Indexed OCR Text

Pages 81-100

باب : نزع السهم من البدن
فيه : أبو موسى : « رمي أبو عامر في ركبته ، فانتهيت إليه ، فقال :
انزع هذا السهم . فنزعته [ فنزا ] (١) منه الماء ، فدخلت على النبي
فأخبرته فقال : اللهم اغفر لعبيد أبي عامر )) .
قال المهلب : فيه جواز نزع السهام من البدن وإن خشي بنزعها
الموت ، وكذلك [ البط ] (٢) والكي وما شاكله، يجوز للمرء أن
يفعله رجاء الانتفاع بذلك ، وإن كان في غبها (٣) خشية الموت ،
وليس من صنع ذلك بِمُلْقِ نَفْسَهُ للتهلكة ؛ لأنه بين الخوف والرجاء .
وقوله عليه السلام: ((اللهم اغفر / لعبيد أبي عامر)) إنما دعا له ؛ [٢/ ١٤٩٥ -ب]
لأنه علم أنه ميت من ذلك السهم .
وقوله: (( نزا منه الماء )) . قال صاحب العين : نزا ينزو نزوا
ونزوانا وينزي : إذا وثب . وقال أبو زيد : النزاء و[النفار ] (٤) داء
يأخذ النساء فتنزوا منه وتنفر حتى تموت ، وسيأتي زيادة في شرح هذه
الكلمة بعد هذا إن شاء .
باب : الحراسة في الغزو في سبيل الله
فيه : عائشة: (( كان النبي - عليه السلام - يسهر ، فلما قدم المدينة
قال: ليت رجلا من أصحابي صالحًا يحرسني الليلة ، إِذْ سمعنا صوت
(١) من الصحيح المطبوع (٢٨٨٤)، وسيأتي على الصواب في شرح الغريب،
ومعناه: انصب من موضع السهم، وجاء في (( الأصل)): فبري . كذا .
(٢) من فتح الباري لابن حجر (٩٥/٦) نقلا عن المهلب، والبطٌ يقال: بطّ الدمّل
ونحوٍهٍ بَطا: شقه، وجاء في (( الأصل)): البنا. وهو تحريف .
(٣) الغبّ من كل شيء: عاقبته وآخره. (المعجم الوسيط: ٦٤٢/٢).
(٤) فيَ ((الأصل)): التفان. وهو تحريف .
- ٨١ -

سلاح ، فقال : من هذا ؟ قال : أنا سعد بن أبي وقاص جئت لأحرسك .
ونام النبي - عليه السلام)) .
وفيه أبو هريرة : قال النبي - عليه السلام - : (( تعس عبد الدينار
والدرهم والقطيفة والخميصة ، إن أُعطي رضي وإن لم يُعط لم يرض ،
تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش ، طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في
سبيل الله أشعث رأسه ، مغبرة قدماه ، إن كان في الحراسة كان في
الحراسة، وإن كان في السّاقة كان في الساقة ، إن استأذن لم يؤذن له ،
وإن شفع لم يشفع »
قال المهلب : فيه التزام السلطان للحذر والخوف على نفسه في
الحضر والسفر ؛ ألا ترى فعل الرسول مع ما عرفه الله أنه سيكمل به
دينه ، ويعلي به كلمته ، التزم الحذر خوف فتك الفاتك ، وأذى
المؤذي بالعداوة في الدين ، والحسد في الدنيا .
وفيه أن على الناس أن يحرسوا سلطانهم ويتخفوا به خشية الفتك
وانخرام الأمر .
وفيه أنه من تبرع بشيء من الخير أنه يسمى صالحًا ؛ لقوله : (( ليت
رجلا صالحاً)) أي: (بيعته ) (١) صالحة على حراسة سلطانه فكيف
بنبيه ؟
وفيه دليل أن هذا كان قبل أن ينزل عليه : ﴿ والله يعصمك من
الناس﴾ (٢) وقبل أن ينزل عليه: ﴿إنا كفيناك المستهزئين﴾ (٣) لأنه قد
جاء في الحديث أنه لما نزلت هذه الآية ترك الاحتراس بالليل .
(١) بدون نقط في (( الأصل)) وهي تحتمل ما أثبته ، والله أعلم.
: (٣) الحجر : ٩٥ .
(٢) المائدة : ٦٧ .
- ٨٢ -

