Indexed OCR Text
Pages 261-280
عليه السلام - لبلال : أطعمنا . قال : ماعندي إلا صبر تمر خبأناه لك . قال : أما تخشى أن يخسف الله به في نار جهنم ؟ قال : أنفق يا بلال ولا تخف من ذي العرش إقلالا )) قيل : كان هذا منه في حال ضيق عندهم ، فكان يأمر أهل السعة أن يعودوا بفضلهم على أهل الحاجة حتى فتح الله عليهم الفتوح ووسع على أصحابه في المعاش ، فوسع على أصحابه في الاقتناء والادخار إذا أدوا حق الله فيه . قال المهلب : ومن أجل ظاهر حديث أبي هريرة - والله أعلم - طلبت فاطمة ميراثها في الأصول ؛ لأنها وجهت قوله : (( لا تقتسم ورئتي دينارًا ولا درهمًا )) إلى الدنانير والدراهم خاصة، لا إلى الطعام والأثاث والعروض وما يجري فيه المئونة والنفقة . وفيه من الفقه أن الحبس لا يكون بمعنى الوقف حتى يقال فيه صدقة. وأما حديث عائشة فإن الشعير الذي كان عندها كان غير مكيل ، فكانت البركة فيه / من أجل جهلها بكيله ، وكانت تظن كل يوم أنه (١٨٦٥/٢ -ب] سيفنى لقلة كانت تتوهمها فيه ، فلذلك طال عليها ، فلما كالته علمت مدة بقائه ففني عند تمام ذلك الأمر ، والله أعلم . باب : ما جاء في بيوت أزواج النبي عليه السلام وما ینسب من البيوت إليهن . وقوله تعالى: ﴿ وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية ﴾ (١) وقوله: ﴿ لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم ﴾ (٢) فيه: عائشة: (( لما ثقل النبي استأذن أزواجه أن يمرض في بيتي ، فأذن (١) الأحزاب : ٣٣ . (٢) الأحزاب : ٥٣ . - ٢٦١ - له . وقالت : توفي النبي في بيتي ونوتي وبین سحري ونجري ، وجمع الله بین ریقي وریقه » . وفيه : صفية : (( أنها جاءت النبي تزوره وهو معتكف في العشر الأواخر من رمضان ، ثم قامت تنقلب فقام معها حتى إذا بلغ قريبًا من باب المسجد عند باب أم سلمة زوج النبي ... )) الحديث . وفيه: ابن عمر: (( ارتقيت فوق بيت حفصة)) . وفيه : عائشة: (( كان الرسول يصلي العصر والشمس لم تخرج من حجرتها )) . وفيه : ابن عمر : (( قام النبي - عليه السلام - خطيبًا ، فأشار نحو مسكن عائشة ، فقال : الفتن هاهنا - ثلاثًا - من حيث يطلع قرن الشيطان » . وفيه : عائشة : (( أن الرسول كان عندها ، وإنها سمعت إنسانًا يستأذن في بيت حفصة ... )) الحديث . قال الطبري : فإن قال قائل : إن كان لم يورث عليه السلام لقوله: « ما تركنا صدقة » فکیف سكن أزواجه بعد وفاته في مساكنه إن كن لم يرثنه إذًا ؟ وكيف لم يخرجن عنها ؟ فالجواب في ذلك أن طائفة من العلماء قالت : إن النبي - عليه السلام - إنما جعل لكل امرأة منهن كانت ساكنة في مسكنٍ مسكنها الذي كانت تسكنه في حياته، فملكت ذلك في حياته ، فتوفي الرسول يوم توفي وذلك لها، ولو كان صار لهن ذلك من وجه الميراث عنه لم يكن لهن منه إلا الثمن ، ثم كان ذلك الثمن أيضًا مشاعا في جميع المساكن لجميعهن . وفي ترك منازعة العباس وفاطمة إياهن في ذلك وترك منازعة - ٢٦٢ - بعضهن بعضًا ، فيه دليل واضح على أن الأمر في ذلك كما ذكرناه . وقد قال تعالى لهن : ﴿ وقرن في بيوتكن ﴾ (١) لئلا يخرجن عن منازلهن بعد وفاة الرسول . وقال آخرون : إنما تركن في المساكن التي سكنها في حياة النبي ؛ لأن ذلك كان من مئونتهن التي كان رسول الله استثناه لهن ما كان بيده أيام حياته، كما استثنى نفقاتهن حين قال: (( ما تركت بعد نفقة نسائي ومئونة عاملي فهو صدقة)) قالوا : ويدل على صحة ذلك أن مساکنھن لم يرثها عنهن ورثتهن ، ولو كان ذلك ملكًا لهن كان لا شك يورث عنهن ، وفي ترك ورثتهن حقوقهم من ذلك دليل أنه لم يكن لهن ملكًا ، وإنما كان لهن سكناه حياتهن ، فلما مضين بسبيلهن جعل ذلك زيادة في المسجد الذي يعم المسلمين نفعه كما فعل ذلك في الذي كان لهن من النفقات في تركة رسول الله ، صرفه فيما يعم نفعه . قال المهلب : وفي هذا من الفقه أن من سكن حبسًا حازه بالسكنى، وإن كان