Indexed OCR Text

Pages 341-360

باب : إثم من قتل معاهدًا بغير جُرْمٍ
فيه : ابن عمر ، قال النبي - عليه السلام -: (( من قتل معاهدًا لم يرح
رائحة الجنة ، وإن رائحتها توجد من مسيرة أربعين عامًا )).
هذا على طريق الوعيد ، والله - تعالى - فيه بالخيار ، وسيأتي
الكلام في هذا الحديث في الديات والعقول - إن شاء الله - فقد كرر
فيه هذه الترجمة .
باب : إخراج اليهود من جزيرة العرب
وقال عمر عن النبي - عليه السلام -: (( أقركم ما أقركم الله )) .
فيه: أبو هريرة: (( بينما نحن في المسجد خرج النبي - عليه السلام -
فقال : انطلقوا إلى يهود فخرجنا حتى جئنا بيت المدراس ، فقال :
أسلموا تسلموا ، واعلموا أن الأرض لله ولرسوله ، وإني أريد أن
أجليكم من هذه الأرض ، فمن يجد منكم بماله شيئًا فليبعه ، وإلا
فاعلموا أن الأرض لله ولرسوله )» .
وفيه : ابن عباس، قال: (( يوم الخميس اشتد بالنبي - عليه السلام -
وجعه ، فقال : ائتوني بكتف أكتب لكم كتابًا لا تضلوا بعده ، فتنازعوا
- ولا ينبغي عند نبي تنازع - فقالوا: ما له هَجَر! استفهموه . فقال :
ذروني للذي أنا فيه خير مما تدعونني إليه . فأمرهم بثلاث فقال :
أخرجوا المشركين من جزيرة العرب ، وأجيزوا الوفود كما كنت
أجيزهم. والثالثة نسيها سليمان الأحول)».
أما قوله عليه السلام: (( أقركم ما أقركم الله )) فمعناه : أنه كان
يكره أن يكون بأرض العرب غير المسلمين ؛ لأنه امتحن في استقبال
- ٣٤١ -

القبلة حتى نزل : ﴿ قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة
ترضاها﴾ (١) فامتحن مع بني النضير حين أرادوا الغدر به ، وأن يلقوا
عليه حجرًا ، فأمره الله - تعالى - باجتلائهم وإخراجهم ، وترك سائر
اليهود . وكان لا يتقدم في شيء إلا بوحي الله وكان يرجو أن يحقق
الله رغبته في إبعاده اليهود عن جواره فقال ليهود خيبر : ((أقركم ما
أقركم الله)) منتظر للقضاء فيهم ، فلم يوح إليه في ذلك بشيء إلى أن
حضرته الوفاة، فأوحي إليه فيه فقال: (( لا يبقين دينان بأرض العرب)).
فأوصى بذلك عند موته ، فلما كان في خلافة عمر وعَدَوْا على ابنه
وفدعوه ، فَحَصَ عن قول النبي فيهم ، فأخبر أن نبي الله أوصى عند
موته بإخراجهم من جزيرة العرب . فقال : من كان عنده عهد من
رسول الله فليأت به ، وإلا فإني مجليكم . فأجلاهم .
قال المهلب : وإنما أمر بإخراجهم - والله أعلم - خوف التدليس
منهم ، وأنهم متى ناوؤا عدوّاً قويا صاروا معه كما فعلوا بالنبي يوم
الأحزاب .
قال الطبري : فيه من الفقه أن النبي - عليه السلام - بين لأئمة
(٢/ ٢٠٢٠-ب] المؤمنين / إخراج كل من دان بغير دين الإسلام من كل بلدة
للمسلمين، سواء كانت تلك البلدة من البلاد التي أسلم عليها أهلها أو
من بلاد العنوة إذا لم يكن بالمسلمين ضرورة إليهم ، ولم يكن الإسلام
يومئذ ظَهَر في غير جزيرة العرب ظهور قهر ، فبان بذلك أن سبيل كل
بلدة قهر فيها المسلمون أهل الكفر ، ولم يكن تقدم قبل ذلك من إمام
المسلمين لهم عقد صلح على إقرارهم فيها أن على الإمام إخراجهم
منها، ومنعهم القرار بها ، إلا أن يكون بالمسلمين إليهم ضرورة الإقرار
(١) البقرة : ١٤٤ .
- ٣٤٢ -

