرط ، وذلك شراء العبد على أن
يكون الولاء للبائع ، وهذا البيع أجمعت الأمة على جوازه ، وإبطال
الشرط فيه لمخالفته السنة في أن الولاء لمن أعتق ، وأن النبي - عليه
السلام - أجاز هذا البيع وأبطل الشرط ، وكذلك من باع سلعة وشرط
أنه إن لم ينفذه المشتري إلى ثلاثة أيام أو نحوها مما يرى ، أنه لا يريد
تحويل الأسواق والمخاطرة ، فالبيع جائز والشرط باطل عند مالك .
وأجاز ابن الماجشون البيع والشرط وحمله محمل بيع الخيار إلى
وقت مسمى ، فإذا جاز الوقت فلا خيار له ، وممن أجاز هذا البيع
والشرط الثوري ومحمد بن الحسن وأحمد وإسحاق ، ولم يفرقوا بين
ثلاثة أيام أو أكثر منها ، وأجاز أبو حنيفة البيع والشرط إلى ثلاثة أيام،
فإن قال : إلى أربعة أيام بطل البيع [ عنده ] (١) لأن الخيار لا يجوز
عنده اشتراطه أكثر من ثلاثة أيام ، وبه قال أبو ثور .
ومما يبطل فيه عند مالك البيع والشرط ، وذلك مثل أن يبيعه جارية
على ألا يبيعها ولا يهبها [ أو ] (٢) على أن يتخذها أمّ ولد ، فالبيع
(١) من (( هـ )).
(٢) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): و.
- ٢٩٥ -

عنده فاسد ، وهو قول أبي حنيفة والشافعي ، واعتلَّوا في فساد البيع:
بفساد الشرط فيه ، وذلك عدم تصرف المشتري في المبيع ، وكما:
لا يجوز عند الجميع أن يشترط المبتاع على البائع عدم التصرف في
الثمن، فكذلك لا يجوز أن يشترط البائع على المبتاع عدم التصرف
فيما اشتراه ، وهذا عندهم معنى نهيه عليه السلام عن بيع وشرط .
. وأجازت طائفة هذا البيع وأبطلت الشرط ، هذا قول النخعي
والشعبي والحسن وابن أبي [ ليلى ] (١) وبه قال أبو ثور ، وقال حماد
و[الكوفيون ] (٣) البيع جائز والشرط لازم.
قال ابن المنذر : وقد أبطل النبي - عليه السلام - ما اشترطه أهل
بريرة من الولاء وأثبت البيع ، ومثال هذا أن كل من اشترط في المبيع
شرطًا خلاف كتاب الله وسنة رسول الله أن الشرط باطل والبيع ثابت
استدلالا بحديث بريزة ، واشتراطُ البائع على المشتري ألا يبيع ولا يهب
[ ولا يطأ] (٣) شروط ينبغي إبطالها وإثبات البيع ؛ لأن الله - تعالى-
أحل وطء ما ملكت اليمين ، وأحل للناس أن يبيعوا أملاكهم ويهبوها،
فإذا اشترط [ البائع ] (٣) شيئًا من هذه [ فقد اشترط ] (٤) خلاف
كتاب الله ، فهو مثل اشتراط موالي بريرة ولاءها لهم ، فأجاز عليه
السلام ذلك البيع وأبطل الشرط ، فكذلك ما كان مثله .
ومما يبطل فيه عند مالك والكوفيين والشافعي البيع والشرط: بيع
الأمة والناقة واستثناء ما في بطنها ، وهو عندهم من بيوع الغرر ؛ لأنه
لا يعلم مقدار ما يصلح أن يحط من ثمنها قيمة الجنين ، وقد أجاز هذا
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): ثور. وهو خطأ.
(٢) في ((الأصل)): الكوفيين. وفي (( هـ)): الكوفي ، والمثبت هو الصواب.
(٤) من (( هـ)) وفي (( الأصل)): الشروط.
(٣) من ( هـ)).
- ٢٩٦ -

