Indexed OCR Text
Pages 121-140
ففي هذا الحديث أن النبي قد أباح له قتالهم وإن شهدوا ألا إله إلا الله حتى يشهدوا أن محمدًا رسول الله ، وحتى يعلم علي خروجهم من اليهود ، كما أمر بقتال عبدة الأوثان حتى يعلم خروجهم مما قوتلوا عليه ، وقد أتى قوم من اليهود إلى النبي - عليه السلام - فأقروا بنبوته ولم يدخلوا في الإسلام فلم يقاتلهم على إبائتهم الدخول في الإسلام، إذ لم يكونوا بذلك الإقرار عنده مسلمين . وروى شعبة ، عن عمرو بن مرة ، عن عبد الله بن سلمة ، عن صفوان بن عسال أن يهوديا قال لصاحبه : تعال حتى نسأل هذا النبي. فقال له الآخر : لا تقل له نبي؛ فإنه إن سمعها صارت له أربعة أعين، فأتاه فسأله عن هذه الآية : ﴿ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات﴾ (١) فقال : لا تشركوا بالله شيئًا ، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ، ولا تسرقوا ، ولا تزنوا ، ولا تسخبوا ، ولا تأكلوا الربا ، ولا تمشوا بيريء إلى سلطان ليقتله ، ولا تقذفوا المحصنة ، ولا تفروا من الزحف ، وعليكم خاصة اليهود ألا تعدوا في السبت ؛ فقبَّلُوا يده وقالوا : نشهد أنك نبي . قال : فما يمنعكم أن تتبعوني ؟ قالوا : نخشى أن تقتلنا اليهود )) فأقروا بنبوّته مع توحيدهم الله ولم يكونوا بذلك مسلمين . فثبت أن الإسلام لا يكون إلا بالمعاني التي تدل على الدخول في الإسلام وترك سائر الملل . وروى ابن وهب ، عن يحيى بن أيوب ، عن حميد الطويل، عن أنس (( أن رسول الله قال : أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ؛ فإذا شهدوا / بذلك وصلوا صلاتنا واستقبلوا قبلتنا وأكلوا ذبيحتنا ؛ حرمت علينا [٢/ ١٥٧٥ -ب) (١) الإسراء : ١٠١. - ١٢١ - دماؤهم وأموالهم إلا بحقها )) قال : وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد . قال الطحاوي؛ فالحديث الأول الذي فيه توحيد الله خاصة هو المعنى الذي يكف به عن القتال حتى يعلم ما أراد به قائله الإسلام أو غيره ، حتى تصح هذه الآثار ولا تتضاد . وقال الطبري نحواً من ذلك، وزاد فقال: أما قوله عليه السلام: ((فإذا قالوا : لا إله إلا الله ؛ عصموا مني دماءهم وأموالهم ... )) الحديث ، فإنه عليه السلام قائله في حال قتاله لأهل الأوثان الذين كانوا لا يقرون بتوحيد الله ، وهم الذین قال الله - تعالى - عنهم : ﴿ إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون﴾ (١) . فدعاهم الرسول إلى الإقرار بالوحدانية وخلع ما دونه من الأوثان ، فمن أقر بذلك منهم كان في الظاهر داخلا في صبغة الإسلام ، ثم قال : آخرون من أهل الكفر كانوا يوحدون الله غير أنهم كانوا ينكرون نبوة محمد ، فقال عليه السلام في هؤلاء : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله ويشهدوا أن محمدًا رسول الله )) فإسلام هؤلاء : الإقرار بما كانوا به جاحدين كما كان إسلام الآخرين إقرارهم بالله أنه واحد لا شريك له ، وعلى هذا تحمل الأحاديث . * باب : من أراد [ غزوة] (٢) فَوَرَّى بغيرها ومن أراد الخروج يوم الخميس فیه : کعب : « أن الرسول - عليه السلام - لم یکن یرید غزوة إلا وَرَى بغيرها حتى كانت غزوة تبوك فغزاها النبي - عليه السلام - في حر (١) الصافات : ٣٥ . (٢) من الصحيح المطبوع (١٣١/٦)، وهو المناسب للسياق، وفي (( الأصل))؛ غزو. - ١٢٢ - شديد واستقبل سفرًاً بعيداً ومفازاً ، واستقبل غزو عدو كثير فجلی للمسلمين أمرهم ؛ ليتأهبوا أهبة غزوهم وأخبرهم بوجهه الذي يريد ، وقل ما كان عليه السلام يخرج في سفر إلا يوم الخميس ، وخرج يوم الخمیس في غزوة تبوك )) . قال المهلب : فيه المكايدة في الحرب ، وطلب غرّة العدو ، وفيه جواز الكلام بغير نية للإمام وغيره إذا لم يضر بذلك أحدًا وكان فيه نفع للمسلمين خاصة وعامة فهو جائز وهو خارج من باب الكذب وأخبرهم عليه السلام بغزوة