مسافراً ومقام ظعن وأكثر ذلك ثلاثة أيام ولياليها ، كالذي فعل الأئمة
الأبرار عمر وغيره ، فإن ظن ظان أن فعل عمر في ذلك إنما هو خاص
بمدينة الرسول ، وسائر جزيرة العرب ؛ لأمره عليه السلام بإخراجهم
منها دون سائر بلاد الإسلام ، وقال [ لو كان ] (١) حكم غير جزيرة
العرب كحكمها في التسوية بين جميعها في إخراج أهل الكفر منها ،
لما كان عمر يُقر النصارى في سواد العراق ، وقد قهرهم الإسلام
وعلاهم ولكان قد أجلى نصارى الشام ويهودها عنها ، وقد غلب
الإسلام على بلادهم ، ولما ترك مجوس فارس في أرضهم ، وقد
غلبهم الإسلام وأهله ، فإن الأمر في ذلك بخلاف ما ظن ، وذلك أن
عمر لم يقر أحدًا من أهل الشرك في أرض قد قهر فيها الإسلام ،
وغلب ولم يتقدم قبل ذلك قهره إياهم منه لهم أو من المؤمنين عقد
صلح على الترك فيها إلا لضرورة المسلمين إلى إقرارهم فيها ، كإقراره
نبط سواد العراق في السواد بعد غلبة المسلمين عليه ، وكإقراره من أقر
من نصارى الشام فيها بعد غلبتهم على أرضها دون حصونها ؛ فإنه
أقرهم للضرورة إليهم في عمارة الأرض ؛ إذ كان المسلمون في الحرب
مشاغيل ، ولو أجلوا عنها لخربت الأرض ، وبقيت بغير عامر .
فكان فعلهم في ذلك نظير فعله عليه السلام وفعل الصديق في يهود
خيبر بعد قهر المسلمين لهم ، عمالا عمارًا ؛ إذ كانت بالمسلمين
ضرورة لعمارة أرضهم ، لاشتغالهم بالحرب في مناوأة الأعداء. ثم أمر
رسول الله بإجلائهم عند استغنائهم عنهم ، وقد كانوا سألوه عند
قهرهم على الأرض إقرارهم فيها عمالا لأهلها فأجابهم إلى إقرارهم
فيها ما أقرهم الله ، وإجلائهم منها إذا رأى ذلك .
(١) لحق، وعليه ((صح)).
- ٣٤٣ -

وأقرهم الصديق على نحو ذلك . فأما إقرارهم مع المسلمين في
مصرٍ لم يكن تقدم في ذلك قبل غلبة المسلمين عليه عقد صلح بينهم.
وبين المسلمين بما لا نعلمه صح به عنه ، ولا عن غيره من أئمة الهدى
خبر ولا قامت بجواز ذلك حجة ، بل الحجة في ذلك عن الأئمة ما
قلناه.
حدثني محمد بن يزيد الرفاعي ، حدثنا محمد بن عبد الرحمن ،
عن قيس بن أبي الربيع ، عن أبان بن تغلب ، عن رجل قال : (( كان
منادي علي ينادي كل يوم : لا يبيتن بالكوفة يهودي ولا نصراني ولا
مجوسي ، الحقوا بالحيرة )).
وحدثنا الرفاعي ، حدثنا ابن فضيل ، عن ليث ، عن طاوس ،
عن ابن عباس قال: (( لا يساكنكم أهل الكتاب في أمصاركم )» قال
[أبو ] (١) هشام الرفاعي : سمعت يحيى بن آدم يقول : هذا عندنا
على كل مصر اختطه المسلمون ولم يكن لأهل الكتاب فنزل عليهم
المسلمون .
قال الطبري : وهذا قول لا معنى له ؛ لأن ابن عباس لم يخصص
بقوله : لا يساكنكم أهل الكتاب مصرًا سكانه المسلمون (٢) دون
غيرهم، بل عم بذلك جميع أمصارهم ، وإن دلالة أمره عليه السلام
بإخراج اليهود من جزيرة العرب ؛ يوضح صحة ما قال ابن عباس وأن
الواجب على الإمام إخراجهم من كل مصر غلب عليه الإسلام ، إذا
لم يكن بالمسلمين إليهم ضرورة ، ولا كانت من بلاد الذمة التي
صولحوا على الإقرار فيها إلحاقًا لحكمه بحكم جزيرة
(١) في ((الأصل)): ابن . وهو خطأ ، وأبو هشام هذا هو محمد بن يزيد الرفاعي
المقدم ذكره .
- ٣٤٤ -

العرب، وذلك أن خيبر لم تكن من البلاد التي اختطها المسلمون ،
وكذلك نجران ، بل كانت لأهل الكتاب ، وهم كانوا عمارها
وسكانها، فأمر رسول الله بإخراجهم منها حين غلب عليها الإسلام ،
ولم يكن بهم / إليهم ضرورة .
[٢ / ق٠٣ ٢-١]
وقد حدثنا أبو كريب [ حدثنا ] (١) جرير ، عن قابوس ، عن أبيه،
عن ابن عباس قال: قال رسول الله: (( لا تصح قبلتان في أرض ))
فإذا صح ما قلناه فالواجب على إمام المسلمين إذا أقر بعض أهل
الكتاب في بعض بلاد المسلمين لحاجتهم إليهم لعمارتها أو غير ذلك ألا
يدعهم في مصرهم معهم أكثر من ثلاث ، وأن يسكنهم خارجًا من
مصرهم كالذي فعل عمر وعلي ، وأن يمنعهم اتخاذ الدور والمساكن
في أمصارهم ، فإن اشترى منهم مشترٍ في مصر من أمصار المسلمين
دارًا ، أو ابتنى به مسكنًا ، فالواجب على إمام المسلمين أخذه ببيعها
عليه ، كما يجب عليه لو اشترى مملوكًا مسلمًا أن يأخذه ببيعه؛ لأنه
ليس للمسلمين إقرار مسلم في ملك كافر ، فكذلك غير جائز إقرار
أرض المسلمين في غير ملكهم .
قال غيره : وكذلك الحكم في الرجل المسلم الفاسق ، إذا شهد
عليه أنه مؤذٍ لجيرانه بالسفه والتسليط ، ويشكي به جيرانه ، وصح ذلك
عند الحاكم ، أن له أن يخرجه من بين أظهرهم ، وإن كان له دار
أكراها ( عليه ) (٢) فإن لم يجد لها مكرِ باعها عليه ، ودفع الأذى عن
جيرانه ، ورأيت لابن القاسم أنه قال في المؤذي : تكرى عليه الدار
ولا تباع ، وسيأتي هذا المعنى في كتاب الأحكام - إن شاء الله .
(١) في ((الأصل)): حديث .
(٢) لحق وبجواره : صح .
- ٣٤٥ -

