Indexed OCR Text
Pages 321-340
أنه سيؤثر عليهم ، والمؤثر يجب أن يكون من غيرهم ؛ ألا ترى قوله: (( فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله )) فعرفهم أن ذلك حالهم إلى انقضاء الزمان . وفي حديث جبير استعمال حسن الأخلاق والحلم لجهل الناس والأعراب وقلة ردهم بالخيبة . وفيه : سنة الأمراء أن يسكتوا عن رد السائل ، ويتركوه تحت الرجاء ولا يؤيسوه ويوحشوه . وفيه : مدح الرجل نفسه إذا ألحف عليه في المسألة في المال والعلم وغيره . وفيه : أن النبي - عليه السلام - مدح نفسه بالجود العظيم ، ووصف نفسه بالشجاعة والبأس الذي بسببه كانت الأعراب تسأله ، ووصف نفسه بالصدق فيما يَعِدُ بِه من العطايا . وفيه : أنه من أخلف وعد الله جاز أن يسمى : كاذبًا ، وقد قال تعالى: ﴿ إنه كان صادق الوعد﴾ (١) . وقال ابن المنذر : في حديث جبير دليل على أن الإمام بالخيار إن شاء قسّم الغنائم بين أهلها قبل أن يرجع إلى بلاد الإسلام ، وإن شاء أَخَّر ذلك ، على قدر فراغه وشغله إلى وقت خروجه ، وعلى قدر ما يرى من الصلاح فيه . وقال المهلب : في حديث الذي جبذ النبي معنى ما تقدم من صبر السلاطين والعلماء لجهال السؤال واستعمال الحلم لهم ، والصبر على أذاهم في المال والنفس . (١) مريم : ٥٤ . - ٣٢١ - وفي حديث ابن مسعود الأثرة في القسمة نصا . وفيه : الإعراض عن الأذى إذا لم يعين قائلوه ، والتأسي بما تقدم من الفُضَلاء في الصبر والحلم . وفي حديث أسماء : عون المرأة للرجل فيما يمتهن فيه الرجل ، وذلك من باب التطوع منها وليس بواجب عليها ، وسيأتي في كتاب النكاح ما يلزم المرأة من خدمة واختلاف العلماء في ذلك عند ذكر هذا الحديث - إن شاء الله . وأما قوله : (( إن النبي - عليه السلام - أقطع الزبير أرضًا من بني النضير)) فليست من جملة الخمس ؛ لأن النبي - عليه السلام - أجلى بني النضير حين أرادوا الغدر به وقتله ( ) (١) كانت فيما لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب ؛ فخمس منها رسول الله في نوائبه وقسم أكثرها في المهاجرين خاصة ، فلم يجر (٢) فيها خمس . وأما خيبر فإن ابن شهاب قال : بعضها كان عنوة ، وبعضها كان صلحًا، وما كان عنوة فجرى فيه الخمس . فأما قوله : ((وكانت الأرض لما ظهر عليها لليهود وللرسول وللمسلمين)) فقد اختلفت الرواية في ذلك ، فروى ابن السكن عن الفربري : ((وكانت الأرض لما ظهر عليها لله وللرسول وللمسلمين». وقال أبو عبد الله بن أبي صفرة : بل الصواب لليهود ، وهو الصحيح. وكذلك روى البيهقي عن الفربري . وقوله: (( لما ظهر عليها)) أي: لما ظهر عليها بفتح أكثرها ومعظمها قبل أن يسأله اليهود أن يصالحوه بأن ينزلوا ويعطوه الأرض ، ويسلمهم (١) كلمة مضروب عليها : . (٣) في (( الأصل)): يجد . وهو خطأ . - ٣٢٢ - في أنفسهم فكانت لليهود ، فلما صالحهم على أن يسلموا له الأرض، كانت الأرض لله ولرسوله ، يريد هذه الأرض التي صالحه اليهود بها وخمس الأرض التي كان أخذها عنوة ، وللمسلمين الأربعة الأخماس من العنوة ، ولم يكن لليهود فيها شيء ؛ لخروجهم عنها بالصلح ، والدليل على ذلك أن عمر لما أخرجهم إنّما أعطاهم قيمة الثمرة لا قيمة الأصول ، فصح أنهم كانوا مساقين فيها بعد أن صولحوا على أنفسهم وبالله التوفيق . باب : ما يصيب من الطعام في أرض الحرب فيه : ابن مغفل قال : (( كنا محاصرين قصر خيبر فرمى إنسان بجراب فيه شحم فنزوت الآخذه فالتفت فإذا النبي فاستحييت منه )) . وفيه ابن عمر قال: « كنا نصيب في مغازينا العسل والعنب فتأكل منه ولا نرفعه » . وفيه : ابن أبي أوفى قال : (( أصابتنا مجاعة ليالي خيبر ، فلما كان يوم خيبر وقعنا في الحمر الأهلية فانتحرناها ، فلما غلت القدور نادى منادي رسول الله أن أكفئوا القدور ولا تأكلوا من لحوم / الحمر شيئًا. قال [١٩٩٥/٢-) عبدالله : فقلنا : إنما نهى النبي - عليه السلام - عنها ؛ لأنها لم تخمس . وقال آخرون : حرمها البتة . وسألت ابن جبير فقال : حرمها البتة )) . جمهور العلماء متفقون على أنه لا بأس بأكل الطعام والعلف في دار الحرب بغير إذن الإمام ، ولا بأس بذبح الإبل والبقر والغنم قبل أن يقع في المقاسم . هذا قول مالك والكوفيين والليث والأوزاعي والشافعي وأحمد . قال مالك : ولو أن ذلك لا يؤكل حتى يقسم فيهم أضر ذلك بهم . قال : وإنما يأكلون ذلك على وجه المعروف - ٣٢٣ - والحاجة ، ولا يدخر أحد منهم شيئًا يرجع به إلى أهله ، وقد احتج الفقهاء في هذا بحديث ابن مغفل في قصة الجراب ، وقالوا : ألا ترى أن النبي لم ينكر عليه ، وقد ورد في بعض طرق حديث ابن مغفل قال: (( فالتفتُ فإذا النبي - عليه السلام - يتبسم إليّ )) وشذ الزهري في هذا الباب ، فقال : لا يجوز أخذ الطعام في دار الحرب إلا بإذن الإمام . وأظنه رأي الخلفاء والأمراء كانوا يأذنون لهم في ذلك، وهذا لا حجة فيه ؛ لأن ما أذنوا فيه مرة علمت فيه الإباحة ؛ لأنهم لا يأذنون في استباحة غير المباح . وقول ابن عمر : (( كنا نصيب في مغازينا العنب والعسل فنأكله ولا نرفعه)) هو كالإجماع من الصحابة . قال المهلب : وحديث ابن أبي أوفى حجة في ذلك أيضًا ، وأن العادة كانت عندهم في المغازي انطلاق أيديهم على المطاعم والمستلحمات، ولولا ذلك ما تقدموا إلى شيء إلا بأمر الرسول . وسيأتي ما للعلماء في تحريم لحوم الحمر في كتاب الذبائح - إن شاء الله. وكره جمهور العلماء أن يخرج شيئًا من الطعام إلى دار الإسلام إذا كانت له قيمة ، وكان للناس فيه رغبة ، وحكموا فيه بحكم الغنيمة فإن أخرجه رده في المقاسم إن أمكنه وإلا باعه وتصدق بثمنه . قال مالك : وإن كان يسيرًا أكله . وقال الأوزاعي : ما أخرجه إلى دار الإسلام فهو له أيضًا .. قال ابن المنذر : وليس لأحد أن ينال من أموال العدو شيئًا سوى الطعام للأكل والعلف للدواب ، وكل مختلف فيه بعد ذلك من ثمن طعام أو فضلة طعام يقدم به إلى أهله أو جراب أو حبل أو غير ذلك - ٣٢٤ - مردود إلى قوله عليه السلام: ((أدوا الخائط والمخيط)) . وإلى قوله : (( شراك أو شراكان من نار )) . وقال الطحاوي : وقد حدثنا سليمان بن شعيب ، عن أبيه ، عن أبي يوسف ، عن أبي إسحاق الشيباني ، عن محمد بن أبي المجالد ، عن عبد الله بن أبي أوفى قال : (( كنا مع رسول الله بخيبر يأتي أحدنا إلى الطعام من الغنيمة ، فيأخذ منه حاجته )) . قال : وقد خالف هذا حديث آخر رواه ابن وهب ، عن ابن لهيعة، عن جعفر بن [ ربيعة ] (١) عن أبي (٢) مرزوق التجيبي، عن حنش بن عبد الله، عن رويفع بن ثابت ، عن النبي - عليه السلام - أنه قال عام خيبر: (( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يأخذ دابة من المغنم فيركبها حتى إذا أنقصها ردها في المغانم ، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يلبس ثوبًا من المغانم حتى إذا أخلقه رده في المغانم )) . وذهب قوم - منهم الأوزاعي - إلى أنه لا بأس أن يأخذ الرجل السلاح من الغنيمة فيقاتل به في معمعة القتال ما كان إلى ذلك محتاجًا، ولا ينتظر برده الفراغ من الحرب ، فيعرضه للهلاك وانكساد الثمن في طول مكثه في دار الحرب . واحتجوا بهذا الحديث، وخالفهم آخرون منهم أبو حنيفة ، فقالوا : لا بأس أن يأخذ السلاح من الغنيمة إذا احتاج إليه بغير إذن الإمام ، فيقاتل به حتى يفرغ من الحرب فيرده في المغنم. (١) من شرح المعاني (٢٥١/٣) وهو جعفر بن ربيعة بن شرحبيل بن حسنة الكندي، أبو شرحبيل المصري مات سنة (١٣٦ هـ) له ترجمة في تهذيب الكمال للمزي (٢٩/٥)، وجاء في ((الأصل)): جعفر بن شعبة. وهو خطأ. (٢) هو أبو مرزوق التجيبي المصري اسمه : حبيب بن الشهيد - على الأشهر - كما في