Indexed OCR Text
Pages 421-440
السلام لتقاربهما في المعنى أو تكون ((أو)) جاءت بمعنى الواو للتأكيد - والله أعلم. وقول الخطابي : وأقرب من هذا كله : أن يكون أرزّ بالزاء ، فلا وجه له ؛ لعدم الرواية به . باب : النحر والذبح وقال ابن جريج عن عطاء : لا ذبح ولا نحر إلا في المذبح والمنحر . قلت : أيجزئ ما يُذبح أن أنحره ؟ قال : نعم ، ذكر الله ذبح البقرة ، فإن ذبحت شيئًا يُنحر جاز، والنحر أحب إلي ، والذبح : قطع الأوداج . قلت : فَيُخَلِّفُ الأوداج حتى يقطع النخاع ؟ قال : لا إخال . ونھی ابن عمر عن النخع يقول : يقطع ما دون العظم ثم يدع حتى يموت ﴿ وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة ﴾ (١) وقال : ﴿فذبحوها وما كادوا يفعلون﴾ (١) وقال ابن عباس : الذكاة في الحلق واللبة. وقال ابن عمر وابن عباس وأنس : إذا قطع الرأس فلا بأس . فيه : أسماء (( نحرنا على عهد رسول الله فرسًا فأكلناه)) . هكذا رواه جماعة عن هشام بن عروة ، عن فاطمة بنت المنذر ، عن أسماء: ((ذبحنا على عهد رسول الله فرسًا ونحن بالمدينة فأكلناه)» ذكره البخاري. قال المؤلف : غرضه في هذا الباب أن يبين أن ما يجوز فيه النحر يجوز ذبحه ، وما يجوز فيه الذبح يجوز نحره ، فأما البقر فالأئمة مجمعون على جواز النحر والذبح فيها ، قال تعالى: ﴿ إن الله يأمر كم أن تذبحوا بقرة﴾ (١) وروت عمرة عن عائشة أنها قالت : ((دخل علينا يوم النحر بلحم ، فقيل : نحر رسول الله عن أزواجه البقر » فجاز (١) البقرة : ٦٧ . - ٤٢١ - فيها الوجهان . وأراد البخاري أن يريك أن الفرس مما يجوز فيه النحر والذبح ، لما [ جاء ] (١) فيه من اختلاف الرواية ، وسأذكر اختلاف العلماء في أكله في باب بعد هذا - إن شاء الله . واختلفوا في ذبح ما ينحر من الإبل ونحر ما يذبح من الغنم ، فأجاز أكثر الفقهاء أي ذلك فعل المذكي . قال ابن المنذر : روي ذلك عن عطاء ، والزهري ، وقتادة . وقال أبو حنيفة والثوري والليث والشافعي نحو ذلك ويكرهونه، ولم يكرهه أحمد وإسحاق وأبو ثور ، وهو قول عبد العزيز بن أبي سلمة في ذبح الإبل أو نحر ما يذبح من طير أو غيره من غير ضرورة. وقال أشهب : إن ذبح بعيرًاً من غير ضرورة لم يؤكل ، واعتل أصحابه بأن النبي - عليه السلام - بين وجه الذكاة فنحر الإبل وذبح الغنم والطير ، ولا يجوز تحويل شيء من ذلك عن موضعه مع القدرة عليه إلا بحجة واضحة . وقال ابن المنذر : لا أعلم أحدًا حرم أكل ما نحر مما يذبح ، أو ذبح ما ينحر ، وإنما كره ذلك مالك ولم يحرمه ، وقد يكره المرء [٢١٨٥/٢-١] الشيء ولا يحرمه، وحجة الجمهور أنه لما / جاز في البقر والخيل الذبح والنحر ، جاز ذلك في كل ما تجوز تذكيته ؛ ألا ترى قول ابن عباس: ((الذكاة جائزة في الحلق واللبة)) ولم يخص شيئًا من ذلك دون شيء فهو عام في كل ذي حلق وكل ذي لبة ، والناس على هذا، ولم يخالف ذلك غير مالك وحده . وأما قول ابن عباس : إن الذكاة في الحلق واللبة . فمعناه : أن الذكاة لا تكون إلا في هذين الموضعين . (١) في (( الأصل)): جاز. وهو خطأ. - ٤٢٢ - وقال صاحب العين : اللبة واللب من الصدر : أوسطه ، ولبة القلادة واسطتها . واختلف العلماء فيما يكون بقطعه من الحلقوم الذكاة . فقال بعض الكوفيين : إذا قطع ثلاثة من الأوداج جاز . والأوداج أربعة وهي : الحلقوم والمريء وعرفان من كل جانبٍ عرق . وقال الثوري : إذا قطع الأوداج جاز وإن لم يقطع الحلقوم . وحكى ابن المنذر عن محمد بن الحسن : إذا قطع الحلقوم والمريء وأكثر من نصف الأوداج ثم يدعها تموت فلا بأس بأكلها وأكره ذلك ، فإن قطع أقل من نصف الأوداج فلا خير فيها . وقال مالك والليث : يحتاج أن يقطع الودجين والحلقوم ، وإن ترك شيئًا منها لم يجز . ولم يذكر المريء . وقال الشافعي : أقل ما يجزئ من الذكاة قطع الحلقوم والمريء، وينبغي أن يقطع الودجين ، فإن لم يفعل فيجزئ ؛ لأنهما يسلان من البهيمة والإنسان ويعيشان . وقال ابن جريج : قال عطاء : الذبح : قطع الأوداج . قلت : فإن ذبح ذابح فلم يقطع أوداجها ؟ فقال : ما أراه إلا قد ذكاها ، فليأكلها. وروى يحيى عن ابن القاسم في الدجاجة والعصفور والحمام ، إذا أجيز على أوداجه ونصف حلقه أو ثلثه فلا بأس بذلك إلا أن يتعمد . وفي العتبية : في سماع أبي زيد عن ابن القاسم عن مالك فيمن ذبح ذبيحة فأخطأ بالغلصمة (١) أن تكون في الرأس أنها لا تؤكل ، وقاله أشهب وأصبغ وسحنون ومحمد بن عبد الحكم . (١) الغلصمة: ( في الطب): صفيحة غضروفية عند أصل اللسان، سَرْجية الشكل ، مغطاة بغشاء مخاطي ، وتنحدر إلى الخلف لتغطية فتحة الحنجرة لإقفالها في أثناء البلع. ( المعجم الوسيط : ٦٥٨/٢) . - ٤٢٣ - قال ابن حبيب : إنما لم يؤكل ؛ لأن الحلقوم إنما هو من العقدة إلى ما تحتها ، وليس فوق العقدة إلى الرأس حلقوم ، وإنما العقدة طرف الحلقوم، فمن جهل فذبح فوق العقدة لم يقطع الحلقوم ، إنما قطع الجلدة المتعلقة بالرأس ، فلذلك لم يؤكل . وأجاز أكلها ابن وهب في العتبية ، وأجازه أشهب وأبو مصعب وموسى بن معاوية من رواية ابن وضاح . وذكر ابن أبي زيد ، عن أبي لبابة ، عن محمد بن عبد الحكم أنها تؤكل . قال ابن لبابة على قياس قول القاسم : إذا جازت في البدن وبقي في الرأس منها مقدار حلقة الخاتم أنها تؤكل إلا أن يبقى في الرأس منها ما لا يستدير فلا تؤكل . ! وحكى ابن المنذر عن أبي حنيفة أنه لا بأس بالذبح في الحلق كله، أسفله وأوسطه وأعلاه . وقال ابن وضاح : سألت موسى بن معاوية عن هذه المسألة ، فغضب وقال : هذه من مسائل المريسي وابن علية يخلطون على الناس دينهم . قد عَلَّم رسول الله أصحابه كل شيء حتى الخراءة أفكان يدعهم لا يعرفهم الذبح ؟ قال موسى : لقد كتبت بالعراق نحواً من مائة ألف حديث ، وبمكة كذا وكذا ألف وبمصر نحواً من أربعين ألف حديث ما سمعت لرسول الله ولا لأصحابه ولا للتابعين فيها شيئًا ، وكان يحيى بن يحيى وأصحابه يقولون : ما نعرف العقدة ، ما فرى الأوداج فَكُلْ . قال ابن وضاح : ثم بلغني عن أبي زید بن أبي الغمر أنه روی عن ابن القاسم ، عن مالك كراهتها ، فلما قدمت مصر سألته عنها ، - ٤٢٤ - فأنكرها وقال : ما أعرف هذا . قلت له : فما تقول في أكلها ؟ قال: لا بأس بذلك . قال ابن وضاح : ولم تعرف العقدة في أيام مالك ، ولا أيام ابن القاسم ، وإنما أول ما سمعوا بها أن عبد الله بن عبد الحكم ذبح شاة فطرحت العقدة إلى الجسد ، فأمر بها أن تلقى ، فبلغ ذلك أشهب فأنكره ، وأجاز أكلها . وسئل عنها أبو مصعب بالمدينة ، وذلك أن أهل المدينة يطرحون / العقدة في ذبائحهم إلى الجسد بمعنى الجلود، [٢/ ٢١٨٥-ب] فأجاز ذلك ، فقيل له : إذا طرحها إلى الجسد لم يذبح في الحلق إنما يذبح في الرأس ، فانتهره الشيخ ، وقال : مغاربة برابر يأتوننا يريدون أن يعلمونا ! هذه دار السنة والهجرة ، وبها كان المهاجرون والأنصار ، فكانوا لا يعرفون الذبح ؟ ولم يذكروا عقدة ولم يعبئوا بها ! . قال ابن وضاح : ثم سألت بمكة يعقوب بن حميد بن كاسب - ولم أر بالحجاز أعلم بقول المدنيين منه - فقال : لا بأس بها ، فرددت عليه ، فنزع بحديث عائشة: (( أن ناسًا سألوا النبي - عليه السلام - أن ناسًا يأتوننا بلحمان لا ندري أسموا الله عليها أم لا ، فقال رسول الله: سموا وكلوا)) فقال ابن كاسب : فهلا قال لهم رسول الله: انظروا إن كانوا يصيبون العقدة إن كان الذبح إنما هو فيها، ونزع بحديث عطاء بن يسار: ((أن امرأة كانت ترعى غنمًا فرأت بشاة موتها، فذكتها بشظاظ (١)، فقال النبي - عليه السلام -: (( ليس بها بأس فكلوها )» فهلا قال لهم عليه السلام : انظروا أين طرحت العقدة، أو هل كانت هذه تعرف العقدة . قال ابن وضاح : ما فرى الأوداج ، وقطع الحلقوم فكل . (١) في النهاية لابن الأثير (٤٧٦/٢): الشظاظ : خشبة محددة الطرف ... - ٤٢٥ - وأما قوله : فنهى ابن عمر عن النخع ، فقال أبو عبيدة : الفرس هو النخع، يقال منه : فرست الشاة ونخعتها وذلك أن ينتهي