تبوك لطول المدة ؛ ليتأهبوا كما ذكر في الحديث ، ولأنه آمن ألا يسبقه إليها الخبر لِبُعْد الشَّقة التي بينه وبينها وقفرها ، وخروجه يوم الخميس لمعنى يجب أن يحمل عليه ويتبرك به ؛ لأن لنا في رسول الله أسوة حسنة . وقوله: ((وَرَّى بغيرها)) قال أبو علي الفسوي : أصله من الوَرْي كأنه قال : لم يشعر به من وَرْي كأنه قال : ساترت بكذا ، وأصحاب الحديث لا يضبطون الهمز فيه ، وتصغيره : ورية وأصله : وربية ، ويسقط واحدة منهما كما قلت في عطاء : عُطي ، والأصل : عطييّ فتقول : وريت عن كذا وكذا بغير همز ، والمفازة : المهلكة سميت بذلك تفاؤلا بالفوز والسلامة كما قالوا للديغ : سليم . وذكر ابن الأنباري عن ابن الأعرابي ، المفازة مأخوذة من قولهم : قد فَوَّزَ الرَّجُل : إذا هلك . باب : الخروج بعد الظهر فيه : أنس: (( أن رسول الله صلى بالمدينة الظهر أربعًا والعصر بذي الحليفة ركعتين وسمعتهم يصرخون بهما )). - ١٢٣ - في خروج النبي إلى سفر الحج دليل على أنه لا ينبغي أن يكره السفر وابتداء العمل بعد ذهاب صدر النهار وأوله؛ إذ الأوقات كلها لله، .. وأن ما روي عنه عليه السلام: (( اللهم بارك لأمتي في بكورها)). لا يدل أن غير البكور لا بركة فيه ؛ لأن كل ما فعل النبي - عليه [٢/ ق١٥٨-١] السلام - / ففيه البركة ولأمته فيه أكبر الأسوة . وإنما خص - عليه السلام - البكور بالدعاء بالبركة فيه من بين سائر الأوقات - والله [ أعلم - ] (١) لأنه وقت يقصده الناس بابتداء أعمالهم وهو وقت نشاط وقيام من دَعَةٍ ، فخصه بالدعاء ؛ لينال بركة دعوته جميع أمته . والحديث بذلك ذكره ابن المنذر قال : حدثنا سليمان بن شعيب قال: حدثني یحیی بن حسان ، حدثنا هشيم ، أخبرنا يعلى بن عطاء، عن عمارة ، عن صخر الغامدي قال : قال رسول الله : (( اللهم بارك لأمتي في بكورها. قال : وكان إذا بعث جيشًا أو سرية بعثهم أول النهار . قال: وكان صخر رجلا تاجرًا فكان إذا بعث غلمانه بعثهم أول النهار فأثرى وكثر ماله)» . باب : الخروج آخر الشهر وقال ابن عباس : انطلق الرسول من المدينة لخمس بقين من ذي القعدة، وقدم مكة لأربع ليال خلون من ذي الحجة . فيه : عائشة: (( خرجنا مع رسول الله لأربع ليال بقين من ذي القعدة ولا نرى إلا الحج .... )) وذكر الحديث . خروجُه عليه السلام آخر الشهر بخلاف أفعال الجاهلية في استقبالهم (١) ليست بالأصل ، ولا يستقيم المعنى إلا بها . - ١٢٤ - أوائل الشهور في الأعمال وتوجيههم ذلك وتجنبهم بفضل الشهور من أجل نقصان العمر ، فبعث الله نبيه - عليه السلام - يبيح ذلك كله ولم يراع نقصان شهر ولا ابتداؤه ، ولا محاق قمر ولا كماله، فخرج في أسفاره على حسب ما تهيأ له ولم يلتفت إلى أباطيلهم ولا طيرتهم الكاذبة ، ورد أمره إلى الله ، ولم يشرك معه غيره في فعله فأيَّده ونصره . باب : الخروج في رمضان فيه : ابن عباس : « خرج النبي في رمضان فصام حتى بلغ الكديد أفطر». الخروج في رمضان جائز ، وللمسافر أن يصوم أو يفطر إن اختار ذلك بخلاف ما روي عن علي بن أبي طالب أنه قال: (( من أدركه رمضان وهو مقيم ثم سافر ، لزمه الصوم ؛ لقوله تعالى : ﴿ فمن شهد منكم الشهر فليصمه ﴾ (١) وبه قال أبو عبيد وأبو مجلز ، وهذا القول مردود؛ لسفر الرسول في رمضان وإفطاره فيه ، وجماعة الفقهاء على خلاف قوله ، وقد تقدم في (( كتاب الصيام)). باب : التوديع فيه : أبو هريرة: (( بعثنا الرسول في بعث وقال : إن لقيتم فلانًا وفلانًا فحرقوهما بالنار فأتيناه نودعه حين أردنا الخروج فقال : إني كنت أمرتکم أن تحرقوا فلانًا وفلانًا بالنار ، وإن النار لا يعذب بها إلا الله ، فإن أخذتموهما فاقتلوهما )). (١) البقرة : ١٨٥ . - ١٢٥ - قال المهلب : الترجمة صحيحة وهو من الشأن [ المعلوم ] (١) في البعوث والأسفار البعيدة توديع المسافر و( ... ) (٢) والأئمة ومن ترجی بر