تهذيب الكمال (٢٧٤/٣٤) ووقع في شرح المعاني: ابن مرزوق. وهو خطأ . - ٣٢٥ - وقال أبو يوسف : ولحديث رسول الله معنى لا يفهمه إلا من أعانه الله عليه ، ومعنى الحديث عندنا : على من يفعل ذلك وهو عنه غني يبقي بذلك دابته أو ثوبه أو يأخذه يريد به الخيانة ، فأما رجل مسلم في دار الحرب ليس له دابة ، وليس مع المسلمين فضل يحملونه إلا دواب الغنيمة ، ولا يقدر على المشي ، فلا يحل للمسلمين تركه ، ولا بأس أن يركب شاءوا أو كرهوا ، وكذلك الحال في الثياب والسلاح . [٢/ ق١٩٩-ب] / ألا ترى أن قومًا من المسلمين لو تكسرت سيوفهم أو ذهبت ، ولهم غنى عن المسلمين أنه لا بأس أن يأخذوا سيوفًا من الغنيمة ، فيقاتلوا بها ما داموا في دار الحرب ؟ أرأيت إن لم يحتاجوا إليها في معمعة القتال ، واحتاجوا إليها بعد ذلك بيومين أغار عليهم العدو يقومون في وجوههم بغير سلاح [ أيستأسرون ] (١)؟! هذا الرأي فيه توهين لمكيدة المسلمين، فكيف يحل هذا في المعمعة ويحرم بعد ذلك ؟ وحديث ابن أبي أوفى يبين أنه إذا كان الطعام لا بأس بأخذه وأكله واستهلاكه لحاجة المسلمين إليه ، كذلك لا بأس بأخذ الدواب والثياب واستعمالها للحاجة إليها حتى يكون الذي أريد من حديث ابن أبي أوفى غير الذي أريد من حديث رويفع حتى لا تتضاد ، وهذا قول أبي. يوسف ومحمد وبه نأخذ ، قاله الطحاوي . ٠٠ (١) من شرح المعاني (٢٥٢/٣) وهو المناسب للسياق وفي ((الأصل)): أيستأمرون. - ٣٢٦ - كتاب الجزية باب : الجزية والموادعة مع أهل الذمة والحرب وقوله تعالى : ﴿ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ... ﴾ إلى قوله : ﴿صاغرون﴾ (١) وما [جاء] (٢) في أخذ الجزية من اليهود والنصارى والمجوس والعجم وقال ابن [ عيينة ] (٣) عن ابن أبي نجيح ( قلت ) (٤) لمجاهد: ما شأن أهل الشام عليهم أربعة دنانير ، وأهل اليمن عليهم دينار . قال : جُعل ذلك من قبل اليسار . فيه : جابر بن زيد ، عن بَحَالة قال : كنت كاتبا (٥) لجزيء بن معاوية عم الأحنف ، فأتانا كتاب عمر بن الخطاب قبل موته بسنة : فَرِّقُوا بین كل ذي محرم من المجوس ولم يكن عمر أخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله أخذها من مجوس هجر )) . وفيه : عمرو بن عوف: (( أن النبي - عليه السلام - بعث أبا عبيدة إلى البحرين ، فأتى بجزيتها ، وكان رسول الله هو صالح البحرين ، وأمَّر عليهم العلاء بن الحضرمي ، فقدم أبو عبيدة بمال من البحرين ، فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة في وقت صلاة الصبح مع النبي - عليه السلام- فلما صلى بهم الفجر انصرف يتعرضون له ؛ فتبسم رسول الله (١) التوبة : ٢٩ . (٢) في ((الأصل)): جعل، وليس لها معنى هنا، والمثبت من الصحيح المطبوع. (٣) من الصحيح المطبوع، وفي ((الأصل)): عتبة . وهو تحريف. (٤) من الصحيح المطبوع، وسقط من ((الأصل)). (٥) بياض بالأصل ، والمعنى مستقيم . - ٣٢٧ - حين رآهم وقال : أظنكم سمعتم أن أبا عبيدة جاء بشيء . قالوا : أجل يا رسول الله . قال : فأبشروا، وأملوا ما يسركم ، فوالله لا الفقر أخشى عليكم ، ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها ، وتهلككم كما أهلكتهم)). وفيه : جبير بن حَيَّة قال: « بعث عمر الناس في أفناء الأمصار، يقاتلون المشركين ، فأسلم الهرمزان فقال : إني مستشيرك في مغازي هذه . قال : نعم مَثَلُهَا ومثل من فيها من الناس من عدو المسلمين مثل طائر له رأس وله جناحان وله رجلان ، فإن کسر أحد الجناحین نهضت الرِّجلان والرأس، وإن شُدِخَ الرأس ذهبت الرجلان والجناحان والرأس. فالرأس : كسرى ، والجناح : قيصر، والجناح الآخر: فارس . فَمُرِ [ المسلمين فلينفروا ] (١) إلى كسرى)) وقال [ بكر ] (٢) وزياد جميعًا عن جبير بن حية قال : فندبنا عمر ، واستعمل علينا النعمان بن مقرن ، حتى إذا كنا بأرض العدو خرج علينا عامل كسرى في أربعين ألف ، فقام ترجمان له فقال : ليكلمني رجل منكم. فقال المغيرة : سل عما شئت فقال ما أنتم ؟ فقال : نحن الناس من العرب كنا في شقاء شديد، وبلاء شديد نمص الجلد و(الثرى ) (٣) من الجوع، ونلبس الوبر والشعر ، ونعبد الشجر والحجر ، فبينا نحن كذلك ؛ إذ بعث رب السموات ورب الأرضين إلينا نبيا من أنفسنا نعرف أباه وأمه، وأمرنا نبينا ورسول ربنا أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده أو تؤدوا الجزية ، وأخبرنا نبينا عن رسالة ربنا أنه من قتل منا صار إلى الجنة ونعيم لم ير (١) من الصحيح المطبوع، وفي ((الأصل)): المسلمون فلتتفرق. كذا! وهو تحريف. (٢) هو ابن عبد الله المزني، وفي ((الأصل)): بكير . وهو خطأ . (٣) كذا في ((الأصل)) وفي الصحيح المطبوع: النوى . والظاهر أنه الصواب . - ٣٢٨ - مثله، ومن بقي منا ملك رقابكم ، فقال النعمان : ربما [أشهدك ] (١) الله مثلها مع النبي - عليه السلام - فلم يندمك ولا يحزنك ، ولكني شهدت القتال مع رسول الله ، كان إذا لم يقاتل في أول النهار انتظر حتى تهب ( الأرباح ) (٢) وتحضر الصلوات)). اختلف العلماء / فيمن تؤخذ منه الجزية ، فروى ابن القاسم عن [٢/ ٢٠٠٥-١) مالك أن الجزية تؤخذ من أهل الكتاب ، ومن المجوس وعبدة الأوثان، وكل المشركين غير المرتدين ، وقريش . وفي مختصر ابن أبي زيد : وتقاتل جميع الأمم حتى يسلموا أو يؤدوا الجزية . وحكى الطحاوي عن أبي حنيفة وأصحابه : أن الجزية تقبل من أهل الكتاب ، ومن سائر كفار العجم ، ولا يقبل من مشركي العرب إلا الإسلام أو السيف . وقال الشافعي : لا تقبل الجزية إلا من أهل الكتاب عربًا كانوا أو عجمًا، وزعم أن المجوس كانوا أهل كتاب فلذلك تؤخذ منهم الجزية، وروي ذلك عن علي بن أبي طالب . وقال الطحاوي : في حديث عمرو بن عوف أن رسول الله بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين يأتي بجزيتها ، أن أهل البحرين كانوا مجوسًا من الفرس ، ولم يكونوا من العرب ، ولذلك قبل منهم الجزية ، وأقرهم على مجوسيتهم . واحتج الشافعي بقوله تعالى : ﴿ قاتلوا الذين لا يؤمنون (١) من الصحيح المطبوع، وسيأتي مثله في اخر الباب وفي (( الأصل)): أسعدك. (٢) كذا في (( الأصل)) وحكاه الحافظ ابن حجر في الفتح (٣٠٧/٦) عن ابن جني أنه جمع ((ريح)" والمعروف الأكثر (( الأرواح)) كما هو في الرواية على ما شرحه ابن حجر . - ٣٢٩ - بالله ولا باليوم الآخر ﴾ إلى قوله: ﴿من الذين أوتوا الكتاب﴾ (١). قال : فدل هذا الخطاب أَنَّ من لم يؤت الكتاب ليس بمنزلتهم بدليل قوله عليه السلام: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله)) ولا يجوز أن يكون أهل الكتاب داخلين تحت هذه الجملة ؛ لأنهم يقولون: لا إله إلا الله لإخباره عليه السلام أن هذه الكلمة يحقن بها الدم والمال ، فدل أن بغيرها لا يحقن الدم . وحجة مالك حديث عبد الرحمن بن عوف (( أن النبي - عليه السلام - أخذ الجزية من مجوس هجر)) وقال في المجوس: ((سنوا بهم سنة أهل الكتاب في أخذ الجزية منهم » وأيضًا فإن النبي - عليه السلام - كان يبعث أمراء السرايا فيقول لهم: (( إذا لقيتم العدو فادعوهم إلى الإسلام ، فإن أجابوا وإلا فالجزية ، فإن أعطوا وإلا فقاتلوهم)) ولم يَنْصَّ على مشرك دون مشرك ، بل عمّ جميع المشركين؛ لأن الكفر يجمعهم ، ولما جاز أن يسترقهم جاز أن يأخذ منهم الجزية ، عكسه المرتد لما لم يجز أن يسترقه لم يجز أخذ الجزية منه . وليس فيما احتج به الشافعي من قوله : ﴿ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ﴾ (١) دليل على أن الجزية لا يجوز أخذها من غير أهل الكتاب ؛ لأن الله - تعالى - لم ينه أن تؤخذ الجزية من غيرهم، وللنبي - عليه السلام - أن يزيد في البيان ، ويفرض ما ليس بموجود في الكتاب ، ألا ترى أن الله حرم الأمهات ومن ذكر معهن في الآية، وحرَّم النبي أن تنكح المرأة على عمتها وخالتها ، وليس ذلك بخلاف لكتاب الله ؛ فكذلك أخذ الجزية من جميع المجوس هو ثابت بالسنة (١) التوبة : ٢٩ . ..