وفيه أنه متى سمع الإنسان حس سلاح بالليل أن يقول : من هذا ؟
ويُعلم أنه ساهر لئلا يطمع فيه أهل الطلب للغرّة والغفلة ؛ فإذا عُلم أنه
مستيقظ ردعهم بذلك .
وقوله: (( تعس عبد الدينار والدرهم)) يعني : إن طلب ذلك ،
وقد استعبده وصار عمله كله في طلب الدينار والدرهم كالعبادة لهما.
وقوله : ((إن أعطي رضي)) أي: إن أعطي ما له عمل رضي عن
معطيه وهو خالقه عز [ وجل ] (١) ، وإن لم يعط سخط ما قدر له
خالقه ويسر له من رزقه ، فصح بهذا أنه عبد في طلب هذين ،
فوجب الدعاء عليه بالتعس ؛ لأنه أوقف عمله على متاع الدنيا الفاني
وترك العمل لنعيم الآخرة الباقي .
والتعس : ألا ينتعش ولا يفيق من عثرته ، وانتكس أي : عاوده
المرض كما بدأه ، هذا قول الخليل . وقال ابن الأنباري : التعس :
الشر ، قال تعالى : ﴿فتعسًا لهم﴾ (٢) أراد ألزمهم الله الشر. هذا
قول المبرد . وقال غيره : التعس : البعد. وقال الرَّستُمي : التعس أن
يخر على وجهه ، والنكس أن يخر على رأسه ، قال : والتعس أيضًا:
الهلاك. ثم أكد الدعاء عليه بقوله: ((وإذا شيك فلا انتقش)) أي :
إذا أصابته شوكة فلا أخرجها بمنقاشها ، فيمتنع السعي للدينار
والدرهم، ثم حض على الجهاد فقال: (( طوبى لعبد ممسك بعنان
فرسه ... )) إلى آخر الحديث فجمع في هذا الحديث مدح من
العمل: خير الدنيا والآخرة لقوله: (( الخيل معقود في نواصيها الخير»
الأجر : والغنيمة ، ونعيم الآخرة بقوله : ﴿ إن الله اشترى من المؤمنين
أنفسهم وأموالهم ... ﴾ (٣) الآية .
(١) ليست بالأصل.
(٣) التوبة : ١١١ .
(٢) محمد : ٨ .
- ٨٣ -

وفيه ترك حب الرياسة والشهرة ، وفضل الخمول ولزوم التواضع لله
بأن يُجهل المؤمن في الدنيا ولا تعرف عينه فيشار إليه بالأصابع ، وبهذا
أوصى عليه السلام ابن عمر فقال له: (( يا عبد الله ، كن في الدنيا.
كأنك غريب )) والغريب مجهول العين في الأغلب فلا يؤبه لصلاحه
فيكرم من أجله ويُبجل ، فمن لزم هذه الطريقة كان حريًا إن استأذن ألا
يؤذن له ، وإن شفع ألا يشفع .
/ ق ١٥٠ -١]
/ باب : فضل الخدمة في الغزو
فيه : أنس : (( صحبت جرير بن عبد الله فكان يخدمني وهو أكبر من
أنس ، قال جرير : رأيت الأنصار يصنعون شيئًا بالنبي لا أجد أحداً منهم
إلا أکرمته » .
وفيه : أنس: (( خرجت مع النبي - عليه السلام - إلى خيبر أخدمه ،
وقال : كنا مع النبي - عليه السلام - أكثرنا ظلا الذي يستظل بكسائه ،
وأما الذين صاموا فلم يعملوا شيئًا ، وأما الذين أفطروا فبعثوا الركاب.
وامتهنوا وعالجوا ، فقال النبي - عليه السلام - : ذهب المفطرون اليوم
بالأجر)) .
قال أبو عبد الله بن أبي صفرة : فيه أن أجر الخدمة في الغزو أعظم
من أجر الصيام ؛ إذْ كان المفطر أقوى على الجهاد وطلب العلم وسائر
الأعمال الفاضلة من معونة ضعيف أو حمل ما بالمسلمين إلى حمله
حاجة .
وفيه : أن التعاون في الجهاد والتفاضل في الخدمة من حلِّ وترحال
واجب على جميع المجاهدين .
وفيه : جواز خدمة الكبير للصغير إذا رعى له شرفًا في قومه أو في
- ٨٤ -

نفسه أو نجابة في علم أو دين أو شبهه ، وأما في الغزو فالخادم
المحتسب أفضل أجرًا من المخدوم الحسيب .
باب : فضل من حمل متاع صاحبه في السفر
فيه : أبو هريرة : عن النبي - عليه السلام - (( كل سلامى عليه صدقة
كُلّ يومٍ يعين الرجل في دابته بحامله عليها أو يرفع عليها متاعه صدقة ،
والكلمة الطيبة ، وكل خطوة بمشيها إلى الصلاة صدقة ، ودلَّ الطريق
صدقة )).
قال المؤلف : السلامى عظام الأصابع والأكارع ، عن صاحب
العين ، وليس ما ذكر في هذا الحديث أنه صدقة على الإنسان تجب
عليه فرضًا ، وإنما هو عليه من باب الحض والندب ، كما أمر الله -
تعالى - المؤمنين بالتعاون والتناصر وقال : ﴿وتعاونوا على البر
والتقوى﴾ (١) وقال عليه السلام: ((المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد
بعضه بعضًا)) ((والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه )) فهذه
كلها وما شاكلها من حقوق المسلمين بعضهم على بعض مندوب إليها
مرغب فيها .
ذكر عبد الرزاق ، عن معمر ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن رجل
ذكره ، عن عائشة ، عن النبي - عليه السلام - أنه قال: (( إن في
الإنسان ثلاثمائة وستين مفصلا ؛ فمن كبر الله وحمد الله وهلل الله
عددها في يوم أمسى وقد زحزح عن النار )) والمراد بحديث أبي هريرة
أن الحامل في السفر لمتاع غيره إنما معناه أن الدابة للمُعان فيؤجر الرجل
(١) المائدة : ٢ .
- ٨٥ -