وقال أبو عبيد : قال الأصمعي : جزيرة العرب ما بين أقصى عدن
إلى ريف العراق في الطول . وأما في العرض من جدة ، وما والاها
من ساحل البحر إلى [ أطوار ] (١) الشام.
وقال إسماعيل بن إسحاق : عقبة تبوك هو الفرق بين جزيرة العرب
وأرض الشام . وقال أبو عبيد : جزيرة العرب ما بين [ حفر ] (٢) أبي
موسى إلى أقصى اليمن في الطول . وأما في العرض فما بين رمل
[يَبْرين](٣) إلى منقطع السماوة .
قال الطبري : وإنما قيل لها : جزيرة العرب ، وهي جزيرة البحر ؛
تعريفًا لها ، وفرقًا بينها وبين سائر الجزائر ، كما قيل : لأَجَاً وسَلْمى
وهما جبلان من نجد : جبلا طيء ؛ تعريفًا لهما بطيء ، وفرقًا بينهما
وبين سائر جبال نجد ، وإنما قيل لها جزيرة ؛ لانقطاع ما كان فائضًا
عليها من ماء البحر ، وأصل الجزر في كلام العرب القطع ، ومنه
سمي الجزار : جزارًا ؛ لقطعه أعضاء البهيمة .
قال المهلب : في حديث ابن عباس أن جوائز الوفود سنة .
باب : إذا غدر المشركون بالمسلمين هل يعفى عنهم
فيه : أبو هريرة : (( لما فتحت خيبر أهديت للنبي شاة فيها سم ، فقال
عليه السلام : اجمعوا لي من كان هاهنا من يهود . فجمعوا له فقال :.
(١) من غريب الحديث لأبي عبيد (٦٧/٢) وفي الفتح (١٩٧/٦) ((أطراف) وجاء
في (( الأصل)): أطراز . وهو تحريف .
(٢) من غريب الحديث الموضع السابق، وفي (( الأصل)): جعد . خطأ .
(٣) من غريب الحديث ومعجم البلدان وغيرها ، وهو بتقديم الياء آخر الحروف على
الموحدة، وفي ((الأصل)) : عكس ذلك . وهو خطأ .
- ٣٤٦ -

إني سائلكم عن شيء فهل أنتم صادقي عنه . فقالوا : نعم . قال لهم
النبي : من أبوكم ؟ قالوا : فلان . قال : كذبتم ، بل أبوكم فلان . قالوا :
صدقت. قال : فهل أنتم صادقي عن شيء إن سألت عنه . فقالوا : نعم
يا أبا القاسم، وإن كذبنا عرفت كذبنا كما عرفت في أبينا . فقال لهم :
من أهل النار ؟ فقالوا : نكون فيها يسيراً ، ثم تخلفوننا فيها . فقال عليه
السلام : اخسئوا فيها ، والله لا نخلفكم فيها أبدًا . ثم قال : هل أنتم
صادقي عن شيء إن سألتكم عنه ؟ قالوا : نعم يا أبا القاسم . قال :
جعلتم في هذه الشاة سمًا ؟ قالوا : نعم. قال : ما حملكم على ذلك ؟
قالوا: أردنا إن كنت كاذبًا نستريح منك ، وإن كنت نبيا لم يضرك)) .
قال المهلب : ويعفى عن المشركين إذا غدروا بشيء يستدرك إصلاحه
وجبره ويعصم الله - تعالى - منه إذا رأى الإمام ذلك ، وإن رأى
عقوبتهم عاقبهم بما يؤدي إليه اجتهاده ، وأما إذا غدروا بالقتل أو بما
لا يستدرك جبره وما لا يعتصم من شره ؛ فلا سبيل إلى العفو ، كما
فعل النبي - عليه السلام - في العرنيين عاقبهم بالقتل ، وإن كان عليه
السلام / قال لعائشة: (( ما زالت أكلة خيبر تعادَّني [فهذا أوان](١) [٢/ ٢٠٣٥ -ب]
قطع أبهري )) لكنه عفا عنهم حين لم يعلم أنه يقضى عليه ؛ لأن الله -
تعالى - دفع عنه ضر السم بعد أن أطلعه على المكيدة فيه بآية معجزة
أظهرها له من كلام الذراع ، ثم عصمه الله من ضره مدة حياته، حتى
إذا دنا أجله بغى عليه السم ، فوجد ألمه وأراد الله له الشهادة بتلك
الأكلة ؛ فلذلك لم يعاقبهم ، وأيضًا فإن اليهود قالوا : أردنا أن نختبر
بذلك نبوّتك وصدقك ، فإن كنت نبيا لم يضرك . فقد يمكن أن
يعذرهم بتأويلهم ، وأيضًا فإنه كان لا ينتقم لنفسه تواضعًا لله ، وكان
(١) في ((الأصل)): عهدًا وإن، والتصويب من النهاية لابن الأثير (١٨/١)
وغيره.
- ٣٤٧ -