للمحبس فيه بعض السكنى والانتفاع أن ذلك جائز في التحبس، ولا ينقض التحبس ما له فيه من الانتفاع اليسير ؛ لأن الرسول كان ينتاب كل واحدة منهن في نوبتها ، فَلَيْلَة من تسع ليال يسير. ولذلك قال مالك : إن المحبس قد يسكن البيت من الدار التي حبس ولا ينتقض بذلك حوزها . وقال صاحب العين : السحر والنحر : الرية وما يتعلق بالحلقوم. (١) الأحزاب : ٣٣ . - ٢٦٣ - باب : ما ذكر من درع النبي عليه السلام وعصاه وسیفه وقدحه و خاتمه وما استعمل الخلفاء / بعده من ذلك [٢ / ق ١٨٧ -١] . مما لم يذكر قسمته ، ومن شعره ونعله وآنيته مما يتبرك أصحابه وغیرهم (١) بعد وفاته فيه: أنس: (( أن أبا بكر لما استخلف بعثه إلى البحرين ، وكتب له هذا الكتاب ، وكان نقش الخاتم ثلاثة أسطر : (( محمد )) سطر و(( رسول )) سطر و(( الله )) سطر)). وفيه: أنس: (( أنه أخرج نعلين جرداوين لهما قبالان، وهما نعلا النبي عليه السلام )) . وفيه: أبو بردة: (( أخرجت إلينا عائشة كساءً ملبدًا، وقالت : في هذا نُزِع روح النبي - عليه السلام)) وقال مرة: ((أخرجت إلينا إزاراً غليظًا مما يصنع باليمن وكساء ملبدًا)) . وفيه : أنس : (( أن قدح النبي - عليه السلام - انكسر فاتخذ مكان الشعب سلسلة من فضة)). وفيه : علي بن حسين: (( أنه لقي المسور بن مخرمة حين قدم المدينة من عند يزيد مقتل حسين بن علي ، فقال المسور : هلٍ لك إليّ من حاجة تأمرني بها ؟ فقلت له : لا. فقال : هل أنت مُعْطيّ سيفَ النبي - عليه السلام - وإني أخاف أن يغلبك القوم عليه ، وايم الله لئن أعطيتنيه لا يخلص إليه أبدًا حتى تبلغ نفسي . إن علي بن أبي طالب خطب بنت أبي جهل على فاطمة ، فسمعت رسول الله يخطب الناس في ذلك على منبره هذا وأنا يومئذ محتلم فقال : إن فاطمة مني ، وأنا أتخوف أن تفتن في دينها ... )) ثم ذكر صهرًا له، إلى قوله: (( والله لا تجتمع ابنة رسول الله وابنة عدو الله أبداً )) . (١) زيد هنا: به، وليس في المطبوع من الصحيح (٢٤٤/٦)، وقد نبه المؤلف نفسه في آخر الباب على حذفهاً ، فإثباتها هنا وهم من الناسخ ، والله أعلم . - ٢٦٤ - وفيه : ابن الحنفية قال : لو كان علي ذا کرًا عثمان ذكره يوم جاءه ناس فشكوا إليه سعاة عثمان ، فقال لي عليّ : اذهب إلى عثمان فأخبره أنها صدقة رسول الله ، فمر سعاتك يعملوا بها . فأتيته بها ، فقال: أَغْنِهَا عنَّا. فأتيت بها عليا ، فأخبرته ، فقال : ضعها حيث أخذتها )). وقال ابن الحنفية أيضًا: ((أرسلني أبي : خذ هذا الكتاب ، فاذهب به إلى عثمان ؛ فإنه فيه أمر النبي - عليه السلام - في الصدقة )). قال (١) : اتفاق الأمة بعد النبي - عليه السلام - أنه لم يملك أحد درعه ولا عصاه وسيفه وقدحه وخاتمه ونعله ، يدل أنهم فهموا من قوله: ((لا نورث، ما تركنا صدقة)) أنه عام في صغير الأشياء وكبيرها ، فصار هذا إجماعًا معصومًا ؛ لأنه لا يجوز على جماعة الصحابة الخطأ في التأويل ، وهذا رد على الشيعة الذين ادعوا أن أبا بكر الصديق وعمر بن الخطاب [حَرَمَا ] (٢) فاطمة والعباس ميراثهما من النبي. وقد روى الطبري قال : حدثنا يعقوب بن إبراهيم ، قال : حدثنا ابن علية ، قال : حدثنا أبو إسحاق قال : قلت لأبي جعفر : أرأيت عليا حين ولي العراق وما كان بيده من سلطانه كيف صنع في سهم ذي القربى؟ قال: سلك به والله طريق أبي بكر وعمر)). قال المهلب : إنما ذكر هذه الآثار كلها في هذا الباب لتكون سنة للخلفاء في الختم واتخاذ الخاتم لما يحتاج فيه إليه ، واتخاذ السيف والدرع أيضًا للحرب ، وأما الشَّعر فإنما استعمله الناس على سبيل التبرك به من النبي خاصة، وليس ذلك من غيره بتلك المنزلة ، وكذلك (١) هكذا في ((الأصل)). بسقوط اسم القائل ، ولعله: المؤلف . (٢) في (( الأصل)): أحرما. كذا ! وهو خطأ . - ٢٦٥ - النعلان من باب التبرك أيضًا ليس لأحد في ذلك مزية رسول الله ولا يتبرك من غيره بمثل ذلك . وأما