الذبح إلى النخاع، وهو عظم في الرقبة . قال أبو عبيد : أما النخع فكما قال أبو عبيدة ، وأما الفرس فقد خولف فيه فقيل : هو كسر رقبة الذبيحة . وممن كره [ نخع ] (١) الشاة إذا ذبحت سوى ابن عمر : عمر ابن الخطاب وقال : لا تعجلوا الأنفس حتى تزهق . وكرهه إسحاق. وكرهت ذلك طائفة ، وأباحت أكله ، هذا قول النخعي والزهري ومالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وأبي ثور . وقال ابن المنذر : ولا حجة لمن منع أكلها ؛ لأن القياس أنها حلال بعد الذكاة ، والنخع لا يحرم الذكي . وأما إذا قطع الرأس فأكثر العلماء على إجازته ، وممن روي عنه سوى من ذكره البخاري : علي ابن أبي طالب وعمران بن حصين . ومن التابعين : عطاء والنخعي والشعبي والحسن والزهري ، وبه قال مالك والكوفيون والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور ، وكرهها ابن سيرين ونافع والقاسم وسالم ويحيى بن سعيد وربيعة ، والصواب : قول من أجازها . وقد قال فيها علي بن أبي طالب : هي ذكاة وَحِيَّة (٢) . إلا أنهم اختلفوا إن قطع رأسها من قفاها ، فأجازه الكوفيون والشافعي وإسحاق وأبو ثور ، وكره ذلك ابن المسيب وقال : لا بد في الذبح من المذبح . وهو قول مالك وأحمد بن حنبل ، وقالوا : فاعل هذا (١) يقتضيه السياق ، وكأنه سقط من الناسخ . (٢) وحية - بفتح الواو وكسر الحاء المهملة بعدها تحتانية ثقيلة - أي : سريعة ، كذا في الفتح (٩/ ٥٥٧) . - ٤٢٦ - فاعل غير ما أمر به ، فإذا ذبحها من مذبحها فسبقت يده فأبان الرأس فلا شيء عليه . باب: ما يكره من المُثْلة والمصْبورة والمجثمة فيه: أنس: (( أنه رأى صبيانًا قد نصبوا دجاجة يرمونها ، فقال أنس : نهى النبي - عليه السلام - أن تصبر البهائم )) . وفيه : ابن عمر أنه دخل على يحيى بن سعيد وغلام من بني يحيى رابط دجاجة يرميها ، فمشى ( بها ) (١) ابن عمر حتى حَلّها ، ثم أقبل بها وبالغلام معه فقال : ازجروا غلامكم عن أن يصبر هذا الطير للقتل ؛ فإني سمعت النبي - عليه السلام - نهى أن تصبر بهيمة أو غيرها للقتل ، وإن النبي لعن من فعل هذا)) . وقال مرة: (( لعن النبي - عليه السلام - من مَثّل بالحيوان )) وعن ابن عباس مثله . وقال ابن عمر أيضًا: (( إن النبي - عليه السلام - نهى عن النهبى والمثلة)). قال أبو عبيد : قال أبو زيد وابن عمرو وغيرهما في نهيه عليه السلام أن تصبر البهائم : هو الطائر وغيره من ذوات الروح ، يصبر حَيًا ثم يرمى حتى يقتل وأصل الصبر : الحبس ، وكل من حبس شيئًا فقد / صبره . ومنه قيل للرجل يقدم فيضرب عنقه : قُتل صبرًاً . يعني: أمسك للموت . قال أبو عبيد : فأما المجثمة فهي المصبورة أيضًا، ولكنها لا تكون إلا في الطير والأرانب وأشباه ذلك مما يجثم بالأرض . [٢/ق٢١٩-٢] (١) كذا في (( الأصل))، وفي الصحيح المطبوع: إليها. - ٤٢٧ - قال ابن المنذر : وقال أحمد وإسحاق : لا تؤكل المصبورة والمجثمة. قال غيره : ولا أعلم أحدًا من العلماء أجاز أكل المصبورة وكلهم يحرمها ؛ لأنه لا ذكاة في المقدور عليه إلا في الحلق واللبة. قال المهلب : وهذا إنما هو نهي عن العبث في الحيوان وتعذيبه من غير مشروع . وأما تجثيمها للنحر وما شاكله فلا بأس به ، وإنما يكره العبث لحديث شداد بن أوس أن النبي - عليه السلام - قال : ((إن الله كتب الإحسان على كل شيء ؛ فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة ، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح ، وليحد أحدكم شفرته ، وليرح ذبيحته )» وكره أبو هريرة أن تحد الشفرة والشاة تنظر إليها ، وروي أن النبي - عليه السلام- رأى رجلا أضجع شاة ، فوضع رجله على عنقها، وهو يجد شفرته فقال له عليه السلام: ((ويلك ، أردت أن تميتها موتات؟. هلا أحددت شفرتك قبل أن تضجعها )) وكان عمر بن الخطاب ينهى أن تذبح الشاة عند الشاة ، وكرهه ربيعة أيضًا ، ورخص فيه مالك . وقال الطبري : في نهيه عليه السلام عن صبر البهائم الإبانة