Indexed OCR Text
Pages 381-400
يريد بالتسمية على الإمساك الذي قد حصل . فإذا أمسك علينا حينئذ يسمي أو يريد التسمية على الأكل فبطل أن يريد بالتسمية بعد الإمساك علينا من غير أكل ؛ لأنه ليس بقول لأحد ؛ لأن الناس على قولين : إما أن تكون التسمية قبل الإرسال وقبل الإمساك . أو يكون المراد بها عند الأكل . وإنما أراد تعالى نسخ أمر الجاهلية التي كانت تذكر اسم طواغيتها على صيدها وذبائحها . وقد روى مالك، عن هشام بن عروة ، عن أبيه قال: (( سئل رسول الله فقيل : يا رسول الله ، إن ناسًا من أهل البادية / يأتوننا [٢/ ٢١٠٥-٤١ بلحمان لا ندري أسموا الله عليها أم لا، فقال رسول الله: (( سموا الله وكلوا )) . واحتج من أوجب التسمية بحديث عدي بن حاتم ، وأن النبي - عليه السلام - علل له بأن قال: (( لأنك (١) سميت على كلبك ولم تسم على غيره)) فأباح كل الصيد الذي يجد عليه كلبه ؛ لأنه ذكر الله عليه ، فدليله أنه إذا لم يسم فلا يأكل ( فأجابهم الآخرون فقالوا ( ... ) (٢) بدليل الخطاب فإنا نقول: إن لم يسم فلا يأكل) (٣) كراهية وتنزيها ، لما ذكرناه من الدلائل المتقدمة . واختلف العلماء في ذكاة المتردية والنطيحة والموقوذة والمنخنقة ، فذكر ابن حبيب عن ابن الماجشون وابن عبد الحكم أن ما أصاب هذه من نثر الدماغ والحشوة أو قرض المصير (٤) ، وشق الأوداج (١) في (( الأصل)): لأنك إذا . فلعلها إذا المنونة . (٢) كلمتان مطموستان . (٣) ما بين الحاجزين لحق في هامش (( الأصل)) بخط الناسخ. (٤) هو المَعِي. جمعه: مُصران ومصارين (المعجم الوسيط: ٨٧٣/٢) . - ٣٨١ - وانقطاع النخاع ، فلا يؤكل وإن ذكيت ، فأما كسر الرأس ولم تنتثر الدماغ ، أو شق الجوف ولم تنتثر الحشوة ، ولا انشق المصير ، أو كسر الصلب ، ولم ينقطع النخاع ، فهذه تؤكل إن ذكيت إن أدرك الروح فيها ، ولم تزهق أنفسها ، فإن لم يكن من هذه المقاتل شيء ، ويئس لها من الحياة وأشكل أمرها ، فذبحت فلا تؤكل ، وإن طرفت بعينها واستفاض نفسها عند الذبح ، وقد كان أصبغ وابن القاسم يحلان أكلها، ولا يريان دَقَّ العنق مقتلا حتى ينقطع النخاع ، قالا : . وهو المخ الأبيض الذي في داخل العنق والظهر ، وليس النخاع عندنا إلا دق العنق ، وإن لم ينقطع المخ . كذلك قال ابن الماجشون ومطرف عن مالك . قال ابن حبيب : وأما إنكسار الصلب ففيه يحتاج إلى انقطاع المخ الذي في الفقار ، فإن انقطع فهو مقتل ، وإن لم ينقطع فليس بمقتل ؛ لأنه قد يبرأ على حدب ويعيش . وقال أبو يوسف والحسن بن حي كقول ابن الماجشون وابن عبدالحكم قالا : إذا بلغ التردي وشبهه حالا لا يعيش من مثله لم يؤكل وإن ذكيت قبل الموت واحتج ابن حبيب لهذا القول فقال : تأول قوله : ﴿إلا ما ذكيتم﴾ (١) يعني : في الحياة القائمة فمات بتذکیتکم لا في حال اليأس منها ؛ لأن الذكاة لا تقع عليها وإن تحركت ؛ لأن تلك الحركة من الموت وقد تسبق إليها ؛ لأنه هو الذي أماتها ، فإجراء الشفرة عليها وتلك حالها لا يحلها ولا يذكيها ، كما أن المذبوحة التي قد قطعت الشفرة حلقومها وأوداجها إذا سقط عليها جدار قبل زهق نفسها أو (١) المائدة : ٣ . - ٣٨٢ - أصابها غرق أو تردي لا يضرها ولا يُحرمها ؛ لأنّ الذي سبق إليها من التذكية قبل التردي أو غيره هو الذي أماتها و( ... ) (١) . وفيها قول آخر : روى الشعبي ، عن الحارث ، عن علي قال : (إذا أدركت ذكاة الموقوذة والمتردية والنطيحة وهي تحرك يدًا أو رجلا فكلها )).