کة دعوته واستصحاب فضله ، وسيأتي الكلام على النهي عن التحريق بالنار في باب (( لا يعذب بعذاب الله)) بعد هذا في الجزء الذي يليه - إن شاء الله . باب : السمع والطاعة للإمام ( ما لم يأمر بمعصية) (٣) فيه : ابن عمر: قال الرسول: (( السمع والطاعة حق ما لم يؤمر بمعصية؛ فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة )) . قال المؤلف : احتج بهذا الحديث الخوارج ورأوا الخروج على أئمة الجور والقيام عليهم عند ظهور جورهم ، والذي عليه جمهور الأمة. [٢/ ق١٥٨ -ب) أنه لا يجب / القيام عليهم ولا خلعهم إلا بكفرهم بعد الإيمان وتركهم إقامة الصلوات ، وأما دون ذلك من الجور فلا يجوز الخروج عليهم إذا استوطأ أمرهم وأمر الناس معهم ؛ لأن في ترك الخروج عليهم تحصين الفروج والأموال وحقن الدماء ، وفي القيام عليهم تفرق الكلمة وتشتت الألفة . وكذلك لا يجوز القتال معهم لمن خرج عليهم عن ظلم ظهر منهم؛ لقوله عليه السلام: (( فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة)). وقال عليه السلام: (( لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)). وذكر علي بن سعيد في كتاب (( الطاعة والمعصية)) حديثًا أسنده إلى النبي - عليه السلام - قال : ((خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم؛ (١) في ((الأصل)): العلوم. (٢) كلمة لم أستطع قراءتها . (٣) هذه الزيادة هي رواية الكشميهني كما قال الحافظ ابن حجر (١٣٥/٦). - ١٢٦ - وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم . قيل: يا رسول الله ، أفلا ننابذهم عند ذلك ؟ قال : لا ، ما أقاموا فيكم الصلاة ، ألا فمن ولي عليه وال فأتى شيئًا من المعاصي فليكره ما يأتي من معصية الله ، ولا ينزعن يدًا عن طاعة )) يعني : لا يخرجن عليه . وروى الآجري ، عن البغوي ، عن القواريري : حدثنا حكيم بن حزام - وكان من عباد الله الصالحين - حدثنا عبد الملك بن عمير ، عن الربيع بن عميلة ، عن ابن مسعود عن النبي - عليه السلام - قال: ((سيليكم أمراء يفسدون ، وما يصلح الله بهم أكثر ، فمن عمل منهم بطاعة الله فله الأجر وعليكم الشكر ، ومن عمل منهم بمعصية الله فعليه الوزر وعليكم الصبر )) وسيأتي شيء من هذا المعنى في ((كتاب الأحكام)) وفي (( كتاب الفتن)) إن شاء الله . باب: يُقَاتَل من وراء الإمام ويتقى به فيه : أبو هريرة ((قال الرسول: نحن الآخرون السابقون )). وبهذا الإسناد: (( من أطاعني فقد أطاع الله ، ومن عصاني فقد عصى الله ، ومن يطع الأمير فقد أطاعني ، ومن يعص الأمير فقد عصاني، وإنما الإمام جنة يقاتل من ورائه ويتقى به ؛ فإن أمر بتقوى الله وعدل فإن له بذلك أجرًا، وإن قال بغيره فإن عليه [ منه](١))). قال المهلب: قوله: ((من وراء الإمام)) يعني: من أمام الإمام كما قال تعالى : ﴿وكان وراءهم ملك ﴾ (٢) أي: أمامهم ، وقوله : (١) من الصحيح المطبوع (١٣٥/٦)، وسيأتي مثله في شرح المؤلف، وفي هذا الموضع من الأصل : ذنبه . وأظنه تحريفًا ، وقد جاء فى بعض الروايات - كما أشار إليه المؤلف - ((وزرًا)) لكن ما شرح عليه المؤلف يدل على ما قدمنا من التحريف من الناسخ . والله أعلم. (٢) الكهف : ٧٩ . - ١٢٧ - ((يتقى به )) أي: يرجع إليه في الرأي والفعل وغير ذلك مما لا يجب أن يقضى فيه إلا برأي الإمام وحكمه ، ويتقى به الخطأ في الدين والعمل من الشبهات وغيرها ، والإمام جنة بين الناس بعضهم من بعض ؛ لأن بالسلطان نزع الله - تعالى - عن المستضعفين من الناس فهو ستر لهم ، وحرزُ الأموال ، وسائر حرمات المؤمنين أن تنتهك . وقال غيره: تأويل: ((يقاتل من ورائه )) عند العلماء على الخصوص وهو في الإمام العدل خاصة ، فمن خرج عليه وجب على جميع المسلمين قتاله مع الإمام العدل ؛ نصرة له إلا أن يرى الإمام أن يفعل ما فعل عثمان فطاعة الإمام واجبة ، إلا أن الخارجين