على عونه لصاحبها في ركوبها أو في رفع متاعه عليها ، وقد جاء هذا
الحديث بيِّنا بهذا المعنى بعد هذا، وترجم له: (( من أخذ بالركاب
ونحوه)) وقال في الحديث: ((ويعين الرجل على دابته فيحمل عليها
ويرفع عليها متاعه )). فدل قوله : من أخذ بالركاب ونحوه . أنه أراد
لدابة غيره وإذا أُجر مَنْ فَعَل ذلك بدابة غيره [ أُجر ] (١) إذا حمل على
دابة نفسه أكثر ، والله الموفق .
باب : فضل رباط يوم في سبيل الله وقول الله تعالى
﴿ اصبروا وصابروا ﴾ (٢) الآية
فیه سهل : قال عليه السلام : « رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا.
وما فيها ، وموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها ... ))
الحديث .
قال المهلب : إنما صار رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما
فيها ؛ لأنه عمل يؤدي إلى الجنة ، وصار موضع سوط في الجنة خير
من الدنيا وما فيها من أجل أن الدنيا فانية وكل شيء في الجنة وإن صغر
في التمثيل لنا - وليس فيها صغير - فهو أدوم وأبقى من الدنيا الفانية
[٢/ ١٥٠٥ -ب) المنقطعة / فكان الدائم الباقي خيراً من المنقطع .
وقوله تعالى : ﴿اصبروا وصابروا﴾ (٢) اختلف فيها أهل التأويل
فقال زيد (٣) : اصبروا على الجهاد، وصابروا العدو، ورابطوا الخيل
على العدو . وعن الحسن وقتادة : اصبروا على طاعة الله ، وصابروا
(١) في ((الأصل)): أحري والمثبت أنسب للسياق. (٢) آل عمران: ٢٠٠.
(٣) هو ابن أسلم ، كما في فتح الباري (١٠١/٦) وغيره .
- ٨٦ -

أعداء الله ، ورابطوا في سبيل الله . وعن الحسن أيضًا : اصبروا على
المصائب ، وصابروا على الصلوات الخمس .
قال محمد بن كعب : اصبروا على دينكم ، وصابروا لِوَعْدِي الذي
وعدتكم عليه ، ورابطوا عدوي وعدوكم حتى يترك دينه لدينكم ،
واتقوا الله فيما بيني وبينكم لعلكم تفلحون غدًا إذا لقيتموني . وعن
[أبي ] (١) سلمة : رابطوا على الصلوات أي : انتظروها.
باب : من غزا بصبيَّ للخدمة
فيه: أنس قال النبي - عليه السلام - لأبي طلحة: (( التمس لي غلامًا
من غلمانکم یخدمني حتى أخرج إلى خيبر . فخرج بي أبو طلحة مردفي
وأنا غلام راهقت الحلم فكنت أخدم النبي - عليه السلام - إذا نزل
فكنت أسمعه كثيراً يقول : اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن ،
والعجز والكسل ، والبخل والجبن ، وضلع الدين وغلبة الرجال ... ))
الحديث .
قال أبو عبد الله: في حديث أنس: (( خرج بي أبو طلحة وأنا
غلام راهقت الحلم)) وفي طريق آخر: ((وأنا ابن عشر سنين)).
وكذلك في حديث ابن عباس: (( ناهزت الحلم)). وفي طريق آخر :
(( توفي رسول الله وأنا ابن عشر سنين ، وقد حفظت المحكم الذي
يدعونه المفصل )) فسمى أنس وابن عباس ابن عشر سنين مراهقًا .
وفيه : جواز الاستخدام لليتامى بشبعهم وكسوتهم .
وفيه : دليل على جواز الاستخدام بغير نفقة ولا كسوة إذا كان خدمة
(١) ليست في ((الأصل)) وهو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، راجع فتح
الباري (٦/ ١٠١) .
- ٨٧ -