طلب المسور لسيف الرسول من [ عليّ بن حسين ] (١) فإنه أراد التبرك به ؛ لأنه من أحباس المسلمين ، وكان بيدي الحسين ، فلما قتل أراد أن يأخذه المسور لئلا يأخذه بنو أمية ، ثم حلف إن أعطاه إياه أنه لا يخلص إليه أبدًا ، بشاهد من فعل رسول الله على الحلف والقطع على المستقبل ثقة بالله في إبراره ، واشترط في يمينه شريطة دون ما حلف عليه صلى الله عليه وهي قوله: (( لا يخلص إليه حتى تخلص إليّ نفسي)» . وقوله : إن علي بن أبي طالب خطب ابنة أبي جهل على بنت رسول الله ، فكره رسول الله ذلك ، وخطب الناس ، وعرفهم أنه لا يحرم حلالا أحله الله مما يعرضه عليّ من الخطبة على فاطمة ، [٥/٢ ١٨٧-ب) ولكنه أعز نفسه وبنته من أن تضارها بنت عدو الله ، وأقسم على الله / ألا يجتمعا عند رجل واحد ثقة بالله أنه يبر قسمه عليه السلام ، وقد قال: ((رب أشعث ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره))، والرسول أولى الناس بهذه المنزلة ، فأقسم على ذلك لعلمه أن الله قد منع المؤمنين أذاه ؛ لقوله تعالى: ﴿وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله﴾(٢) وقد قال عليه السلام في ابنته أنه يؤذيه ما يؤذيها ، فليس لأحد من المؤمنين أن يفعل شيئًا يتأذى به النبي ، وإن كان فعل ذلك له مباحًا، وسيأتي القول في تمام هذا في كتاب النكاح في باب : ذب الرجل عن ابنته في الغيرة - إن شاء الله . وفي حديث ابن الحنفية من الفقه أن الإمام إذا نُسب إلى خدمته (١) في ((الأصل)): حسين بن علي. وهو خطأ ظاهر. (٢) الأحزاب : ٥٣. - ٢٦٦ - [ أمر ] (١) أنه يجب على أصحابه إعلامه بذلك، وإعلام الصواب فيما نسب إليهم ، كما فعل عليّ ، وما قيل في سعاة عثمان وشكي فيهم قد يمكن أن يكون باطلاً ، كما شُكي سعد بن أبي وقاص إلى عمر بالباطل ، وقد يجوز أن يكون من بعض سعاة عثمان ما يكون من البشر . وأما رد الصحيفة وقوله: ((أغنها عنا)) فذلك لأنه كان عنده نظير منها ولم يجهلها ، لا أنه ردها وليس عنده علم منها ، ولأنه قد كان أمر بها سعاته فلا يجوز على عثمان غير هذا . وفيه : أن الصاحب إذا سمع عن السلطان أمرًا مكروهًا أن ينبه بألطف التنبيه ، وأن يسند ذلك إلى من كان قبله كما أسند عليّ أمر الصحيفة إلى رسول الله ، وأسند عروة بن الزبير في إنكاره على عمر ابن عبد العزيز تأخير الصلاة إلى أبي موسى ، وأنه أنكر ذلك على المغيرة بن شعبة فاحتج بأسوة تقدمت له في الإنكار على الأئمة ، ثم أسند له الحديث حين رفعه عمر . وقوله: ((لو كان عليّ ذاكرًا عثمان)) بشرٌّ ذكره في هذه القصة ، فدل أن عليا عذر عثمان بالتأويل ، ولم يكن عنده مخطئًا ولا مذمومًا، وقد تقدم فعل أبي بكر وعمر في باب : فرض الخمس . قال الطبري : وأما فعل عثمان في صدقة النبي - عليه السلام - فحدثنا ابن حميد ، قال: حدثنا جرير ، عن مغيرة قال: (( لما ولي عمر بن عبد العزيز جمع بني أمية فقال : إن النبي - عليه السلام - كانت له فدك فكان يأكل منها وينفق ويعود على فقراء بني هاشم ويزوج منهم أَيُّمَهُم ، وأن فاطمة سألته أن يجعلها لها فأبى ، فكانت كذلك (١) في ((الأصل)): أمراً وهو خلاف الجادة . - ٢٦٧ - حياة الرسول حتى قبض ، ثم ولي أبو بكر فكانت كذلك فعمل فيها. بما عمله رسول الله حياته ، ثم ولي عمر فعمل فيها مثل ذلك ، ثم ولي عثمان فأقطعها مروان ، فجعل مروان ثلثيها لعبد الملك وثلثها لعبد العزيز ، فجعل عبد الملك ثلثًا للوليد ، وثلثًا لسليمان ، وجعل عبد العزيز ثلثه لي ، فلما ولي الوليد جعل ثلثه لي ، فلم يكن لي مال أَعْوَدُ عليّ ولا أسدّ لحاجتي منها ، ثم وليت أنا فرأيت أن أمراً. منعه النبي - عليه السلام - فاطمة ابنته أنه ليس لي بحق ، وإني أشهدکم أني قد رددتها إلى ما كانت عليه في عهد رسول الله )) . قال الطبري : وأما عثمان فإنه كان يرى في ذلك أنه لِقَيِّم أمر المسلمين أن يصرفه فيما رأى صرفه فيه ، ولذلك أقطعه مروان وذهب في ذلك إن شاء الله إلى ما حدثنا أبو كريب قال : حدثنا محمد بن فضيل، حدثنا الوليد بن جميع، عن أبي الطفيل قال: (( جاءت فاطمة إلى أبي بكر فقالت : أنت ورثت رسول الله أم أهله ؟ قال : بل ورثه أهله . قالت : فما بال سهم الرسول ؟ قال : سمعت النبي- عليه السلام - يقول : إذا أطعم الله نبيا طعمة فقبض ، فهو الذي يقوم بعده ، فرأيت أن أجعلها في الكراع والسلاح . قالت : فأنت وما سمعت من رسول الله )) وبهذا قال الحسن وقتادة . قال الطبري : فإن قال قائل : فما وجه هذا الحديث وقد صح عن النبي - عليه السلام - أنه قال: (( ما تركت بعد نفقة نسائي ومئونة عاملي فهو صدقة )» فكيف يكون وهو صدقة ملكًا لمن يقوم بعده ؟ [١٨٨٥/٢-١] قيل: معنى قوله عليه السلام: ((فهو للذي يقوم بعده)) / يعمل فيه ما كان عليه السلام يعمل ويسلك به المسلك الذي كان يسلك ، لا أنه جعله ملكًا ، وهذا التأويل يمنع الخبرين من التنافي ، فإن قيل : وما ينكر أن يكون صدقة له من رسول الله تصدق بها عليه بعد وفاته ؛ إذْ - ٢٦٨ - كانت صدقة التطوع عندك حلال للغني والفقير ، وإنما الحرام منها ما كان فرضًا على الأغنياء ؛ لأن الله جعلها لأهل السهمان في كتابه ؟ قيل : أنكرنا ذلك من أجل أنه لو كان كذلك صح أنه كان لأبي بكر ملكًا ، ولوجب أن يكون بعد أبي بكر موروثًا عنه ، إِذْ كان أبو بكر قد ورثه أهله ، وقيام الحجة بأنه لم يورث عنه ، للدلالة الواضحة على أنه لم يكن لولي الأمر من بعد رسول الله ملكًا ، وإنما كان إليه صرف علات ذلك في وجوهها وسبلها . فإن قيل : فما معنى قول أبي بكر لفاطمة : بل ورثه أهله ؟ قيل: معنى ذلك : بل ورثه أهله إن كان خلف شيئًا يورثه ، ولم يترك شيئًا يورث عنه ؛ لأن ما كان بيده من الأموال مما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب ، إنما كان طعمة من الله له ، على أن يأكل منه هو وأهله ما احتاج واحتاجوا ، ويصرف ما فضل على ذلك في تقوية الإسلام وأهله ، فقبضه الله ، ولم يخلف شيئًا هو له ملك يقتسمه أهله عنه ميراثًا. ويبين ذلك قول عائشة: (( مات رسول الله، ولم يترك دينارًا ولا درهمًا ولا بعيرًاً ولا شاة ، ولقد مات وإن درعه لمرهونة بوسق من شعير )) . وقول عثمان: (( أغنها عنا)) يقول : اصرفها عنا ، يقال : أغنيت عنك كذا : صرفته عنك . ومنه قوله تعالى : ﴿لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه ﴾ (١) يعني: يصرفه . قال صاحب الأفعال : أغني عنك الشيء صرف عنك ما تكره . وفي القرآن : ﴿ ما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون﴾ (٢) و﴿ ما أغنى عني ماليه﴾ (٣) وقوله: مما يتبرك أصحابه .. المعنى: يتبرك به، (١) عبس : ٣٧ . (٣) الحاقة : ٢٨ . (٢) الحجر : ٩٤، الزمر: ٥٠، غافر : ٨٢ . - ٢٦٩ - وحذف (( به )) جائز ، كحذفها من قوله تعالى : ﴿ فاصدع بما تؤمر﴾(١) وحذف الأدوات موجود سائغ؛ لقوله : ﴿ يوم لا تجزي نفس عن نفس شيئًا ﴾ (٢) تقديره : تجزي فيه . قال الشاعر: إن الكريم وأبيك معتمل إن لم يجد يومًا علي من يَتَّكل يريد : يتكل عليه . باب : الدليل على أن الخمس لنوائب النبي عليه السلام والمساكين وإيثار النبي عليه السلام أهل الصفة والأرامل حين سألته فاطمة وشكت إليه الطحن والرحى أن يخدمها من السبي فو كلها إلی الله تعالی فيه: علي: (( أن فاطمة اشتكت ما تلقى من الرَّحَى مما تطحن ، فبلغها أن رسول الله أتي بسَّبي ، فأتته تسأله خادمًا ، فلم توافقه ، فذكرت لعائشة فجاء النبي - عليه السلام - فذكرت ذلك عائشة له فأتانا وقد أخذنا مضاجعنا ، فذهبنا لنقوم ، فقال: عَلَى مكانكما . حتى وجدت برد قدميه على صدري . فقال : ألا أدلكما على خير مما سألتماه ، إذا أخذتما مضاجعكما ، فکبرا الله أربعًا وثلاثین ، واحمدا ثلاثًا وثلاثین ، وسبحا ثلاثا وثلاثین ، فإن ذلك خير لكما مما سألتماه)). قال