عليه إن قتلوه في غير قتال اجتمعت فيه الفئتان للقتال أو قتلوا غيره ؛ فإن القصاص يلزمهم بخلاف قتلهم لأحد في حال الملاقاة للفئتين . ! ولذلك استجاز المسلمون طلب دم عثمان ؛ إذ لم يكن قتله عن ملاقاة، وإن كان الإمام غير عدل فالواجب عند العلماء من أهل السنة ترك الخروج عليه وأن يقيموا معه الحدود : الصلوات ، والحج ، والجهاد ، وتؤدى إليه الزكوات ، فمن قام عليه من الناس متأولا بمذهب خالف فيه السنة أو لجور أو لاختيار إمام غيره سُمي فاسقًا ظالما غاصبًا في خروجه لتفريقه جماعة المسلمين ، ولما يكون في ذلك من سفك الدماء . فإن قاتلهم الإمام الجائر لم يقاتلوا معه ولم يَجُزْ أَنْ يسفكوا دماءهم في نصره ، وقد / رأى كثير من الصحابة ترك القتال مع علي ، ومكانُه من الدين والعلم ما لا يخفى على أحد له مسكة فهم ، وسموه قتال فتنة، وادعاء كل واحد على صاحبه أنه الفئة الباغية ، وهذا شأن العصبية عند أهل العلم . [٢/ق١٥٩-٢] ولم ير علي على من قعد عن القتال معه ذنبًا يوجب سخطه حاله، - ١٢٨ - وإن كان قد دعا بعضهم إلى القتال ، فأبوا أنّ يجيبوه فعذرهم ، وكذلك يجب على الإمام الصالح الذي يأخذ الأمر عن شورى ألا يعتب من قعد عنه ، وسنوضح كيف القتال في الفتنة في موضعه من « كتاب الفتنة)) إن شاء الله . وقال صاحب العين: الجنة: الدرع، وسمي المجن : مجنًا ؛ لأنه يستتر به عند القتال . وقوله : (( فإن عليه منه )) كذا روي الحديث ، وقد جاء في بعض طرقه فإن عليه منه وزرًا )) وهو مفهوم المعنى . باب : البيعة في الحرب ألا يفروا وقال بعضهم : على الموت لقول الله - تعالى - : ﴿ لقد رضي الله عن المؤمنین إِذ ییایعونك تحت الشجرة ﴾ (١) . فيه : ابن عمر : (( رجعنا من العام المقبل فما اجتمع منا اثنان على الشجرة التي بايعنا تحتها ، كانت رحمة من الله، فسألت (٢) نافعًا على أي شيء بايعهم ، على الموت ؟ قال : لا ، بل بايعهم على الصبر)) . وفيه : عبد الله بن زيد (( لما كان زمن الحرة أتاه آت فقال له : إن ابن حنظلة يبايع الناس على الموت. قال : لا أبايع على هذا أحدًا بعد النبي- عليه السلام )) . وفيه : مسلمة قال : « بایعت النبي - عليه السلام - ثم عدلت إلی ظل شجرة ، فلما خف الناس قال : يا ابن الأكوع ، ألا تبايع ؟ قال : قلت : قد بايعت يا رسول الله . قال : وأيضًا . فبايعته الثانية . فقلت له : يا أبا مسلم، على أي شيء كنتم تبابعون يومئذ ؟ قال : على الموت )). (١) الفتح : ١٨. (٢) السائل هو جويرية بن أسماء الراوي عن نافع . - ١٢٩ - وفيه : أنس (( كانت الأنصار يوم الخندق تقول : ! نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما بقينا أبدا فأجابهم فقال : اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فأكرم الأنصار والمهاجرة وفيه: مجاشع بن مسعود: (( أتيت النبي - عليه السلام - أنا وأخي فقلت : بَايعْنا على الهجرة . قال : مضت الهجرة لأهلها . فقلت : عَلامَ تُبَايِعُنا ؟ قال : على الإسلام والجهاد )) . قال المهلب : هذه الأحاديث مختلفة الألفاظ ، منهم من يقول على الموت ، وعلى ألا يفر ، وعلى الصبر ، والصبر يجمع المعاني كلها وهو أولى الألفاظ بالمعنى ؛ لأن بيعة الإسلام هي على الجهاد وقتال المثلين ، فإن كان المشركون أكثر من المثلين كان المسلم في سعة من أن يفرّ ، وفي سعة أن يأخذ بالشدة ويصبر ، وهذا كله بعد أن نسخ قتال العشرة أمثال ، وأما قبل نسخها فكان يلزم قتال العشرة أمثال وألا يفرّ إلا من أكثر منها . وبيعة الشجرة إنما هي على الأخذ بالشدة وألا يفرّ أصلا ولا بد من الصبر إما إلى فتح وإما إلى موت ، فمن قال : بايعنا على الموت ، أراد يفتح لنا ، ومن قال : لا نفرّ . فهو نفس القصة التي وقعت عليها المبايعة ، وهو معنى الصبر ؛ وقول نافع : على الصبر ؛ كراهية لقول من قال بأحد الطريقين : الموت