عالم أو إمام في الدين ؛ لأنه لم يذكر في حديث أنس أن له أجر
الخدمة وإن كان قد يجوز أن تكون نفقته من عند النبي ، وأما الأجرة
فلم يذكرها أنس في حديثه ولا ذكرها أحد عن النبي ولا عن أبي
طلحة ولا عن أم سلمة ، وهما اللذان أَتَّا به إلى الرسول وأسلماه
لخدمته ولم يشترطا أجِرة ولا نفقة ولا غيرها ، فجائز على اليتيم إسلام
أمه ووصيه و[ ذي ] (١) الرأي من أهله في الصناعات واستئجاره في
المهنة وذلك لازم له ومنعقد عليه، وفيه جواز حمل الصبيان في الغزو.
وقوله: (( يحوِّي لها وراءه)) فالحويَّة مركب يهيّاً للمرأة، من كتاب العين.
باب : رکوب البحر
فيه: أنس (( حدثتني أم حرام أن النبي - عليه السلام - نام يومًا في
بيتها فاستيقظ وهو يضحك قال : عجبت من قوم من أمتي يركبون
البحر كالملوك على الأسرّة ... )) الحديث .
فيه جواز ركوب البحر للجهاد وإذا جاز ركوبه للجهاد فهو للحج
أجوز وهذا الحديث يرد أحد قولي الشافعي أنه من لم يكن له طريق
إلى الحج إلا على البحر سقط عنه فرض الحج ، وقال مالك وأبو
حنيفة : يلزمه الحج على ما يقتضيه دليل هذا الحديث ، إلا أن مالكًا
يكره للمرأة الحج في البحر وهو للجهاد أكره ، وإنما كره ذلك ؛ لأن
المرأة لا تكاد تستتر عن الرجال ولا يستترون عنها ، ونظرها إلى
عورات الرجال ونظرهم إليها حرام ، فلم يَرَ لها استباحة فضيلة
ولا أداء فريضة بمواقعة محرم .
-
(١) في (( الأصل : ذو .
- ٨٨ -

وذكر مالك أن عمر بن الخطاب كان يمنع الناس من ركوب البحر فلم
يركبه أحد طول حياته ، فلما مات استأذن معاويةُ عثمانَ بن عفان في
ركوبه ؛ فأذن له فلم يزل يركب حتى كان عمر بن عبد العزيز فمنع من
ركوبه ، ثم ركب بعده إلى الآن .
ولا حجة لمن منع ركوبه ؛ لأن السنة قد أباحت ركوبه في الجهاد
للرجال والنساء في حديث أنس وغيره وهي الحجة / فيها الأسوة ، [٢/ ١٥١٥-١)
وقد ذكر أبو عبيد أن النبي - عليه السلام - نهى عن ركوب البحر في
وقت ارتجاجه وصعوبته قال : حدثناه عباد بن عباد ، عن أبي عمران
الجوني ، عن زهير [ بن عبد الله ] (١) يرفعه أن النبي - عليه السلام-
قال: (( من ركب البحر إذا التج - أو قال : ارتج - فقد برئت منه
الذمة - أو قال: فلا يلومن إلا نفسه)) . قال أبو عبيد: وأكبر ظني
أنه قال: ((التج )) باللام.
فدل هذا الحديث أن ركوبه مباح في غير وقت ارتجاعجه وصعوبته في
كل شيء في التجارة وغيرها ، وسيأتي في كتاب البيوع في ((باب
التجارة في البحر)) زيادة في هذا المعنى - إن شاء الله - ولم يفسر أبو
عبيد قوله: (( برئت منه الذمة)) ومعناه - إن شاء الله - : فقد برئت
منه ذمة الحفظ؛ لأنه ألقى بيده إلى التهلكة وغَرَّر بنفسه ، ولم يرد فقد
برئت منه ذمة الإسلام ؛ لأنه لا يبرأ أحد من الإسلام إلا بالكفر .
(١) من ((غريب الحديث)) لأبي عبيد وراجع فتح الباري لابن حجر (١٠٣/٦)
وجاء في (( الأصل)): عن عبيد الله، وهو تحريف في موضعين .
- ٨٩ -

باب : من استعان بالضعفاء والصالحين في الحرب
وقال ابن عباس : أخبرني أبو سفيان قال لي قيصر : سألتك أشراف
الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم ؟ فزعمت ضعفاؤهم [وهم](١) أتباع الرسل.
فيه : سعد: (( أنه رأى فضالته على من دونه قال الرسول : هل
تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم ».
وفيه أبو سعيد : قال الرسول - عليه السلام - : (( يأتي زمان يغزو فيه
فئام من الناس فيقال : فيكم من صحب الرسول ؟ فيقال : نعم ، فيفتح
عليهم ، ثم يأتي زمان فيقال : فيكم من صحب أصحاب النبي ؟ فيقال:
نعم، فيفتح ، ثم يأتي زمان فيقال : فیکم من صحب صاحب أصحاب
النبي ؟ فيقال : نعم ، فيفتح )) .
قال المؤلف : ذکر النسائي زيادة في حديث سعد یبین بها معناه فيقال
فيه: (( هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم بصومهم وصلاتهم
ودعائهم)) وتأويل ذلك أن عبادة الضعفاء و[دعاءهم ] (٢) أشد
إخلاصاً وأكثر خشوعًا ؛ لخلاء قلوبهم من التعلق بزخرف الدنيا وزينتها
وصفاء ضمائرهم مما يقطعهم عن الله فجعلوا هَمَّهم واحدًا ؛ فَزَكَتْ
أعمالُهم ، وأجيب دعاؤهم .
قال [ المهلب ] (٣): إنما أراد عليه السلام بهذا القول لسعد الحض
على التواضع ونفي الكبر والزهو عن قلوب المؤمنين ..
ففيه من الفقه أن من زها على (ما) (٤) هو دونه أنه ينبغي أن يبين من
(١) سقط من ((الأصل)) ..
(٢) في ((الأصل)): دعاؤهم .. وهو خلاف الجادة .
(٣) مكانه في ((الأصل)) كلمة غير كاملة مضروب عليها ، وقد نقله الحافظ ابن
حجر في الفتح (١٠٥/٦) عن المهلب فاستدركته منه .
(٤) هكذا في (( الأصل )»، ولعل الصواب : مَنْ .
- ٩٠ -