- - ٣٣٠ - الثابتة ، وهذا ينتظم الرد على أبي حنيفة في قوله أنَّ مجوس العرب ، لا يجوز أخذ الجزية منهم ، ويؤخذ من سائر المجوس غيرهم ؛ وء لإطلاقه عليه السلام أخذ الجزية من جميع المجوس بقوله: (( سَنُوا بهم سُنَّةَ أهل الكتاب )) ومن ادعى الخصوص في هذا وأن المراد بعضهم فعليه الدليل . وأما قول الشافعي : أن المجوس كانوا أهل كتاب فرفع فهو غير صحيح ؛ لأنه لو كان كذلك لكان لنا أن نأكل ذبائحهم ، وننكح نساءهم ، وهذا لا يقوله أحد . وقوله: (( سُنُّوا بهم سنة أهل الكتاب )) يدل أنه لا كتاب لهم ، وأيضاً فإنه لو كانوا أهل كتاب فرفع كتابهم لوجب أن يصيروا بمنزلة من لا كتاب له ؛ لأن الشيء إذا كان لمعنى فارتفع المعنى ارتفع الحكم. هذا قول ابن القصار . واختلف العلماء في مقدار الجزية ، فقال مالك : أكثر الجزية أربعة دنانير على أهل الذهب ، وعلى أهل الورق أربعون درهمًا ، ولا حد لأقلها ، وأخذ في ذلك مالك ما رواه عن نافع ، عن أسلم ((أن عمر ابن الخطاب ضرب الجزية على أهل الذهب أربعة دنانير ، وأهل الورق أربعين )) . وقال الكوفيون : يؤخذ من الغني : ثمانية وأربعون درهمًا ، ومن الوسط أربعة وعشرون ، ومن الفقير [ اثنا ] (١) عشر درهمًا، وبه قال أحمد بن حنبل ، وأخذوا في ذلك بما رواه إسرائيل ، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب ، عن عمر (( أنه بعث عثمان بن (١) في (( الأصل)) : اثني. - ٣٣١ - حنيف ، فوضع الجزية على أهل السواد ثمانية وأربعين ، وأربعة [٢/ ق٢٠٠-ب] وعشرين، واثني عشر)) /. قال أحمد بن حثيل : ويزاد فيه وينقص على قدر طاقتهم ، على قدر ما يرى الإمام .. وقال الشافعي: الجزية [ دينارٌ] (١) على الغني والفقير، واحتج أصحابه بما رواه أبو وائل عن مسروق ، عن معاذ أن الرسول قال له حين بعثه إلى اليمن: (( خذ من كل حالمٍ ديناراً ، وعد له معافري )) وهو ثياب اليمن . وقال الثوري : قد اختلفت الروايات في هذا عن عمر بن الخطاب ، فللوالي أن يأخذ بأيُّها شاء ، إذا كانوا أهل ذمة ، وأما أهل الصلح فما صولحوا عليه لا غير ، وما حكاه البخاري عن مجاهد أنه جعل على أهل الشام أربعة دنانير ، وعلى أهل اليمن دينارًاً من أجل اليسار فهو قول حسن . وقال عبد الوهاب بن نصر في أمر النبي أن يأخذ من كل حالم دينارًا ، يحتمل أن يكونوا لم يقدروا على أكثر منه . وقد روي عن مالك أنه لا يزاد على الأربعين درهمًا ، ولا بأس بالنقصان منها إذا لم يُطق . قال مالك : وأرى أن ينفق من بيت المال على كل من احتاج من أهل الذمة إن لم تكن لهم حرفة . ولا قوة على نفقة نفسه ، وينفق على يتاماهم حتى يبلغوا . قال ابن حبيب : وحدثني مطرف ، عن مالك قال : بلغني أن عمر بن الخطاب كان ينفق على رجل من أهل الذمة حين كبر وضعف عن العمل والخراج . قال المهلب : وأما قول عمر: (( فرقوا بين كل ذي محرم من (١) في ((الأصل)): دينارًاً. - ٣٣٢ - المجوس)) فيحتمل وجهين : أحدهما : أن الله لم يأمر بأخذ الجزية إلا من أهل الكتاب ، وأهل الكتاب لا ينكحون ذوات المحارم ، فإذا استعمل فيهم قوله عليه السلام: ((سُنوا بهم سنة أهل الكتاب)) احتمل أن لا يقبل منهم الجزية إلا أن يسن بهم سنة أهل الكتاب في مناكحتهم أيضًا ، والوجه الآخر : أن يكون عمر غلب على المجوس عنوة ثم أبقاهم في أموالهم عبيدًا يعملون فيها ، والأرض للمسلمين ، ثم رأى أن يفرق بين ذوات المحارم من عبيده الذين استبقاهم على حكمه واستبقاهم باجتهاده ، وإن كان منعقدًا في أصل استحيائهم واستبقائهم ، ويكون اجتهاده في تفريقه بين ذوات محارمهم مستنبطًا من قوله عليه السلام: (( سنوا بهم سنة أهل الكتاب )) أي : ما كان أهل الكتاب يحملون عليه في حرمهم ومناكحتهم ، فاحملوا عليه المجوس ، والله أعلم أي الوجهين أراد عمر . فيه : أنه قد يغيب عن العالم ( المنور ) (١) بعض العلم . وفيه : قبول خبر الواحد والعمل به . وفيه : أن طلب العطاء من الإمام لا غضاضة فيه على طالبه ؛ لقولهم: ((أَجَلْ يا رسول الله )). وفيه : التبشير بالإسهام لهم بقوله: (( أبشروا وأملوا)) ومعنى ذلك: [ أي ] (٢) أملوا أكثر ما تطلبون من العطاء ؛ لأنهم لم يعرفوا مقدار ما قدم به أبو عبيدة فسرهم بأكثر مما يظنون . وفيه : علامة النبوة ؛ لأنه أخبرهم بما يخشى عليهم فيما يفتح عليهم من الدنيا . (١) هكذا صورتها في ((الأصل). (٢) في ((الأصل)) أو، والمثبت هو الأنسب للسياق. - ٣٣٣ - وفيه : أن المنافسة في الاستكثار من المال من سبل الهلاك في الدنيا. وقوله في حديث جبير بن حية : أفناء ( الأنصار ) (١) فهم طوائف منهم لم یکونوا من فخذ واحد . وأما مشاورة عمر الهرمزان فبعد أن أسلم ، وكان رجلاً بصيراً بالحرب له دربة ورأي في المملكة وتدبيرها ؛ فلذلك شاوره عمر. وفي هذا من الفقه : أن المشاورة سنة لا يستغني عنها أحد ، ولو استغني عنها لكان النبي - عليه السلام - أغنى الناس عنها ؛ لأن جبريل كان يأتيه بصواب الرأي من السماء ، ومع ذلك فإن الله - تعالى - قال : ﴿ وشاورهم في الأمر﴾ (٢) ولو لم يكن في المشاورة إلا استئلاف النفوس ، وإظهار المفاوضة والثقة بالمستشار لعلمه أن يبدو من الرأي ما لم يكن ظهر . وأما العزيمة والعمل فإلى الإمام لا يشركه فيه أحد ؛ لقوله تعالى : ﴿ فإذا عزمت فتوكل على الله ﴾ (٢) فجعل العزيمة إليه ، وجعله مشاركًا في الرأي لغيره . وفي هذا من الفقه : جواز مشاورة غير الوزير إذا كان ممن يظن عنده الرأي والمعرفة . وفيه : ضرب الأمثال . وفيه : أن الرأي في الحرب القصد إلى أعظم أهل الخلاف شوكة ، كما أشار الهرمزان ؛ لأنه إذا استؤصل الأقوى سلم الأضعف . وفيه : / كلام الوزير دون رأي الأمير ، كما كلم عمر يوم [٢ / ق٢٠١-٢] (١) كذا في ((الأصل)) قال ابن حجر في الفتح (٣٠٥/٦): هكذا وقعت عند الكرماني وشرح عليه ثم قال : وفي بعضها : (( الأمصار )) اهـ . وهي الرواية التي شرح عليها الحافظ ابن حجر ، ولم يذكر غيرها إلا ما وقع عند الكرماني. (٢) آل عمران : ١٥٩ . - ٣٣٤ - حنين لأبي سفيان ، وكما كلم أبو بكر الصديق في قصة سلاح قتل أبي قتادة . وقوله : (( كنا في شقاء شديد )) ففي ذلك وصف أنفسهم بالصبر والثبات على مضض العيش . وقوله : (( نعرف أباه وأمه )) فإنه أراد شرفه ونسبه ؛ لأن الأنبياء لا تبعث إلا من أشراف قومهم، فوصف شرف الطرفين من الأب والأم. وقول النعمان للمغيرة : ((ربما أشهدك الله مثلها)) يريد ربما شهدت مع النبي فيما سلف مثل هذه الأحوال الشديدة ، وشهدت معه القتال، فلم يندمك ما لقيت معه من الشدة ، ولم يحزنك لو قفلت معه ؛ لعلمك بما تصير إليه من النعيم ، وثواب الشهادة . وقوله : (( ولكني شهدت القتال مع رسول الله كثيراً)) فهذا ابتداء كلام ، واستئناف قصة أخرى ، أعلمهم أن الرسول كان إذا لم يقاتل أول النهار ترك حتى تهب الرياح ، يعني : رياح النصر ، وتحضر أوقات الصلوات ، وقد بين هذا المعنى حديث حماد بن سلمة عن النعمان بن مقرن قال: ((كان النبي إذا لم يقاتل أول النهار انتظر حتى تزول الشمس ، وتهب رياح النصر )) وقد تقدم هذا الحديث وإسناده في الجزء الأول من الجهاد في باب (( كان النبي إذا لم يقاتل أول النهار أخر القتال حتى تزول الشمس )» وأيضًا فإن أفضل الأوقات أوقات الصلوات ، وفيها الأذان وقد جاء في الحديث ((أن الدعاء بين الأذان والإقامة لا يرد)) . - ٣٣٥ - باب : إذا