لا يقتل أحدًا من المنافقين المناصبين له بالعداوة والغوائل ؛ لأنه كان
على خلق عظيم من الصفح ، والإغضاء والصبر ، وأصل هذا كله أن
الإمام فيه بالخيار إن شاء عفا عنه ، وإن شاء عاقبه .
وفيه : علامات النبوة .
باب : دعاء الإمام على من نكث عهداً
فيه: أنس: (( سئل عن القنوت قبل الركوع ، فقلت (١) : إن فلانا
يزعم أنك قلت بعد الركوع . فقال : كذب. ثم حدث عن النبي أنه قنت
شهراً بعد الركوع يدعو على أحياء من بني سليم، قال : بعث أربعين -
أو سبعين ، شك فيه - من القراء إلى أناس من المشركين ، فعرض لهم
هؤلاء فقتلوهم ، و کان بينهم وبين النبي عهد فما رأيته وجد على أحد ما
وجد علیهم )) .
قال المؤلف : كان النبي لا يدعو بالشر على أحد من الكفار ما دام
يرجو لهم الرجوع والإقلاع عما هم عليه . ألا ترى أنه سئل أن يدعو
على دوس ، فدعا لها بالهدى ، وإنما دعا على بني سليم حين نكثوا
العهد وغدروا ويئس من إنابتهم ورجوعهم عن ضلالتهم ؛ فأجاب الله
دعوته ، وأظهر بذلك صدقه وبرهانه ، وهذه القصة أصل في جواز
الدعاء في الصلاة والخطبة على عدو المسلمين أو [ من ] (٢) خالفهم
ومن نكث عهدًا وشبهه .
(١) القائل هو عاصم الأحول .
(٢) زيادة مني ، كأنها سقطت من الناسخ.
- ٣٤٨ -

باب : أمان النساء وجوارهن
فيه : أبو مرة مولى أم هانئ ، عن أم هانئ بنت أبي طالب قالت :
«ذهبت إلى الرسول عام الفتح ، فوجدته بغتسل وفاطمة ابنته تستره ،
فسلمت عليه ، فقال : من هذه ؟ فقلت : أنا أم هانئ بنت أبي طالب .
فقال : مرحبًا بأم هانئ، فلما فرغ من غسله قام ، فصلى ثمان ركعات
ملتحفًا في ثوب واحد ، فقلت : يا رسول الله زعم ابن أمي أنه قاتل
رجلا قد أجرته ؛ فلان بن هبيرة . فقال رسول الله : قد أجرنا من أجرت
یا أم هانئ ، وذلك ضحى )).
فيه من الفقه : جواز أمان المرأة ، وأن من أمنته حَرُم قتله ، وقد
أجارت زينب بنت رسول الله أبا العاص بن الربيع ، وعلى هذا
جماعة الفقهاء بالحجاز والعراق منهم : مالك ، والثوري ، وأبو
حنيفة ، والأوزاعي ، والشافعي ، وأبو ثور ، وأحمد ، وإسحاق ،
وشذ عبد الملك بن الماجشون وسحنون عن الجماعة فقالوا : أمان المرأة
موقوف علی جواز الإمام ، فإن أجازه جاز وإن رده رُد .
واحتج من أجاز ذلك بأمان أم هانئ ؛ لو كان جائزا على كل حال
دون إذن الإمام ، ما كان علي يريد قتل من لا يجوز قتله لأمان من
يجوز أمانه ، ولقال لها رسول الله : قد أمنت أنت وغيرك ، فلا يحل
قتله، فلما قال لها عليه السلام: ((قد أجرنا من أجرت)) . كان
ذلك دليلا على أن أمان المرأة موقوف على إجازة الإمام أو رده .
واحتج الآخرون بأن عليا وغيره لا يعلم إلا ما علمه الرسول - عليه
السلام - وأن إرادته لقتل ابن هبيرة كان قبل أن يعلم قوله عليه
السلام: (( ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم)). ولما / وجدنا هذا [٢/ف٢٠٤-١]
الحديث من رواية عليّ بن أبي طالب ، ثبت ما قلناه ، وكان من
المحال أن يعلم علي هذا من النبي ويرويه عنه ، ثم يريد قتل من
- ٣٤٩ -

أجارته أخته ، وعلى هذا القول يكون تأويل قوله : (( قد أجرنا من
أجرت))، أي : في سنتنا وحكمنا إجارة من أجرت أنت ومثلك،
والدليل على صحة هذا التأويل قوله عليه السلام: ((المسلمون تتكافأ
دماؤهم ، ويسعى بذمتهم أدناهم )» . والمرأة من أدناهم ، وقد ذكر
إسماعيل بن إسحاق من حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن
جده أن الرسول خطب بها عام الفتح على درجات الكعبة ، وقال :
(يد المسلمين واحدة على من سواهم)).
باب : ذمة المسلمين وجوارهم واحدة
یسعی بها أدناهم
فيه : علي قال: (( ما عندنا كتاب نقرؤه إلا كتاب الله ، وما في هذه
الصحيفة ، قال : فيها الجراحات ... إلى قوله : وذمة المسلمين واحدة ،
فمن أخفر مسلمًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين )) .
قال المهلب: معنى قوله: (( ذمة المسلمين واحدة)) أي : من
انعقدت عليه ذمة من طائفة من المسلمين أن الواجب مراعاتها من
جماعتهم إذا كان يجمعهم إمام واحد ، فإن اختلفت الأئمة والسلاطين.
فالذمة لكل سلطان لازمة لأهل عمله ، وغير لازمة للخارجين عن
طاعته ؛ لأن النبي إنما قال ذلك في وقت إجماعهم في طاعته ، ويدل
على ذلك حديث أبي بصير ، حين كان شارط النبيّ - عليه السلام -
أهل مكة وقاضاهم على المهادنة بينهم وبين المسلمين ، فلما خرج أبو
بصير من طاعة النبي وامتنع ، لم تلزم النبي ذمته ، ولا طولب برد
جنايته ، ولا لزمه غرم ما انتهكه من المال .
وقال ابن المنذر في قوله عليه السلام : (( يسعى بها أدناهم )) قال :
- ٣٥٠ -