فضله ما يُحْدث له في نفس المزهو مقدارًاً أو فضلا حتى لا يحتقر أحداً
من المسلمين ؛ ألا ترى أن الرسول أبان من حال الضعفاء ما ليس
لأهل القوة والغناء فأخبر أن بدعائهم وصلاتهم وصومهم ينصرون .
وذكر عبد الرزاق ، عن مكحول أن سعد بن أبي وقاص قال : ((يا
رسول الله ، أرأيت رجلا يكون حامية القوم ويدفع عن أصحابه ليكون
نصيبه كنصيب غيره ؟ فقال النبي - عليه السلام - : ثكلتك أمك يا
ابن أم سعد ، وهل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم » .
فيمكن أن يكون هذا المعنى الذي لم يذكره البخاري في حديث
سعد الذي رأى به الفضل لنفسه على من دونه - والله أعلم - وحديث
أبي سعيد يشهد لصحته ، ويوافق معناه قوله عليه السلام: (( خيركم
قرني ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم )) لأنه يفتح لهم لفضلهم ،
ثم يفتح للتابعين لفضلهم ، ثم يفتح لتابعيهم لفضلهم ، وأوجب
الفضل لثلاثة القرون ولم يذكر الرابع ولم يذكر فضلا فالنصر فيهم
أقل، والله أعلم . وقال صاحب [ العين ] (١) : الفئام : الجماعة من
الناس وغيرهم .
[٢/ ق١٥١-ب]
/ باب : لا يقال فلان شهید
وقال النبي - عليه السلام -: (( الله أعلم بمن يجاهد في سبيله )) .
فيه: سهل (( التقى النبي - عليه السلام - والمشركون فاقتتلوا وفي
أصحاب الرسول رجل لا يدع لهم شاذة ولا فاذة إلا اتبعها يضربها
بسيفه ، فقال : ما أجزأ أحد منا اليوم ما أجزا فلان . فقال النبي - عليه
(١) ساقط من ((الأصل)) وهذا النقل فيه: (٤٠٥/٨).
- ٩١ -

السلام - : أما إنه من أهل النار . فاتبعه رجل كلما وقف وقف معه وإذا
أسرع أسرع معه فجرح الرجل جرحًا شديدًا ، فاستعجل الموت فوضع
نصل سيفه بالأرض وذُبابه بين ثدييه فقتل نفسه ، فقال الرجل : أشهد
أنك رسول الله . قال الرسول : وما ذاك ؟ فأخبره ، فقال عند ذلك : إن
الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار، وإن
الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة)).
قال المهلب : في هذا الحديث ضد ما ترجم له البخاري (١) ، أنه
لا يقال : فلان شهيد ، ثم أدخل هذا الحديث وليس فيه من معنى
الشهادة شيء وإنما فيه ضدها والمعنى الذي ترجم به قولهم : ما أجزأ
أحد ما أجزأ فلان فمدحوا جزاءه وغَنَاءه ، ففهم الرسول منهم أنهم
قضوا له بالجنة في نفوسهم بغناءه ذلك ، فأوحى إليه بِغَيْبِ مَآل أمره
لئلا يشهدوا لحيّ بشهادة قاطعة عند الله ولا لميت ، كما قال رسول الله
في عثمان بن مظعون: (( والله ما أدري وأنا رسول الله ما يُفعل به))
وكذلك لا يعلم شيئًا من الوحي حتى يوحى إليه به ويعرف بغيبه ،
فقال : إنه من أهل النار - بوحي من الله له .
وفيه أن صدق الخبر عما يكون وخروجه على ما أخبر به المخبر زيادة
في زكاته وهو من النبي - عليه السلام - من علامات نبوّته وزيادة في
يقين المؤمنين به ، ألا ترى قول الرجل حين رأى قتله لنفسه : أشهد
إنك لرسول الله وهو كان قد شهد قبل ذلك . وقد قال أبو بكر
الصديق في غير ما قصة حين كان يرى صدق ما أخبر به النبي كان
يقول : أشهد أنك رسول الله .
(١) راجع تعجب الحافظ ابن حجر من هذا القول وردّه عليه في (( الفتح))
(١٠٦/٦-١٠٧) .
- ٩٢ -

