Indexed OCR Text

Pages 101-120

هريرة عن النبي أنه قال: ((من هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه
شيء)). واحتج ابن عباس لروايته بقول الله - تعالى - : ﴿ولمن
خاف مقام ربه جنتان ﴾ (١) قال: هو العبد يهم بالمعصية ثم يتركها من
خوف الله - تعالى - وستأتي زيادة في معنى هذا الحديث في آخر
كتاب الاستئذان في باب كل لهو باطل إذا شغل عن طاعة الله ،
ومعنى قوله: (( ومن قال لصاحبه : تعال أقامرك)) إن شاء الله.
والطاغوت قد اختلف السلف في معناه ، فقال جماعة : هو
الشيطان . روي ذلك عن عمر ومجاهد والشعبي وقتادة وجماعة .
وقال آخرون : هو الساحر ، روي ذلك عن أبي العالية وابن سيرين
وغيرهما .
وقال آخرون : هو الكاهن ، روي ذلك عن جابر وسعيد بن جبير.
قال الطبري : وهو عندي فعلوت من الطغيان ، كالجبروت من
[التجبر] (٣)، والجلبوت من الجلب، قيل ذلك لكل من طغى على
ربه ، فعيد من دونه إنسانًا كان ذلك الطاغي أو شيطانًا أو صنعًا .
يلب: من حلف على الشيء وإن لم يُحلَّف
فيه : ابن عمر « أن النبي - عليه السلام - اصطنع خاتمًا من ذهب ،
وكان يليسه [فيجعل ] (٣) قصه في باطن كفه، ثم إنه جلس على المنبر
فنزعه فقال : إني كنت أليس هذا الخاتم وأجعل خصه من داخل ، فرمى
به ، ثم قال: والله لا ألبسه أبدًا، فنبذ الناس خواتيمهم».
(١) الرحمن : ٤٦ .
(٣) من (هـ)) في ((الأصل)) : الجبر .
(٣) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): فجعل.
- ١٠١ -

قال المهلب : إنما كان النبي يحلف في تضاعيف كلامه وكثير من
فتواه ، متبرعًا بذلك لينسخ ما كانت الجاهلية عليه من الخلف بآبائها
وآلهتها [ من ] (١) الأصنام وغيرها ، ليعرفهم ألا محلوف به إلا الله،
وليتدربوا على ذلك حتى ينسوا ما كانوا عليه من الحلف بغير الله .
وقوله : ((لا ألبسه أبدًاً)) أراد بذلك تأكيد الكراهية في نفوس الناس
بيمينه ؛ لئلا يتوهم الناس أنه كرهه لمعنى ، فإن زال ذلك المعنى لم
يكن بلبسه بأس ، وأكد بالحلف ألا يلبسه على جميع وجوهه .
وفيه من الفقه : أنه لا بأس بالحلف على ما يحب المرء تركه ، أو
على ما يحب فعله من سائر الأفعال .
باب : من حلف بملة سوى الإسلام
وقال النبي - عليه السلام -: (( من حلف باللات والعزى ، فليقل :
لا إله إلا الله )) . ولم ينسبه إلى الكفر .
وفيه : ثابت بن الضحاك قال : قال النبي - عليه السلام -: (( من
حلف بغير ملة الإسلام فهو كما قال ، ومن قتل نفسه بشيء عذب به في
نار جهنم، ولعن المؤمن کقتله، ومن رمی مؤمنًا بكفر فهو كقتله )) .
قال المهلب : قوله: ((فهو كما قال)) يعني هو كاذب في يمينه
لا كافر ؛ لأنه لا يخلو أن يعتقد الملة التي حلف بها ، فلا كفارة له إلا.
[٢٤٦٥/٢-ب) الرجوع إلى الإسلام، أو يكون معتقدًا [للإسلام] (٢) / بعد الحنث
فهو كاذب فيما قاله ، بمنزلة من حلف يمين الغموس لا كفارة عليه ،
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): لا.
(٢) من ((هـ) وفى ((الأصل)): لإسلام.
- ١٠٢ -

ألا ترى قوله عليه السلام: (( من حلف باللات والعزى فليقل :
لا إله إلا الله)) ولم ينسبه إلى الكفر .
قال ابن المنذر : وفسر ابن المبارك الكفر في هذه الأحاديث [أن] (١)
المراد به التغليظ وليس بالكفر ، كما روي عن ابن عباس في قوله
تعالى: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾ (٢) أنه
ليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله ، وكذلك قال عطاء : كفر
دون كفر ، وفسق دون فسق [ وظلم دون ظلم ، وكما قال عليه
السلام: (( سباب المسلم فسوق ] (١) وقتاله كفر)) أي كفر بما أمر به ألا
يقتل بعضهم بعضًا .
قال غيره : والأمة مجمعة أن من حلف باللات والعزى فلا كفارة
عليه ، فكذلك من حلف [ بملة ] (٣) سوى الإسلام لا فرق بينهما،
ومعنى الحديث النهي عن الحلف بما حلف من ذلك والزجر عنه .
فإن ظن ظان [ أن في ] (١) هذا الحديث [ دليلا ] (٤) على إباحة
الحلف بملة غير الإسلام صادقًا ، لاشتراطه في هذا الحديث أن يحلف
بذلك كاذبًا . قيل له : ليس كما توهمت ؛ لورود نهي رسول الله
عن الحلف بغير الله نهيًا مطلقًا ، فاستوى الكاذب والصادق في النهي،
وقد تقدم معنى هذا الحديث في آخر كتاب الجنائز في باب قاتل
النفس، وستأتي زيادة في بيانه في كتاب الأدب [ في باب ] (١) من
كفر أخاه بغير تأويل فهو كما قال - إن شاء الله .
وقوله : (( من قتل نفسه بشيء عذب به في نار جهنم )) هو على
الوعيد ، والله - تعالى - فيه بالخيار .
(١) من (( هـ)) ..
(٢) المائدة : ٤٤ .
(٣) من (( هـ)) وفي ((الأصل)) : بما .
(٤) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): دليل.
- ١٠٣ -