وادع الإمام ملك قرية هل يكون ذلك لبقيتهم فيه : أبو حميد : ((غزونا مع النبي تبوك ، وأهدى ملك أيلة للنبي - عليه السلام - بغلة بيضاء، وكساه بردًا، وكتب له ببحرهم)). قال المؤلف : ذكر ابن إسحاق في السير قال : لما انتهى رسول الله إلى تبوك أتاه بحنة بن رؤبة - صاحب أيلة فصالح رسول الله ، وأعطى الجزية ، وكتب لهم رسول الله كتابًا فهو عندهم ، وكتب لبحنة بن رؤبة: (( بسم الله الرحمن الرحيم ، هذه أمنة من الله ومحمد النبي رسول الله لبحنة بن رؤية وأهل أيلة ، سفنهم وسيارتهم في البر والبحر لهم ذمة الله وذمة محمد النبي ، ومن كان معهم من أهل الشام وأهل اليمن وأهل البحر ، فمن أحدث منهم حدثًا فإنه لا يحول ماله دون نفسه، وإنه طيبة لمن أخذه من الناس ، وإنه لا يحل أن يمنعوا من ماء يردونه، ولا طريق يردونها من بر أو بحر)) .: والعلماء مجمعون على أن الإمام إذا صالح ملك القرية أنه يدخل في ذلك الصلح بقيتهم ؛ لأنه إنما صالح على نفسه ورعيته ، ومن يلي أمره ، وتشتمل عليه بلده وعمله ، ألا ترى أن في كتاب النبي تأمين ملك أيلة وأهل بلده . واختلفوا إذا أمن طائفة منهم هل يدخل في ذلك الإمام العاقد للأمان ؟ فذكر الفزاري عن حميد الطويل قال : حدثني [ حبيب أبو يحيى ] (١) - وكان مولاه مع أبي موسى - قال : حاصر أبو موسى حصنًا بتستر - أو بالسوس - فقال [ صاحبهم ] (٢): أتؤمن لي مائة من أصحابي وأفتح لك الحصن ؟ قال : نعم . فجعل يعزلهم (١) في (( الأصل )) : أبو حبيب يحيى وسيأتي عن كتاب أبي عبيد كما أثبته هنا ، وقال محقق كتاب (( الأموال)) : هو حبيب ابن أبي ثابت وكنيته أبو يحيى . ولم يتبين هذا من ترجمته ولا ترجمة حميد الطويل ، ولكنه محتمل . (٢) في (( الأصل)) : أصحابهم . وهو خطأ. - ٣٣٦ - ويعدهم ، فقال أبو موسى : أرجو أن يمكن الله به وينسى نفسه بعد مائة . فعد مائة وعزلهم ، ونسي نفسه فأخذه فقال : إنك قد أمنتني . قال : لا ، أَمَا إِذْ أمكن الله منك من غير غدر . فضرب عنقه)) . وذكر أبو عبيد عن الفزاري ، عن حميد الطويل ، عن حبيب أبي يحيى (١) عن خالد بن زيد قال: (( حاصرنا السوس ، فلقينا جهدًا، وأمير الجيش أبو موسى ، فصالحه دهقانها ... )) وذكر الحديث. وذكر عن النخعي قال : ارتد الأشعث بن قيس في زمن أبي بكر الصديق مع ناس ، وتحصنوا في قصر ، وطلب الأمان بسبعين رجلا فأعطاهم ، فنزل فعد سبعين ولم يدخل نفسه منهم ، فقال له أبو بكر: إنه لا أمان لك إنَّا قاتلوك ، فأسلم وتزوج أخت أبي بكر الصديق . وقال أصبغ وسحنون : يدخل العلج الآخذ للأمان للعدد المصالح عليهم في الأمان ، وإن لم يعد / نفسه ، ولا يحتاج أن يعد نفسه [٢/ ١٥ ٢٠-ب] فيهم، ولا يذكرها ؛ لأنه لم يأخذ الأمان لغيره إلا وقد صح الأمان لنفسه، ولم يريا فعل أبي موسى حجة . قال سحنون : وبأقل من هذا صح الأمان للهرمزان من عند عمر بن الخطاب . (١) كتاب ((الأموال)) (ص: ١٤٥). - ٣٣٧ - باب : الوصاة بأهل ذمة النبي - عليه السلام - ٩ والذمة : العهد ، والإل : القرابة فيه: عمر (( قلنا (١) : أوصنا . قال : أوصيكم بذمة الله ؛؛ فإنها ذمة نبیکم، ورزق عیالکم )) . قال المهلب : فيه الحض على الوفاء بالذمة ، وما عوقدوا عليه من قبض الأيدي عن أنفسهم وأموالهم غير الجزية ، وقد ذم النبي - عليه. السلام - من إذا عاهد غدر ، وجعل ذلك من أخلاق النفاق . باب : ما أقطع النبي - عليه السلام - من البحرين وما وعد من مال البحرين والجزية ، ولمن قسم الفيء والجزية ؟ فيه : أنس : « دعا النبي بالأنصار لیکتب لهم بالبحرین ، فقالوا: لا والله حتى تكتب لإخواننا من قريش بمثلها . فقال : ذلك لهم ما شاء الله كل ذلك يقولون له . قال : فإنكم سترون بعدي أثرة ، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض)) . وفيه: جابر: (( قال عليه السلام : لو قد جاء مال البحرين أعطيتك هكذا وهكذا وهكذا . فلما قبض رسول الله ، وجاء مال البحرين ، قال أبو بكر : من كانت له عند رسول الله عدة فليأتني . فأتيته فقلت له : إن رسول الله قد كان قال لي : لو قد جاء مال البحرين لأعطيتك ثلاثًا . فقال له: احثه . فحثوت حثية . فقال لي : عدها . فعددتها فإذا فيها خمسمائة)»(٢). (١) القائل: ((قلنا)) هو جويرية بن قدامة، والقائل: أوصيكم هو عمر بن الخطاب - رضي الله عنه . (٢) زاد في الصحيح المطبوع : فأعطاني ألفًا وخمسمائة . - ٣٣٨ - وفيه: أنس (( أن النبي أتي بمال من البحرين ، فقال : انثروه في المسجد. فكان أكثر ما أتي به النبي - عليه السلام - إذ جاءه العباس وقال : يا رسول الله ، أعطني فإني فاديت نفسي وفاديت عقيلا . قال : فأخذ فحثا في ثوبه ... )) وذكر الحديث . قال المهلب : إنما أراد عليه السلام أن تُخَصَّ الأنصار بهذا الإقطاع؛ لما كانوا تفضلوا به على المهاجرين ، من مشاركتهم في أموالهم ، فقالت الأنصار : لا والله حتى تكتبه لإخواننا من قريش - تعني المهاجرين - بمثلها إمضاء لما وصفهم الله به من الأثرة على أنفسهم ، وحسن التمادي على الكرم . وفيه : جواز التردد على الإنسان بالقول فيما يأباه المرة بعد المرة ، وجواز التردد بالإبانة عن الشيء ، لما يكون في ذلك من الفخر والعز، كما أبت الأنصار أن تقبل مال البحرين دون المهاجرين ، فكان في ذلك فخرهم وعزهم . وفيه : لزوم الوعد للأمراء وأشراف الناس ، وأنه مما يقضى عنهم على طريق الفضل لمشاكلة ذلك لأخلاقهم ، وسيأتي ما يلزم من العدة وما لا يلزم منها في كتاب الهبة ، في باب: (( إذا وعد أو وهب ثم مات قبل أن يصل إليه )) إن شاء الله . وفيه : تأدية الإمام ديون من كان قبله من الأئمة والخلفاء . وفيه : أن ما كان أصله على سبيل التفضل أن يكون جزافًا بغير وزن؛ بخلاف البيوع وما فيه معنى التشاح . وأما الفيء والجزية والخراج فحكم ذلك واحد ، وما اجتبى من أموال أهل الذمة مما صولحوا عليه من جزية رءوسهم التي بها حقنت - ٣٣٩ - دماؤهم ، وحرمت أموالهم ، ومنها ( وضيعة ) (١) أرض الصلح التي منعها أهلها حتى صولحوا منها على خراج مسمى ، ومنها إخراج الأرضين التي فتحت عنوة ، ثم أقرها الإمام في أيدي أهل الذمة التي يمرون بها لتجارتهم ، ومنها ما يؤخذ من أهل الحرب إذا دخلوا بلاد الإسلام للتجارة ، فكل هذا من الفيء ، وهو الذي يعم المسلمين غنيهم وفقيرهم ، فيكون في أعطية المقاتلة وأرزاق الذرية ، وما ينوب الإمام من أمور الناس بحسن النظر للإسلام وأهله قاله أبو عبيد . [٢/ ق٢٠٢-١] واختلف الصحابة في قسم الفيء ، فروي عن أبي بكر / الصديق التسوية بين الحر والعبد ، والشريف والوضيع ، وروي عنه أنه كلم في أن يفضل بين الناس، فقال: (( فضيلتهم عند الله ، فأما هذا المعاش فالتسوية فيه خير)) . وهو مذهب علي بن أبي طالب ، وإليه ذهب الشافعي . وأما عمر فكان يفضل أهل السوابق ومن له من رسول الله قرابة في العطاء ، وفضل أزواج النبي في العطاء على الناس أجمعين، ففرض لكل واحدة اثني عشر ألفًا ؛ ولم يلحق بهن أحدًا إلا العباس، فإنه جعله في عشرة آلاف ، وذهب عثمان في ذلك إلى التفضيل ، وبه قال مالك ، فلما جاء علي بن أبي طالب سوى بين الناس ، وقال: ((لم أعب تدوين عمر الدواوين ولا تفضيله ، ولكن أفعل كما كان خليلي رسول الله يفعل )) فكان يقسم ما جاءه بين المسلمين ، ثم يأمر ببيت المال فينضح ، ويصلي فيه . وأما الكوفيون فالأمر عندهم في ذلك إلى اجتهاد الإمام ، إن رأي التفضيل فضل ، وإن رأى التسوية سوى . وأحاديث هذا الباب تدل على التفضيل ، وهو حجة لمن قال به . (١) هي ما يأخذه السلطان من الخراج والعشور كما في المعجم الوسيط (٢/ ١٠٤٠)، وجاء في ((الأصل)): وضيفة . وهو تحريف . - ٣٤٠ -