الذمة : الأمان ، يقول : إن كل من أمَّن أحدًا من الحربيين جاز أمانه
على جميع المسلمين دَنِيا كان أو شريفًا ، حرا كان أو عبدًا ، رجلا أو
امرأة ، وليس لهم أن يخفروه . واتفق مالك والثوري والأوزاعي
والليث والشافعي وأبو ثور على جواز أمان العبد قاتل أو لم يقاتل،
واحتجوا بقوله عليه السلام : (( يسعى بذمتهم أدناهم)) . وقال أبو
حنيفة وأبو يوسف : لا يجوز أمان العبد إلا أن يقاتل . وقولهما
خلاف مفهوم الحديث .
وأجاز مالك أمان الصبي إذا عقل الإسلام ، ومنع ذلك أبو حنيفة
والشافعي وجمهور الفقهاء ، واحتج الشافعي بأن الصبي لا يصح
عقده ؛ فكذلك أمانه ، والحجة لمالك عموم قوله عليه السلام : ((يجير
على المسلمين أدناهم)) فدخل في ذلك الصبي وغيره، وأيضًا فإن
أحكام الصبي تطوع ، وهو ممن يصح منه التطوع ، ويفرض له سهمه
إذا قاتل ، وإنما الأمان مما اختص به من له حرمة الإسلام، فجعل
لأدناهم كما جعل لأعلاهم ، وعلى أن الصبي والعبد أحسن حالا من
المرأة ، لأنها ليست من جيش من يقاتل .
قال المهلب: وقوله ((فمن أخفر مسلمًا)) يعني: [ فيمن] (١)
أجاره فعليه لعنة الله والملائكة . وهذا اللعن وسائر لعن المسلمين إنما
هو متوجه إلى الإغلاظ والترهيب لهم عن المعاصي ، والإيعاد لهم من
قَبْل مواقعتها، فإذا وقعوا فيها دعي لهم بالتوبة، يبين هذا حديث النعمان.
وقوله : (( لا يقبل منه صرف ولا عدل )) يعني : في هذه الجناية أي
لا كفارة لها ؛ لأنه لم يشرع فيها كفارة فهي إلى أمر الله إن شاء عذب
فيها وإن شاء غفرها - على مذهب أهل السنة في الوعيد .
(١) في ((الأصل)): فمن . والمثبت هو الأنسب للسياق.
- ٣٥١ -

باب : إذا قالوا صبأنا ولم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا
وقال ابن عمر: ((فجعل خالد يقتل ، فقال النبي - عليه السلام - :
أبرأ إليك مما صنع خالد )) .
وقال عمر: ((إذا قال : مترس ، فقد آمنه ، إن الله يعلم الألسنة كلها ،
أُو قال : تكلم ۔ لا بأس )) .
قال المؤلف : غرض البخاري في هذا الباب نحو ما تقدم فيمن
تكلم بالفارسية والرطانة ، وقوله تعالى : ﴿ واختلاف ألسنتكم
وألوانكم﴾ (١) فذكر فيه عن النبي - عليه السلام - أنه تكلم بألفاظ
الفارسية ، وكانت متعارفة عندهم ، خاطب بها أصحابه ، وفهموها
عنه .
فالمراد من هذين البابين أن العجم إذا قالوا : صبأنا ، وأرادوا بذلك
الإسلام فقد حقنوا دماءهم ووجب لهم الأمان ؛ ألا ترى قول عمر :
(( إذا قال : مترس ، فقد آمنه ، إن الله يعلم الألسنة كلها )) فسواء
خاطبنا العجم بلغتهم ، أو خاطبناهم بها على معنى الأمان ؛ فقد لزم
الأمان وحرم القتل . ولا خلاف بين العلماء أن من أمَّن حربيا بأي
كلام يفهم به الأمان ، فقد تم له الأمان وأكثرهم يجعلون الإشارة
بالأمان أمانًا ، وهو قول مالك والشافعي وجماعة .
قال المهلب : ولم يفهم خالد من قوله : (( صبأنا )) أنهم يريدون به
أسلمنا ، ولكن حمل اللفظة على ظاهرها ، وتأولها أنها في معنى
الكفر؛ فلذلك قتلهم ، ثم تبين أنهم أرادوا بها أسلمنا فجهلوا فقالوا:
صبأنا . وإنما قالوا ذلك ؛ لأن قريشًا كانت تقول لمن أسلم مع النبي :
(١) الروم : ٢٢ .
- ٣٥٢ -