أو الفتح ، فجمع نافع المعنيين في كلمة الصبر . وقوله لسلمة بن الأكوع : (( ألا تبايع )) أراد أن يؤكد بيعته ؛ الشجاعة سلمة وغنائه في الإسلام وشهرته بالثبات ؛ فلذلك أمره بتكرير المبايعة . - ١٣٠ - وحديث مجاشع بن مسعود إنما كان / بعد الفتح ؛ لأن الرسول [٥/٢، ١٥٩ -ب] قال: ((لا هجرة بعد الفتح، إنما هو جهادٌ ونية )) فكل من بايع الرسول قبل الفتح لزمه الجهاد أبدًا ما عاش إلا لعذر يجوز له به التخلف ، وكذلك قالوا بحضرة رسول الله في ارتجازهم يوم الخندق: على الجهاد ما بقينا أبدا نحن الذین بایعوا محمدًا و کذلك قال الله : ﴿ وما كان المؤمنون لينفروا کافة فلولا نفر من کل فرقة منهم طائفة﴾ (١) فأباح لهم أن يتخلف عن الغزو من ينفر إلى التفقه في الدين ولم يُبح لغير المتفقهين التخلف عن الغزو . وأما من أسلم بعد الفتح فله أن يجاهد وله أن يتخلف بنية صالحة كما قال: ((جهاد ونية)) إلا أن ينزل عدو أو ضرورة فيلزم الجهاد كل أحد ، والدليل على أن كل من بايع النبي - عليه السلام - قبل الفتح لا يجوز له التخلف عن الجهاد أبدًا قصة كعب بن مالك إذ تخلف عن تبوك مع صاحبيه هلال بن أمية ، ومُرارة بن الربيع أنهم لم يغزوا و ( ... ) (٢) الله ورسوله والمؤمنون عليهم وأخرجوهم من بين أظهرهم ولم يُسلِّمُوا عليهم ولم يكلموهم حتى بلغت منهم العقوبة مبلغها وعلم الله إنابتهم فتاب عليهم . وأخو مجاشع بن مسعود اسمه : مجالد بن مسعود السلمي . قوله: (( فما اجتمع اثنان على الشجرة ، كانت رحمة)) يعني : جهلهم بها رحمة ، خشية أن تعبد وتصير كالقبلة والمسجد ، وبيعة الشجرة كانت بالمدينة فرضت الحرب على المسلمين ، وقد كانت بيعة العقبة بمكة على ألا يشركوا بالله شيئًا ، ولا يسرقوا ، ولا يزنوا ، على (١) التوبة : ١٢٢ . (٢) كتب هنا كلمة ((عند)) ثم ضرب عليها، والمناسب هنا ((غضب)) أو نحو ذلك. - ١٣١ - ما ذكر الله في آخر سورة الممتحنة ، وذكره عبادة بن الصامت في حديثه ، ولم يفرض في هذه البيعة حرب إنما كانت بيعة النساء ، وقد تقدم بيان ذلك في (( كتاب الإيمان)) في باب (« علامة الإيمان حب الأنصار)) . وأما قول عبد الله بن زيد في زمن الحَرَّة: لا أبايع أحدًا على الموت بعد النبي ، وإنما قال ذلك ؛ لأنه يرى القعود في الفتن التي بين المسلمين وترك القتال مع إحدى الطائفتين ، وقد ذهب إلى ذلك جماعة من السلف على ما يأتي بيانه في (( كتاب الفتنة)) ، في باب قوله عليه السلام : (( تكون فتنة القاعد فيها خير من القائم)). باب : عزم الإمام على الناس فيما يطيقون فيه : ابن مسعود قال: « لقد سألني رجلٌ عن أمر ما دريتُ ما أَرَدُّ عليه، قال : أرأيت رجلا مؤديًا نشيطًا يخرج مع أمرائنا في المغازي فيعزم علينا في أشياء لا نحصيها ؟ فقلت له : والله ما أدري ما أقول لك ، إلا أنا كنا مع النبي فعسى ألا يعزم علينا في أمر إلا مرة حتى نفعله ، وإن أحدكم لن يزال بخير ما اتقى الله ، وإذا شك في نفسه شيء سأل رجلا فشفاه منه وأوشك ألا تجدوه ، والذي لا إله إلا هو ما أذكر ما غبر من الدنيا إلا [ كالثغب ] (١) شُربَ صَفْوَهُ وبقي كدره)) . قال المهلب : هذا الحديث يدل على شدة لزوم الناس طاعة الإمام ومن يستعمله الإمام ؛ ألا ترى تحرج السائل لعبد الله وتعرفه كيف موقع التخلف عن أمر السلطان من السنة ، وتحرج عبد الله من أن يفتيه (١) في ((الأصل)): كالشعب ، والمثبت هو الصواب كما سيأتي . 