وقوله : (( ولعن المؤمن كقتله )) فيه تأويلان.
قال المهلب : وهو معنى قول الطبري : اللعن في اللغة هو الإبعاد.
فمن لعن مؤمنًا فكأنه أخرجه من جماعة الإسلام ، فأفقدهم منافعه
وتكثير عددهم ، فكان كمن أفقدهم منافعه بقتله ، ويفسر هذا قوله
للذي لعن ناقته: (( أنزل عنها فقد أجيبت دعوتك )) فسرحها ولم ينتفع
بها أحد بعد ذلك ، فأفقد منافعها لما أجيبت دعوته ، فكذلك يخشى
أن تجاب دعوة اللاعن فيهلك الملعون .
والتأويل الآخر : أن الله حرم لعن المؤمن كما حرم قتله فهما سواء
في التحريم ، وهذا يقتضي تحذير لعن المؤمنين والزجر عنه ؛ لأن الله-
تعالى - قال: ﴿ إنما المؤمنون إخوة﴾ (١) فأكد حرمة الإسلام،
وشبَّهها (بأخوة ) (٢) النسب، وكذلك معنى قوله: ((من رمى مؤمنًا
بكفر فهو كقتله )) يعني في تحريم ذلك عليه - والله أعلم.
فإن قيل : هذا التأويل يعارض ما ثبت عن رسول الله أنه لعن
جماعة من المؤمنين [ فلعن ] (٣) المخنثين من الرجال ، ولعن شارب
الخمر ، ولعن فيه عشرة ، ولعن المصورين ، ولعن من غير تخوم
الأرض ، ولعن من انتمى إلى غير مواليه ، ومن انتسب إلى غير أبيه،
ولعن من سبّ والديه ، وجماعة سواهم .
قيل : لا تعارض في شيء من ذلك، والمؤمنون الذين [ حرم ](٤)
رسول الله لعنهم هم غير من لعنهم ، فنهى عن لعن من لم يظهر
الكبائر ولا استباح ركوب ما نهى الله عنه ، وأمر بموالاتهم وموآخاتهم
في الله والتودد إليهم ، ولعن من خالف أمره واستباح نهيه ، وأمر
(١) الحجرات : ١٠ .
(٣) من (( هـ )).
(٢) فى (( هـ)): بحرمة .
.(٤) في ((الأصل)): حذر. والمثبت من ( هـ )).
- ١٠٤ -

بإظهار النكير عليهم ، وترك موالاتهم والانبساط إليهم والرضا عن
أفعالهم ، فالحديثان مختلفان ؛ فانتفى التعارض بحمد الله .
واختلف العلماء في الرجل يقول : أكفر بالله [ أو ] (١) أشرك بالله
ثم يحنث ، فقال مالك : لا كفارة عليه ، وليس بكافر ولا مشرك
حتى يكون قلبه مضمرًا على الشرك والكفر ، وليستغفر الله ، وبئس ما
صنع . وهو قول عطاء ومحمد بن علي وقتادة ، وبه قال الشافعي
وأبو ثور وأبو عبيد .
وقال أبو حنيفة وأصحابه ، والثوري ، والأوزاعي : من قال هو
يهودي أو نصراني أو كفرت بالله أو أشركت بالله أو برئت من الله أو
من الإسلام ؛ فهو يمين ، وعليه الكفارة إن حنث ؛ لأنه تعظيم الله ،
فهو كاليمين بالله . وبه قال أحمد بن حنبل وإسحاق .
وممن رأى الكفارة على من قال هو يهودي أو نصراني : عبد الله بن
عمر ، وعائشة ، والشعبي ، والحسن ، وطاوس ، والنخعي ،
والحكم .
قال ابن المنذر : وقول من لم [ يرها ] (٢) يمينًا أصح ؛ لقول
/ النبي - عليه السلام -: ((من حلف باللات والعزى فليقل: (٢/ ٢٤٧٥-١)
لا إله إلا الله )) ولم يأمره بكفارة .
قال ابن القصار : وبقوله عليه السلام : « من حلف بملة غير
الإسلام فهو كما قال)) ومعناه النهي عن مواقعة ذلك اللفظ والتحذير
منه ؛ لا أنه يكون كافرًا بالله بقوله ذلك . قال ابن القصار : وإنما أراد
التغليظ في هذه الأيمان حتى لا يجترئ عليها أحد . وكذلك قال ابن
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): و.
(٢) من (( هـ)) وفي ((الأصل): يراها.
- ١٠٥ -