البيع والشرط النخعي والحسن ، وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثور ،
واحتجوا [ بأن ] (١) ابن عمر أعتق جارية واستثنى ما في بطنها .
قال ابن المنذر : وهذا البيع معلوم ، ولا يضرهما أن يجهلا ما لم
يدخل في البيع ، ولا أعلمهم يختلفون أنه يجوز بيع جارية وقد أعتق
ما في بطنها / ولا فرق بين ذلك؛ لأن [ المبيع] (٢) في المسألتين [٢٧٥/٣ -ب]
جميعًا الجارية دون الولد .
قال المهلب : وحديث بريرة أصل في العقوبة في الأموال ؛ لأن
مواليها أبوا الوقوف عند حكم الله وحكم السنة ، فلما عَرَّفت عائشة
النبي - عليه السلام - بإبائهم و( استمرارهم ) (٣) على خلاف الحق
باشتراطهم ما لا يجوز قال لها : (( اشترطي لهم ذلك )) فإن ذلك غير
نافعهم ، ولا ناقض ( لبيعهم) (٤) فعاقبهم في المال [ بتخسيرهم ](٥)
ما وضعوا من الثمن من أجل اشتراط الولاء واستبقائه لهم ، ولم
يعطهم قيمته عقوبة لهم .
قال أبو عبد الله : فلو وقع اليوم مثل هذا وباع رجل جارية على أن
يتخذها المشتري أم ولد [ أو ] (٦) على ألا يبيعها ولا يهبها ثبت البيع
ورجع البائع بقيمة ما وضع .
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): أن.
(٢) من ((هـ)، وفي ((الأصل)): البيع.
(٣) في (( هـ)): أقسم أنهم .
(٤) في (( هـ)) : لحكم الله - تعالى.
(٥) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): بتخسير .
(٦) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): و.
- ٢٩٧ -

باب : بيع التمر بالتمر
فيه [عمر ](١) قال النبي - عليه السلام -: (( البر بالبر ربًا إلا هاء
وهاء ، والشعير بالشعير ربًا إلا هاء وهاء، والتمر بالتمر ربًا إلا هاء
وهاء» .
وترجم له باب بيع الشعير بالشعير .
معنى هاء وهاء في كلام العرب : خذْ وأعط ، يعني : لا يجوز
بيع شيء من البر والشعير والتمر بجنسه إلا يداً بيد ، قال ثابت :
فإعرابه هاء وهاء ، وقال صاحب العين [ هي ] (٢) كلمة تستعمل
عند [المناولة ] (٣) وهي ممدودة. وقال ابن السكيت : يقال : هاء يا
رجل، وهاؤما يا رجلان ، وهاؤم يا رجال . قال الله - تعالى -:
﴿هاؤم اقرءوا كتابيه﴾ (٤) وهاء يا امرأة. مكسورة الهمزة بلا ياء ،
وهاؤما يا امرأتان، و[ هاؤن ] (٥) يا نسوة .
وقال مالك : الأمر المجتمع عليه عندنا أنه لا [ تباع ] (٦) الحنطة
بالخنطة ، ولا الشعير بالشعير ، ولا التمر بالتمر ، ولا الحنطة بالتمر،".
ولا شيء من الطعام كله بعضه ببعض إلا يدًا بيد ، فإن دخل شيئًا من
ذلك الأجلُ فلا يصلح وكان حرامًا ، قال : وكذلك حكم ( الإدام
كله) (٧) وعلى هذا عامة علماء الأمة بالحجاز والعراق ، أن الطعام
بالطعام من صنف واحد كان أو [ من ] (٢) صنفين ، فإنه لا يجوز فيه
(١) في ((الأصل)) ابن عمر، والمثبت من (( هـ ).
(٣) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): النازلة.
(٢) من (( هـ)).
(٤) الحاقة : ١٩
(٥) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): ها أن .
(٦) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): يباع.
(٧) في ((هـ)) : الأدم كلها .
- ٢٩٨ -