صبأ فلان حتى صارت هذه اللفظة معروفة عند الكفار وعادة جارية،
فقالها هؤلاء القوم ، فتأولها خالد على وجهها ، فعذره النبي بتأويله،
ولم يُقِدْ منه ، وسيأتي اختلاف العلماء في الحاكم إذا أخطأ في اجتهاده
[ فقتل ] (١) من لم يجب عليه القتل ، عَلَى من ضمان ذلك ؟ في
كتاب الأحكام في باب : إذا قضى القاضي بجور أو خلاف أهل العلم
فهو مردود - إن شاء الله .
وأما قول عمر فذكره مالك في الموطأ أن عمر بن الخطاب كتب إلى
عامل جيش : (( بلغني أن رجالا منكم يطلبون العلج حتى إذا اشتد في
الجبل وامتنع قال رجل : مترس . يقول : لا تخف ، فإذا أدركه قتله،
والذي نفسي بيده ، لا أعلم أحدًا فعل ذلك إلا ضربت عنقه)).
قال مالك : وليس على هذا العمل . قال المؤلف : يعني في قتل
المسلم بالكافر ، وعليه العمل في جواز التأمين .
وأما قول عمر : أو قال: تكلم . لا بأس . فإنه يعنى قول عمر :
للهرمزان تكلم . لا بأس فكان ذلك له عهدًا وتأمينًا .
ذكر ابن أبي شيبة ، حدثنا مروان بن معاوية ، عن حميد ، عن
أنس قال: (( حاصرنا تستر فنزل الهرمزان على حكم عمر فبعث به أبو
موسى ، فلما قدمنا على عمر سكت الهرمزان فلم يتكلم ، فقال
عمر: تكلم . فقال : كلام حي أو كلام ميت ؟ فقال عمر تكلم فلا
بأس . قال : إنا وإياكم معشر العرب - ما خلا الله بيننا - كنا نقتلكم
و[نغصبكم] (٢)، فأما إذا كان معكم فلم يكن لنا بكم يدان، فقال
عمر : نقتله يا أنس ؟ قلت : يا أمير المؤمنين ، تركت خلفي
(١) في ((الأصل)): فقيل . وهو خطأ.
(٢) من سنن البيهقي (٩٦/٩) وغيره، وفي ((الأصل)): نعصيكم. وهو تصحيف .
- ٣٥٣ -

شوكة شديدة وعدوًا كثيرًا، إن قتلته يئس [ القوم ] (١) من الحياة،
وكان أشد لشوكتهم ، وإن استحييته طمع القوم . فقال : يا أنس ،
أَسْتَحْبِي [ قاتلَ](٢) البراء بن مالك ومجزأة بن ثور؟ فلما خشيت
أن ينبسط عليه قلت له : ليس لك إلى قتله سبيل ، فقال : أعطاك
شيئًا ؟ قلت: ما فعلت ، ولكنك قلت له : تكلم فلا بأس ، قال :
لتجيئنَّ بمن يشهد معك وإلا بدأت بعقوبتك ؟ فخرجت من عنده ، فإذا
أنا بابن الزبير بن العوام قد حفظ ما حفظت ، فشهد عنده فتركه ،
وأسلم الهرمزان وفرض له » .
*
باب : الموادعة والمصالحة مع المشركين بالمال وغيره
وفضل الوفاء بالعهد وإثم من لم يف به
فيه : سهل بن أبي حثمة: (( انطلق عبد الله بن سهل ومحيصة بن مسعود
إلی خیپر وهي یومئذ صلح ، فتفرقا فأنی محیصة إلی عبد الله بن سهل
وهو يتشحط في دمه قتيلا ، فدفنه ثم قدم المدينة فانطلق [عبدالرحمن](٣)
[٥/٢ ٢٠٥-١) ابن / سهل ومحيصة وحويصة ابنا مسعود إلى النبي عليه السلام ؛
فذهب عبد الرحمن يتكلم فقال : كبر كبر - وهو أحدث القوم -
فسكت فتكلما ، فقال : أتحلفون وتستحقون دم قتيلكم أو صاحبكم؟
قالوا : وكيف نحلف ولم نشهد ولم نر ؟ قال : [ فتبرئكم] (٤) يهود
(١) في (( الأصل)): العزم . وهو خطأ.
(٢) من سنن البيهقي (٩٨/٩) وغيره، وفي (( الأصل)): قال. وهو تحريف.
(٣) من الصحيح المطبوع ، وفي ((الأصل)): عبد الله . وهو وهم ، وسيأتي قريبًا
على الصواب .
(٤) من الصحيح المطبوع، وفي ((الأصل)) : تديكم . وهو تحريف .
- ٣٥٤ -

بخمسين يمينًا . فقالوا : كيف نأخذ أيمان قوم كفار ؟ فعقله النبي - عليه
السلام - من عنده )) .
قال المهلب : لا بأس بالموادعة والمصالحة للمشركين بالمال إذا كان
ذلك بمعنى الاستئلاف للكفار ، لا إذا كانت الجزية لأنها ذلة وصغار ،
وقد قال تعالى: ﴿ولا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون﴾ (١)
وإنما وَدَاهُ النبي من عنده استئلافًا لليهود وطمعًا منه في دخولهم
الإسلام، وليستكف بذلك شرهم عن نفسه ، وعن المسلمين مع
إشكال القضية بإبائة أولياء القتيل من اليمين وإبائتهم أيضًا من قبول
أيمان اليهود ، فكان الحكم أن يكون مطلولا ، ولكن أراد عليه السلام
أن يوادع اليهود بالغرم عنهم ؛ لأن الدليل كان متوجهًا إلى اليهود في
القتل لعبد الله ، وأراد أن يذهب ما بنفوس أوليائه من العداوة لليهود،
بأن غرم لهم الدية ؛ إذ كان في العرب جاريًا أن من أخذ دية قتيله فقد
انتصف .
وذكر الوليد بن مسلم قال : سألت الأوزاعي عن موادعة إمام
المسلمين أهل الحرب على فدية أو هدنة يؤديها المسلمون إليهم فقال :
لا يصلح ذلك إلا عن ضرورة وشغل من المسلمين عن حربهم من قتال
عدوهم ، أو فتنة ( سلمت ) (٢) المسلمين ، فإذا كان ذلك(٣) وذكرت
ذلك لسعيد بن عبد العزيز فقال : قد صالحهم معاوية أيام صفين ،
وصالحهم عبد الملك بن مروان لشغله بقتال ابن الزبير ، يؤدي عبد الملك
إلى طاغية الروم في كل يوم ألف دينار ، وإلى (تراجمة)(٢) الروم
وأنباط الشام في كل جمعة ألف دينار .
(١) محمد : ٣٥ .
(٢) هكذا في (( الأصل)).
(٣) كذا ، وكأن هنا سقطًا .
- ٣٥٥ -

