Indexed OCR Text

Pages 261-280

يقول : أبيعك [ عبدًا لي ] (١) أو دارًا مغيبة عني في وقت البيع ،
[فلعل الدار أن تتلف أو لا يرضاها، وهذا يشبه بيع ] (١) الغرر ،
ويحتمل أن يقول : أبيعك هذه الدار بكذا على أن أشتريها لك من
صاحبها ، أو على أن يسلمها لك صاحبها ، وهذا مفسوخ على كل
حال ؛ لأنه غرر ، إذ قد يجوز أن لا يقدر على تلك السلعة ، أو
لا يسلمها إليه مالكها ، وهذا أصح القولين عندي ؛ لأني لا أعلمهم
يختلفون أنه يجوز أن أبيع جارية رآها المشتري ثم غابت عني وتوارت
بجدار وعقدنا البيع ثم عادت إليّ ، فإذا أجاز الجميع هذا البيع لم
يكن فرق بين أن تغيب عني بجدار أو تكون بيني وبينها مسافة وقت
عقد البيع .
وقال غيره : ومن بيع ما ليس عندك العينة ، وهي [ ذريعة إلى ](١)
دراهم بدراهم أكثر منها [ إلى أجل ، كأن رجلا سأل رجلا أن يسلفه
دراهم بدراهم أكثر منها ] (١) فقال له : هذا لا يحل ، ولكن أبيعك
في الدراهم التي سألتني سلعة كذا ليست عندي ، أبتاعها لك فبكم
تشتريها مني ؟ [ فيوافقه ] (٣) على الثمن يبتاعها ويسلمها إليه ، فهذه
العينة المكروهة ، وهي بيع ما ليس عندك وبيع ما لم تقبضه ، فإن وقع
هذا البيع فسخ عند مالك في مشهور مذهبه وعند جماعة العلماء ،
وقيل للبائع : إن أعطيت السلعة لمبتاعها منك بما اشتريتها جاز ذلك ،
وكأنك إنما أسلفته الثمن [ الذي ] (٣) ابتاعها به.
وقد روي عن مالك أنه لا يُفسخ البيع ؛ لأن المأمور كان ضامنًا
للسلعة لو هلكت . قال ابن القاسم : وأحب إلي لو تورع عن أخذ
(١) من (( هـ)).
(٢) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): فوافقه .
(٣) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): التي.
- ٢٦١ -

ما ازداده عليه . وقال عيسى بن دينار : بل يفسخ البيع إلا أن تفوت
السلعة ، فتكون فيها القيمة ، وعلى هذا سائر العلماء بالحجاز
والعراق.
باب : بيع الطعام قبل أن يقبض
:
فیه : ابن عباس قال : « أما الذي نھی عنه النبي - عليه السلام - فهو
الطعام أن يباع حتى يقبض [ قال ابن عباس: ولا أحسب ](١) كل شيء
إلا مثله )).
وفيه : ابن عمر أن النبي - عليه السلام - قال: (( من ابتاع [ طعامًا
فلا يبعه حتى ] (١) يستوفيه)). وقال مرة: ((حتى يقبضه)).
أجمع العلماء أن كل ما يكال أو يوزن [ من الطعام كله ] (١) مقتاًا
أو غير مقتات ، وكذلك الإدام والملح والكسبر وزريعة الفجل الذي فيه
الزيت المأكول ، فلا يجوز بيع شيء منه قبل قبضه ، ومعنى نهيه عليه
السلام عن بيع الطعام قبل قبضه عند مالك فيما بيع منه مكيلا أو
موزونًا لا فيما بيع منه جزافًا على ما تقدم ذكره قبل هذا .
واختلفوا في بيع العروض قبل قبضها ، فذهب ابن عباس وجابر
إلى أنه لا يجوز بيع شيء منها قبل قبضها قياسًا على الطعام ، وهو
[٣/ ٥ ٢١-١] قول [ الكوفيين] (٢) والشافعي، وحملوا نهيه عليه السلام عن / [ربح
ما لم يضمن على العموم في كل شيء ، إلا الدور والأرضين عند أبي
حنيفة ، فأجاز بيعها قبل قبضها ؛ لأنها لا تنقل ولا تحول .
(١) طمس في ((الأصل) والمثبت من (( هـ)).
(٢) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): الكوفيون.
- ٢٦٢ -

وحمل مالك نهيه عليه السلام عن ربح ما لم يضمن على الطعام
وحده ، قال عيسى : سألت ابن القاسم عن ربح ما لم يضمن .
فقال : ذكر مالك ] (١) أن ذلك بيع الطعام قبل أن [ يستوفى ؛ لأن
النبي {8* نهى عنه فريحه ] (١) حرام . وأما العروض والحيوان فربحها
[ حلال؛ لأن بيعها قبل استيفائها حلال] (١).
قال ابن المنذر: والحجة لهذا القول أن النبي [َ﴾و إنما نهى عن بيع
الطعام قبل قبضه خاصة ، فدل ] (١) أن غير الطعام ليس كالطعام ،
ولو [ لم يكن كذلك ما كان في تخصيص الطعام فائدة ] (١).
وقد أجمعوا أن من اشترى جارية وأعتقها [ في تلك الحال قبل
قبضها ، أن عتقه جائز ] (١) وكذلك يجوز له بيعها قبل قبضها ، وقال
أبو ثور كقول مالك .
باب : إذا اشترى متاعًا [ أو دابة فوضعه عند البائع ،
أو مات قبل أن يقبض ] (١)
وقال ابن عمر : ما أدركت الصفقة حيا مجموعًا فهو من المبتاع .
فيه: عائشة: (( لقل يوم كان يأتي على النبي - عليه السلام - إلا يأتي
[فيه بيت أبي بكر أحد ] (١) طرفي النهار ، فلما أُذْنَ له في الخروج إلى
المدينة ، لم يَرُعْنَا إلا وقد [ أتانا ظهرًا، فَخُبِّرَ به أبو بكر] (١) فقال: ما
جاء النبي - عليه السلام - في هذه الساعة إلا من حدث [ فلما دخل
عليه قال ](١) لأبي بكر : أخرج من عندك . قال : يا رسول الله، إنما هما
بنتاي - يعني عائشة وأسماء [ فقال: أشعرت أنه قد أذن لي ] (١) في
(١) طمس في (( الأصل)) والمثبت من (( هـ).
- ٢٦٣ -