وعن ابن عباس وأبي هريرة مثله . وإليه ذهب النخعي والشعبي وطاوس والحسن وقتادة ، وأبو حنيفة والثوري وقالا : يدرك ذكاته وفيه حياة ما كانت فإنه ذكي إذا ذكي قبل أن يموت ، وهو قول الأوزاعي والليث والشافعي وأحمد وإسحاق . وذكرنا تأويل قتادة وأصحابه في قوله تعالى : ﴿إلا ما ذكيتم﴾ (٢) قالوا : يعني: من هذه إذ طرفت بعينها أو حركت ذنبها أو أذنها أو ركضت برجلها فَذَكٌ وكُلْ . واحتج بعض الفقهاء لصحة هذا القول بأن عمر بن الخطاب كانت جراحته مثقلة ، وصحت عهوده وأوامره ، ولو قتله قاتل في ذلك الوقت كان عليه القود . قال الطحاوي : ولم يختلفوا في الأنعام إذا أصابتها الأمراض المثقلة التي قد تعيش معها مدة قصيرة أو طويلة أن ذكاتها الذبح ، فكذلك ينبغي في القياس أن تكون المتردية ونحوها . وقال إسماعيل بن إسحاق : بلغني عن بعض من يتكلم في الفقه أن قوله : ﴿ إلا ما ذكيتم﴾ (٢) إنما هو على ما أكله السبع خاصة، وأحسبه توهم ذلك ؛ لأن الاستثناء يلي ما أكل السوابع ، وإنما وقع الإستثناء على كل ما ذكر في الآية كما قال قتادة: ﴿إلا ما ذكيتم﴾(٢) (١) كلمة غير واضحة . (٢) المائدة : ٣ . - ٣٨٣ - أي : ولكن ما ذكيتم . كما قال تعالى : ﴿فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس ﴾ (١) يعني: ولكن قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم ، وإنما كان أهل الجاهلية يأكلون كل ما مات وكل ما قتل؛ فأعلم الله المسلمين أن المقتولة لا تحل إلا بالتذكية ، وأن المنخنقة [٢/ ٢١٠٥ -ب) والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل / السبع حرام كله، وهو لا يسمى: موقوذة حتى يموت بالذي فعل بها ، وكذلك المتردية والنطيحة وما أكل السبع ، ولو متردية تركت فلم تمت من ترديها أو شاة عضها سبع أو أكل من لحمها فلم تمت من ذلك ، لما كانت داخلة في هذا الحكم ، ولما سميت أكيلة السبع ؛ لأنه لم يقتلها ، وإنما تسمى العرب أكيلة السبع التي قتلها السبع فأكل منها وبقي منها ، فإن العرب تقول الباقي: هذه أكيلة السبع . فنهوا عن ذلك الباقي ، وأعلموا أن قتل السبع وغيره مما ذكر لا يقوم مقام التذكية ، وإن كان ذلك كله قتلا ؛ لأن في التذكية التي أمرهم الله بها خصوصًا في تحليل الذبيحة . وقال أبو عبيد : أكيلة السبع هو الذي صاده السبع فأكل منه وبقي بعضه ، وإنما هو فريسة ، والنّصُب : حجارة حول الكعبة كان يذبح عليها أهل الجاهلية . باب : صيد المعراض وقال ابن عمر في المقتولة بالبندقة : تلك الموقوذة . و کرهه سالم والقاسم ومجاهد وإبراهيم وعطاء والحسن ، وكره الحسن رمي البندقة في القرى والأمصار ، ولا يرى بأسًا فيما سواه فيه: عدي: (( سألت النبي عن المعراض فقال : إذا أصبت بحده فكل ، (١) يونس : ٩٨. - ٣٨٤ - فإذا أصاب بعرضه فقتل فإنه وقيذ فلا تأكل . فقلت : أرسل كلبي ، فقال: إذا أرسلت كلبك وسميت فكل ، فإن أكل فلا تأكل ، فإنه لم يمسك عليك إنما أمسك على نفسه . قلت : أرسل كلبي فأجد معه كلبا آخر ؟ قال : لا تأكل ، فإنك إنما سميت على كلبك ، ولم تسم على الآخر )) . وترجم له باب : ما أصاب المعراض بعرضه . وقال عدي: (( قلت : يا رسول الله ، إنا نرمي بالمعراض . قال : كل ما خزق ، وما أصاب بعرضه فلا تأكل )) . اختلف العلماء في صيد المعراض والبندقة ، فقال مالك والثوري والكوفيون والشافعي : إذا أصاب المعراض بعرضه وقتله لم يؤكل ، وإن خزق جلده وبلغ المقاتل بعرضه أكل . وذهب مكحول والأوزاعي وفقهاء الشام إلى جواز أكل ما قتل المعراض خزق أم لا . وكان أبو الدرداء وفضالة بن عبيد لا يريان به بأساً . واحتج مالك بقوله تعالى : ﴿ يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم ﴾ (١) قال: فكل شيء يناله الإنسان بيده أو رمحه أو بشيء من سلاحه ، فأنفذه وبلغ مقاتله فهو صيده ، كما قال تعالى . ولا حجة لأهل الشام لخلافهم لحديث عدي بن حاتم أن ما أصاب بعرضه فهو وقيذ ، والحجة في السنة لا فيما خالفها. وأما البندقة والحجر فأكثر العلماء على كراهة صيدها وهو عندهم وقيذ كقول ابن عباس ، إلا أن يدرك ذكاته ، وبه قال النخعي ، وذهب إليه مالك والثوري وأبو حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو (١) المائدة : ٩٤ . - ٣٨٥ - : ثور ، ورخص في صيد البندقة عمار بن ياسر ، وهو قول سعيد بن المسيب وابن أبي ليلى وبه قال الشاميون . والأصل في ذلك حديث عدي بن حاتم أن النبي أباح له أكل ما أصاب