وقال الشافعي : لا يعطيهم المسلمون شيئًا بحال ، إلا أن يخافوا أن
يصطلحوا لكثرة العدد ؛ لأنه من معاني الضرورات ، أو يؤسر مسلم
فلا يُخَلَّى إلا بفدية ، فلا بأس به ؛ لأن رسول الله قد فدا رجلا
برجلين .
قال المؤلف : ولم أجد لمالك وأصحابه ولا للكوفيين نصا في هذه
المسألة ، وقال الأوزاعي : لا بأس أن يصالحهم الإمام على غير خراج
يؤدونه إليه ، ولا فدية إذا كان ذلك نظرًا للمسلمين وإبقاءً عليهم ، وقد
صالح رسول الله قريشًا عام الحديبية على غير خراج أدته قريش إلى
رسول الله ولا فدية
باب : فضل الوفاء بالعهد
فيه : ابن عباس (( أن أبا سفيان أخبره أن هرقل أرسل إليه في ركب من
قريش كانوا تجاراً بالشام ، في المدة التي مادّ فيها النبي أبا سفيان في كفار
قریش )).
قال المؤلف : قد جاء فضل الوفاء بالعهد وذم الختر في غير موضع
في الكتاب والسنة، وإنما أشار البخاري في هذا الحديث إلى سؤال
هرقل لأبي سفيان : هل يغدر ؟ إذا كان الغدر عند كل أمة مذمومًا
قبيحًا ، وليس هو من صفات رسل الله ، فأراد أن يمتحن بذلك صدق
النبي؛ لأن من غدر ولم يف بعهد لا يجوز أن يكون نبيًا ؛ لأن الأنبياء
والرسل - عليهم السلام - أخبرت عن الله بفضل من وفى بعهد وذم
من غدر وختر. ألا ترى قوله عليه السلام في صفة المنافق: ((إذا حدث
كذب، وإذا عاهد غدر)) وقال عليه السلام: (( يرفع للغادر لواء يوم
- ٣٥٦ -

القيامة ، فيقال : هذه غدرة فلان)) وهذه مبالغة في العقوبة وشدة
الشهرة والفضيحة .
باب : ما يحذر من الغدر وقوله تعالى :
وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله ﴾ الآية (١)
فيه: عوف بن مالك /: (( أتيت النبي - عليه السلام - في غزوة (٥/٢ ٢٠٥ -ب)
تبوك، وهو في قبة من أدم ، فقال : اعدد ستا بين يدي الساعة ، موني ،
ثم فتح بيت المقدس ، ثم موتان تأخذ فيكم كقعاص الغنم ، ثم
استفاضة المال حتى يعطى الرجل مائة دينار فيظل ساخطًا ، ثم فتنة
لا يبقى في العرب بيت إلا دخلته ، ثم هدنة تكون بينكم وبين بني
الأصفر، فيغدرون فيأتونكم تحت ثمانين غاية ، تحت كل غاية اثنا عشر
ألفًا )).
قال المهلب : في هذا الحديث علامات النبوة ، وأن الغدر من
أشراط الساعة ، وفي الآية دليل أن الرسول معصوم من مكر الخديعة
طول أيامه ، وليس ذلك لغيره عليه السلام ؛ لأن الله قال : ﴿والله
يعصمك من الناس ﴾ (٢) وأجمع المسلمون أنه معصوم في الرسالة،
وقد عُصم من مكر الناس وغدرهم له .
وقوله: (( كقعاص الغنم)) قال صاحب العين: ((القعاص)): هو
داء يأخذ الدواب ، فيسيل من أنوفها شيء ، وقد قعصت الدابة .
والغاية هاهنا : الراية ؛ لأنها غاية المتبع ، إذا وقفت وقف ، وإذا
(١) الأنفال : ٦٢ .
(٢) المائدة : ٦٧ .
- ٣٥٧ -