الخروج ؟ قال : الصحبة يا رسول الله ، قال : الصحبة . قال : يا
رسول [الله، إن عندي ناقتين أعددتهما للخروج ] (١) فخذ إحداهما
فقال : [قد ] (٢) أخذتها بالثمن)).
اختلف العلماء في هلاك المبيع قبل أن يقبض ، فذهب أبو حنيفة
والشافعي إلى أن ضمانه إن تلف من البائع ، وقال أحمد وإسحاق
وأبو ثور : تلافه من المشتري . وفرق مالك بين الثياب والحيوان ،
فقال : ما كان من الثياب والطعام ، وما يعاب عليه فهلك قبل
القبض، فضمانه من البائع . قال ابن القاسم : لأنه لا يعرف هلاكه
ولا بينة عليه ، ويتهم أن يكون ندم فيه فعيبه ، وأما الدواب والحيوان
والعقار فضمانه من المشتري .
وقال ابن حبيب: اختلف العلماء [ فيمن باع عبداً واحتبسه ] (١)
بالثمن ، وهلك في يديه قبل أن يأتي المشتري بالثمن ، وكان سعيد بن
المسيب وربيعة والليث يقولون : هو من البائع . وأخذ به ابن وهب ،
وكان مالك قد أخذ به أيضًا ، وقال سليمان بن يسار : مضيته من
المشتري سواء حبسه البائع [ وثيقة من الثمن أم ] (١) لا. ورجع
مالك إلى قول سليمان بن يسار ، واحتج الكوفيون والشافعي بفساد
بيع الصرف قبل القبض ، فدل أنه في ضمان البائع ، قالوا : ولا خلاف
أنه من اشترى طعامًا مكايلة ، فهلك قبل القبض في يد البائع ، أنه من
مال البائع ، فكذلك ما سواه في القياس ، واحتجوا بأن النبي - عليه
السلام - نهى عن بيع ما لم يقبض وربح ما لم يضمن ، قالوا : ألا
ترى أنه عليه السلام نهى عن بيع ما لم يقبض وربح ما لم يضمن ،
فكأنه نهى عن بيع ما لم يقبض ؛ لأنه لم يضمن .
(١) طمس فى ( الأصل)) والمثبت من (( هـ )).
(٢) من (( هـ ) .
- ٢٦٤ -

وقال ابن القصار : والحجة عليهم في قياسهم على الصرف ، بأن
البيع يتم فيه بالعقد ، ثم يبطل بالتفرق قبل القبض ؛ لأنه عقد خص
بألا يفترقا وبينهما معاملة ؛ لأن سنة الصرف يدًا بيد ، وهاء بهاء ،
لوجود الربا في كل واحد من العوضين ، وأما الطعام إذا اشتري
مكايلة فإن البيع قد تم بالقول ، ثم وجب على البائع حق التوفية ،
وهو الكيل الذي يلزمه بإجماع ، وكذلك المبيع إذا كان فيه حق يوفيه
من وزن أو عدد وتلف قبل القبض فضمانه من البائع ، وأما
احتجاجهم بنهيه عليه السلام عن بيع ما لم يقبض ، فالجواب :
/ عليه أنه نهى عن بيع ما لم يقبض إذا لم يضمن ، بدليل أن [٨٣ق٢١ -ب]
[المشتري لو أتلف المبيع كان ضمانه فيه بالثمن لا بالقيمة ] (١) لأنه
بحكم المِلْكِ أتلفه ، فيجب [ إذا تلف المبيع من قبل الله - تعالى - أن
يكون من ضمانه ] (١) .
قال المهلب : ووجه استدلال البخاري بحديث عائشة في هذا الباب
أن قول الرسول لأبي بكر في الناقة: (( قد أخذتها)) لم يكن أخذًا
باليد ، ولا بحيازة شخصها ، وإنما كان التزامه لابتياعها بالثمن ،
وإخراجها من ملك أبي بكر ؛ لأن قوله: ((قد أخذتها)) يوجب أخذًا
صحيحًا ، وإخراجًا واجبًا للناقة من ذمة أبي بكر إلى ذمة النبي بالثمن
الذي يكون [ عوضًا منها ، فهل يكون الضياع أو التصرف بالبيع ] (١)
قبل القبض إلا لصاحب الذمة الضامنة لها .
قال ابن المنذر : ولا مخالف لابن عمر في الصحابة ، فهو
كالإجماع .
قال المهلب : وفيه من الفقه : إخفاء السر في أمر الله إذا خشي من
أهل الفجر .
-
(١) من ((هـ)) وطمس في (( الأصل)).
- ٢٦٥ -