إسماعيل بن إسحاق : هذا الحديث شاهد أن الإمام يقسم الخمس حيث رأى على الاجتهاد؛ لأن السبي الذي أتى النبي لا يكون- والله أعلم - إلا من الخمس ؛ إذ كانت الأربعة الأخماس تدفع إلى من حضر الوقعة ، ثم منع الرسول أقربيه وصرفه إلى غيرهم ، وبهذا. قال مالك وقال الطحاوي . (١) الحجر : ٩٤ . (٢) الانفطار : ١٩ . - ٢٧٠ - وذهب قوم أن لذوي قرابة رسول الله سهم من الخمس مفروض ، لقوله : ﴿ فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى﴾ (١) وهم : بنو هاشم ، وبنو عبد المطلب خاصة ، لإعطاء رسول الله إياهم دون سائر قرابته . هذا قول الشافعي ، وأبي ثور . وذهب قوم إلى أن قرابة رسول الله لا سهم لهم من الخمس معلومًا ولا حظ / لهم خلاف [٢/ ١٨٨٥ -ب] حظ غيرهم ، وقالوا : وإنما جعل الله لهم ما جعل من ذلك في الآية المذكورة بحال فقرهم وحاجتهم ؛ فأدخلوهم مع الفقراء والمساكين ، فكما يخرج الفقير والمسكين من ذلك بخروجهم من المعنى الذي استحقوا به ذلك ، وهو الفقر ، فكذلك قرابة رسول الله المذكورون معهم إذا استغنوا خرجوا من ذلك . قالوا : ولو كان لقرابة رسول الله حظ لكانت فاطمة ابنته بينهم ؛ إذا كانت أقربهم إليه نسبًا ، وأمسهم به رحمًا ، فلم يجعل لها حظا في السبي ، ولا أخدمها ، ولكن وكلها إلى ذكر الله وتحميده وتهليله الذي يرجو لها به الفوز من الله ، والزلفى عنده . قال الطبري : ولو كان قسمًا مفروضًا لذوي القربى لأخدم ابنته ، ولم يكن عليه السلام ليدع قسمًا اختاره الله لهم وامتن به عليهم ؛ لأن ذلك حَيْفٌ على المسلمين ، واعتراض لما أفاء الله عليهم ، فأخدم منه ناسًا، وتركه ابنته ، ثم لم تَدَّعِ فيه - رضي الله عنها - حقا لقرابة حين وكلها إلى التسبيح ، ولو كان فرضًا لبينه تعالى كما بين فرائض المواريث . قال الطحاوي : وبذلك فعل أبو بكر وعمر بعد النبي - عليه السلام - قَسَمَا جميع الخمس ، ولم يريا لقرابة رسول الله حقا ، خلاف حق سائر الناس ، ولم ينكره عليهما أحد من أصحاب (١) الأنفال : ٤١ . - ٢٧١ - رسول الله ، ولا خالفهما فيها ، وإذا ثبت الإجماع من أبي بكر وعمر وجميع أصحاب النبي - عليه السلام - ثبت القول به ، ووجب العمل به ، وترك خلافه ، وكذلك فعل عليّ لَمَّا صار الأمر إليه ، حمل الناس عليه ، على ما ثبت في الباب . قال المهلب : الأثرة بينة في هذا الحديث ، وذلك أن ابنة النبي لما استخدمته خادمًا ، فعلمها من تحميده وتسبيحه وتكبيره ما هو أنفع لها بدوم النفع ، وآثر بذلك الفقراء الذين كانوا في المسجد ؛ قد أوقفوا أنفسهم لسماع العلم ، وضبط السنن على شبع بطونهم ، لا يرغبون في كسب مال ولا راحة عيال ، فكأنهم استأجروا أنفسهم من الله بالقوت ، فكان إيثار النبي لهم ، وحرمان ابنته دليل واضح أن الخمس مرقوب للأوكد فالأوكد ، وليس على من ذكر الله بالسوية - كما زعم الشافعي - لأنه آثر المساكين على ذوي القربى ، وهم مذكورون في الآية قبلهم ، وإنما الأمر موكول فيه إلى اجتهاده عليه السلام ، له أن يحرم من يشاء ، ويعطي من يشاء . وفيه : أن طلبة العلم مقدمون في خمس الغنائم على سائر من ذكر الله له فيها اسمًا وذكر إسماعيل بن إسحاق من حديث ابن عيينة وحماد بن سلمة عن عطاء بن السائب ، عن أبيه ، عن علي بن أبي طالب أن النبي - عليه السلام - قال لعلي وفاطمة: (( [ لا] (١) أخدمكما وأدع أهل. الصفة يطوون جوعًا ، لا أجد ما أنفق عليهم ، ولكن أبيعه فأنفقه عليهم )) . (١) في ((الأصل)): ألا. والمثبت من روايات هذا الحديث راجع ((شرح المعاني) (٢٩٨/٣) . - ٢٧٢ - قال المهلب : وفيه من الفقه حمل الإنسان أهله على ما يحمل عليه نفسه من التقلل في الدنيا ، وتسليهم عنها بما أعد الله للصابرين في الآخرة . وفيه : دخول الرجل على ابنته ، وهي راقدة مع زوجها . وفيه : جواز جلوسه بينهما ، وهما راقدان ومباشرة قدميه وبعض جسده جسم ابنته ، وجواز