وفيه جواز الإغياء في الوصف لقوله : ما أجزٍأ أحد كما أجزأ ،
ولا يدع لهم شاذة ولا فاذة ، ولا شك أن في أصحاب الرسول من
كان فوقه ، وأنه قد ترك شاذات وفاذات لم يدركها ، وإنما خرج كلامه
على الإغياء والمبالغة ، وهو جائز عند العرب ..
وقوله : ((إلا اتبعها يضربه بسيفه)) معناه : يضرب الشيء المتبوع ؛
لأن المؤنث قد يجوز تذكيره على معنى أنه شيء ، وأنشد الفراء
للأعرابية :
تَرَكْتَني في الحي ذا غربة
تريد ذات غربة لكنها ذَكَّرَتْ على تقدير : تركتني في الحي
[إنسانًا] (١) ذا غربة أو شخصًا ذا غربة.
*
باب : التحريض على الرمي وقول الله تعالى :
﴿ وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل﴾ (٢)
فيه: سلمة: (( مَرّ الرسول على نفر من أسلم ينتضلون ، فقال النبي -
عليه السلام - : ارموا يا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميًا ، وأنا مع بني
فلان . قال : فأمسك أحد الفريقين بأيديهم ، فقال رسول الله : ما لكم
لا ترمون ؟ قالوا : كيف نرمي وأنت معهم ؟ فقال عليه السلام : ارموا
وأنا معکم کلکم )) .
وفيه أبو سعيد قال: (( قال الرسول يوم بدر حين صففنا لقريش
وصفوا لنا : إِذَا أكثبوكم فعليكم بالنَّبْل )» .
قال ابن المنذر : ثبت أن النبي - عليه السلام - قال في قوله
(١) في ((الأصل)): إنسان. والمثبت أنسب لسائر السياق (٢) الأنفال : ٦٠.
- ٩٣ -

تعالى: ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة﴾ (١): ((ألا وإن القوة
الرمي)) . رواه المقرئ ، عن سعيد بن أبي أيوب ، حدثنا يزيد بن أبي
حبيب ، عن أبي الخير مرثد بن عبد الله اليزني ، عن عقبة بن عامر ،
عن النبي عليه السلام .
قال المهلب : / فيه من الفقه : أن للسلطان أن يأمر رجاله بتعليم
الرمي وسائر وجوه الجرابة ويحض عليها .
[٢ / ق١٥٢-١]
وفيه : أنه يجب أن يطلب الرجل خلالَ أبيه المحمودة ويتبعها ويعمل
مثلها ؛ لقوله: ((ارموا فإن أباكم كان راميًا )) .
وفيه : أن السلطان يجب أن يعلم المجوّدين أنه معهم أي في حزبهم
ومحب لهم كما فعل الرسول في المجوّدين للرماية فقال: (( وأنا مع
بني فلان)) أي: أنا محب لهم ولفعلهم كما قال عليه السلام: ((المرء
مع من أحب )) .
وفيه من الفقه : أنه يجوز للرجل أن يبين عن تفاضل إخوانه وأهله
وخاصته في محبته ، ويعلمهم كلهم أنهم في حزبه ومودته ، كما قال
عليه السلام : (( أنا معكم كلكم )» بعد أن كان أفرد إحدى الطائفتين
وفيه : أن من صار السلطان عليه في جُمْلة الحزب المناضلين له ألا
يتعرض لمناوأته كما فعل القوم حين أمسكوا ؛ لكون الرسول مع
مناضليهم خوف أن يرموا فيسبقوا فيكون النبي مع من سبق فيكون ذلك
حقا على النبي ، وأمسكوا تأدبًا عليه ، فلما أعلمهم أنه معهم أيضًا
رموا ؛ لسقوط هذا المعنى.
وفيه : أن السلطان يجب أن يُعلم بنفسه أمور القتال كما فعل عليه
السلام .
(١) الأنفال : ٦٠.
- ٩٤ -

وقوله : (( ينتضلون)) يعني : يرمون . تقول : ناضلت الرجل :
راميته .
وقوله: ((أكثبوكم )) أي : قربوا منكم . تقول العرب : أكثبك
الصيد : قرب منك . والكثب : القرب . من كتاب الأفعال .
باب : اللهو بالحراب ونحوها
فيه: أبو هريرة: (( بَيْنَا الحبشة يلعبون عند الرسول بحرابهم دخل عمر
فأهوى إلى الحصباء فحصبهم ، فقال : دعهم يا عمر )) .
وقال عبد الرزاق ، عن معمر : في المسجد .
هذا اللعب بالحراب هو سنة ليكون ذلك عدة للقاء العدو وليتدرب
الناس فيه ، ولم يعلم عمر معنى ذلك حين حصبهم حتى قال له
النبي - عليه السلام -: (( دعهم)).
ففيه من الفقه : أن من تأول خطأ لا لوم عليه ؛ لأن النبي لم يوبخ
عمر على ذلك ؛ إذْ كان متأولا .
وفيه : جواز مثل هذا اللعب في المسجد ؛ إذ كان مما يشمل الناس
نفعه. وقد تقدم بيان هذا في باب : أصحاب الحراب في المسجد . في
كتاب الصلاة .
#
باب : الترسة والمجن
فيه: أنس: (( كان أبو طلحة يترس مع النبي - عليه السلام - بترس
واحد ، وكان أبو طلحة حسن الرمي ، فكان إذا رمى يشرف النبي فينظر
إلی موضع نبله » .
- ٩٥ -