بحده ومنعه أكل ما أصاب بعرضه ؛ لأنه وقيذ ، ولا حجة لمن خالف السنة ، وإنما كره الحسن البندقة للقرى والأمصار ؛ لإمكان وجودهم السكاكين وما تقع به الذكاة ، وأجازها في البراري ، وفي مواضع یتعذر وجود ذلك فیه. واختلفوا فيما قتلته الجوارح ولم تدمه . فقال الشافعي : لا يؤكل حتى يخزق ؛ لقوله تعالى : ﴿ من الجوارح﴾ وقال مرة: إنه حلال. واختلف ابن القاسم و[أشهب ] (١) فيها على هذين القولين . فقال ابن القاسم : لا يؤكل حتى يدميه ويجرحه . وقال أشهب : إن مات من صدمة الكلب أكل . والمعراض : السهم دون ريش ، عن صاحب العين . وزاد الأصمعي خزق يخزق خزوقًا ، وخسق يخسق خسوقًا . وقال صاحب العين : كل شيء حاد [ رَزَّزْتَهُ ] (٢) في الأرض [فارْتَزَّ] (٣) تقول: خزقته فانخزق والخسق يثبت ، والخزق ما ينفذ (٤) [٢/ ق٢١١-١] / باب : صيد القوس وقال الحسن وإبراهيم : إذا ضرب صيدًا فبان منه بد أو رجل لا تأكل الذي بان منه ، وتأكل سائره . (١) في ((الأصل)) : ابن أشهب . خطأ . (٢) من كتاب (( العين)) (١٤٨/٤) والمعجم الوسيط (٣٤١/١)، وفي ((الأصل)) برزه ، وهو خطأ . (٣) من العين ، وفي الأصل : فبرز ، كذلك . (٤) في ((الأصل)) بعد هذا طمس بمقدار كلمتين أو ثلاث، وليس في الموضع المشار. إليه من العين تفريق بين الخزق والخسق كما ذكره المؤلف هنا، وإنما فيه أن الخزق ما ينفذ ، قال : والخسق لغة فيه ، أما هذا التفريق الذي ذكره المؤلف فهو في كتاب ((الأفعال)) (٤٨٢/١) وفيه: والخزق ما ينفذ في رمية أو غرض، فلعل المؤلف ذكره من حفظه ، والله أعلم . - ٣٨٦ - قال إبراهيم : إذا ضربت عنقه أو وسطه فكله . وقال الأعمش عن زيد : استعصى على آل عبد الله حمار ، فأمرهم أن م يضربوه حيث تيسر ، دَعُوا ما سقط منه و كلوه . فيه : أبو ثعلبة قلت : (( يا نبي الله ، إنا بأرض قوم أهل كتاب ، أفنأكل في آنيتهم ؟ وبأرض صيد أصيد بقوسي وبكلبي الذي ليس بمعلم ؟ فما يصلح لي ؟ قال : أما ما ذكرت من أهل الكتاب فإن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها ، وإن لم تجدوا فاغسلوها وكلوا فيها ، وما صدْتَ بقوسك فذكرت اسم الله فَكُل ، وما صدت بكلبك غير المعلم فأدركت ذکاته فکل )» . أجمع العلماء أن السهم إذا أصاب الصيد فجرحه وأدماه فسقط على الأرض ميتًا ولم يدر [ أمات ] (١) في الهواء أو بعد ما صار إلى الأرض فإن سقط فمات ، فقال مالك : إنه يؤكل إذا أنفذ السهم مقاتله . وهو قول أبي حنيفة والأوزاعي والشافعي وأبي ثور قالوا : وإن وقع على جبل فتردى فمات أو وقع في ماء ولم ينفذ السهم مقاتله لم يؤكل ، وإذا رمي الصيد بسهم مسموم أدرك ذكاته ، فكان مالك يقول : لا يعجبني أن يؤكل . وبه قال أحمد وإسحاق إذا علم أن السهم قتله ، وقال غيره : إذا ذكاه فأكله جائز . واختلفوا في الصيد يضرب فيبين منه عضو . فقالت طائفة : يطرح العضو الذي بان منه ويؤكل الباقي ، هذا قول ابن مسعود وابن عباس وعطاء وقتادة . وقال مالك : إذا قطع وسطه أو ضرب عنقه أكل كله ، وإن قطع فخذه لم يؤكل الفخذ وأكل الباقي . (١) غير واضحة في ((الأصل)) وأثبته من نقل الحافظ ابن حجر لكلام ابن بطال عن هذا الموضع ، راجع فتح الباري (٩/ ٥٢٠) وفيه: ولو لم يدر هل مات بالجرح أو من سقوطه في الهواء أو من وقوعه على الأرض . - ٣٨٧ - وقال الشافعي : إن قطعه قطعتين أكله ، وإن كانت إحداهما أقل من الأخرى إذا مات من تلك الضربة ، وإن قطع يدًا أو رجلا أو شيئًا يمكن أن يعيش بعده ساعة أو أكثر ثم قتله بعد رميته أكل ما لم يبن ، ولا يأكل ما بان وفيه الحياة ، وهذا نحو قول مالك . وقال الثوري وأبو حنيفة : إذا قطعه نصفين أكلا جميعًا ، وإن قطع الثلث مما يلي الرأس أكلا جميعًا، وإن قطع الثلث الذي يلي العجز أكل الثلثين مما يلي الرأس ، ولا يأكل الثلث الذي يلي العجز . قال المهلب : وحجة القول الأول أن ما قطع من الصيد قبل أن تنفذ مقاتله فالمقطوع منه ميتة ؛ لا شك في ذلك . وكذلك كان أهل الجاهلية يقطعون أسئمة الإبل وهي أحياء ويأكلونها ثم تكبر الأسنمة وتعود على ما كانت ، وقول الكوفيين لا أعلم له وجهًا . باب : الخذف والبندقة فيه : عبد الله بن مغفل (( أنه رأى رجلا يخذف فقال له : لا تخذف؛ فإن رسول الله نهى عن الخذف - أو كان يكره الخذف - وقال : إنه لا يُصاد به صيد ولا يُنكأ به عدو ولكنها قد تكسر السن ، وتفقأ العين. ثم رآه بعد ذلك یخذف ، فقال : أحدثك عن رسول الله أنه نهى عن الخذف - أو كره الخذف - وأنت تخذف، لا أكلمك كذا وكذا)). والخذف عند أهل اللغة : الرمي بالحصاة والعصا . قال المهلب : وأباح الله الصيد في كتابه على صفة اشترطها تعالى من الاصطياد بالأيدي والرماح بقوله : ﴿تناله أيديكم ورماحكم﴾ (١) (١) المائدة : ٩٤ . - ٣٨٨ - فمعنى الأيدي : الذبح ، ومعنى الرماح : كل ما رميت به الصيد بنوع من أنواع فعل اليد من الخزق لجلد الصيد ، وإنفاذ مقاتله ، وليس البندقة والخذف بالحجر من ذلك المعنى ، وإنما هو وقيذ ، وقد حرم الله الموقوذة ، وبَيَّن ذلك نبيه - عليه السلام - أن الخذف لا يصاد به صيد؛ لأنه ليس من المجهزات ، فدل أن الحجر لا تقع به ذكاة . وأئمة الفتوى بالأمصار على / أنه لا يجوز أكل ما قتلته البندقة [٢١١٥/٢-ب] والحجر، واحتجوا بحديث عبد الله بن مغفل ، وأجاز ذلك الشاميون، فخالفوا حديث ابن مغفل ، ولا حجة لمن خالف السنة ، وإنما الحجة العمل بها، وقد ذكرنا ذلك في باب ((صيد المعراض)). قال المهلب : فيه من الفقه أن من خالف السنة أنه لا بأس بهجرانه وقطع الكلام عنه ، وليس يدخل هجرانه تحت نهي النبي عن أن يهجر أخاه فوق ثلاث ، يدل على ذلك أمر الرسول بذلك في كعب بن مالك وصاحبيه . وفيه : وجوب تغيير العالم ما خالف العلم . باب : من اقتنى كلبًا ليس بكلب صيد أو ماشية فيه : ابن عمر : قال عليه السلام : (( من اقتنى كلبًا ليس بكلب ماشية أو ضارية ، نقص كل يوم من عمله ( قيراطين) (١))). وقال مرة : سمعت النبي يقول: (( من اقتنى كلبًا إلا ( كلب ضاري ) (٢) لصيد أو كلب ماشية ، فإنه ينقص من أجره ( قيراطين ) (١))). (١) كذا في ((الأصل))، وهي رواية الأصيلي وابن عساكر كما في هامش (( ن)) (١/ ١١٢) . (٢) من ((الأصل)) وهي رواية لأبي ذر كما قال الحافظ في الفتح (٥٢٤/٩) وللأكثر: كلبًا ضاربًا . - ٣٨٩ - كان ابن عمر يجيز اتخاذ الكلب للصيد والماشية خاصة على نص حديثه ، ولم يبلغه ما روى غيره في ذلك . وقد روى مالك ، عن يزيد بن [ خصيفة ] (١) أن السائب بن يزيد أخبره أنه سمع سفيان بن أبي زهير يحدث (( أنه سمع النبي - عليه السلام - يقول : من اقتنى كلبًا لا يغني عنه زرعًا ولا ضرعًا نقص من عمله كل يوم قيراط)). ويدخل في معنى الزرع الكرم والثمار وغير ذلك ، ولم يختلف العلماء في تأويل قوله تعالى : ﴿وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث ﴾ (٢) أنه كان كرمًا ، وروى عبد الله بن مغفل أن النبي - عليه السلام - قال: (( من اتخذ كلبًا ليس بكلب صيد ولا ماشية ولا حرث ... )) ويدخل في معنى الزرع والكرم منافع البادية كلها من الطارق وغيره . وقد سئل هشام بن عروة عن اتخاذ الكلب للدار ، فقال : لا بأس. به إذا كانت الدار مخوفة . فأما ما روي عنه عليه السلام في حديث سفيان بن أبي زهير : ((قيراط)) وفي حديث ابن عمر: ((قيراطان )) فيحتمل - والله أعلم -. أنه عليه السلام - غلظ عليهم في اتخاذ الكلاب ، لأنها تروع الناس، فلم ينتهوا ؛ فزاد في التغليظ فجعل مكان القيراط قيراطين . وقد روى حماد بن زيد ، عن واصل مولى أبي عيينة قال : سأل سائل الحسن فقال : يا أبا سعيد ، أرأيت ما ذكر في الكلب أنه ينقص من أجر أهله كل يوم قيراط ، بم ذلك ؟ قال : لترويعه المسلم . (١) بمعجمة ثم مهملة، وهو ابن عبد الله بن يزيد الكندي المدني، وفي ((الأصل)): حصينة . وهو خطأ . (٢) الأنبياء : ٧٨ . - ٣٩٠ - باب: [إذا ] (١) أكل الكلب وقوله تعالى: ﴿يسألونك ماذا أحل لهم﴾ (٢) الآية. وقال ابن عباس : إن أكل الكلب فقد أفسده، إنما أمسك على نفسه ، والله - تعالى - يقول : ﴿تعلمونهن مما علمكم الله ﴾ (٢) فيضرب ويعلم حتى يترك . وكرهه ابن عمر . وقال عطاء : إن شرب الدم ولم يأكل فكل . وفيه: عدي (( سألت النبي فقلت : إنا قوم نصيد بهذه الكلاب . فقال : إذا أرسلت كلابك المعلمة وذكرت اسم الله فكل مما أمسكن عليك ، وإن قتلن ، إلا أن يأكل الكلب ، فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه ، وإن خالطها كلاب من غيرها فلا تأكل )» . اختلف العلماء في الكلب المعلم إذا أكل من الصيد هل يجوز أكله أم لا ؟ فقال ابن عباس : إذا أكل فقد أفسده وأمسك على نفسه . وقال بذلك من التابعين : الشعبي وعطاء وعكرمة وطاوس والنخعي وقتادة ، وحجتهم حديث عدي بن حاتم ، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور قالوا كلهم : إذا أكل الكلب من الصيد فهو غير معلم ، فلا يؤكل صيده . وفيها قول آخر روي عن جماعة من الصحابة والتابعين أنهم قالوا : كل وإن أكل الكلب ولو لم يبق إلا نصفه ، هذا قول علي بن أبي طالب / وابن عمر ، وسعد بن أبي وقاص ، وسلمان الفارسي، [٢١٢٥/٢-١] ومن التابعين سعيد بن المسيب ، وسليمان بن يسار ، والحسن ، (١) من الصحيح المطبوع، ويظهر أن الناسخ كتب ((إذا )) ثم أضاف إليها حروف كلمة (( أكل )) فحذفت ( إذا ). (٢) المائدة : ٤ . - ٣٩١ - والزهري ، وربيعة ، وهو قول مالك ، والليث ، والأوزاعي ، وحجتهم ما رواه أبو داود ، حدثنا محمد بن عيسى ، حدثنا هشيم ، حدثنا داود بن عمرو، عن [ بُسْر ] (١) بن عبيد الله عن أبي إدريس الخولاني ، عن أبي ثعلبة الخشني قال: قال رسول الله: (( إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله فكل، وإن أكل منه)) . وقال لي بعض شيوخي : في الظاهر أن حديث أبي ثعلبة ناسخ حديث عدي وقال إسماعيل بن إسحاق : إنما ذكر في الحديث (( إن أكل فلا تأكل)) قال إسماعيل: ولما ثبت في حديث عدي وغيره أن النبي - عليه السلام - جعل قتل الكلب للصيد تذكية .. لم يضر ما حدث بعد التذكية من أكل الكلب أو غيره ، كما أن البهيمة إذا ذبحت لم يضر لحمها ما حدث بعد التذكية ، وإنما الكلب بمنزلة السهم إنما أرسلته ؛ فذهب بإرسالي إلى الصيد فقتله ، فكأني أنا قتلته ، فكذلك السهم إذا. أرسلته من يدي فأصاب الصيد فكأني أنا ذبحت الصيد ؛ لأني لا أنال الصيد الذي أناله بيدي إلا كذلك . والمعنى في قوله تعالى : ﴿ فكلوا مما أمسكن عليكم﴾ (٢) حبسه الصيد حتى جئت فأدركته مقتولا، فلا يضره ما صنع بلحمه بعد التذكية . قال المهلب : ويحتمل أن يكون معنى قوله عليه السلام: ((فإني أخشى أن يكون قد أمسك على نفسه )) إذا أكل الكلب قبل إنفاذ مقاتله وفوات نفسه . وقد أجمع العلماء أنه إن أكل الكلب وحياته قائمة حتى مات من أجل أكله أنه غير مذکی ولا يحل أكله ، وهو في معنى الوقيذ . (١) هو بُسْر بن عبيد الله الحضرمي الشامي، ترجمته في (تهذيب الكمال)) (٤/ ٧٥)، وفي (( الأصل) : بشير ، وهو خطأ . (٢) المائدة : ٤ . - ٣٩٢ - قال إسماعيل : والذين قالوا : إذا أكل الكلب فلا يؤكل . يقولون إذا أكل البازي والصقر فلا بأس أن يؤكل ، قالوا : لأن الكلب يُنهى فينتهي ، والبازي والصقر إنما يعلمان بالأكل . قال إسماعيل : وهذا يفسد اعتلالهم ، ولو كانت علتهم صحيحة لكان البازي والصقر إذا أكلا أمسكا على أنفسهما أيضًا ؛ إذ الطير في معنى الكلاب ، لأنها جوارح ، والجوارح عند العرب الكواسب على أهلها قال تعالى: ﴿ويعلم ما جرحتم بالنهار﴾ (١) أي: كسبتم ، وقوله : ﴿ أم حسب الذين اجترحوا السيئات﴾ (٢). وروي عن ابن عمر ومجاهد قول شاذ أنه لا يكون جارح إلا كلبًا، وكرها صيد الطير ، والناس على خلافهم لما دل عليه الكتاب من كونها كلها جوارح . باب : الصيد إذا غاب عنه يومين أو ثلاثة فيه : عدي بن حاتم عن النبي - عليه السلام - قال: (( إن رميت صيدا، فوجدته بعد یوم أو یومین ، وليس فيه إلا أثر سهمك فكل وإن وقع في الماء فلا تأكل ) . وقال عدي أيضًا: ((إنا نرمي الصيد فنفتقر (٣) أثره اليومين والثلاثة ، ثم نجده ميتًا وفيه سهمه ؟ قال : يأكل إن شاء )) . اختلف العلماء في الصيد يغيب عن صاحبه . فقال الأوزاعي : إذا وجده من الغد ميتًا ووجد فيه سهمه أو أثراً من (٢) الجاثية : ٢١ . (١) الأنعام : ٦٠ . (٣) أي يتبع فقاره حتى يتمكن منه، هكذا فسَّرَهُ الحافظ في (( الفتح)) (٥٢٦/٩) وقال: (( وعلى هذه الرواية اقتصر ابن بطال ، وفي رواية الكشميهني : فيقتفي أي يتبع ، وكذا لمسلم والأصيلي، وفي رواية: فيقفو ، وهي أوجه )) اهـ . وسيأتي في الشرح نقل ابن بطال عن الكوفيين: ((فنقتفوا أثره)) ثم في آخر الباب : اقتفوت الأثر: اتبعته. أقول : وهذا خلاف ما نقله الحافظ ابن حجر عن ابن بطال من اقتصاره على : نفتقر ، مع موافقته لما وقع في صدر الباب فالله أعلم . - ٣٩٣ - كلبه ، فليأكله . وهو قول أشهب وابن الماجشون وابن عبد الحكم وأصبغ ، قالوا : إذا مات وأنفذت الجوارح أو السهم مقاتله ، ولم يشك في ذلك فليؤكل . وذكر ابن القصار أنه روي مثله عن مالك ، والمعروف عنه خلافه . وقال مالك في الموطأ والمدونة : لا بأس بأكل الصيد وإن غاب عنك مصرعه ، إذا وجدت به أثرًا من كلبك ، أو كان به سهمك، ما لم یبت، فإذا بات لم يؤكل . وقال أبو حنيفة : إذا توارى عنه الصيد والكلب في طلبه فوجده قد قتله جاز أكله ، وإن ترك الكلب الطلب واشتغل بعمل غيره ، ثم ذهب في طلبه فوجده مقتولا . والكلب عنده كرهت أكله . وقال الشافعي: القياس ألا يأكله إذا غاب عنه / لأنه يمكن أن يكون غيره قتله ، وقد قال ابن عباس: (( كل ما أصميت ودع ما أنميت)) . [٢/ ق٢١٢-ب) وقال أبو عبيد : الإصماء : أن يرميه فيموت بين يديه لم يغب عنه، والإنماء : أن يغيب عنه فيجده ميتًا . واحتج ابن القصار لأهل المقالة الأولى الذين أوقفوا حديث عدي قالوا : إن النبي - عليه السلام - أجاز أكله بعد يومين وثلاثة إذا وجد فيه أثر سهمه ، ألا ترى أن النبي - عليه السلام - بين له أنه إنما يحل أكله بشرط أن يجد فيه أثر سهمه أو سهمه وهو يعلم أنه قتله ، فإذا عدم الشرط لم يحل . واحتج الكوفيون بقول عدي : إنا نرمي الصيد ، فنقتفوا أثر. اليومين والثلاثة ، يأكل إن شاء . قالوا : فإنما أباح أكله لأجل افتقاده أثره ، وهو أن يتبعه ؛ لأنه إذا لم يتبعه ووجده مقتولا عسى أن يكون - ٣٩٤ - قد صار مقدوراً عليه فلم يلحق ذكاته فلا يؤكل . فيقال لهم : قد جاء حديث عدي في أول هذا الباب أنه قال: (( إذا رميت صيدًا فوجدته بعد يوم أو يومين ، وليس به إلا أثر سهمك فكل )) ولم يذكر الاتباع فنستعمل الجميع ، فيجوز أن يؤكل وإن لم يتبعه إذا كان فيه سهمه ولا أثر فيه غيره ، ويستعمل خبركم إذا شاهده قد أنفذ مقاتله، ثم غاب الصيد عنه ثم وجده على حاله ، واستعمال الأخبار أولى من إسقاط بعضها . وأما قولهم : إذا لم يتبعه لم يأمن أن يكون قد صار مقدورًا عليه . فإننا نقول : هذا حكم بشيء مظنون ، وإنما يجوز أكله إذا لم ير فيه أثرًا غير كون سهمه فيه ، ولو روعي هذا الذي ذكره لوجب أن يتوقف عن كل صيد ؛ لأنه يجوز أن يكون مات خوفًا وفزعًا ، وإن شاهدناه واتبعناه ، فإذا وجدنا السهم فيه ولا أثر فيه غيره فالظاهر أنه مات منه. وقد روي عن النبي - عليه السلام - (( أنه مر بالروحاء فإذا هو بوحش عقير فيه سهم قد مات ، فقال النبي : دعوه حتى يجيء صاحبه فجاء البهزي ، فقال يا رسول الله : هي رميتي . فأمره أن يقسمه بين الرفقة وهم محرمون)) . ولو كان الحكم يختلف بين أن يتبعه حتى يجده ، أو يشتغل عنه ثم يطلبه ويجده ، لاستفسره عليه السلام ، فلما لم يسأل عن ذلك وقال : « دعوه حتى يجيء صاحبه )) ولم يزد : هل كان يتبعه ؟ علم أن الحكم لا يختلف . والحجة لقول مالك : ما روي عن ابن عباس أنه سئل عن الرجل يرمي الصيد فيجد فيه سهمه من الغد ، قال : لو أعلم أن سهمك قتله لأمرتك [ بأكله ] (١) ولكن لا أدري قتله ( ) (٢) أو غيره . وفي حديث آخر: (( وما غاب عنك ليلة فلا تأكله )). (١) في (( الأصل)): بقتله . وهو خطأ . (٢) كلمة صورتها : برد . - ٣٩٥ - 1 قال ابن القصار : وهذا عندي على الكراهية والله أعلم . واقتفوت الأثر : اتبعته . باب : إذا وجد مع الصید کلبًا آخر فيه: عدي (( قلت : يا رسول الله ، إني أرسل كلبي وأسمي ، فقال عليه السلام : إذا أرسلت كلبك وسميت فأخذ فقتل فأكل فلا تأكل ، فإنما أمسك على نفسه . قلت: إني أرسل كلبي أجد معه كلبًا آخر لا أدري أيهما أخذه ؟ فقال : لا تأكل ؛ إنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره )) . جمهور العلماء بالحجاز والعراق متفقون أنه إذا أرسل كلبه على الصيد ووجد معه كلبًا آخر لا يدري أيهما أخذه ؛ فإنه لا يؤكل ذلك الصيد ، وأخذوا بحديث عدي بن حاتم . وممن قال ذلك : عطاء ومالك والكوفيون والشافعي وأحمد وأبو ثور ، وقد بين الرسول - عليه السلام - المعنى في ذلك فقال : إنما سميت على كلبك عند إرسالك له ولم تسم على غيره ، فينبغي أن يكون الصيد بإرسال ونية لله - تعالى - عند إرساله . وكان الأوزاعي يقول : إذا أرسل كلبه المعلم فعرض له كلب آخر فقتلاه فهو حلال ، وإن كان غير معلم فقتلاه لم يؤكل . وقال لي بعض من لقيت : إن كان الكلب المعلم قد أرسله صاحبه فالمسألة إجماع جواز أكله ، ولو أن كلبًا معلمًا انطلق ) على صيد ، وأخذه ولم يرسله أحد عليه أنه لا يجوز / أكله لعدم الإرسال والنية ، وهذا إجماع . [٢ / ق٢١٣ -٢] قال ابن المنذر : وإذا اجتمع أصحاب كلاب وأطلقوا كلابهم على صید وسمی كل واحد منهم ، ثم وجدوا الصيد قتيلا ، ولا یدری من - ٣٩٦ - قتله منهم فكان أبو ثور يقول : إذا مات الصيد بينهم فإنه يؤكل ، وهذا إجماع ، فإن اختلفوا فيه وكانت الكلاب متعلقة به كان بينهم ، وإن كان مع واحد منهم كان صاحبه أولى ، وإن كان قتيلا والكلاب ناحية أقرع بينهم ، فمن أصابته القرعة كان له . باب: ما جاء في ( الصيد ) (١) فيه : عدي « قلت : يا رسول الله، إِنا قوم (نصيد) (٢) بهذه الكلاب)). وفيه: أبو ثعلبة ((قلت : يا رسول الله ، إنَّا بأرض قوم أهل كتاب نأكل في آنيتهم ، وأرض صيد أصيد بقوسي وأصيد بكلبي المعلم والذي ليس معلمًا ... )) الحديث . وفيه : أنس قال: (( أنفجنا أرنبًا بمر الظهران ، فسعوا عليها حتى (تعبوا)(٣) فسعيتُ عليها حتى أخذتها ، فجئت بها إلى أبي طلحة ، فبعث إلى النبي - عليه السلام - بور كها أو فخذيها ، فقبله)) . وفيه : أبو قتادة (( أنه كان مع النبي - عليه السلام - ببعض طريق مكة فرأى حمارًا وحشيًا فاستوى على فرسه ... )) الحديث . فقال عليه السلام: ((إنما هي طعمة أطعمكموها الله)). العلماء مجمعون على جواز الصيد للاكتساب وطلب المعاش . وقال مالك : إن من كان شأنه الصيد للذَّة أن شهادته غير جائزة . (١) كذا في ((الأصل))، والظاهر أن الصواب : التصيد كما في الصحيح المطبوع - وهو الاشتغال بالصيد ، وكذلك الحال في الباب الآتي . (٢) في الصحيح المطبوع : نتصيد . (٣) هذه رواية الكشميهني كما قال الحافظ ابن حجر (٥٢٨/٩)، وفي سائر الروايات باللام والغين المعجمة ((لغبوا)) وهما بمعنى . - ٣٩٧ - وقد روى ابن عباس عن النبي - عليه السلام - أنه قال : ((من "طلب الصيد غفل)) إلا أن حال الذي يصيد للذة ينبغي أن يعتبر، وإن كان يضيع له فرائضه وما يلزمه من مراعاة أوقات الصلوات وشبهها فهذا هو الأمر المسقط لشهادته ولو لم يكن ثَمَّ صيد ، وإن كان لا يضيع شيئًا يلزمه ؛ فلا ينبغي أن ترد شهادته . وحديث ابن عباس رواه سفيان الثوري ، عن أبي موسى التمار ، عن وهب بن منبه ، عن ابن عباس ، قال: قال رسول الله: (( من سكن البادية جفا ، ومن اتبع الصيد غفل ، ومن لزم السلطان افتتن)). وقوله : (( أنفجنا أرنيًا )) يعني : أجرينا ، وفي كتاب الأفعال : نفج الأرنب وغيره نفوجًا : أسرع . وقال صاحب العين : وأنفجته