وفيه : أن أبا بكر أوثق الناس عند رسول الله ، وأنه آمنُ الناس عليه
في صحبته وماله ؛ لأنه لم [ يرغب ] (١) بنفسه عنه في حضر ولا سفر،
ولا استأثر بماله دونه ، ألا ترى أنه أعطاه إحدى ناقتيه بلا ثمن، فأبى
رسول الله إلا بالثمن ، وفي استعداد أبي بكر بالناقتين دليل على أنه
أفهم الناس لأمر الدين ؛ لأنه أعدهما قبل أن ينزل الإذن في الخروج
من مكة إلى المدينة ، كأنه قبل ذلك قد رجا أنه لا بد أن يؤذن له فأعد
لذلك .
[ وفيه ] (٢) أن الافتراق الذي يتم به البيع في قوله عليه السلام :
((البيعان بالخيار ما لم (يفترقا) (٣))) إنما يكون بالكلام لا بالأبدان ؛
لقول النبي لأبي بكر: (( قد أخذتها بالثمن )) قبل أن يفترقا، وثم
البيع بينهما ، وسيأتي بعض معاني هذا الحديث في كتاب [ اللباس في
باب التقنع - إن شاء ] (١) الله .
باب : لا يبع على بيع أخيه ولا يسوم
على سوم أخيه حتى يأذن أو يترك
فيه : ابن عمر : قال النبي - عليه السلام -: (( لا يبع بعضكم على بيع
أخيه )) .
وفيه : أبو هريرة: (( نهى النبي - عليه السلام - أن يبيع حاضر لباد،
ولا تناجشوا ، ولا يبيع الرجل على بيع أخيه ، ولا يخطب على خطبة
أخيه ... )) الحديث .
قال أبو عبيد: [ كان ] (٤) أبو عبيدة وأبو زيد وغيرهما من أهل
(١) طمس في (( الأصل)) والمثبت من (( هـ ).
(٢) من (( هـ )).
: (٣) في (( هـ)): يتفرقا.
(٤) من ((هـ)) وفى ((الأصل)): قال.
- ٢٦٦ -

العلم يقولون : إنما النهي في قوله عليه السلام: (( لا يبع على بيع
أخيه)). إنما هو لا يشتر على شراء أخيه ، فإنما وقع النهي على
المشتري لا على البائع ؛ لأن العرب تقول : بعت الشيء ، بمعنى
اشتريته ، قال أبو عبيد : وليس للحديث عندي وجه غير هذا ؛ لأن
البائع لا يكاد يدخل على البائع ، هذا قليل في معاملة الناس ، وإنما
المعروف أن يعطي الرجل الرجل [ بسلعته شيئًا ] (١) فيجيء مشترٍ آخر
فیزید علیه ، وما یبین ذلك أنهم کانوا یتبایعون في مغازبهم فیمن یزید،
فالمعنى هاهنا للمشتري ، ومنه النهي عن الخطبة على خطبة أخيه كما
نهى عن البيع ، بعد علمنا أن [ الخاطب] (٢) هو الطالب بمنزلة
المشتري ، وقد فسره مالك في الموطأ بنحو هذا ، قال مالك : وتفسير
قوله عليه السلام: (( لا يبع بعضكم على بيع بعض )) إنما نهى أن يسوم
الرجل على سوم أخيه إذا ركن البائع للمشتري ، وجعل يشترط وزن
الذهب ، ويتبرأ من العيوب وشبه هذا مما نعرف به أن البائع قد أراد
مبايعة السائم ، فهذا الذي نهى عنه - والله أعلم - ونحوه قال أبو
حنيفة وأصحابه ، وقال الشافعي مثله [ في ] (٣) قوله عليه السلام:
((لا يسوم الرجل على سوم أخيه)) وخالفهم في قوله: (( لا يبع على
بيع أخيه)) . فقال : معناه : أن يبتاع سلعة فيقبضها وهو مغتبط بها ،
فيأتيه قبل الافتراق من يعرض عليه سلعة خيرًا منها بأقل من ذلك
الثمن، وهذا فساد ، وقال الثوري نحوه .
والفقهاء كلهم يكرهون أن يسوم على سوم أخيه بعد ( السكون ) (٤)
(١) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): سلعة.
(٢) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): الطالب.
(٣) في ((الأصل)) إلا في. والمثبت من (( هـ).
(٤) في ((هـ )) : الركون .
- ٢٦٧ -