عباس وأبو هريرة والمسور ، ثم تلاهم التابعون فلم يوجبوا على من
أقدم عليها الكفارة . قال : وأما قولهم : إذا قال أنا يهودي فقد عظم
الإسلام وأراد الامتناع من الفعل ، فالجواب أنهم يقولون : لو قال :
وحق القرآن وحق المصحف ثم حنث أنه لا كفارة عليه ، وفي هذا من
التعظيم [ الله وللإسلام ] (١) ما ليس لما ذكروه ، فسقط قولهم ،
وأيضًا فإنه إذا قال : هو يهودي ، أو كفر بالله ، فليس من طريق
التعظيم ، وإنما هو من الجرأة والإقدام على المحرمات ، كالغموس
وسائر الكبائر ، وهي أعظم من أن يكون فيها كفارة .
باب : لا يقول ما شاء الله وشئت . وهل يقول : أنا بالله ثم بك
فيه : أبو هريرة أنه سمع النبي - عليه السلام - يقول: (( إن ثلاثة في
بني إسرائيل أراد الله أن يبتليهم ، فبعث ملكًا فأتى الأبرص فقال :
تقطعت بي [ الحبال ] (٢) فلا بلاغ لي إلا بالله ثم بك ... )) وذكر الحديث.
قال المهلب : إنما أراد البخاري أن يجيز (( ما شاء الله ثم شئت))
استدلالا بقوله عليه السلام في حديث أبي هريرة: (( ولا بلاغ لي إلا
بالله ثم بك)) وإنما لم يجز أن نقول : ما شاء الله وشئت ؛ لأن الواو
تشرك [ المشيئتين] (٣) جميعًا، وقد روي هذا المعنى عن النبي - عليه
السلام - أنه قال: (( لا يقولن أحدكم : ما شاء الله وشاء فلان ،
ولكن ليقل : ما شاء الله ثم شاء فلان)) وإنما أجاز دخول (( ثم ))
ومكان الواو ؛ لأن مشيئة الله متقدمة على مشيئة خلقه ، قال تعالى :
﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله﴾ (٤).
(١) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): الإسلام.
(٢) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): الحيل.
(٣) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): بين الشيئين.
(٤) الإنسان: ٣٠، والتكوير : ٢٩ .
- ١٠٦ -

فهذا من الأدب ، وذكرعبد الرزاق عن إبراهيم النخعي أنه كان لا يرى
بأسًا أن يقول : ما شاء الله ثم شئت . وكان يكره أن يقول : أعوذ
بالله وبك ، حتى يقول : ثم بك . والحديث في ذلك رواه محمد بن
بشار ، حدثنا أبو أحمد الزبيري ، قال : حدثنا مسعر [عن معبد] (١)
ابن خالد ، عن عبد الله بن يسار ، عن قتيلة امرأة من جهينة قالت :
(( جاء يهودي إلى النبي - عليه السلام - فقال: إنكم تشركون وإنكم
تجعلون لله ندا ، تقولون : والكعبة ، وتقولون : ما شاء الله وشئت،
فأمرهم النبي - عليه السلام - إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: وربِّ
الكعبة، وأمرهم أن يقولوا : ما شاء الله ثم شئت)) وهذا الحديث رأي
البخاري ولم يكن من شرط كتابه ، فترجم به واستنبط معناه من
حديث أبي هريرة - والله أعلم .
*
باب: قول الله: ﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم﴾ (٢)
وقال ابن عباس: قال أبو بكر : « فوالله يا رسول الله لتحدثني بالذي
أخطأت في الرؤيا . قال : لا تقسم)) .
فيه : البراء: (« أمرنا النبي - عليه السلام - بإبرار المقسم)).
وفيه : أسامة: (( أن ابنةً للنبي - عليه السلام - أرسلت إليه : أن ابني
قد احتضر فاشهدنا ، فأرسل يقرئ السلام ويقول : لله ما أخذ ، ولله ما
أعطى ... )) الحديث. ((فأرسلت تقسم عليه ، فقام وقمنا معه ... ))
الحديث.
(١) في ((الأصل)): بن معمر. وهو تحريف، والمثبت من ( هـ)).
(٢) الأنعام : ١٠٩، النور : ٥٣ . وغير ذلك.
- ١٠٧ -

وفيه : أبو هريرة قال عليه السلام: (( لا يموت لأحد من المسلمين
ثلاثة من الولد فتمسه النار إلا تحلة القسم)).
وفيه : حارثة بن وهب قال : سمعت النبي - عليه السلام - يقول :
[٢/ ٢٤٧٥- ب) / (( ألا أدلكم على أهل الجنة ، كل ضعيف متضعف لو أقسم على الله
لأبرّه، وأهل النار كل [ جواظ ] (١) عتل مستكبر)).
قال المؤلف: من روى ((بإبرار المقسم)) بفتح السين ، فمعناه بإبرار
الإقسام ؛ لأنه قد يأتي المصدر على لفظ المفعول ، كقوله : أدخلته
مدخلا بمعنى إدخال ، وأخرجته مخرجًا بمعنى إخراج .
وقال المهلب : قوله تعالى : ﴿ وأقسموا بالله جهد أيمانهم ﴾ (٢) دليل
على أن الحلف بالله - عز وجل - أكبر الأيمان كلها ؛ لأن الجهد شدة
المشقة .
اختلف العلماء في قول الرجل : أقسمت بالله ، أو أقسمت ولم
يقل بالله ، فذهب أبو حنيفة والثوري أنها أيمان ، سواء أريد بها اليمين
أم لا. وقال مالك: ((أقسم)) لا تكون يمينًا حتى يقول : أقسم بالله،
أو ينوي بقوله: ((أقسم )" اليمين، فإذا لم ينوه فليست بيمين. وروي
مثله عن الحسن وعطاء وقتادة والزهري .
وقال الشافعي : ((أقسم)) ليست بيمين سواء أراد بها اليمين أم لا،
و(«أقسم بالله )) يمين إن أراد بها اليمين. وروى عنه الربيع: إذا قال
أقسم ، ولم يقل : بالله فهو كقوله : والله .
وحجة الكوفيين رواية من روى في حديث أبي بكر : (( أقسمت
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): خواض.
(٢) الأنعام: ١٠٩، النور : ٥٣. وغير ذلك.
- ١٠٨ -