وكل ما ارتفع فقد انتفج، ورجل نفّاج بما لم يفعل (١) . باب : الصيد (٢) على الجبال فيه: أبو قتادة قال: (( كنت مع النبي - عليه السلام - فيما بين مكة والمدینة وهم محرمون ، وأنا حل على فرسي ، و کنت رقّاء على الجبال ، فبينا أنا على ذلك ، إذ رأيت الناس متشوفين لشيء ، فذهبت أنظر فإذا هو حمار وحش ... )) الحديث . التصيد على الجبال ، كالصيد على السهل في الإباحة والجواز . وفيه : أن الجري على الخيل في الجبال والأوعار جائز للحاجة إلى ذلك ، وليس من تعذيب البهائم والتحامل عليها . (١) يعني يفخر بما ليس عنده (المعجم الوسيط: ٩٣٨/٢). (٢) راجع التبويب السابق والتعليق عليه . وسيأتي هنا قول المؤلف : التصيد على الجبال كالصيد . ـ ٣٩٨ - باب : قول الله: ﴿أحل لكم صيد البحر ﴾ (١) وقال عمر : صيده ما أصید ، وطعامه ما رمى به . وقال أبو بكر : الطافي حلال . وقال ابن عباس : طعامه ميتته إلا ما قذرت منها ، والجَرِّيّ لا تأكله اليهود ونحن نأكله. وقال شُرَيْح صاحب النبي - عليه السلام -: كل شيء في البحر مذبوح، وقال عطاء : فأما الطير فأرى أن تذبحه . وقال ابن جريج : قلت لعطاء : صيد الأنهار وقلات السيل أصيد بحر؟ قال : نعم، ثم تلا: ﴿هذا عَذْب فرات﴾ (٢) وَركب الحسن على سرج من جلود كلاب الماء . وقال الشعبي : لو أن أهلي أكلوا / لحم الضفادع لأطعمتهم - ولم ير [٢١٣٥/٢-ب] الحسن بالسلحفاة بأساً ، وقال ابن عباس : كُلْ ما صاد من البحر نصراني، أو مجوسي ، أو يهودي . وقال أبو الدرداء : في المُرِي ذبح الخَمْرَ النِّينَانُ والشمسُ . فيه: جابر: ((غزونا جيش الخَبَط ، وأُمِّر أبو عبيدة فجعنا جوعًا شديدًا، فألقى البحر حوتًا ميتًا لم ير مثله يقال له : العنبر ، فأكلنا منه نصف شهر، فأخذ أبو عبيدة عظمًا من عظامه فنصبه فمرّ الراكب تحته )) . وقال جابر مرة : بعثنا النبي - عليه السلام - ثلاثمائة راكب ، وأميرنا أبو عبيدة نرصد عيرًا لقريش فأصابنا جوع شديد حتى أكلنا الخَبَط ، فسمى : جيش الخَبَط . وألقى البحر حوتًا يقال له : العنبر ، فأكلنا نصف شهر وادهنا بودكه حتى صلحت أجسادنا ، فأخذ أبو عبيدة ضلعًا من أضلاعه فنصبه ، فمرّ راكب تحته [ وكان] (٣) فينا رجل فلما اشتد الجوع نحر ثلاث جزائر ، ثم ثلاث جزائر، ثم نهاه أبو عبيدة )) . (١) المائدة : ٩٦ . (٢) فاطر : ١٢ . (٣) في (( الأصل)): وقال . وهو خطأ ، والمثبت من الصحيح المطبوع. - ٣٩٩ - اختلف العلماءُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وطعامه متاعًا لكم﴾ (١) فقال ابن عباس : طعامه ما لفظه فألقاه ميتًا . وقال ابن عباس : أشهد على أبي بكر الصديق لسمعته يقول: (( السمكة الطافية حلال لمن أكلها )) . وعن عمر بن الخطاب ، وزيد بن ثابت ، وعبد الله بن عمرو و[أبي] (٢) هريرة، مثل قول ابن عباس في تأويل الآية، ورُويَ عن ابن عباس قول آخر قال: (( طعامه مملوحه)) وعن سعيد بن المسيب ، والنخعي ، ومجاهد ، وأبن جبير مثله ، ومن قال : طعامه مملوحه كره أكل ما يلقى منه ميتًا ، وروي ذلك عن جابر بن عبد الله ، وابن عباسٍ ، وعن طاوس ، وابن سيرين ، والكوفيين : لا يؤكل الطافي، ولا يؤكل من البحر غير السمك . وقال مالك : يؤكل كل حيوان في البحر ، وهو حلال حيا كان أو ميتًا . وهو قول الأوزاعي ، وأجاز الشافعي خنزير الماء ، وكرهه مالك. قال ابن القصار : من غير تحريم . وقال ابن القاسم : لا أراه حرامًا . وحديث جابر حجة على الكوفيين ومن وافقهم ؛ لأن أبا عبيدة في أصحاب النبي أكلوا الحوت الذي لفظه البحر ميتًا ، ولا يجوز أن يخفى عليهم وجه الصواب في ذلك ، ويأكلوا الميتة وهم ثلاثمائة رجل . وقال بعض المالكيين : إنهم لم يأكلوا ذلك الحوت على وجه ما يؤكل عليه الميتة عند الضرورة إليها ، وذلك أنهم أقاموا عليه أيامًا يأكلون منه ، والمضطر إلى الميتة إنما يأكل منها ثم ينتقل يطلب المباح. (١) المائدة : ٩٦ . (٢) في (( الأصل )» : أبو . ٤٠ -