وفيه : سهل: (( لما كسرت بيضة الرسول على رأسه وأدمي وجهه
وكسرت رباعيته وكان علي يختلف بالماء في المجن ... )) الحديث .
وفيه : عمر: (( كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم
يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب ، وكانت لرسول الله خاصة ،
وكان ينفق على أهله نفقة سَنَة ، ثم يجعل ما بقي في الكُراع والسلاح
في سبيل الله )) .
قال المهلب : فيه ركوب شيء من الغدر للإمام لحرصه على معاينة
نكاية العدو وإن كان احتراس الإمام خطيرًا ، وليس كسائر الناس في
ذلك بل هو آكد .
وفيه : اختفاء السلطان عند اصطفاف القتال ؛ لئلا يعرف مكانه .
وفي حديث سعد : جواز امتحان الأنبياء وإيلامهم ، ليعظم بذلك
أجرهم ويكون أسوة لمن ناله جرح وألم من أصحابه ، فلا يجدون في
أنفسهم مما نالهم غضاضة ، ولا يجد الشيطان السبيل إليهم بأن يقول
لهم : تقتلون أنفسكم وتحملون الآلام في صون هذا ، فإذا أصابه ما
أصابهم فُقدت هذه المكيدة من اللعين ، وتأسى الناس به فجدوا في
مساواتهم له في جميع أحواله .
وفيه : خدمة السلطان .
وفيه : بذل السلاح فيما يضرها إذا كان في ذلك منفعة لخطير
الناس .
[٢/ ق١٥٢ - ب] وفيه دليل أن ترستهم / كانت مقعرة ولم تكن منبسطة فلذلك كان
يمكن حمل الماء بها .
وفيه : أن النساءَ الطفُ بمعالجة الرجال والجرحى ..
- ٩٦ -

وقوله: ((فرقِئ الدم)) قال صاحب العين: يقال . رقأ الدم والدمع
رُقُوءًا : سكن بعد جريه .
#
باب (١) فيه : ما رأيت (٢) النبي عليه السلام يفْدَي رجلا
بعد سعد ، سمعته يقول : ارم فداك أبي وأمي
قال المهلب : هذا مما خص به سعد ، وفيه دليل أن الرجل إذا كان
له أبوان وإن كانا على غير دينه فلهما عليه حرمة وحق ؛ لأنه لا يُفَدِّي
إلا بذي حرمة ومنزلة ، وإلا لم يكن يفديه ، ولا فضيلة للمفدي .
فمن هاهنا قال مالك : إنه من آذى مسلمًا في أبويه الكافرين عوقب
وأدب لحرمتهما عليه . وقال الطبري : في هذا الحديث دلالة على
جواز تفدية الرجل الرجل بأبويه ونفسه ، وفساد قول منكري ذلك ،
فإن ظن ظان أن تفدية الرسول من فداه بأبويه إنما كان لأن أبويه كانا
مشركين ، فأما المسلم فغير جائز أن يفدي مسلمًا ولا كافرًا بنفسه
ولا بأحد سواه من أهل الإسلام ، واعتلالا بما روى أبو سلمة قال :
أخبرني مبارك ، عن الحسن قال: (( دخل الزبير على الرسول وهو
شاك ، فقال : كيف تجدك جعلني الله فداك ؟ فقال له : أما تركت
[إفداء ] (٣) بيتك بعد)) قال الحسن : لا ينبغي أن يفدي أحد أحداً ،
ورواه المنكدر، عن أبيه قال: (( دخل الزبير ... )) فذكره .
قلت : هذه أخبار واهية لا يثبت مثلها حجة في الدين ؛ لأن
(١) ذكْر هذا التبويب قبل هذا الحديث هو رواية ابن شبويه كما قال الحافظ ابن حجر
في الفتح (١١١/٦)، وجاء هذا الحديث مع سابقيه في سائر روايات البخاري
في نفس الباب السابق .
(٢) القائل : علي بن أبي طالب - رضي الله عنه .
(٣) في (( الأصل)): بالعين بدل الفاء وهو تحريف.
- ٩٧ -

مراسيل الحسن أكثرها عن غير سماع ، وإذا وصل الأخبار فأكثر رواته
عن مجاهيل لا يعرفون ، والمنكدر بن محمد عند أهل النقل لا يعتمد
على نقله ، ولو ضحت هذه الأخبار لم يكن فيها حجة في إبطال
حديث علي ؛ إذ لا ( ... ) (١) في حديث الزبير أن النبي نهاه عن
قول ذلك، بل إنما قال له فيه: (( أما تركت [إفداء ] (٢) بيتك بعد))
والمعروف من قول القائل إذا قال : فلان لم يترك [إفداء ] (٢) بيته ،
وإنما يشبه إلى الجفاء لا إلى نقل ما لا يجوز فعله ، وأعلمه أن غيره من
القول والتحية ألطف وأرق منه ، وسيأتي شيء من هذا المعنى في
کتاب الأدب - إن شاء الله .
باب : الدّرَق
فيه : عائشة: (( دخل عليّ الرسول وعندي جاريتان تغنيان بغناء
بعاث- فذكر الحديث - وكان يوم عيد يلعب السودان بالدرق
والحراب- إلى قوله: دونكم بني أرفدة ... )) الحديث.
قد تقدم القول في هذا الحديث في كتاب الصلاة وغيره .
وفيه : أن الدرق من آلات الحرب التي ينبغي لأهلها اتخاذها والتحرز
بها من أسلحة العدو ، وأن أصحاب النبي استعملوها في ذلك .
وقوله: (( دونكم)) يحضهم على ما هم فيه من اللعب بالخراب
والدرق ؛ لأن في ذلك منفعة وتدريبًا وعدة للقاء العدو .
وقوله : (( بني أرفدة )) نسبهم إلى جدهم وكان يسمى أرفدة .
(١) كلمة غير واضحة في ((الأصل))، والمعنى مفهوم.
(٢) كسابقه .
- ٩٨ -