عليك يا رسول الله ( لتحدثني ) (١) فقال النبي: لا تقسم )) واحتجوا
بحديث البراء قال: ((أمرنا النبي - عليه السلام - بإبرار المقسم "
قالوا : ولم يقل : بالله، وبحديث أسامة (( أن ابنة النبي أرسلت تقسم
عليه)) ولم يقل: بالله، وبقوله عليه السلام: ((لو أقسم على الله
لأبره)) ولم يأت في شيء من هذه الأحاديث ذكر اسم الله، قالوا:
وقد جاء في القرآن ذكر الله مع القسم في موضع ، ولم يأت في
موضع آخر ؛ اكتفاءً بما دَلَّ عليه اللفظ ، قال تعالى: ﴿ وأقسموا
بالله﴾ (٢) . فذكر اسمه ، قال تعالى : ﴿إذا أقسموا ليصرمنها
مصبحين﴾ (٣) فحذف اسمه ، فدل على أن أحد الموضعين يفيد ما
أفاده الآخر .
وقال ( السيرافي) (٤): لا تكون ((أقسم)) إلا يمينًا ؛ لدخول اللام
في جوابها ، ولو كانت غير يمين لما دخلت اللام في الجواب ؛ لأنك
لا تقول : ضربت لأفعلن ، كما تقول : أقسمت لأفعلن .
وحجة مالك قوله عليه السلام: (( الأعمال بالنيات وإنما لامرئ ما
نوى )) ومن لم ينو اليمين فلا يمين له ، وأيضًا فإن العادة جرت بأن
يحلف الناس على ضروب ، فمنها اللغو [ يصرحون ] (٥) فيه
باسم الله ، ثم لا تلزمهم الكفارة ؛ لعدم قصدهم إلى الأيمان ،
فالموضع الذي عدم فيه [ التصريح ] (٦) والقصد أولى ألا تجب فيه
كفارة، قاله ابن القصار [قال ] (٧): وقال أصحاب الشافعي:
(١) في (( هـ)): لتخبرني.
(٢) الأنعام : ١٠٩ . النور : ٥٣ . وغير ذلك.
(٣) القلم : ١٧ .
(٤) في (( هـ)) : السيراجي .
(٥) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): يسرفون .
(٦) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): الصريح.
(٧) من ( هـ )).
- ١٠٩ -

اليمين تكون يمينًا لحرمة اللفظ ، وإذا قال : أقسمت ، فلا لفظ هاهنا
له حرمة ، وكل ما احتج به الكوفيون فهو حجة على الشافعي .
قال ابن القصار : ويقال للشافعي : قال الله - تعالى - :
﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم ﴾ (١) فوصل القسم باسمه تعالى ، فكان
يمينًا ، وقال في موضع آخر : ﴿إذا أقسموا ليصر منها مصبحين﴾ (٢)
فأطلق القسم ولم يقيده بشيء ، فوجب أن يبني المطلق على المقيد ،
كالشهادة قرنت بالعدالة في موضع ، وعريت في موضع من ذكر
العدالة ، وكالرقبة في الكفارة، [ قُيِّدَ ] (٣) في موضع مؤمنة،
وأطلق في موضع ، فبني المطلق على المقيد .
قال ابن المنذر : وأمر النبي - عليه السلام [ بإبرار المقسم ] (٤) أمر
ندب لا أمر وجوب ؛ لأن أبا بكر أقسم على النبي فلم يبرّ قسمهِ، ولو
كان ذلك واجبًا لم يشأ رجل أن يسأل آخر بأن يخرج له من كل ما
يملك ، ويطلق زوجته ، ثم يحلف على الإمام في حدٍّ أصابه أن يُسقط
عنه ؛ إلا تم له ، وفي ذلك تعطيل الحدود وترك الاقتصاص مما فيه.
القصاص ، وإذا لم يجز ذلك كان معنى الحديث الندب فيما يجوز
الوقوف عنه دون ما لا يجوز تعطيله .
وقال المهلب : إبرار القسم إنما ( يستحب ) (٥) إذا لم يكن في ذلك
ضرر على المحلوف عليه أو على جماعة أهل الدين ؛ لأن الذي سكت
عنه النبي - عليه السلام - من بيان موضع الخطأ في تعبير أبي بكر ،
هو عائد على [ المسلمين بهمّ ] (٦) وغمِّ ؛ لأنه عَبْر قصة عثمان بأنه
(١) الأنعام : ١٠٩ وغيرها .
(٣) في ((الأصل)): قيل والمثبت من ((هـ)).
(٤) من (( هـ) وفي (( الأصل)) : بإنذار القسم .
(٦) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): هم.
(٢) القلم : ١٧ .
(٥) في (( هـ) : يجب .
- ١١٠ -