مباشرة ذوي المحارم ، وهو خلاف قول مالك ، وقول من أجاز ذلك أولى لموافقة الحديث له . وفيه : أن أقل الأعمال الصالحة خيرٌ مكافأةً في الآخرة من عظيمٍ من أمور الدنيا ، أن يكون التسبيح وهو قولٌ : خيرٌ أجرًاً في الآخرة من خادم في الدنيا ، وعنائها بالخدمة والسعاية عن مالكها ، فكيف بالصلاة والحج وسائر الأعمال التي تستعمل فيها الأعضاء والبدن كله. باب : قوله تعالى: ﴿ فأن لله خمسه وللرسول ﴾ (١) يعني: وللرسول قسم ذلك، قال عليه السلام: (( إنما أنا قاسم، خازن، والله يعطي )). فيه: جابر: (( ولد لرجل / غلام، فأراد أن يسميه: محمدً فقال النبى [١٨٩٥/٢-١] - عليه السلام - سموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي ، إنما جعلت قاسمًا ، وبعثت قاسمًا أقسم بينكم )) . وقال جابر: (( ولد لرجل منا غلام فسماه : القاسم ، فقالت الأنصار : لا نكنيك أبا القاسم، ولا ننعمك عينًا . فأخبر النبي - عليه السلام - فقال: أحسنت الأنصار، سموا باسمي، ولا تكنوا بكنيتي ، إنما أنا قاسم)). (١) الأنفال : ٤١ . - ٢٧٣ - وفيه : معاوية قال عليه السلام: (( من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ، والله المعطي، وأنا القاسم)) . وقال أبو هريرة عن الرسول: ((إنما أنا قاسم، أضع حيث أُمَرْتُ )). وفيه : خولة: قال النبي - عليه السلام - : (( إن رجالا یتخوضون في مال الله بغير الحق ، فلهم النار يوم القيامة)) . وغرض البخاري في هذا الباب أيضًا الرد على من جعل للنبي خمس الخمس ملكًا استدلالا بقوله تعالى : ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول﴾ (١) وهو قول الشافعي. قال إسماعيل بن إسحاق : وقد قيل في الغنائم كلها لله وللرسول، كما قيل في الخمس لله وللرسول ، أفكانت الأنفال كلها للنبي - عليه السلام - بل علم المسلمون أن الأمر فيها مردود إليه ، فقسمها عليه. السلام وكان فيها كرجل من المسلمين ، بل لعل ما أخذ من ذلك أقل من حظ رجل ، بلغنا أنه تنفل سيفه ذا الفقار يوم بدر ، وقيل : جملا لأبي جهل ، وقد علم كلُّ [ عاقل ] (٢) أنه لا يشرك بين الله ورسوله وبين أحد من الناس ، وأن ما كان لله ولرسوله ، فالمعنى فيه واحد ؛ لأن طاعة الله طاعة رسوله . وسئل الحسن بن محمد بن علي عن قوله تعالى: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ﴾ (١) قال : هذا مفتاح كلام الله، الدنيا والآخرة . قال المهلب : وإنما خص بنسبة الخمس إليه عليه السلام ؛ لأن ليس (١) الأنفال : ٤١ . (٢) في ((الأصل)) : عقل . كذا ! وهو خطأ ، إن لم يكن الصواب ذي عقل فسقطت كلمة (( ذي )) . - ٢٧٤ - للغانمين فيه دعوى ، وإنما هو إلى اجتهاد الإمام ، فإن رأى رفعه في بيت المال لما يخشى أن ينزل بالمسلمين رفعه ، أو يجعله فيما يراه ، وقد يقسم منه للغانمين ، كما أنه يعطي من المغانم لغير الغانمين ، كما قسم لجعفر وغيره ممن لم يشهد الوقعة ، فالخمس وغيره إلى قسمته عليه السلام واجتهاده ، وليس له في الخمس ملك ، ولا يمتلك من الدنيا إلا قدر حاجته ، وغير ذلك كله عائد على المسلمين ، وهذا معنى تسميته بقاسم ، وليست هذه التسمية بموجبة ألا تكون أثرة في اجتهاده لقوم دون قوم . وقوله: (( أحسنت الأنصار)) يعني : في تعزيز نبيها ، وتوقيره من أن يشارك في كنيته ، فيدخل عليه النعت عند النداء بغيره لتشوفه إلى الداعي ، كما عرض له في السوق ، فنهى عن كنيته ، وأباح اسمه. للبركة المرجوة منه ( ... ) (١) في التسمية من الفأل الحسن ؛ لأنه من معنى الحمد ؛ ليكون محمودًا من تسمى باسمه . وقوله: (( لا أعطيكم ، ولا أمنعكم)) يقول : الله يعطي في الحقيقة، وهو يمنع ، وإنما أعطيكم بقدر ما يسرني الله له . ومعنى حديث خولة في هذا الباب ، أن من أخذ من المقاسم شيئًا بغير قسم الرسول أو الإمام بعده ، فقد تخوض في مال الله بغير حق، ويأتي بما غل يوم القيامة . وفيه