باب : الحمائل وتعليق السيوف [ بالعنق ](١)
فيه: أنس: (( كان رسول الله أحسن الناس وأشجع الناس ، ولقد فزع
أهل المدينة فخرجوا نحو الصوت ، فاستقبلهم النبي - عليه السلام -
وقد استبرأ الخبر، وهو على فرس لأبي طلحة عَرْي، في عنقه سيف ... )).
قد تقدم القول في هذا الحديث قبل هذا ، وإنما فائدة هذا الباب أن
السيوف تتقلد في الأعناق بخلاف قول من اختار أن يربط السيف في
الحزام ولا يتقلد في العنق ، وليس في شيء من هذا حرج .
باب : حلية السيوف
/ فيه: أبو أمامة: ((لقد فتح الفتوحَ قوم ما كانت حلية سيوفهم
الذهب والفضة إنما كانت حليتهم العَلابي والآنك والحديد )) .
[٢ / ق١٥٣-)]
العلابي : ( ... ) (٢) . قال صاحب العين : رمح منقلب ومقلوب
مجاوز بالعلباء . والعلباء عصب العنق ، يقال : علبت السيف أعلبه
علبًا : إذا حزمت مقبضه بعلباء البعير .
وقال المهلب : فيه أن الحلية المباحة من الذهب والفضة في السيوف
إنما كانت ليرهب بها على العدو، فاستغنى أصحاب رسول الله وَله
بشدتهم على العدو وقوتهم في الإيقاع بهم والنكاية لهم عن إرهاب
الحلية ؛ لإرهاب الناس وشجاعتهم ، والآنك: الرصاص وهو [الأسرب] (٣).
*
(١) من الصحيح المطبوع (١١٢/٦) والظاهر أنه سقط من الناسخ، لأن الشرح يدل
عليه ، والله أعلم .
(٢) كلمة غير واضحة في (( الأصل)).
(٣) يعني السائل ، تقول : أسرب الماء : أساله . والمقصود أنه الرصاص المذاب .
وهكذا جاء في ((اللسان)) (٣٩٤/١٠)، لكن جاء في ((الأصل)): الأسرف،
بالفاء ، وهو تحريف .
- ٩٩ -

باب : من علق سيفه في السفر في الشجر عند القائلة
فيه : جابر: ((أنه غزا مع الرسول قبَلَ نَجْد، فلما قَفَل النبي أدركتهم
القائلة في واد كثير العضاه ، فنزلَ النبي وتفرق الناس يستظلون
بالشجر، ونزل النبي تحت [ سمرة ] (١) وعلق بها سيفه ونمنا نومة ، فإذا
النبي - عليه السلام - يدعونا وإذا عنده أعرابي فقال : إن هذا اخترط
عَلَيّ سيفي وأنا نائم فاستيقظت وهو في يده صَلْتًا، فقال : من يمنعك
مني ؟ قلت : الله - ثلاثًا - فشام السيف ولم يعاقبه وجلس )) .
وترجم له باب : تفرق الناس عن الإمام عند القائلة والاستظلال
بالشجر.
قال المهلب : فيه أن تعليق السيف والسلاح في الشجر صيانة لها
من الأمر المعمول به !
وفيه : أن تعليقها على بُعد من صاحبها من الغرر لا سيما في
القائلة والليل ؛ لما وصل إليه هذا الأعرابي من سيف الرسول .
وفيه : تفرق الناس عن الإمام عند القائلة وطلبهم الظل والراحة ،
ولكن ليس ذلك في غير الرسول إلا بعد أن يبقى معه من يحرسه من
أصحابه؛ لأن الله - تعالى - قد كان ضمن لنبيه أن يعصمه من الناس.
وفيه : أن هذه القضية كانت سبب نزول هذه الآية .
وروى ابن أبي شيبة قال : حدثنا أسود بن عامر ، عن حماد بن
سلمة ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة قال :
(( كنا إذا نزلنا طلبنا للنبي أعظم شجرة وظلها ، قال : فنزلنا تحت
(١) يعني: شجرة، كما في بعض الروايات. وجاء في ((الأصل)): نمرة،
بالنون ، وهو خطأ .
- ١٠٠ -