يخلع ثم يراجع الخلافة ، فلو أخبره النبي بخطئه لأخبر الناس بأنه
يقتل ولا يرجع إلى الخلافة ، فكان يُدخل على الناس فتنةً بقصة عثمان
/ من قبل كونها ، وكذلك لو أقسم على رجل ليشربن الخمر ما (٢٤٨٥/٢-١]
وجب عليه إبرار قسمه ، بل الفرض عليه ألا يبرّه .
واختلف الفقهاء إذا أقسم على الرجل فحنثه ، فروي عن ابن عمر
أن الحالف يُكفِّر ، وروي مثله عن عطاء وقتادة ، وهو قول أهل المدينة
والعراق والأوزاعي .
وفيها قول ثان روي عن عائشة أم المؤمنين (( أن مولاة لها أقسمت
عليها في قديدة تأكلها فأحنثتها عائشة ، فجعل النبي تكفير اليمين على
عائشة)) قال ابن المنذر : وإسناده لا يثبت .
وفيها قول ثالث روي عن أبي هريرة وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة
ابن مسعود : أنهما لم يجعلا في ذلك كفارة ، قال عبيد الله : ألا
ترى أن أبا بكر قال للنبي في الرؤيا : (( أقسمت عليك لتخبرني بالذي
أخطأت ، فقال النبي : لا تقسم )) قال : ولم يبلغنا أنه أمره بالتكفير.
قال ابن المنذر : ويقال للذي قال: إن الكفارة تجب على المقسم عليه:
ينبغي أن يوجب الكفارة على النبي حين أقسم عليه أبو بكر فلم يخبره.
وقال أبو زيد الأنصاري : الجواظ : الكثير اللحم ، المختال في
مشيته ، يقال : جاظ يجوظ جوظانًا ، وقال الأصمعي مثله ، وأنشد
الرؤية :
يعلو ] (١) به ذا العضل الجواظا
(١) في ((الأصل)): والدوبة تعلق. وهو تحريف. والمثبت من ((هـ)) والبيت
أخرجه ابن منظور في لسان العرب (مادة: جوظ) وعزاه لرؤية، والشطر الأول منه:
وسيفُ غَيَّاظ لهم غياظا
- ١١١ -

وفي العين : الجواظ : الأكول ، ويقال : الفاجر ، والعتل :
الأكول .
باب : إذا قال أشهد بالله أو شهدت بالله
فيه: عبد الله: « سئل النبي - عليه السلام - أي الناس خير ؟ قال :
قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ، ثم يجيء قوم تسبق شهادة
أحدهم يمينه ، ويمينه شهادته )) .
قال إبراهيم : (( وكان أصحابنا ينهوننا ونحن غلمان أن نحلف
بالشهادة والعهد » .
قال المؤلف : إنما قصد البخاري من هذا الحديث إلى قول إبراهيم:
وكان أصحابنا ينهوننا ونحن غلمان أن نحلف [ بالشهادة والعهد ] (١).
يريد: أشهد بالله، وعليّ عهد الله [ فدل نهيهم ] (٢) عن الحلف
بذلك أنهما يمينان مغلظان ، ووجه النهي عنهما - والله أعلم - أن
قوله: أشهد بالله ، يقتضي معنى العلم ( بالقطع ) (٣) وعهد الله لا يقدر
أحد على التزامه بما يجب فيه ، واختلف العلماء في ذلك ، فقال.
النخعي - وهو قول أبي حنيفة والثوري - : أشهد وأحلق وأعزم كلها
أيمان تجب فيها الكفارة .
وقال ربيعة والأوزاعي ؛ إذا قال : أشهد لا أفعل كذا ثم حنث ،
فهي يمين .
وقال مالك: «أشهد)) لا تكون [ يمينًا ] (٤) حتى يقول أشهد
(١) من ((هـ ).
(٣) في (( هـ )): والقطع.
(٢) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): قال : نهيتكم .
(٤) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): يمين.
- ١١٢ -

بالله، وكذلك ((أحلف)) و((أعزم)) إذا أراد بالله، وإن لم يرد ذلك
فليست بأيمان .
قال ابن خواز بنداد: وضعف مالك « أعزم بالله )) وكأنه لم يره
يمينًا إلا أن يريد به اليمين ؛ لأنه يكون على وجه الاستعانة ، فيقول
الرجل : أعزم بالله وأصول بالله ، كأنه يقول : أستعين بالله ،
ولا يجوز أن يقال: إن قول الرجل: ((أستعين بالله ) تكون يمينًا .
وقال المزني: قال الشافعي: ((أشهد بالله)) و(( أعزم بالله ، إن نوى
اليمين [ فيمين ](1). وروى عنه الربيع: إن قال: ((أشهد))
و ((أعزم)) ولم يقل: ((بالله)) فهو كقوله: والله، وإن قال: ((أحلف))
فلا شيء عليه إلا أن ينوي اليمين .
واحتج الكوفيون بقوله تعالى: ﴿والله يعلم إنك لرسوله﴾ (٢) ثم
قال : ﴿اتخذوا أيمانهم جنة﴾ (٣) فدل على أن قول [ القائل ] (٤):
(أشهد)) يمين؛ لأن هذا اللفظ عبارة عن القسم (بالله ] (٥) وإنما
يحذف اسم الله اكتفاء بما دل عليه اللفظ .
واحتج أصحاب مالك أن قولك : أشهد لأفعلن كذا / ليس بصريح (٢/ ٢٤٨٥ -ب]
يمين ؛ لأنه يحتمل أن يريد أشهد عليك بشيء إن فعلت كذا ، وقد
تقول : أشهد بالكعبة وبالنبي ، فلا يكون يمينًا .
وأنكر أبو عبيد أن تكون ((أشهد)) يمينًا، وقال: الحالف غير
الشاهد ، قال : وهذا خارج من الكتاب والسنة ومن كلام العرب .
قال الطحاوي: وقوله عليه السلام: (( ثم يجيء قوم تسيق شهادة
أحدهم يمينه ، ويمينه شهادته)) إنما أراد أنهم يكثرون الأيمان على كل
(١) من ((هـ)) وفي (( الأصل)): يمين.
(٢) المنافقون: ١ .
(٣) المنافقون:٢٠، والمجادلة: ١٦ .
(٤) من ((هـ)). وفي ((الأصل)): القائلين .
(٥) من (( هـ)).
- ١١٣ -