1 - ١٣٢ - في ذلك برخصة أو شدة ، ولكن قد فَسَّر الرسول - عليه السلام - ذلك في الحديث الذي أمر فيه بعض قواده أن يجمعوا حطباً ويوقدونها ففعلوا ، فقال لهم : ادخلوها . قال بعضهم : إنما دخلنا في الإسلام فرارًا من النار ، فلم يزالوا يتمارون حتى خمدت النار وسكن غضبه فأخبر الرسول - عليه السلام- بذلك فقال: (( لو دخلتموها ما خرجتم منها أبدًا ؛ إنما الطاعة في المعروف )) وقول - الله تعالى - :. ﴿ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها﴾ (١) يقضي على ذلك كله ، وقد كان له أن يكلفها فوق وسعها فلم يفعل وتفضل في أخذ العفو ، هذا معنى الحديث . وفيه تشكي عبد الله بن مسعود قلة العلماء وتغير الزمن عما كان عليه في / وقت رسول الله . [٢ / ق ١٦٠ - ١] وقوله: (( مؤديًا)) معناه : ذو أداة وسلاح تام العدة والشكل ، عن أبي عبيد . وقوله : (( ما غير من الدنيا )) يعني: بقي ، والغابر هو الباقي ، ومنه قوله : ﴿إلا عجوزاً في الغابرين ﴾ (٢) يعني: ممن تخلف فلم تمض مع لوط . وقوله: ((كالثغب)) قال صاحب العين: الثغب : ما يستنقع في صخرة ، والجمع : ثغبان . (١) البقرة: ٢٨٦ . (٢) الشعراء : ١٧١، والصافات : ١٣٥ . - ١٣٣ - باب ..- كان النبي - عليه السلام - ((إذا لم يقاتل أول النهار أخْر القتال حتى تزول الشمس » . فيه : ابن أبي أوفى (( أن الرسول في بعض أيامه التي لقي فيها انتظر حتى مالت الشمس ، ثم قام في الناس فقال : أيها الناس ، لا تمنوا لقاء العدو ، واسألوا الله العافية)) . قال المهلب : معنى هذا الحديث - والله أعلم - مفهوم من قوله : ((نصرت بالصبا ، وأهلكت عاد بالدبور )) فهو يستبشر بما نصره الله به من الرياح ، ويرجو أن يهلك الله أعاديه بالدَّبور كما أهلك عادًا، وإذا أهلك عدوّهُ بالدّبور فقد نصر بها ، فكان إذا لم يقاتل بالغدو وهو الوقت الذي تهب فيه الرياح ، أخّر حتى تزول الشمس وتھب رياح. النصر . وقد بين هذا المعنى ما رواه قاسم بن أصبغ قال : حدثنا الحسن بن سلام [ السَّوَّاق] (١) قال : حدثنا عفان قال: حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا أبو عمران الجوني ، عن علقمة بن عبد الله المزني ، عن معقل بن يسار قال: قال النعمان بن مقرن: (( شهدت القتال مع رسول الله فكان إذا لم يقاتل أول النهار انتظر حتى تزول الشمس . وتهب رياح النصر)) رواه البخاري في باب الجزية، وقال: (( انتظر حتى تهب الأرواح وتحضر الصلوات )) وأوقات الصلوات أفضل الأوقات ويستجاب فيها الدعاء ، والله أعلم . (١) من ترجمة عفان - وهو ابن مسلم - من تهذيب الكمال (١٦٢/٢٠) ، ووقع في (( الأصل)) : السويفي وهو خطأ . - ١٣٤ - باب : استئذان الرجل الإمام وقوله تعالى : ﴿ الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه ﴾ (١) فيه: جابر: (( غزوت مع النبي - عليه السلام - فتلاحق بي النبي وأنا علی ناضح لي قد أعیا ، فتخلف النبي فزجره ودعا له ، فما زال بين يدي الإبل قدامها يسير ، فقال : كيف ترى بعيرك ؟ قلت : بخير ، أصابته بركتك . قلت : يا رسول الله ، إني عروس فاستأذنته ؛ فأذن لي ، فتقدمت الناس إلى المدينة ... )) الحديث . قال المهلب : هذه الآية أصل في أن لا يبرح أحد عن السلطان إذا جمع الناس لأمر من أمور المسلمين يحتاج فيه إلى اجتماعهم أو جهادهم عدوًا إلا بإذنه ؛ لأن الله - تعالى - قال: ﴿فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فائذن لمن شئت منهم﴾ (١) فعلم أن الإمام ينظر في أمر الذي استأذنه ، فإن رأى أن يأذن له أذن ، وإن لم يَرَ ذلك لم يأذن له؛ لأنه لو أبيح للناس تركه عليه السلام والانصراف عنه لدخل الخرم وانفض الجمع ويجد العدوَّ غِرَّةً ، فيثبون عليها وينتهزون الفرصة في المسلمين . وفيه أن من كان حديث عهد بعرس أو متعلق القلب بأهله وولده فلا بأس أن يستأذن في التعجيل عند الغفلة إلى دار الإسلام كما فعل جابر، وفي هذا المعنى حديث لداود النبي - عليه السلام - أنه قال في غزوة خرج إليها: (( لا يتبعني من ملك بضع امرأة ، ولم يبن بها ، أو بنى دارًا ولم يسكنها)) فإنما أراد أن يخرج معه من لم يشغل نفسه بشيء من علائق الدنيا ؛ ليجتهد فيما خرج له وتصدق نيته ويثبت في (١) النور : ٦٢ . - ١٣٥ - القتال ولا يفرّ ؛ فيدخل الجبن