والرضا ، والبيع عندهم مع ذلك صحيح ؛ لأن سوم المساوم لم يتم به
عقد البيع ، كان لكل واحد منهما أن لا يتمه إن شاء ، وأهل الظاهر
يفسخونه ، وقد روي عن مالك وعن بعض أصحابه فسخه ما لم يفت
[٥/٣ ٢٢-١] / [ وفسخ النكاح ما لم يفت بالدخول، وأنكر] (١) ابن الماجشون
أن يكون مالك قاله في البيع ، وقال : إنما قاله في الخطبة .
واختلفوا في دخول الذمي في معنى قوله : (( لا يبع بعضكم على
بيع بعض ، ولا [ يُسم ] (٢) على سوم أخيه)) فقال الأوزاعي: لا
بأس بدخول المسلم على الذمي في سومه ؛ لأن النبي إنما خاطب
المسلمين بذلك ، فلا يدخل فيه غيرهم .
وقال مالك والثوري وأبو حنيفة والشافعي : لا يجوز أن يبيع المسلم
على بيع الذمي ، وحجتهم أنه كما دخل الذمي في النهي عن
النجش، وعن ربح ما لم يضمن ، وفي الشفعة وغيرها مما الذمي فيه
تبع للمسلم ، فكذلك يدخل في هذا ، وقد يقال : هذا طريق
المسلمين، ولا يمنع ذلك من سلوك أهل الذمة فيه .
وقد أجمع العلماء على كراهة سوم الذمي على سوم الذمي ، يدل
أنهم داخلون في ذلك - والله أعلم .
باب : بيع المزايدة
وقال عطاء : أدركت الناس لا یرون بأسًا ببيع المغانم فیمن یزید
فيه: جابر: (( أن رجلا أعتق غلامًا له عن دبر فاحتاج، فأخذه النبي
فقال : من يشتريه مني ؟ فاشتراه نعيم بن عبد الله بكذا وكذا ، فدفعه إلیه».
(١) طمس ((بالأصل)) والمثبت من (( هـ)).
(٢) من (( هـ )) وفي (( الأصل)): يسوم.
- ٢٦٨ -

اختلف الفقهاء في بيع المزايدة ، فأجازها مالك والكوفيون والشافعي
وأحمد ، وكان الأوزاعي يكره المزايدة إلا في المغانم والمواريث ، وهو
قول إسحاق .
وروي عن أبي أيوب وعقبة بن عامر كراهية الزيادة ، وعن إبراهيم
النخعي أنه كره بيع من يزيد ، واحتج مالك لقوله : لا بأس بالسلعة،
توقف للبيع فيسوم بها غير واحد ، قال : ولو ترك الناس السوم عند
أول من يسوم بها ، أُخذت بشبه الباطل من الثمن ، ودخل على
الباعة في سلعهم المكروه ، ولم يزل الأمر عندنا على ذلك .
وحديث جابر حجة على من كره ذلك ؛ لأنه عليه السلام قال في
المدبر: (( من يشتريه مني ؟)) فعرضه للزيادة ، وأحب أن يستقصي فيه
للمفلس الذي باعه عليه ، وهذا الحديث يفسر نهيه عليه السلام أن
يسوم الرجل على سوم أخيه ، أو يبيع على بيع أخيه ، أنه أراد بذلك
إذا تقاربا من تمام البيع كما قال جمهور الفقهاء ، وعلى هذا
[المعنى](١) حمل العلماء ما روي عن أبي أيوب وعقبة بن عامر أن
ذلك بعدما رضي البائع ببيعه الأول .
باب : النجش ومن قال : لا يجوز ذلك البيع
وقال ابن أبي أوفى : الناجش آكلُ ربًا خائن ، وهو خداع باطل لا يحل.
قال عليه السلام : « الخديعة في النار ، ومن عمل عملا ليس عليه أمرنا
فهو رد )) .
فيه: ابن عمر قال: (( نهى النبي - عليه السلام - عن النجش)).
(١) من (( هـ ).
- ٢٦٩ -

قال ابن الأنباري : النجش: أن يزيد الرجل في [ ثمن ] (١)
السلعة ، وهو لا يريد شراءها ، ولكن ليسمعه غيره فيزيد بزيادته .
وذكر مثله صاحب العين ، وقال أبو عبيد : النجش : استثارة الشيء،
والنجاشي والناجش : الذي ينجش الشيء نجشًا فيستخرجه . وقال
بعضهم : النجش : أن يُنَفِّر الناس عن الشيء إلى غيره [ قال ] (١)
وأصل : النجش : تنفير الوحش من مكان إلى مكان . ذكره ابن
الأنباري . وذكر عن ( ابن عباس ) (٢) أنه قال : نجاشوا سوق الطعام
من هذا أخذوا . وذكر أيضًا عن الأصمعي أن النجش : مدح الشيء
وإطراؤه ، وأنشد النابغة الشيباني :
[ ويعدي كرمها عند النجش ] (٣)
وأجمع العلماء أن الناجش عاص بفعله .
واختلفوا في البيع إذا وقع على ذلك ، فذهب أهل الظاهر إلى أن
البيع في النجش [ مفسوخ ؛ لأنه طابق النهي ] (٣) ففسد ، وقال
[٣/ ق٢٢-ب] مالك/ المشتري بالخيار ، وهو عيب من العيوب ، وحجته أن النبي -
عليه السلام - نهى عن التصرية ، ثم جعل المشتري بالخيار إذا علم
أنها مصراة ، ولم يقض بفساد البيع ، ومعلوم أن التصرية غش
وخديعة، فكذلك النجش يصح فيه البيع ، ويكون المشتري بالخيار .
وقال أبو حنيفة وأصحابه والشافعي : البيع في النجش لازم ،
ولا خيار للمبتاع في ذلك ؛ لأنه ليس بعيب في نفس البيع ، وإنما هي
خديعة في الثمن ، وقد كان على المشتري أن يتحفظ ويحضر من يميز
(١) من ((هـ)).
(٢) في (( هـ )): أبي العباس.
(٣) طمس في ((الأصل) والمثبت من (( هـ)).
- ٢٧٠ -