شيء حتى تصير لهم عادة ، فيحلف أحدهم حيث لا يراد منه اليمين
وقبل أن يُستحلف ، يدل على ذلك قول النخعي : وكانوا ينهوننا
ونحن غلمان أن نحلف بالشهادة والعهد . يعني أن نحلف بالشهادة
!
بالله وعلى عهد الله، كما قال تعالى: ﴿ولا تجعلوا الله عرضةً
لأيمانكم﴾ (١) والشهادة هاهنا اليمين بالله قال تعالى: ﴿فشهادة
أحدهم أربع شهادات بالله ﴾ (٢) أي أربع أيمان بالله .
باب : عهد الله
فيه : عبد الله: قال النبي - عليه السلام -: (( من حلف على يمين كاذبة
ليقتطع بها مال رجل مسلم - أو قال : أخيه - لقي الله وهو عليه
غضبان، فأنزل الله تصديقه : ﴿إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم﴾ (٣).
قال سليمان في حديثه: ((فمر الأشعث بن قيس ... )) الحديث.
اختلف العلماء فيمن قال : عليَّ عهد الله ، فقال مالك وأبو حنيفة
والأوزاعي : من حلف بذلك وجبت عليه الكفارة سواء نوى اليمين أو
لا وروي هذا القول عن [ طاوس ] (٤) ، والشعبي ، والنخعي ،
والحكم ، والحسن البصري ، وقتادة ، ومجاهد .
وروي عن عطاء : ليس ذلك بيمين إلا أن ينوي اليمين ، وهو قول.
الشافعي وأبي ثور وأبي عبيد .
والحجة للقول الأول قوله : ﴿إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم
ثمنا قليلا ﴾ (٣) فخص عهد الله بالتقدمة على سائر الأيمان ؛ فدل على
(١) البقرة : ٢٢٤ .
(٣) آل عمران : ٧٧ .
(٢) النور : ٦ .
(٤) من ((هـ)). وفى ((الأصل)): عطاء. ولعله انتقال نظر من الناسخ
- ١١٤ -

تأكيد الحلف به [ ولذلك قال إبراهيم : كائوا ينهوننا عن الحلف بالعهد
وليس ذلك إلا لغلظ اليمين به ] (١) وخشية التقصير في الوفاء به ،
فعهد الله ما أخذه على عباده [ وما أعطاه عباده ] (١) قال تعالى :
﴿ومنهم من عاهد الله﴾ إلى قوله: ﴿ بما أخلفوا الله ما وعدوه﴾ (٢)
فذمّهم على ترك الوفاء ؛ لأن تاركه مُسْتَخف بمن كان عاهده في منعه
ما كان وعده .
قال ابن القصار : واحتجوا بقوله تعالى : ﴿وأوفوا بعهد الله إذا
عاهدتم ﴾ (٣) [ فأمر بالوفاء بعهده ] (١) ثم عطف عليه بقوله :
﴿ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها﴾ (٣) [ ولم يتقدم ذكر غير العهد ،
فأعلمنا أنه يمين مؤكد ، ألا ترى قوله ] (١) : ﴿ وقد جعلتم الله عليكم
كفيلا﴾ (٣) . وقال يحيى بن سعيد في قوله: ﴿ولا تنقضوا
الأيمان﴾(٣) قال: العهود . وقد روي عن جابر بن عبد الله في قوله
تعالى : ﴿ أوفوا بالعقود ﴾ (٤) قال : عقدة الطلاق ، وعقدة البيع ،
وعقد الحلف ، وعقد العهد ، فإذا قال : عليّ عهد الله ، فقد عقد
على نفسه عقدًا يجب الوفاء به ؛ لقوله تعالى : ﴿ أوفوا بالعقود﴾ (٤)
وروي عن ابن عباس : إذا قال : عليَّ عهد الله ، فحنث يعتق رقبة.
فإن قال الشافعي : فإذا قال : عليَّ عهد الله، يحتمل أن [يريد](٥)
معهود الله ، وهو ما ذكره تعالى في قوله : ﴿ ألم أعهد إليكم يا بني
آدم ألا تعبدوا الشيطان﴾ (٦) وإذا كان هذا معهود الله ، وهو محدث
فهو كقوله : فرض الله ، يكون عبارة عن مفروض الله ، ولا يكون
(١) من (( هـ)).
(٣) النحل : ٩١ .
(٥) من ((هـ )) وفي ((الأصل)) : يكون .
(٢) التوبة : ٧٥ - ٧٧ .
(٤ ) المائدة : ١ .
(٦) يس : ٦٠.
- ١١٥ -