ردع للولاة والأمراء أن يأخذوا من مال الله شيئًا بغير حقه ، ولا يمنعوه من أهله . (١) كلمة لم أستطع قراءتها . - ٢٧٥ - باب: قول الرسول: (( أُحلتْ لكم الغنائم )) وقوله : ﴿وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها ... ﴾ (١) الآية فهي للعامة حتى يبينه الرسول . فيه: عروة البارقي: قال الرسول: ((الخيل معقود في نواصيها الخير: الأجرُ والمغنمُ إلى يوم القيامة)). وفيه : أبو هريرة وجابر بن سمرة قال الرسول - عليه السلام -: ((إذا هلك کسری فلا کسری بعده ، وإذا هلك قیصر فلا قيصر بعده ، والذي نفسي بيده ، لتنفقن كنوزهما في سبيل الله )) . / وفيه: أبو هريرة: قال عليه السلام: (( تكفل الله لمن جاهد في سبيله (١٨٩٥/٢ -ب] بأن يدخله الجنة ، أو يرجعه إلى مسكنه مع ما نال من أجر أو غنيمة)). وفيه : أبو هريرة: قال عليه السلام: ((غزا نبي من الأنبياء فقال لقومه: لا يتبعني رجل ملك بضع امرأة أن يبني بها ولَمَّا يَبْني (٢)، ولا أحد بنى بیوتًا لم ترفع سقوفها ، ولا أحد اشتری غنمًا أو خلفات وهو ينتظر ولادها، فغزا ، فدنا من القرية صلاة العصر أو قريبًا من ذلك فقال للشمس : إنك مأمورة ، وأنا مأمور ، اللهم احبسها علينا ، فحبست حتى فتح الله عليه ، فجمع الغنائم ، فجاءت - يعني : النار - لتأكلها ، فلم تطعمها ، فقال : إن فيكم غُلولا ، فليبايعني من كل قبيلة رجل ، فلزقت ید رجل بیده قال : فیکم الغلول ، فلتبایعني قبيلتك ، فلزقت ید رجلين أو ثلاثة بيده فقال : فيكم الغلول ، فجاءوا برأس مثل رأس بقرة من الذهب ، فوضعوها فجاءت النار فأكلتها ، ثم أحل الله لنا الغنائم ، رأى ضعفنا وعجزنا فأحلها لنا)) . (١) الفتح : ٢٠ . (٢) هكذا في (( الأصل )، بإثبات الياء. - ٢٧٦ - قال المهلب: قوله (( فهي للعامة )) يعني: لجميع الناس ، حتى يبين الرسول من يستحقها ، وكيف تقسم ، وقد بين الله بقوله : ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه ... ﴾ إلى ﴿السبيل﴾ (١) وأما قوله: وعدکم الله مغانم کثيرة تأخذونها فعجل لکم هذه ﴾ (٢) فإنما خاطب بهذه الآية أهل الحديبية خاصة ، ووعدهم بها ، فلما انصرفوا من الحديبية فتحوا خيبر ، وهي التي عجل لهم . وقال ابن أبي ليلى: ﴿وأثابهم فتحًا قريبًا﴾ (٣) يعني: خيبر ﴿وأخرى لم تقدروا عليها﴾ (٤) قال: فارس والروم . وقال مروان والمسور : انصرف رسول الله من الحديبية ، فنزلت عليه سورة الفتح فيما بين مكة والمدينة ، فأعطاه الله فيها خيبر ، فقدم رسول الله المدينة في ذي الحجة ، وسار إلى خيبر في المحرم ، وقوله: وكف أيدي الناس عنكم ﴾ (٢) وحیالكم بالمدينة حين ساروا إلى الحديبية وإلى خيبر . قال المهلب : في حديث النبي الذي أمر [ ألا ] (٥) يتبعه من لم يتزوج : فيه دليل أن فتن الدنيا تدعو النفس إلى الهلع و( تخيبها )(٦)؛ لأن من ملك بضع امرأة ، ولم يبن بها ، أو بنى بها ، وكان على طراوة منها ، فإن قلبه متعلق بالرجوع إليها ، وشغله الشيطان عما هو فيه من الطاعة ، فرمى في قلبه الجزع ، وكذلك ما في الدنيا من متاعها وقنيتها . وفي قوله للشمس: ((إنك مأمورة)» دليل في [الموم] (٦)، وأصل في (١) الأنفال: ٤١. (٢) الفتح: ٢٠. (٣) الفتح : ١٨. (٤) الفتح : ٢١. (٥) في ((الأصل)): أن، وهو عكس المعنى الوارد في الحديث. (٦) بدون نقط في ((الأصل)). - ٢٧٧ - العبادة على ضيق وقت العمل الذي الرأي فيه في اليقظة ، وثبات وقته (١) ، فيكون تنبيها على الأخذ بالحزم . وفيه : أن قتال آخر النهار وإذا هبت رياح النصر أفضل ، كما كان عليه السلام يفعل . وقوله: ((احبسها علينا)) دعاء إلى الله أن يمد لهم الوقت حتى يفتحوا المدينة . وقيل : في قوله : (( احبسها علينا)) أقوال: أحدها : أنها ردت على أدراجها . وقيل : أوقفت ، فلم تبرح . وقيل : بطؤ تجريها وسيرها ، وهو أولى الأقوال بجريها على العادة ، وإن كان خرق العادة للأنبياء