إن لم يكن [ ممن ] (١) يميز ، وقول مالك أعدل الأقوال في ذلك
وأولاها بالصواب .
باب : بيع الغرر وحبل الحبلة
فيه : ابن عمر: (( أن النبي - عليه السلام - نهى عن بيع حبل الحبلة ،
وكان بيعًا ( يتبايعه ) (٢) أهل الجاهلية ، كان الرجل يبيع الجزور إلى أن
تنتج الناقة ، ثم تنتج التي في بطنها ) .
قال مالك : هذا الحديث أصل في النهي عن البيوع إلى الآجال
المجهولة ؛ لقوله: (( إلى أن تنتج الناقة، ثم تنتج التي في بطنها ))
واختلف العلماء في معنى نهيه عليه السلام عن بيع حبل الحبلة ، فقال
مثل قول مالك الشافعي ، ولا خلاف بين الأمة أن البيع إلى مثل هذا
الأجل المجهول غرر لا يجوز ، وإنما يجوز إلى أجل معلوم ؛ لأن الله
قد جعل الأهلة مواقيت للناس والحج ، وهي معلومة ، فما كان من
الآجال لا يختلف ، ولا يجهل وقته فجائز البيع إليه بإجماع .
وقال آخرون : معنى بيع حبل الحبلة : هو النهي عن بيع الجنين في
بطن أمه ، فلا يجوز بيع ما لم يخلق ، ولا بيع ما لا تقع عليه العين،
ولا يحيط به العلم . هذا قول أحمد وإسحاق وأبي عبيد . قال ابن
المنذر : فأي ذلك كان ( فالبيع فيه باطل ) (٣) من وجوه ، وكذلك
يبطل كل ما كان في معناه بما يحتمل أن يكون موجودًا أو غير موجود،
وهذا كله من أكل المال بالباطل ، وقد نهى الله عن ذلك .
فإن قيل : فقد ذكر الطبري عن ابن عون ، عن ابن سيرين قال :
(١) من ( هـ)).
(٣) في (( هـ): فلا بيع يبطل منه .
(٢) في (( هـ)»: يبتاعه.
- ٢٧١ -

لا أعلم ببيع الغرر بأسًا. وذكر ابن المنذر عن ابن سيرين قال :
لا بأس ببيع [العبد ] (١) الآبق إذا كان علمهما فيه واحد ، وحكي
مثله عن شريح ، وذكر عن ابن عمر أنه اشترى من بعض ولده بعيرًا
شاردًا!
فالجواب [ أن ] (٢) الغرر هو ما يجوز أن يوجد وأن لا يوجد
كحبل الحبلة وشبهه ، وكل شيء لا يعلم المشتري هل يحصل له أم
لا، فشراؤه غير جائز ؛ لأنه غرر ، وكل شيء حاصل للمشتري أو
يعلم في الغالب أنه يحصل له فشراؤه جائز ، هذا أصل البيوع ، إذا
كان الغرر فيها الغالب لم يجز ، وإذا كان يسيرًا تبعًا جاز ؛ لأنها
لا تخلو منه ، ولو منع البيع حتى لا يكون فيه غرر وإن قل لأضر
ذلك بالناس ، وقد منع رسول الله بيع الثمرة قبل [ بدو ] (٣) صلاحها
على التبقية ، ولو بدا صلاحها جاز بيعها على التبقية [ لأن ] (٤)
الغرر قد قل فيها .
فإن قيل : يحتمل قول ابن سيرين : أنه لا بأس ببيع الغرر إن
[سلم] (٥) فالجواب: أن السلامة وإن كانت فإنما هي في المال ، والمال
لا يراعى في البيوع في الأكثر من مذاهب أهل العلم ، وإنما تراعى
السلامة في حال عقد البيع ، وقد ذكرنا أن الغرز هو ما يجوز أن
يوجد وألا يوجد ، وهذا المعنى موجود في عقد الغرر وإن سلم ماله ،
فلذلك لم يجز ، وقد يمكن أن يكون ابن سيرين ومن أجاز بيع الغرر
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): عبيد.
(٣) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): بد.
(٤) من ((هـ)) وفي (( الأصل)): فإن .
(٥) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): يسلم .
(٢) من (( هـ)).
- ٢٧٢ -

لم يبلغهم نهي النبي - عليه السلام - عن ذلك ، ولا حجة لأحد
خالف السنة .
باب : بيع الملامسة
قال : أنس : نھی النبى - عليه السلام - عنه .
فيه : أبو سعيد: (( نهى النبي - عليه السلام - عن المنابذة ، وهي طرح
الرجل ثوبه بالبيع إلى الرجل قبل أن يقلبه أو ينظر إليه ، ونهى عن
الملامسة، والملامسة: لمس الثوب لا ينظر إليه)).
وفيه: أبو هريرة: (( نهى النبي عن اللماس والنباذ)).
وترجم له باب [ بيع ] (١) المنابذة .
/ لا يجوز بيع الملامسة والمنابذة عند جماعة العلماء ، وهو من بيع
الغرر والقمار ؛ لأنه إذا لم يتأمل ما اشتراه ولا علم صفته فلا يدري
حقيقته ، وهو من أكل المال بالباطل ، وكان مالك يقول : المنابذة أن
ينبذ الرجل ثوبه وينبذ الآخر إليه ثوبه على غير تأمل منهما ، ويقول
كل واحد منهما لصاحبه : هذا بهذا .
[٣/ق٢٣- ١]
ومن هذا الباب بيع الشيء الغائب [ واختلف العلماء في ذلك ،
وقال مالك لا يجوز بيع الغائب ] (١) حتى ( يتواصفا ) (٢) فإن وجد
على الصفة لزم المشتري ، ولا خيار له إذا رآه ، وإن كان على غير
الصفة فله الخيار . وهو قول أحمد وإسحاق وأبي ثور والمروزي ،
وروي مثله عن محمد بن سيرين .
(١) من (( هـ )).
(٢) في (( هـ)) : يتواصفاه.
- ٢٧٣ -

وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري يجوز بيع الغائب على الصفة
وغير الصفة، وللمشتري خيار الرؤية إن [ وجده ] (١) على الصفة ..
وروي مثله عن ابن عباس والشعبي والنخعي والحسن البصري .
وللشافعي قولان : أحدهما كقول أبي حنيفة . والثاني : لا يجوز
شراء الأعيان الغائبة وهو قول الحكم وحماد ، واحتج الشافعي بأن
مالكًا لم يجز بيع الثوب ( المدرج في جرابه ) (٢) ولا الثوب المطوي
في طيه حتى ينشر [ أو ] (٣) ينظر إلى ما في جوفهما، وذلك من
الغرر ، وأجاز بيع الأعدال على الصفة والبرنامج ، فأجاز الغرر
الكثير ومنع اليسير ، فيقال له : قد سئل مالك عن هذا فقال :
[فرق](٤) ما بين ذلك الأمر المعمول به وما مضى من عمل الماضين أن
بيع البرنامج لم يزل من بيوع الناس الجائزة بينهم ، وأنه لا يراد به
الغرر ولا يشبه الملامسة .
واحتج الكوفيون في جواز بيع ما لم ير بأن النبي - عليه السلام -
نهى عن بيع الحب حتى يشتد، فدل ذلك على إباحة بيعه بعدما يشتد،
وهو في سنبله ؛ لأنه لو لم يكن كذلك لقال : حتى يشتد و(يزال)(٥)
من سنبله، فلما جعل الغاية في ( النهي ) (٦) عنه هي شدته ویبوسته،
دل على أن البيع بعد ذلك بخلاف ما كان عليه في أول مرة، ودل ذلك
على جواز بيع ما لا يراه المتبايعان إذا كانا يرجعان منه إلى معلوم، كما
[يرجع ] (٧) في الحنطة المبيعة المغيبة في السنبل إلى حنطة معلومة.
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): وجد .
(٢) في (( هـ)»: المدرع في خزانة.
(٣) في ((الأصل)): و. والمثبت من ( هـ).
(٤) من ( هـ)) وفي (( الأصل)) : قدر.
(٦) في (( هـ)) : البيع المنهي .
(٥) فى (( هـ )) ير .
(٧) من ((هـ)) وفي ((الأصل)»: يرجعان.
- ٢٧٤ -

واحتجوا [ أيضًا] (١) بأن الصحابة تبايعوا الأشياء الغائبة ، فباع
عثمان من طلحة دارًا بالكوفة بدار بالبصرة ، وباع عثمان من
عبدالرحمن فرسًا بأرض له ، وباع ابن عمر من عثمان مالا له بالوادي
بمال له بخيبر ، وليس في الأحاديث عنهم صفة شيء من ذلك .
واحتج أهل المقالة الأولى أن قالوا : إن تبايع الصحابة للأشياء
الغائبة محمول إما على الصفة ، وإما على خيار الرؤية ، وفي الخبر أن
عثمان قيل له : غُبِنْتَ . فقال : لا أبالي ، لي الخيار إذا رأيت .
فترافعا إلى جبير بن مطعم فقضى بالبيع ، وجعل الخيار لعثمان لأَجْل
الغبن . قالوا : وقد صحت الأخبار بنهيه عليه السلام عن [ بيع ] (١)
الملامسة والمنابذة ، وإنما كان سبب بطلان ذلك أن المبيع كان يدخل في
ملك المبتاع قبل تأمله إياه ووقوفه على صفته ، فكل ما اشتري كذلك
من غير صفة ولا رؤية فحكمه حكم بيع الملامسة والمنابذة .
وأما قول الشافعي : إن البيع على الصفة وبيع البرنامج من بيوع
الغرر . فالجواب عنه : أن الصفة تقوم مقام المعاينة ؛ لأن العلم يقع
بحاسة السمع والشم والذوق كما يقع بحاسة العين .
وقد أجاز الجميع بيع الطعام المصبر ، والجوز في قشره ، والحب
في سنبله للحاجة إلى ذلك ؛ ولأن القصد لم يكن إلى الغرر ،
فكذلك يجوز بيع الأعدال على الصفة والبرنامج لضرورة الناس [إلى
البيع ] (٢) لأنهم لو منعوا منه منعوا من وجه يرتفقون به من [ فتح](١)
الأعدال ونشرها ؛ لمشقة ذلك عليهم ، فإنه قد لا يشتريها من يراها ،
فجاز بيعها على الصفة ؛ لأنها تقوم مقام العيان ، كما تقوم في
(١) من (( هـ).
(٢) غير واضحة في ((الأصل))، والمثبت من (( هـ).
- ٢٧٥ -