عن تحريم قتل ما كان حلالا أكله من الحيوان إذا كان إلى تذكيته سبيل ، وذلك أن رامي الدجاجة بالنبل ومتخذها غرضًا قد تخطئ رميته موضع الذكاة فيقتلها ، فيحرم أكلها ، وقاتله كذلك غير ذابحه ولا ناحره، وذلك حرام عند جميع الأمة ، ومتخذه غرضًا مقدم على معصية ربه من وجوه : منها : تعذيبه ما قد نهي عن تعذيبه ، وتمثيله ما قد نهى عن التمثيل به ، وإماتته بما قد يحظر عليه إصابته به ، وإفساده من ماله ما كان له إلى إصلاحه والانتفاع به سبيل بالتذكية ، وذلك من تضييع المال المنهي عنه . وقال ابن عمر : من اتخذ شيئًا ممن فيه الروح غرضًا لم يخرج من - ٤٢٨ - الدنيا حتى تصيبه قارعة . وقال عبد الله بن عمر وقد أبصر قومًا يفعلون ذلك بطائر : أما إنهم سيقادون لها . وذكر الطبري عن قتادة ، وعن عكرمة ، عن ابن عباس : أن النبي نهى عن المجثمة . وقال : المجثمة التي التصقت بالأرض ، وحبست على القتل والرمي ، فإذا جثمت من غير أن يفعل ذلك بها فهي جائمة. وفي كتاب الأفعال : يقال : جثم على ركبتيه جثومًا . ومنه قوله تعالى: ﴿ فأصبحوا في ديارهم جاثمين﴾ (١). قال الطبري : ويحتمل قوله عليه السلام عن المجثمة معنيين : أحدهما : أن يكون نهيًا عن رميها بعد تجثيمها فيكون المعنى فيها النهي عن تعذيبها بالرمي والضرب . والثاني : أن يكون معنى النهي عنها عن أكل لحمها إذا هي ماتت بالضرب والرمي ؛ لأنها إذا ماتت كذلك بعد أن تجثم ، فهي ميتة ؛ لأنها لا تجثم إلا بعد أن تصاد ، ولو كانت هي الجاثمة من قبل نفسها ، ولم يقدر على صيدها إلا بالرمي ، فرماها ببعض ما يخرجها ليحبسها ، فماتت من رميه كانت حلالا ؛ لأنها حينئذ جائمة لا مجئمة ، وهي صيد صيد بما يصاد به الوحش . ونهيه عليه السلام عن المجئمة نظير نهيه عن المصبورة ، غير أن التجثيم عند العرب هو في الممتنعات من الوحش والطير الذي ينبذ بالأرض ويجثم بها ، وأن الصيد المُصْبر يكون في ذلك وغيره ، فإن وجه موجه معنى نهيه عليه السلام عن المجثمة بالمعنى الأول ؛ كان ذلك نظير نهيه عليه السلام عن صبر البهائم ، وذلك نهي عن تعذيبها، وإن وجهه إلى المعنى الثاني ، وهو النهي عن أكل لحمها إذا ماتت من الرمي ؛ كان ذلك نظير نهيه تعالى عن المنخنقة والموقوذة والمتردية ، (١) هود : ٦٧، ٩٤. - ٤٢٩ - وتحريمه أكلها إذا ماتت من ذلك ، وإن جثمت فرست ولم تمت، فذبحها مجثمها كان حلالا أكلها بالتذكية . [٢/ ق٢١٩ -ب] / باب : الدجاج فيه: أبو موسى ((رأيت النبي - عليه السلام - يأكل (دجاجة) (١))). وقال زهدم الجرمي : كنا عند أبي موسى ، وكان بيننا وبين هذا الحي من جرم إخاء ، فأتي بطعام فيه لحم دجاج ، وفي القوم رجل جالس أحمر لم يدن من طعامه ، فقال: ادن [ فقد ] (٢) رأيت النبي - عليه السلام - يأكل منه . قال : إني رأيته أكل شيئًا فقذرته ... )) وذكر الحديث. قال الطبري : كان ابن عمر لا يأكل الدجاجة حتى يقصرها أيامًا؛ لأنها تأكل العذرة . قال غيره : وكان يتأول أنها من الجلالة التي نهى النبي - عليه السلام - عن أكلها . روى سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس (( أن النبي - عليه السلام - نهى عن الإبل الجلالة )) وكان ابن عمر إذا أراد أن يأكل بيض الدجاجة قصرها ثلاثة أيام؛ وكره الكوفيون لحوم الإبل الجلالة حتى تحبس أيامًا. وقال الشافعي : أكرهه إذا لم تكن أكلته غير العذرة ، أو كانت أكثر أكله ، وإذا كان أكثر علفها غيره لم أكرهه . وقال مالك والليث : لا بأس بلحوم الجلالة كالدجاج ، وما يأكل (٣) . (١) في الصحيح المطبوع : دجاجًا . (٢) من الصحيح المطبوع وهو المناسب للسياق - وفي ((الأصل)): فقال. وهو خطأ .. (٣) في (( الأصل)) صورتها : الحليفة، فكأن الصواب: الجيفة ، والله أعلم. - ٤٣٠ - قال أبو حنيفة : الدجاجة تخلط ، والدجاجة لا تأكل إلا العذرة وهي التي تكره . فالعلماء مجمعون على جواز أكل الجلالة . وقد سئل سحنون عن خروف أرضعته خنزيرة ؟ فقال : لا بأس بأكله . قال الطبري : والعلماء مجمعون على أن حملا أو [ جديًا ] (١) غذي بلبن كلبة أو خنزيرة أنه غير حرام أكله ، ولا خلاف أن ألبان الخنازير نجسة ، كالعذرة . قال غيره : والمعنى فيه أن لبن الخنزيرة لا يدرك في الخروف إذا ذبح بذوق ولا شم ولا رائحة ، فقد نقله الله وأحاله كما يحيل الغذاء ، فإنما حرم الله أعيان النجاسات المدركات بالحواس ، فالدجاجة والإبل الجلالة وما شاكلها لا يوجد فيها أعيان العذرات ، وليس ذلك بأكثر من النبات الذي ينبت في العذرة ، وهو طاهر حلال بإجماع ، ولا يخلو الزرع من ذلك . وإنما النهي عن الجلالة من جهة التقذر والتنزه لئلا يكون الشأن في علف الحيوان النجاسات ، والنهي عن الجلالة ليس بقوي الإسناد . باب : لحوم الخيل فيه : أسماء قالت: (( نحرنا فرسًا على عهد النبي فأكلناه )) . وفيه : جابر (( نهى النبي - عليه السلام - يوم خيبر عن لحوم الحمر ، ورخص في لحوم الخيل )) . اختلف العلماء في أكل لحوم الخيل ، فكرهه مالك وأبو حنيفة والأوزاعي . وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي : حلال أكلها . (١) في ((الأصل)) : جدي . - ٤٣١ - واحتج من كره أكلها بما رواه ثور بن يزيد عن صالح بن يحيى بن المقدام ، عن أبيه ، عن جده ، عن خالد بن الوليد (( أن رسول الله نهى عن لحوم الخيل والبغال والحمير)) (١). قالوا : ومن جهة النظر أنه لو كانت الخيل تؤكل لوجب أن تؤكل أولادها ، فلما اتفقنا على أن الأم إذا كانت من الخيل والأب حمار لم يؤكل ما تولد منهما ، علمنا أن الخيل لا تؤكل ؛ ألا ترى أن ولد البقرة يتبع أمه في جواز الأضحية به ، وإن كان أبوه وحشيا فلو كانت الخيل تؤكل تبع الولد أمه في ذلك . واحتج الذين أجازوا أكلها بتواتر الأخبار في ذلك ، وأن أحاديث الإباحة أصح من أحاديث النهي . قالوا : ولو كان ذلك مأخوذًا من طريق النظر لما كان بين الجيل الأهلية والحمر الأهلية فرق ، ولكن الآثار عن النبي إذا صحت أولى أن يقال بها من النظر ، لا سيما وقد أخبر جابر في حديثه أن النبي - عليه السلام - أباح لهم لحوم الخيل في وقت منعه إياهم لحوم الحمر ، فدل ذلك على اختلاف حكم لحومها ، قاله الطحاوي . [٢ / ق ٢٢٠-١] / باب : لحوم الحمر الإنسية [ فيه عن ] (٢) سلمة عن النبي - عليه السلام - [ فيه : ابن عمر: (( نهى النبي - عليه السلام - ] (٢) عن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر )) . (١) قال الحافظ ابن حجر فى الفتح (٥٦٨/٩): ((تعقب بأنه شاذ منكر ؛ لأن في سياقه [ يعني خالدًا!] أنه شهد خيبر، وهو خطأ ؛ فإنه لم يسلم إلا بعدها على الصحيح ، والذي جزم به الأكثر أن إسلامه كان سنة الفتح ... )) : (٢) سقط من ((الأصل)) بسبب انتقال النظر، وأثبته من الصحيح المطبوع. - ٤٣٢ - وفيه : علي : (( نهى النبي عن المتعة عام خيبر ، وعن لحوم الحمر الإنسية)). وفيه: [ جابر ](١) ((نهى النبي - عليه السلام - يوم خيبر عن لحوم الحمر ، ورخص في لحوم الخيل )) . وفيه: البراء وابن أبي أوفى: (( نهى النبي عن لحوم الحمر)). وفيه : أبو ثعلبة قال : (( حرم رسول الله لحوم الحمر الأهلية )) رواه صالح والزبيدي وعقيل ، عن ابن شهاب . وقال مالك ومعمر والماجشون ويونس وابن إسحاق : عن الزهري قال: (( نهى النبي عن أكل كل ذي ناب من السباع)). وفيه: أنس: ((أنَّ النبي - عليه السلام - جاءهُ ( جائي) (٢) ، فقال : أُكلَتْ الحمر، ثم جاءه (جائي) (٢) ، فقال: أُقْنَيَتْ الحمر ، فأمر مناديًا فنادى في الناس: إن الله ورسوله ينهياكم عن لحم الحمر الأهلية ؛ فإنها رجس . فأكفئت القدور، وإنها لتفور باللحم)) . وفيه : عمرو : (( قلت لجابر بن زيد: [ يزعمون ] (٣) أن النبي - عليه السلام - نهى عن لحم الحمر الأهلية . فقال: قد [ كان يقول ذاك ] (٤) الحكم بن عمرو الغفاري عندنا بالبصرة . ولكن أبى ذلك [ البحر ] (٥) ابن عباس ، وقرأ: ﴿قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرمًا ... ﴾ (٦) الآية. قال المؤلف : فقهاء الأمصار مجمعون على تحريم الحمر ، وروي (١) من الصحيح المطبوع، وفي ((الأصل)): خالد. وهو خطأ. (٢) هكذا في (( الأصل)) بإثبات الياء. (٣) من الصحيح المطبوع، وفي ((الأصل)): ابن عمرو . وهو تحريف . (٤) في (( الأصل)): يكون ذلك . والمثبت من الصحيح المطبوع. (٥) من الصحيح المطبوع والسلطانية، وفي (( الأصل)" : النحرير. (٦) الأنعام : ١٤٥ . - ٤٣٣ - خلاف ذلك عن ابن عباس فأباح أكلها ، وروي مثله عن عائشة ، والشعبي . وقد روي عنهم خلافه . ۔۔ قال الطحاوي ، وقد افترق الذين أباحوا أكل الحمر على مذاهب في معنى نهيه عليه السلام عن أكلها ، فقال قوم : إنما نهى رسول الله عنها إبقاء على الظهر ليس على وجه التحريم. ورووا في ذلك حديث يحيى بن سعيد ، عن الأعمش قال : حدثت عن عبد الرحمن بن. أبي ليلى قال : قال ابن عباس : « ما نهى رسول الله يوم خيبر عن أكل لحوم الحمر الأهلية إلا من أجل أنها ظهر )) وابن جريج ، عن نافع ، عن ابن عمر قال: (( نهى رسول الله عن أكل الحمار الأهلي يوم خيبر ، وكانوا قد احتاجوا إليها )) . قال الطحاوي : فكان من الحجة عليهم أن [ جابرًاً ] (١) قد أخبر أن النبي أطعمهم يومئذ لحوم الخيل ، ونهاهم عن لحوم الحمر ، فهم كانوا إلى الخيل أحوج منهم إلى الحمر . فدل تركه منعهم أكل لحوم الخيل أنهم كانوا في بقية من الظهر ، ولو كانوا في قلة منه حتى احتيج لذلك أن يمنعوا من أكل لحوم الحمر لكانوا إلى المنع من أكل لحوم الخيل أحوج ؛ لأنهم يحملون على الخيل كما يحملون على الحمر ، ويركبون الخيل بعد ذلك لمعان لا يركبون لها الحمر ، فدل أن العلة ، التي ذكروها ليست هي علة منعها . وقال آخرون : إنَّما منعوا منها لأنها كانت تأكل العذرة ، ورووا في ذلك حديث شعبة [ عن ] (٢) الشيباني قال: ((ذكرت لسعيد بن جبير حديث ابن أبي أوفى وأمر النبي - عليه السلام - بإكفاء القدور يوم (١) في (( الأصل)) : جابر . (٢) من شرح المعاني (٢٠٧/٤) وفي ((الأصل)»: بن . وهو خطأ . - ٤٣٤ - خيبر، فقال : إنما نهى عنها ؛ لأنها كانت تأكل العذرة )) فكان من الحجة عليهم في ذلك أنه لو لم يكن جاء في هذا إلا الأمر بإكفاء القدور لاحتمل ما قالوا ، ولكن قد جاء هذا وجاء النهي في ذلك مطلقًا ؛ حدثنا علي بن [ معبد ] (١) حدثنا شبابة بن سوار ، حدثنا أبو زيد عبد الله بن العلاء ، حدثنا مسلم بن مشكم - كاتب أبي الدرداء - قال: سمعت أبا ثعلبة الخشني يقول: (( أتيت النبي - عليه السلام - فقلت : يا رسول الله، حدثني ما يحل لي مما يحرم عليّ . فقال : لا تأكل الحمار الأهلي ، ولا كل ذي ناب من السباع )) فكان كلام الرسول في هذا الحديث جوابًا لسؤال أبي ثعلبة إياه عما يحل له مما يحرم عليه ، فدل ذلك أن نهيه عليه السلام عنها لا لعلة تكون في بعضها دون بعض من أكل العذرة وشبهها ولكن لها في أنفسها . وقال قوم : إنما نهى عنها رسول الله ؛ لأنها كانت نهبة ، واحتجوا بما روى يحيى بن أبي كثير [عن النحاز] (٢) / الحنفي، عن سنان [٢/ ٢٢٠٥-ب] بن سلمة ، عن أبيه (( أن النبي - عليه السلام - مرّ يوم خيبر بقدور فيها (الحُمر - حمر الناس - ) (٣) فأمر بها فأكفئت ، فكان من الحجة عليهم في ذلك أن قوله : (( حمر الناس » يحتمل أن تكون نهبوها من الناس ، ويحتمل أن تكون نسبتها إلى الناس ؛ لأنهم يركبوها فيكون وقع النهي عنها ؛ لأنها أهلية لا لغير ذلك . وقد بين أنس في حديثه أن النبي - عليه السلام - قال لهم : (( أكفئوها ، لأنها رجس )) فدل أن النهي وقع عنها لأنها رجس لا لأنها نهبة . (١) من شرح المعاني (٢٠٧/٤) وفي ((الأصل)): سعيد. وهو تحريف . (٢) من شرح المعاني (٢٠٧/٤) وترجمته في إكمال ابن ماكولا (٣٣٤/٧)، وتراجم الأحبار (١٤٣/٤) وفي (( الأصل)): البخاري. وهو تحريف . (٣) في شرح المعاني : لحم حمر الناس. - ٤٣٥ - .- - . وروى سلمة بن الأكوع أن النبي - عليه السلام - قال لهم : (أكفئوا القدور واكسروها. قالوا: يا رسول الله [ أو نغسلها](١)؟ قال : أو ذاك)) فدل ذلك على أن النهي كان لنجاسة لحومها ، لا لأنها نهبة ؛ ألا ترى لو أن رجلا غصب شاة فذبحها وطبخ لحمها أن قدره التي طبخ فيها لا تنجس وأن حكمها حكم ما طبخ فيه لحم غير مغصوب ، فدل أمره بغسلها على نجاسة ما طبخ فيها ، وعلى أن الأمر بطرح ما كان فيها لنجاسته ، وكذلك من غصب شاةً فذبحها وطبخها أنه لا يؤمر بطرح لحمها في قول أحد من الناس ، فلما انتفى أن يكون نهيه عليه السلام عن أكل لحوم الحمر بمعنى من هذه المعاني التي أدّعاها الذين أباحوا لحمها ، ثبت أن نهيه كان عنها في أنفسها. فإن قيل : فقد رويتم عن ابن عباس ما احتج به من قوله تعالى : ﴿قل لا أجد فيما أوحي إلي محرمًا ... ﴾ (٢) الآية. قيل له : ما قاله رسول الله أولى مما قاله ابن عباس ، وما قاله رسول الله هو مستثنى من الآية ، وعلى هذا ينبغي أن يحمل ما جاء. عن رسول الله مجيئًا متواتراً في الشيء المقصود إليه بعينه مما قد أنزل الله في كتابه آية مطلقة على ذلك الجنس ، فيكون ما جاء عنه عليه السلام مستثنى من تلك الآية غير مخالف لها ، حتى لا يضاد القرآن السنة ، ولا السنة القرآن . قال غيره : وأما حديث أبي ثعلبة فلا يصح فيه تحريم الحمر ، إنما يصح فيه ما رواه مالك عن ابن شهاب أن النبي - عليه السلام - نھی عن أكل كل ذي ناب من السباع ، ومن ذكر فيه بهذا الإسناد الحمر ۔۔ (١) في ((الأصل)): أو نغسلوها. والمثبت من شرح المعاني. (٢) الأنعام : ١٤٥ . - ٤٣٦ - فقد وهم ؛ لأن مالكًا ومعمرًا و( ابن الماجشون ) (١) ويونس بن يزيد أثبت في ابن شهاب من صالح بن كيسان والزبيدي وعقيل . باب : أكل كل ذي ناب من السباع فیه : أبو ثعلبة : ( أن النبي - عليه السلام - نھی عن أکل کل ذي ناب من السباع)) . اختلف العلماء في تأويل هذا الحديث ، فذهب الكوفيون والشافعي إلى أن النهي فيه على التحريم ، ولا يؤكل ذو الناب من السباع ولا ذو المخلب من الطير ، ولا تعمل الذكاة عند الشافعي في جلود السباع شيئًا ، ولا يجوز الانتفاع بها إلا أن تدبغ . وذكر ابن القصار أن الذكاة عاملة في جلودها عند مالك وأبي حنيفة، فإن ذُكي سبع فجلده طاهر ، يجوز أن يتوضأ فيه ، ويجوز بيعه وإن لم يدبغ ، والكلب منها ، إلا الخنزير خاصة . والشافعي يحلل من السباع الضبع والثعلب خاصة ، وقال ابن القصار : إن محمل النهي في هذا الحديث عن أكل ذي ناب من السباع عند مالك على الكراهية لا على التحريم . قال : والدليل على أن السباع ليست بمحرمة كالخنزير اختلاف الصحابة فيها ، وقد كان ابن عباس وعائشة إذا سئلا عن أكلها احتجا بقوله تعالى : ﴿ قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرمًا ... ﴾ (٢) الآية. ولا يجوز أن يذهب التحريم على مثل ابن عباس وعائشة مع (١) هو يوسف بن يعقوب بن أبي سلمة، ويقال له : الماجشون أيضًا كما سبق في صدر الباب . (٢) الأنعام : ١٤٥ . - ٤٣٧ - مكانهما من رسول الله ويدركه غيرهما . ولا يجوز أن ينسخ القرآن بالسنة إلا بتاريخ متفق عليه ، فوجب مع هذا الخلاف ألا نحرمها كالميتة ، ونكرهها ؛ لأنه لو ثبت تحريمها لوجب نقله من حيث يقطع العذر . وقد روي عن الرسول أنه أجاز أكل الضبع وهو ذو ناب. (٢/ فى٢٢١-١] فبان بهذا أنه عليه السلام أراد بتحريم / كل ذي ناب من السباع الكراهية . وقال الكوفيون والشافعي : ليس في قوله تعالى : ﴿ قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرما على طاعم يطعمه﴾ (١) حجة لمن خالفنا؛ لأن سورة الأنعام مكية ، وقد نزل بعد هذا قرآن فيه أشياء محرمات ، ونزلت سورة المائدة بالمدينة وهي من آخر ما نزل ، وفيها تحريم الخمر وتحريم المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة . وحرم رسول الله من البيوع أشياء كثيرة . ونهيه عليه السلام عن أكل ذي ناب من السباع كان بالمدينة ؛ لأنه رواه عنه متأخرو أصحابه : أبو هريرة ، وأبو ثعلبة، وابن عباس . وقد حرم رسول الله نكاح