مشت تبعها . وهذه العلامات التي أنذر عليه السلام بها قد ظهر كثير
منها ، والفتنة لم تزل من زمن عثمان - عصمنا الله من مضلات الفتن
ما ظهر منها وما بطن - وقد دعا علیه السلام ألا يجعل بأس أمته بينهم
فمنعها ، فلم يزل الهرج إلى يوم القيامة .
باب : هل يعفى عن الذمي إذا سحر
وسئل ابن شهاب أعلى من سحر من أهل العهد قتل ؟ قال : بلغنا أن
النبي - عليه السلام - صنع له ذلك فلم يقتل من صنعه وكان من
أهل الكتاب
م
فیه: عائشة: ( أن النبي - عليه السلام - سحر حتی کان یخیل إليه أنه
صنع الشيء ولم يصنعه )» .
قال المؤلف : لا يقتل ساحر أهل الكتاب عند مالك ؛ لقول ابن
شهاب ، ولكن يعاقب إلا أن يقتل بسحره ؛ فيُقتل ، أو يحدث حدثًّا؛
فيأخذ منه بقدر ذلك ، وهو قول أبي حنيفة والشافعي . وروى ابن
وهب وابن القاسم عن مالك: أيضًا أنه لا يقتل ساحر أهل العهد إلا أن
يُدخل بسحره ضررًا على مسلم لم يعاهد عليه ، فإذا فعلوا ذلك ،
فقد نقضوا العهد ؛ يحل بذلك قتلهم .
وعلى هذا القول لا حجة لابن شهاب في أن النبي - عليه السلام-
لم يقتل اليهودي الذي سحره ؛ لوجوه ، منها أنه قد ثبت عن
الرسول أنه كان لا ينتقم لنفسه ، ولو عاقبه لكان حاكمًا لنفسه .
قال المهلب : وأيضًا فإن ذلك السحر لم يضره عليه السلام ؛ لأنه
لم يُفقده شيئًا من الوحي ، ولا دخلت عليه داخلة في الشريعة ، وإنما
- ٣٥٨ -

اعتراه شيء من التخيل والتوهم ، ثم لم يتركه الله على ذلك ، بل
تداركه ثم عصمه وأعلمه بموضع السحر ، وأمره باستخراجه وحله
عنه، فعصمه الله من الناس ومن شرهم ، كما وعده ، وكما دفع عنه
أيضًا ضر السَّم بعد أن أطلعه الله على المكيدة فيه ، بأنه أظهرها إليه
معجزة من كلام الذراع .
وقد اعترض بعض الملحدين بحديث عائشة ، وقالوا : وكيف يجوز
السحر على النبي ، والسحر كفر وعمل من أعمال الشياطين ، فكيف
يصل ضره إلى النبي مع حياطة الله له وتسديده إياه بملائكته ، وصون
الوحي من الشياطين ؟
وهذا اعتراض يدل على جهل وغباوة من قائله وعناد للقرآن ؛ لأن
الله قال لرسوله : ﴿قل أعوذ برب الفلق﴾ إلى قوله: ﴿ومن شر
النفاثات في العقد ﴾ (١) والنفاثات: السواحر ينفثن في العقد كما
ينفث الراقي في الرقية ، فإن كانوا أنكروا ذلك ؛ لأن الله لا يجعل
للشياطين سبيلا على النبي ، فقد قال تعالى : ﴿وما أرسلنا من رسول
ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته ﴾ (٢) يريد إذا تلا ألقى
الشيطان .
وقد روي عن النبي - عليه السلام - أن عفريتًا تغلب عليه ليلة
ليقطع عليه الصلاة حتى هم أن يربطه إلى سارية من سواري المسجد ،
فذكر قول سليمان: ﴿رب اغفر لي وهب لي / ملكًا لا ينبغي لأحد من [٢/ ٦٥ ٢٠-١]
بعدي﴾(٣) فرده خاسئًا . وليس في جواز ذلك على النبي ما يدلّ أن
ذلك يلزمه أبدًا ، أو يدخل معه عليه داخلة في شيء من حاله أو
شريعته ، وإنما ناله من ضر السحر ما ينال المريض من ضر الحمى
والبرسام من غير سحر ، من الضعف عن الكلام ، وسوء التخيل ،
(١) سورة الفلق .
(٣) ص : ٣٥.
(٢) الحج : ٥٢
- ٣٥٩ -

--
ثم زال ذلك عنه ، وأفاق منه ، وأبطل الله كيد السحرة ، وقد أجمع
المسلمون أنه معصوم في الرسالة فسقط اعتراض الملحدة .
:
باب : كيف ينبذ إلى أهل العهد
وقول الله: ﴿ وإما تخافن من قوم خيانة ... ﴾ الآية (١)
فيه : أبو هريرة « بعثني أبو بكر فيمن يؤذِّن يوم النحر بمنى : ألا لا يحج
بعد العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان ، ويوم الحج الأكبر يوم
النحر، وإنما قيل: (( الأكبر)) من أجل قول الناس ((الحج الأصغر)).
فنبذ أبو بكر إلى الناس في ذلك العام، فلم يحج عام حجة الوداع الذي
حج فيها النبي - عليه السلام - مشرك)).
أجمع العلماء أن للإمام أن يبدأ من يخاف خيانته وغدره بالحرب
بعد أن يعلمه ذلك ، وقيل : إن هذه الآية نزلت في قريظة ؛ لأنهم
ظاهروا المشركين على حرب رسول الله ونقضوا العهد .
وقال الكسائي وغيره في قوله : ﴿على سواء﴾ (١) السواء:
العدل، وروي عن ابن عباس قال السواء : المثل ، وقيل : انبذه إليهم
على سواء . أي : أعلمهم أنك حاربتهم حتى يصيروا مثلك في العلم.
قال المهلب : وإنما خشي الرسول من المشركين عند الطواف بالبيت
خيانتهم ولم يأمن من مكرهم ، فأراد تعالى أن يطهر البيت من
نجاستهم بقوله : ﴿ إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد
عامهم هذا﴾ (٢) وأراد تنظيف البيت ممن كان يطوف عريانًا ، وفي هذا
(١) الأنفال : ٥٨ .
(٢) التوبة: ٢٨.
- ٣٦٠ -