يمينًا ؛ لأنه يمين بمحدث ؛ قيل : قوله : عليّ عهد الله ، غير قوله :
معهود الله ؛ لأنه لم يجر العرف والعادة بأن يقول أحد : علي معهود
الله ، وإنما جرى بأن يراد بذلك اليمين .
وقال مالك : إذا قال : عليّ عهد الله وميثاقه ، فعليه كفارتان إلا أن
ينوي التأكيد فتكون يميناً واحدةً .
وقال الشافعي: عليه كفارة واحدة ، وهو قول مطرف وابن
الماجشون وعيسى بن دينار .
والحجة لمالك أنه لما خالف بين اللفظين ، وكل واحد يجوز أن
[٢/ ق٢٤٩-١) يستأنف به اليمين / كانت يمينين [ و](١) وجب أن يكون لكل لفظ
فائلة محددة .
باب : الحلف بعزة الله وصفاته وكلامه
وقال ابن عباس: ((كان النبي - عليه السلام - يقول: أعوذ بعزتك)).
وقال أبو هريرة ، عن النبي - عليه السلام -: (( يبقى رجل بين الجنة
والنار فيقول: يا رب، اصرف وجهي عن النار [يقول ] (١): لا وعزتك
لا أسألك غیرها » .
وقال أيوب : ( وعزتك لا غنى بي عن بركتك)).
فيه : أنس ، قال النبي - عليه السلام - : (( لا تزال جهنم تقول : هلى
من مزيد ؟ حتى يضع رب العزة فيها قدمه ، فتقول : قط قط وعزتك ،
ویزوی بعضها إلى بعض)) .
(١) من ( هـ)).
- ١١٦ -

اختلف العلماء في اليمين بصفات الله ، فقال مالك في المدونة :
الحلق بأسماء الله وصفاته لازم كقوله: [ والعزيز ] (١) والسميع ،
والبصير ، والعليم ، والخبير ، واللطيف ، أو قال : وعزة الله وكبريائه
[ وعظمة الله] (١) وقدرته ، وأمانته ، وحقه ، فهي أيمان كلها تُكَفَّر،
وذكر ابن المنذر مثله عن الكوفيين أنه إذا قال: وعظمة الله [وعزة الله](١)
وجلال الله ، وكبرياء الله ، وأمانة الله : وجبت عليه الكفارة ،
وكذلك في كل اسم من أسمائه تعالى .
وقال الشافعي في جلال الله ، وعظمة الله، وقدرة الله ، وحق الله،
وأمانة الله : إن نوى بها اليمين فهي أيمان ، وإن لم ينو اليمين فليست
بيمين ؛ لأنه يحتمل : وحق الله واجب ، وقدرة الله ماضية .
وقال أبو بكر الرازي : عن أبي حنيفة أن قول الرجل : وحق الله،
وأمانة الله . ليست بيمين . قال أبو حنيفة : قال الله - تعالى - :
﴿إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن
يحملنها﴾(٢) الآية ، المراد بذلك الإيمان والشرائع . وهو قول سعيد
ابن جبير ، وقال مجاهد : الصلاة .
وقال أبو يوسف : وحق الله يمين وفيها الكفارة . وحجة القول
الأول أن أهل السنة أجمعوا على أن صفات الله أسماء له ، ولا يجوز
أن تكون صفاته غيره ، فالحلف بها كالحلف بأسمائه تجب فيها
الكفارة، ألا ترى أن النبي - عليه السلام - كثيراً ما كان يحلف :
((لا ومقلب القلوب)) وتقليبه لقلوب عباده صفة من صفاته ، ولا يجوز
على النبي أن يحلف بما ليس بيمين؛ لأنه قال: ((من كان حالفا
فليحلف بالله )).
(١) من (( هـ)).
(٢) الأحزاب : ٧٢ .
- ١١٧ -

قال أشهب : مَنْ حلف بأمانة الله التي هي صفة من صفاته ، فهي
يمين ، وإن حلف بأمانة الله التي بين العباد ، فلا شيء عليه ، وكذلك
عزة الله التي هي صفة ذاته ، وأما العزة التي خلقها في خلقه فلا شيء.
عليه . وقال ابن سحنون : معنى قوله : ﴿ سبحان ربك رب العزة﴾(١)
[ إنها العزة التي هي غير صفته ] (٢) التي خلقها في خلقه ، التي
يتعازون بها ، قال : وقد جاء في التفسير أن العزة هاهنا يراد بها
الملائكة .
قال المؤلف : وإنما ذهب ابن سحنون إلى هذا القول - والله أعلم-
فرارًا من أن تكون العزة التي هي صفة الله مربوبة ، فيلزمه الحدث؛
وليس كما توهم لأن لفظ الرب قد يأتي في كلام العرب لصاحب
الشيء ومستحقه ، ولا يدل ذلك على الحدث والخلق ، فتقول
لصاحب الدابة : ربّ الدابة، ولصاحب الماشية: ربّ الماشية، ولا تريد
بذلك معنى الخلق ، قال تعالى : ﴿وتعز من تشاء وتذل من تشاء﴾(٣)
فليس إعزازه بعلة ، ولا إذلاله بعلة ، بل هما حاصلان بالقضاء
والمشيئة ، وقوله تعالى: ﴿من كان يريد العزة فلله العزة جميعًا﴾ (٤).
وقوله : ﴿ ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ﴾ (٥) فكيف الجمع بينهما
[٢/ ٥ ٢٤٩- بـ] / فإن إحدى الآيتين توجب انفراده تعالى بالعزة ، والثانية تشير إلى أن
لغيره عزا ؟
قيل : لا منافاة بينهما في الحقيقة ؛ لأن العز الذي للرسول
وللمؤمنين فهو لله ملكًا وخلقًا ، وعزه سبحانه له وصفًا ، فإذن العز
كله لله - تعالى - فقوله: ﴿سبحان ربك رب العزة ﴾(١) يريد صاحب
(١) الصافات : ١٨٠.
(٤) فاطر: ١٠ .
(٣) آل عمران: ٢٦ .
(٢) من (( هـ ).
(٥) المنافقون : ٨ .
- ١١٨ -