على غيره ممن لا يريد الفرار ، وسيأتي ما بقي من معاني هذا الباب في (( كتاب البيوع)) وغيره - إن شاء الله. [٢/ ق ١٦٠ -ب) /باب: مبادرة الإمام عند الفزع فيه: أنس: (( كان بالمدينة فزع ، فركب رسول الله فرسًا لأبي طلحة ، فقال: ما رأينا من شيء وإن وجدناه لبحراً)). وترجم له باب (( السرعة والركض عند الفزع)) وباب (( الخروج في الفزع وحده)) وترجم له باب ((إذا فزعوا من الليل)) وقال فيه: ((فزع أهل المدینة ليلا ... )) . وقد تقدم القول في هذه الأبواب كلها ، وجملة ذلك أن الإمام ليس له أن يسخو بنفسه وينبغي له أن يشح بنفسه ؛ لأن في ذلك نظمًا للمسلمين وجمعًا لكلمتهم إلا أن يكون من أهل الغناء الشديد والنكاية القوية كما كان - عليه السلام - قد علم أن الله يعصمه ويؤيده ولا يخزيه فله أن يأخذ بالشدة على نفسه ؛ ليقوي قلوب المسلمين وليتأسوا به فيجتهدوا . باب : الجعائل والحُمْلان في السَّبِيل وقال مجاهد لابن عمر : أريد الغزو. قال : إني أريد أن أعينك بطائفة من مالي . قلت : أوسع الله عليّ . قال : إن غناك لك وإني أحب أن يكون من مالي في هذا الوجه . وقال عمر : إن ناسًا يأخذون من هذا المال ؛ لیجاهدوا ، ثم لا يجاهدون ، فمن فعل فنحن أحق بماله حتى نأخذ منه ما أخذ . وقال طاوس ومجاهد : إذا دَفع إليك شيء تخرج به في سبيل الله فاصنع به ما شئت وضعه عند أهلك . - ١٣٦ - فيه: عمر: (( حملت على فرس في سبيل الله فرأيته يباع ، فسألت النبي: أشتريه؟ قال: لا تشتره، ولا تعد في صدقتك)) . وفيه: أبو هريرة: (( قال النبي : لولا أن أشق على أمتي ما تخلفت عن سرية ، ولكن لا أجد حمولة ولا أجد ما أحملهم عليه ، ويشق علي أن يتخلفوا عني )) . قال المؤلف: قوله: ((باب الجعائل))، إنما أراد أن يُخرج الرجل شيئًا من ماله يتطوع به في سبيل الله كما فعل ابن عمر أو يعين به من لا مال له من الغابرين كالفرس الذي حمل عليه عمر في سبيل الله فهذا حسن مرغب فيه ، وليس من باب الجعائل التي كرهها العلماء، فقال مالك : أكره أن يؤاجر الرجل نفسه أو فرسه في سبيل الله ، وكره أن يعطيه الوالي الجعل على أن يتقدم إلى الحصن . ولا نكره الجعائل لأهل العطاء ؛ لأن العطاء مأخوذ على هذا الوجه. قال مالك : لا بأس بالجعائل في البعوث ، لم يزل الناس يتجاعلون عندنا بالمدينة يجعل القاعد للخارج إذا كانوا من أهل ديوان واحد ؛ لأن عليهم سد الثغور ، وأصحاب أبي حنيفة يكرهون الجعائل ما كان بالمسلمين قوة أو في بيت المال ما يفي بذلك ، فإن لم تكن لهم قوة ولا مال فلا بأس أن يجهز بعضهم بعضًا على وجه المعونة لا على وجه البدل ، وهذا الموضع ينبغي أن يكون وفاقًا لقول مالك . وقد روى أيوب ، عن ابن سيرين ، عن ابن عمر قال : كان القاعد يمنح الغازي ، فأما أن يبيع الرجل غزوه فلا أدري ما هو . وقال الشافعي : لا يجوز أن يغزو بجعل يأخذه من رجل ، وأرده إن غَزَا به ، وإنما أجيزه من السلطان دون غيره ؛ لأنه يغزو بشيء من حقه، واحتج بأن الجهاد فرض على الكفاية ، فمن فعله وقع عن فرضه فلا يجوز أن يستحق على غيره عوضًا . - ١٣٧ - قال ابن القصار : فيقال له : ليس كل من دخل في شيء يتعين عليه بدخوله فيه يكون في ابتدائه متعينًا عليه ؛ ألا ترى أن المتطوع بالحج في الابتداء ليس بواجب عليه ، وإذا دخل فيه تعين فرض إتمامه عليه ، وكذلك المجعول له لم يكن الجهاد متعين عليه في الابتداء ، فلما دخل فيه نائبًا عن غيره تعين عليه ، إلا أنه قد سَدَّ في جهاد العدو مسد الجاعل وناب منابه ؛ فجاز له الجعل . فإن قيل : فإن المجاهد يستحق سهمًا من الغنيمة / فلو وقع فعله .[٢/ق١٦١-١) عن غيره لم يصح ذلك ، وإن وقع فعله عن نفسه لم يجب له جعل . قيل : وما يمنع من هذا ؟ هو يستحق الجعل بالمعاونة ويحصل الجعل له ؛ لأن المعنى المقصود من الجهاد قد حصل كما يحصل من الجاعل لو حضر ، وقلنا إن المجعول له لم يتعين عليه الفرض في الابتداء ، وإنما جعل للجعل ونوى الجهاد فتعين عليه بدخوله ، وقد أدى القاعد للخارج مائة دينار في بعث في أيام عمر ، وكان مسروق يجعل عن نفسه إذا خرج البعثُ . قال المهلب : أما قول طاوس ومجاهد : إذا دفع إليك شيء في سبيل الله فاصنع به ما شئت . فإنه يخرج من حديث عمر في الفرس؛ لأنه وضع عنده للجهاد فأخذ ثمنه وانتفع به وإنما باعه الرجل ؛ لأنه لم يكن حبيسًا ، وإنما كان حُمْلانًا للجهاد صدقة ؛ لقول الرسول : (( لا تَعُدْ في صدقتك)). وقد روي عن ابن عباس وابن الزبير خلاف قول طاوس ومجاهد ، قال ابن عباس : أنفقها في الكُراع والسلاح . وقال ابن الزبير : أنفقها. في سبيل الله . وقال النخعي : كانوا يعطون أحب إليهم من أن يأخذوا . وسيأتي تمام القول في قصة بيع الفرس في باب ((إذا حمل - ١٣٨ - على فرس فرآها تباع)» بعد هذا - إن شاء الله . - وفي حديث عمر وأبي هريرة الحمل على الخيل في سبيل الله . وقوله : (( لولا أن أشق على أمتي ما تخلفت عن سرية ) يريد أنهم كانوا يقتدون به فيخرجون على العسر واليسر ولا يتخلفون عنه صلى الله عليه ؛ لحرصهم على اتباعه ورغبتهم في امتثال سيرته . * باب : الأجير وقال الحسن وابن سيرين : يقسم للأجير من المغنم . وأخذ عطية بن قيس فرسًا على النصف فبلغ سهم الفرس أربعمائة دينار ؛ فأخذ مائتين وأعطى صاحبه مائتين . فيه : يعلى عن أبيه قال: (( غزوت مع رسول الله في غزوة تبوك فحملت على بكر ، فاستأجرت أجيرًا ، فقاتل رجلا ، فعض أحدهما الآخر ، فانتزع يده من فيه ونزع ثنيته ... )) الحديث . اختلف العلماء في الأجير فقال مالك وأبو حنيفة : لا يُسهم له . وهو قول إسحاق . وقال الشافعي : يسهم له قاتل أو لم يقاتل . وحجة مالك والكوفي قوله تعالى : ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه﴾ (١) فجعلها للغانمين ، ومن لم يقاتل عليها فليس بغانم فلا يستحق شيئًا وروي عن سلمة بن الأكوع قال: (( كنت تابعًا لطلحة بن عبيد الله وأنا غلام شاب ، فأعطاه رسول الله سهم الفارس والراجل جميعًا)) واحتج الشافعي بقوله عليه السلام: ((الغنيمة لمن حضر الوقعة)) . وهو قول أبي بكر وعمر وهو إجماع العلماء . قال المهلب : وأما حديث يعلى فليس فيه أن النبي - عليه السلام - (١) الأنفال : ٤١ . - ١٣٩ - أسهم لأجير ، وإنما حاول البخاري إثبات ذلك بالدليل ؛ لأن في الحديث جواز استئجار الحر في الجهاد ، وقد خاطب الله جماعة المؤمنين الأحرار بقوله : ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن الله خمسه﴾(١) فدخل الأجير في هذا الخطاب ؛ فوجب له سهم المجاهد الغانم لما تقدم من المخاطبة له ، وأما فعل عطية بن قيس فلا يجوز عند مالك وأبي حنيفة والشافعي ؛ لأنها إجارة مجهولة ، فإذا وقع مثل هذا كان لصاحب الدابة كراء مثلها ، وما أصاب الراكب في المغنم فله، وأجاز الأوزاعي وأحمد بن حنبل أن يعطي فرسه على النصف في الجهاد . باب : ما قيل في لواء النبي عليه السلام فيه : قيس بن سعد وكان صاحب لواء النبي - عليه السلام -: (( أنه (٢/ ق١٦١ -ب) أراد الحج / فرجل)) . وفيه : سلمة: ( کان علي تخلف عن النبي في خبر و کان به رمد ، فلحق بالنبي - عليه السلام - فلما كان مساء الليلة التي فتحها في صباحها ، قال النبي - عليه السلام - : لأعطين الراية - أو ليأخذن - غدًا رجل يحبه الله ورسوله يفتح الله على يديه . فإذا نحن بعلي ، وما نرجوه، فقالوا : هذا علي فأعطاه رسول الله، ففتح الله على يديه )) . وفيه : نافع بن جبير: (( أن العباس قال للزبير : ها هنا أمرك النبي - عليه السلام - أن تركز الراية )) . ۔۔۔ قال المهلب : فيه أن لواء الإمام ينبغي أن يكون له صاحب معلوم ، وإن كان من الأنصار فهو أولى ؛ للاستنان بالنبي - عليه السلام - لأن (١) الأنفال : ٤١ . - ١٤٠ -