السلم ، وجواز بيعه كجواز بيع العين ، وليس الأعدال كالثوب
الواحد المطوي أو الثوبين ؛ لأن نشرهما وطيهما لا مؤنة فيه ولا ضرر،.
وقد قال عليه السلام: (( لا تصف المرأة المرأة لزوجها [حتى] (١) كأنه
ينظر إليها )) فأقام الصفة مقام الرؤية.
/ باب : النهي للبائع ألا يحفل الإبل والغنم والبقر وكل محفلة
[٣/٢٣۵-ب)
والمصراة التي صري لبنًا وحقن فيه وجمع فلم يحلب أيامًا
وأصل التصرية حبس الماء ، يقال : صريت الماء : إذا حبسته
فيه : أبو هريرة قال النبي - عليه السلام -: « لا تصروا الإبل والغنم ،
فمن ابتاعها بعد فإنه بخير النظيرين بين أن ( يحلبها ) (٢) إن شاء
أمسكها، وإن شاء ردها وصاعًا من تمر )).
وقال بعضهم عن ابن سيرين : صاعًا من طعام ، وهو بالخيار ثلاثًا .
وقال بعضهم عن ابن سيرين : صاعًا من تمر . ولم يذكر ثلاثًا والتمر
أکثر.
قال المهلب : هذا الحديث أصل في الرد بالعيب والدلسة ؛ لأن
اللبن إذا حبس في ضرعها أيامًا فلم تحلب ، ظن المشتري (أنها
هكذا)(٣) كل يوم ، فاغترَّ به ، وقد روى أبو الضحى عن مسروق قال
ابن مسعود: (( أشهد على الصادق المصدوق [أبي] (٤) القاسم صلی الله
عليه أنه قال : بيع المحفلات خلابة ، ولا تحل خلابة مسلم )) وقال
بحديث المصراة جمهور العلماء ، منهم : ابن أبي ليلى ومالك والليث
(١) من (( هـ )).
(٣) في (( هـ)) : أن ذلك عادتها .
(٢) في (( هـ)) يحتلبها .
(٤) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): أبا.
- ٢٧٦ -
.-

وأبو يوسف والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور ، قالوا : إذا بان
لمشتريها أنها مصراة ردها بعد الثلاث، وردَّ معها صاعًا من تمر ، وردًّ
أبو حنيفة ومحمد الحديث وقالا : ليس له أن يردها بالعيب ، ولكنه
يرجع على البائع بنقصان العيب ، قالوا : لأنه لو ابتاع شيئًا به عيب
فإنما يأخذ الأرش ولا خيار له في الرد البتة ، ألا ترى لو ابتاع عبدًا
فقطعت يده عند المشتري ، ثم ظهر على عيب كان عند البائع لم يكن
له رد العبد ، وإنما يأخذ الأرش بقدر العيب . وزعموا أن حديث
المصراة منسوخ بحديث الغلة بالضمان ، قالوا : ومعلوم أن اللبن
المحلوب في المرة الأولى هو لبن التصرية ، قد خالطه جزء من اللبن
الحادث في ملك المبتاع ، وكذلك المرة الثانية والثالثة غلة طارئة في
ملك المشتري ، فكيف يرد له شيئًا ؟ قالوا : فالأصول المجتمع
[عليها](١) في المستهلكات أنها لا تضمن إلا بالمثل أو بالقيمة من
الذهب أو الورق ، فكيف يجوز أن [ يضمن ] (٢) لبن التصرية الذي
هو في ملك البائع في حين البيع بصاع تمر فات عند المشتري أو لم
يفت ، وقد وقعت عليه الصفقة كما وقعت على الشاة ، فيكون صاعًا
دينًا بلبن [ دين، وهذا يبين ] (٣) أن حديث المصراة منسوخ بتحريم
الربا ؛ لأن النبي - عليه السلام - جعل الطعام بالطعام ربًا إلا هاء
وهاء .
قال المهلب : وما ادعوه من نسخ حديث المصراة فباطل ، والصاع
المردود إنما هو عبادة ، وتحلل من اللبن الذي صري الذي وقعت عليه
الصفقة ، وما حدث بعده من اللبن فهو للمشتري بالضمان ، ولبن
(١) من (( هـ )).
(٢) من ((هـ)) وفي ((الأصل )) تصير .
(٣) من (( هـ)) وفي (( الأصل)) دينًا وقد تبين .
- ٢٧٧ -

التصرية لم يبعه صاحب الشاة على أنه مصرى ، وإنما باعه على أنه
غلة حادثة في الحلاب ، فليس له في الحقيقة رجوع بقيمته ، ولا أخذ
عوض فيه ؛ لأنه لم تكن نيته عند البيع أن يأخذ فيه عوضًا ، ولا أنه
مبيع ، فلما ظهر العيب بالاختبار علم أنه عين قائمة باعه مع الشاة
على أنه غلة وهو غيرها ، فأمر بالصاع على وجه التحلل .
قال غيره : وأجمع العلماء على أنه إذا ردها بعيب التصرية لم يرد
اللبن الحادث في ملكه ، ولم يجز أن يرد لبنًا مثل لبن التصرية ؛ لأنه
لا يعلم مقداره ، وإذا لم يعلم ذلك دخله بيع اللبن باللبن متفاضلا
وإلى أجل ، وذلك لا يجوز ، ولما كان لبن التصرية مغيبًا لا يعلم
مقداره ؛ لأن لبن ناقة أو بقرة أكثر من لبن شاة ، وأمكن التداعي في
قيمته ، قطع النبي الخصومة في ذلك بما حده من الصاع ، كما فعل
في دية الجنين ، قطع فيه بالغرة حسمًا لتداعي الموت فيه والحياة ؛ لأن
الجنين لما أمكن أن يكون حيا في حين ضرب بطن أمه ، فتكون فيه دية
كاملة ، وأمكن أن يكون ميتًا فلا تكون فيه دية كاملة ، قطع النبي -
عليه السلام - التنازع والخصام بأن جعل فيه غرة عبداً أو [ أمة ] (١)
وفي اتفاق العلماء على القول بدية الجنين دليل على أن لزوم القول:
بحديث المصراة اتباعًا للسنة وتسليمًا لها ، ومما يشهد لصحة هذا
التأويل أنها لو كانت عشر شياه [ أو أكثر ] (٢) لما رد معها إلا صاعًا
واحدًا كما يرد عن [ الواحدة ] (٣) فثبت أنه ليس على سبيل القيمة
والمماثلة ، وإنما هو على سبيل ( التحليل ) (٤).
قال ابن القصار : وأما قولهم في العبد تقطع يده عند المشتري ثم
(١) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): مه .
(٣) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): الواحد.
(٢) من (( هـ)).
(٤) في ((هـ)): التحلل.
- ٢٧٨ -