جائز ، فكل الوجوه جائزة ، وكانت المغانم للأنبياء المتقدمين يجمعونها في برية ، فتأتي نار من السماء فتحرقها ، فإن كان فيها غلول أو ما لا يحل لم تأكلها ، وكذلك كانوا يفعلون في قربانهم، كان المتقبل تأكله النار وما لا يتقبل يبقى على حاله لا تأكله . ودعاء هذا النبي قومه بالمبايعة بمصافحة أيديهم ، اختبار منه للقبيل الذي فيهم الغلول ، من أجل ظهور هذه الآية ، وهي لصوق يد المبايع بيد النبي . وفيه : أن الأنبياء قد يحكمون في الأشياء المعجزات بآيات يظهرها الله على أيديهم شهادة على ما التبس من أمر الحكم ، وقد يحكمون أيضًا بحكم لا يكون آية معجزة ، ويكون النبي وغيره من الحكام سواء، أو يكون اجتهادهم على حسب ما يتأدى إليهم من مقالة الخصمين؛ فذلك إنما هو ليكون سنة لمن بعدهم . وفيه : أن الغنائم لم تحل لأحد غير محمد وأمته . وفيه : دليل على تجديد البيعة إذا احتيج إلى ذلك لأمر وقع ، وقد فعل ذلك عليه السلام تحت الشجرة . (١) هكذا السياق في (( الأصل)). ١ - ٢٧٨ - [٢/ ق ١٩٠ - ١] وفيه / جواز إحراق أموال المشركين وما غنم منها . * باب : الغنيمة لمن شهد الوقعة وفيه: عمر قال: (( لولا آخر المسلمين ما فتحت قرية إلا قسمتها بين أهلها كما قسم النبي - عليه السلام - خبير)) . فيه : الغنيمة لمن شهد الوقعة . وهو قول أبي بكر وعمر ، وعليه جماعة الفقهاء ، فإن قيل : فإن رسول الله قسم لجعفر بن أبي طالب، ومن قدم في سفينة أبي موسى من غنائم خيبر ، وهم لم يشهدوها ؟ فالجواب أن خيبر مخصوصة بذلك ؛ لأنه عليه السلام لم يقسم غير خيبر لمن لم يشهدها ، فلا يجوز أن تجعل خيبر أصلا يقاس عليه . قال المهلب : وإنما قسم من خيبر لأصحاب السفينة ؛ لشدة حاجتهم في بدء الإسلام ، بأنهم كانوا للأنصار تحت منح من النخيل والمواشي لحاجتهم ، فضاقت بذلك إخوان الأنصار ، وكان المهاجرون من ذلك في شغل بال ( ) (١) عوض الرسول المهاجرين، ورَدَّ إلى الأنصار منائحهم . قال الطحاوي : وقد يحتمل أنه عليه السلام استطاب أنفس أهل الغنيمة ، وقد روي ذلك عن أبي هريرة ، وسنذكره عن () (١) ونذكر هناك وجوهًا أخر للعلماء في إسهام النبي لأهل السفينة من غنائم خيير . وأما قول عمر : (( لولا آخر المسلمين ما فتحت قرية إلا قسمتها بين (١) طمس بالأصل بمقدار كلمتين أو ثلاث. - ٢٧٩ - أهلها ، كما فعل رسول الله بخيبر )) فإن أهل العلم اختلفوا في حكم الأرض ، فقال أبو عبيد : وجدنا الآثار عن الرسول والخلفاء بعده قد جاءت في افتتاح الأرض بثلاثة أحكام : أرض أسلم عليها أهلها فهي لهم ملك ، وهي أرض عشر لا شيء عليهم فيها غيره ، وأرض افتتحت صلحًا على خراج معلوم ، فهم على ما صولحوا عليه ، لا يلزمهم أكثر منه ، وأرض افتتحث عنوة ، فهي التي اختلف فيها المسلمون ، فقال بعضهم : سبيلها سبيل الغنيمة ، فتكون أربعة أخماسها حصصًا بين الذين افتتحوها ، والخمس الباقي لمن سمى الله. قال ابن المنذر : وهذا قول الشافعي ، وأبي ثور ، وبه أشار الزبير ابن العوام على عمرو بن العاص حين افتتح مصر . قال أبو عبيد : وقال بعضهم : بل حكمها والنظر فيها إلى الإمام ، إن رأى أن يجعلها. غنيمة فيخمسها ويقسمها كما فعل رسول الله بخيبر ، فذلك له ، وإن رأى أن يجعلها موقوفة على المسلمين ما بقوا ، كما فعل عمر بالسواد، فذلك له . قال الطحاوي: وهذا قول أبي حنيفة والثوري وأبي يوسف ومحمد. وشَذَّ مالك في المدونة في حكم أرض العنوة ، وقال :. يجتهد فيها الإمام ، وقال في العتبية ، وكتاب ابن المواز من سماع ابن القاسم : العمل في أرض العنوة على فعل عمر لا تقسم ، وتقر بحالها ، وقد أَلَحَّ بلال وأصحاب له على عمر ، فقسم الأرض بالشام، فقال : اللهم اكفنيهم فما أتى الحول ، وبقى منهم أحد . قال مالك : ومن أسلم من أرض العنوة ، فلا تكون له أرضه ولا داره . وأما من صالح على أرضه، ومنع أهل الإسلام من الدخول - ٢٨٠ -