النسيئة ؛ فإنه بمنزلة الذهب والورق ، وذلك حكم كل ما يكال أو
يوزن مما يؤكل أو يشرب حكم ما ذكره النبي - عليه السلام - من البر
والشعير والتمر في ذلك ، قال مالك : وإذا اختلف ما يكال أو يوزن
مما يؤكل أو يشرب ، فلا بأس [ باثنين ] (١) منه بواحد يدًا بيد ، لا بأس
أن يؤخذ صاع من تمر بصاعين من حنطة ، وصاع من تمر بصاعين من
زبيب، وصاع من حنطة بصاعين من ( تمر ) (٢) فإن دخل ذلك الأجل
فلا يحل . قال : ولا تباع صبرة الحنطة بصبرة الحنطة ، ولا بأس
بصيرة الحنطة بصبرة التمر يدًا بيد .
قال مالك : وكل ما اختلف من الطعام أو الإدام فبان اختلافه فلا
بأس أن يشترى بعضه ببعضه جزافًا [ يدًا] (٣) بيد، وشراء بعض ذلك
[ ببعض ] (١) جزافًا كشراء بعض ذلك بالذهب والورق جزافًا .
واتفق أهل الحجاز والعراق على أن التفاضل جائز في كل ما
اختلفت أجناسه من الطعام ؛ لأنه إذا اختلفت أجناسه اختلفت أغراض
الناس فيه ؛ لاختلاف منافعه ، فلذلك ( جاز بيعه متفاضلا ، وكل ما
جاز فيه التفاضل جاز بيع بعضه ببعض جزافًا ) (٤) معلومًا بمجهول،
ومجهولا بمجهول ، وما لا يجوز فيه التفاضل فلا يجوز بيعه جزافًا ،
ولا يباع معلوم بمجهول ، إلا أن مالكًا يجعل البر والشعير والسلت
صنفًا واحدًاً لا يجوز فيه التفاضل أحدهما لصاحبه ، وهو قول الليث
والأوزاعي .
وعند الكوفيين والثوري والشافعي يجوز بيع البر بالشعير متفاضلا ،
وهما جنسان عندهم ، وهو قول [ أحمد ] (١) وإسحاق وأبي ثور .
(١) من ( هـ )).
(٢) في (( هـ)) : سمن.
(٣) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): يد .
(٤) تكرر في (( الأصل)).
- ٢٩٩ -

باب : بيع الزبيب بالزبيب / والطعام بالطعام
[٣/ ق٢٨- ١]
فيه: ابن عمر: (( أن النبي - عليه السلام - نهى عن المزابنة، و[هو](١)
بيع التمر [ بالثمر ](٢) كيلا ، وبيع الزبيب بالكرم كيلا .
وقال مرة: (( المزابنة: أن يبيع [ الثمر ] (٣) بكيل إن زاد فلي، وإن
نقص فعلي » .
سندخل الكلام في هذا الباب في معنى المزابنة فلا معنى لتكريره
*
باب : بيع الذهب بالذهب
فيه : أبو بكرة : قال النبي - عليه السلام -: (( لا تبيعوا الذهب
بالذهب إلا سواء بسواء ، والفضة بالفضة إلا سواء بسواء ، وبيعوا
الذهب بالفضة، والفضة بالذهب كيف شئتم )) .
وترجم له باب بيع الذهب بالورق يدًا بيد .
أجمع أئمة الأمصار أنه لا يجوز بيع الذهب بالذهب ، والفضة
بالفضة تبرهما وعينهما ومصنوعهما إلا مثلا بمثل يداً بيد ، ولا يحل
التفاضل في شيء منهما ، وعلى هذا مضى السلف والخلف ، وبذلك
كتب أبو بكر الصديق إلى عماله ، وروي مثله عن علي بن أبي طالب
وروى مجاهد عن ثلاثة عشر من أصحاب النبي - عليه السلام -
مثله، وإنما حرم الله الربا حراسة للأموال وحفظًا لها ، فلا يجوز
واحد باثنين من جنس واحد ؛ لاتفاق أغراض الناس فيه ، ويجوز
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): عن.
(٢) في ((الأصل)): بالتمر بالمثناة. والمثبت من (( هـ).
(٣) في ((الأصل)): التمر. والمثبت من ((هـ)) وسيأتي في باب المزابنة.
- ٣٠٠ -