المرأة على عمتها وخالتها ، ولم يقل أحد من العلماء أن قوله : ﴿وأُحلَّ لكم ما وراء ذلكم ﴾ (٢) يعارض ذلك ؛ بل جعلوا نهيه عن نكاح المرأة على عمتها وخالتها زيادة بيان على ما في الكتاب . واختلفوا هل المراد بالنهي عن أكل كل ذي ناب من السباع جميعها أو بعضها ، فقال الشافعي : إنما أراد رسول الله بالنهي ما كان يعدو على الناس ، ويفترس مثل الأسد ، والذئب ، والنمر ، والكلب العادي وشبهه مما في طبعه في الأغلب أن يعدو ، وما لم يكن يعدو فلم يدخل في النهي فلا بأس بأكله واحتج بحديث الضبع في إباحة أكلها ، وأنها سبع . ولابن حبيب شيء نحو هذا ، قال في جلود السباع العادية : إن ذكيت فلا تباع ولا يصلى عليها ، وينتفع بها في (١) الأنعام : ١٤٥ . (٢) النساء : ٢٤ . - ٤٣٨ - غير ذلك ، وأما السبع الذي لا يعدو إذا ذكي جاز بيعه ولباسه والصلاة عليه . وعند الكوفيين النهي في ذلك على العموم ، فلا يحل عندهم أكل شيء من سباع الوحش كلها ولا الهر الوحشي ولا الأهلي ؛ لأنه سبع ، ولا الضبع ولا الثعلب ؛ لعموم نهيه عليه السلام عن أكل كل ذي ناب من السباع. قالوا فما دخل عليه اسم ((سبع )) فهو داخل تحت النهي . قالوا : وليس حديث الضبع مما يعارض به حديث النهي؛ لأنه انفرد به عبد الرحمن بن أبي عمار عن جابر ، وليس بمشهور بنقل العلم ولا هو حجة إذا انفرد فكيف إذا خالفه من هو أثبت منه ؟ وقد قال سعيد بن المسيَّب : إن الضبع لا يصلح أكلها. وهو قول الليث . وقال ابن شهاب : الثعلب سبع لا يؤكل . ومالك يكره أكل ما يعدو من السباع وما لا يعدو من غير تحريم . ومن أجاز من السلف أكل الضبع والثعلب ، روي عن ابن عمر بن الخطاب أنه كان لا يرى بأسًا بأكل الضبع ويجعلها صيدًا . وعن علي ابن أبي طالب ، وسعد بن أبي وقاص ، وجابر ، وأبي هريرة مثله . وقال عكرمة : لقد رأيتها على مائدة ابن عباس . وبه قال عطاء ، ومالك ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأجاز الثعلبَ : طاوس وقتادة واحتجا بأنه يؤذي ، وقالا : كل شيء يؤذي فهو صيد . وأما الضب فقد ثبت عن النبي - عليه السلام - جواز أكله . وقال ابن مسعود : لا بأس بأكل الوبر ، وهو عندي مثل الأرنب ؛ لأنه يغتذي البقول والنبات . وأجاز أكله طاوس ، وعطاء . وأجاز عروة وعطاء اليربوع ، وكره الحسن أكل الفيل ؛ لأنه ذو ناب ، وأجاز أكله أشهب . - ٤٣٩ - واختلفوا في سباع الطير فروى ابن وهب عن مالك أنه قال : لم أسمع أحداً من أهل العلم قديمًا ولا حديثًا بأرضنا ينهى عن أکل کل ذي مخلب من الطير ، وقال أبو حنيفة والشافعي : لا يؤكل . ورووا في ذلك حديث شعبة ، عن الحكم ، عن ميمون بن مهران ، عن ابن عباس ، عن النبي - عليه السلام - « أنه نهى عن أکل کل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير)) ودفع أصحاب مالك هذا الحديث وقالوا : لا يثبت . وقد أوقفه جماعة على ابن عباس ولم يسمعه منه میمون ، وإنَّما رواه عن سعيد بن جبير عنه . وقد روي عن ابن عباس خلافه ، وما يدل على أنه ليس عن النبي - عليه السلام - وإنما هو قول لابن عباس ثم رجع عنه . [٢/ ٢٢١ - ب] وقد روى عمرو بن دينار ، عن أبي الشعثاء ، عن ابن عباس / أنه قال : كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء ويتركون أشياء تقذرًا ، فبعث الله نبيه ، وأنزل كتابه ، وأحل حلاله ، وحرم حرامه ، وما سكت عنه - يعني لم ينزل فيه شيء - فهو معفو وتلا : ﴿ قل لا أجد فيما أوحي إلي محرمًا ... ﴾ (١) الآيتين. فإن صح حديث النهي فيجوز أن يكون نهى عنها ؛ لأن النفس تعافها لأكلها الأنجاس في الأغلب، والله أعلم. باب : جلود الميتة فيه: ابن عباس (( أن رسول الله مَرَّ بشاة ميتة ، فقال : هلا استمتعتم بإهابها . قالوا : إنها ميتة . قال : إنما حرم أكلها)). لم يذكر صالح بن كيسان في حديث ابن شهاب الدباغ ، وتابعه مالك ، ومعمر ، ويونس . وقد ذكر ابن عيينة ، والأوزاعي ، (١) الأنعام : ١٤٥ - ١٤٦ . -: ٤٤٠ -