العزة ومستحقها ، وهي نهاية العزة وغايتها التي لم يزل موصوفًا بها
قبل خلقه الخلق ، التي لا تشبه عزة المخلوقين ، ألا ترى أنه تعالى نزه
نفسه بها فقال : ﴿سبحان ربك رب العزة عما يصفون﴾ (١) ولا ينزه
نفسه تعالى إلا بما يباين به صفات عباده ، ويتعالى عن أشباههم ، إذْ
لیس کمثله شيء .
واختلفوا فيمن حلف بالقرآن [ أو ] (٢) المصحف ، أو بما أنزل الله
فحنث ، فروي عن ابن مسعود : أن عليه بكل آية كفارة يمين . وهو
قول الحسن البصري وأحمد بن حنبل ، وقال ابن القاسم في العتبية :
عليه إذا حلف بالمصحف كفارة يمين . وهو قول الشافعي فيمن حلف
بالقرآن، قال: [ لأن ] (٣) القرآن كلام الله . وإليه ذهب أبو عبيد .
وقال أبو حنيفة : من حلف بالقرآن فلا كفارة عليه . وهو قول
عطاء ، وروي عن علي بن زياد عن مالك نحوه ، غير أن المعروف
من [ أصل مذهبه ] (٤) ما يخالف هذه الرواية ؛ روى إسماعيل بن
أبي أويس عن مالك أنه قال : القرآن كلام الله [ وكلام الله من الله](٣)
وليس من الله شيء مخلوق ، فهذا القول منه يقطع أن الحالف بالقرآن
إذا حنث أن عليه الكفارة ، كما إذا حلف بالله أو باسم من أسمائه ،
وهذا مذهب جماعة أهل السنة .
وذكر ابن المنذر عن بعض أهل العلم أنهم قالوا : إذا كانوا يوجبون
الكفارة على من حلف بعظمة الله ، وعزة الله ، وجلال الله ، وكبرياء
الله، فلم لا [يوجبون ](٥) على من حلف بكلام الله وهو صفة الله،
(١) الصافات : ١٨٠.
(٢) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): و .
(٣) من (( هـ)).
(٤) من ((هـ)) وفي (( الأصل)): أهل مدينة.
(٥) في ((الأصل)) و((هـ)): أوجبوا .
- ١١٩ -

وما الفرق بين ذلك ؟! ويُسألون عمن حلف بوجه الله فحنث. فإن
قالوا : عليه الكفارة . قيل : وكذلك تجب الكفارة على من حلف
بصفة من صفات الله فحنث .
وأمّا قول ابن مسعود : عليه لكل آية كفارة يمين ، فهو مته على
التغليظ ، ولا دليل على صحته ؛ لأنه لا فرق بينه وبين آخر لو قال :
إن عليه لكل سورة كفارة ، وآخر لو قال : عليه لكل كلمة كفارة
وهذا لا أصل له ، وحسبه إذا حلف بالقرآن [ فقد ] (١) حلف بصفة
من صفات الله .
قال المهلب : وقوله في حديث أنس: ((يضع فيها قدمه )) أي ما.
قدم لها من خلقه ، وسبق لها به مشيئته ووعده ممن [ يدخلها ] (٢).
ومثله قوله تعالى: ﴿لهم قدم صدق عند ربهم ﴾ (٣) أي متقدم
صدق (٤).
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): قد .
(٢) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): يذهلها.
(٣) يونس : ٢ .
(٤) هذا خطأ ، ومذهب أهل السنة والجماعة من سلفنا الصالح إمرار جميع صفات.
الله - عز وجل - التي جاءت في كتابه أو في سنة نبيه كما جاءت دون تأويل
ولا تشبيه لقوله عز وجل: ﴿ ليس كمثله شيء ﴾ فالقدم صفة الله - عز
وجل- لكن ليس كقدم المخلوقين . ويرد ما ذهب إليه ابن بطال ومن أول هذه
الصفة رواية الإمام مسلم لهذا الحديث (٢١٨٧/٤ رقم ٢٨٤٦) ولفظه: (( حتى
يضع الله - تبارك وتعالى - رجله، تقول: قط قط قط ... )) الحديث . وقد
نقل الحافظ ابن حجر في الفتح (٤٦١/٨) مذهب السلف في هذه المسألة وقال :.
واختلف في المراد بالقدم ، فطريق السلف في هذا وغيره مشهورة ، وهو أن تمر
كما جاءت ، ولا يتعرض لتأويله ، بل نعتقد استحالة ما يوهم النقص على
الله، وخاض كثير من أهل العلم في تأويل ذلك ، ثم ذكر أقوال المئولين .
- ١٢٠ -