يظهر على عيب أنه لا يرده ، ويأخذ أرش العيب . فمذهب مالك أن
المشتري بالخيار في أن يتمسك ويأخذ أرش [ العيب ] (١) الذي ( كان
عند البائع ، أو يرده ومعه أرش العيب الذي ) (٢) عنده، وهذا
أصلنا، ولا يمنع ( حدوث ) (٣) العيب من الرد ، كما لو اشترى
العدل من المتاع ثم نشره له ، ثم ظهر على عيب أنه يرده [ كله ] (٤)
وكذلك يرد البيضة إذا كسرت وفيها العيب ، ولو اشترى عبدين من
رجل فمات أحدهما، ووجد بالآخر عيبًا [ فإنه ] (٥) يرد العبد
الباقي، ومع هذا فإنه قد دخل النقص في [ المبيع ] (٦) بموت الآخر .
وقولهم : إن التمر ليس من جنس اللبن . فنقول : إن الأصول
على ضربين : مضمون بالمثل ، ومضمون بالقيمة ، ثم لما جاز أن
يكون المضمون بالقيمة غير مضمون بالقيمة في موضع ، كذلك يجوز
أن يكون [ المضمون ] (٤) بالمثل غير مضمون بجنسه ، ألا ترى أن
الجنين فيه غرة عبد أو أمة ، وليست مثلا له ولا قيمة ، وأيضاً فإن
الشيء المكيل لا يكون مضمونًا بالمثل والجنس إلا في ( المواضع
التي)(٧) يمكن اعتبار ذلك [ فيها ] (٨) فأما الموضع الذي لا يمكن
اعتبار مثله ، فإنه يجوز أن يضمن بغير مثله ، ألا ترى أننا قد اتفقنا
على أن اللبن المضمون بمثله إذا تلف عليه في وعاء أنه يمكن اعتبار المثل
فيه ، ثم لو أتلف عليه شاة لبونًا جعلنا بإزاء ذلك اللبن الذي أتلف في
ضرعها زيادة قيمة فيها ، ولم يضمنه بالمثل إذْ لا يمكن اعتباره .
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): العبد.
(٣) فى (( هـ)): استعلام.
(٥) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): أنه .
(٦) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): البيع.
(٧) في (( هـ)): الموضع الذي .
(٢) في (( هـ)) : حدث.
(٤) من ( هـ).
(٨) في ((الأصل)): فيهما .
- ٢٧٩ -

قال غيره : في حديث المصراة دلالة على أن من اشترى نخلا وفيها
(نخل) (١) قد أبر، أو أمة حاملا ، فأكل التمر أو هلك الابن ثم
[رد] (٢) النخل أو الأمة بعيب ، أنه يرد قيمة المبيع معها ؛ لأنه قد وقع
له حصة من الثمن ، كما فعل النبي بالمصراة ، وهو قول ابن القاسم،
[ وخالفه أشهب في التمرة ، وقال : التمرة للمشتري بالضمان ،
وقول ابن القاسم ] (٢) يشهد له الحديث .
وقال أبو عبيد : أصل التصرية حبس الماء وجمعه ، يقال : منه
صريت الماء وصريته . قال الزبيدي : الكلمة من الثلاثي المعتل اللام
من صرى يصري: إذا [ جمع ] (٣) وقد غلط أبو علي البغدادي
(فذكره ) (٤) في باب الثنائي المضاعف [ وأنشد الفراء :
ماءُ الشباب عُنْفُوان (تحرته)(٥)
رأت غلامًا قد صَرَى في فِقْرَتِهْ
قال المؤلف : أي : جمع الماء في ظهره ] (٢) قال أبو عبيد :
ويقال: إنما سميت المصراة كأنها مياه اجتمعت :
قال المؤلف : فينبغي أن يكون لا تُصَروا : بضم التاء وفتح الصاد ،
كما تقول : ربيت ، فهي مرباة ، ولا يجوز أن تقول : لا تَصُروا
بفتح التاء وضم الصاد ، وإنما كان يجوز ذلك إذا قيل للشاة :
مصرورة، واختلف في لفظه عن مالك ، فقيل هكذا ، وقيل :
لا تَصُرُوا .
قال أبو عبيد : المجفلة : هي المصراة بعينها ، وإنما سميت محفلة؛
(١) فى (( هـ)): تمر .
(٢) من (( هـ )).
(٣) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): جمعه.
(٤) في (( هـ )) : فذكرها .
(٥) كذا في ((هـ)) وفي لسان العرب (مادة: صري): سَنْبَتِهِ، وأوله: رُبَّ
غلامٍ ، وعزاه للأغلب العجلي .
- ٢٨٠ -