Indexed OCR Text

Pages 441-460

فقه هذا الباب أن الحاج يجوز له أن يعتمر إذا تم حجه بعد انقضاء
أيام التشريق ، وليلة الحصبة : هي ليلة النفر الأخير ؛ لأنها آخر أيام
الرمي .
وقد اختلف السلف في العمرة بعد أيام الحج ، فذكر عبد الرزاق
بإسناده عن مجاهد قال : سئل عمر وعلي وعائشة عن العمرة ليلة
الحصبة ، فقال عمر : هي خير من لا شيء . وقال علي : هي خير
من مثقال ذرة . وقالت عائشة : العمرة على قدر النفقة . وعن عائشة
أيضًا قالت : لأن أصوم ثلاثة أيام أو أتصدق على عشرة مساكين أحب
إلي من أن أعتمر العمرة التي اعتمرت من التنعيم . وقال طاوس فيمن
اعتمر بعد الحج : لا أدري أتعذبون عليها أم تؤجرون .
وقال عطاء بن السائب : اعتمرنا بعد الحج ، فعاب ذلك علينا
سعيد بن جبير .
وأجاز ذلك آخرون . روى ابن عيينة ، عن الوليد بن هشام قال :
سألت أم الدرداء عن العمرة بعد الحج ، فأمرتني بها . وسُئل عطاء
عن عُمرة التنعيم ، قال: هي تامة وتجزئه . وقال القاسم بن محمد :
عمرة المحرم تامة. وقد روي عن عائشة مثل هذا المعنى ، [قالت](١):
تمت العمرة السنة كلها إلا يوم عرفة ، ويوم النحر ، ويومين من أيام
التشريق . وقال أبو حنيفة : العمرة جائزة السنة كلها إلا يوم عرفة ،
ويوم النحر، وأيام التشريق للحاج وغيره .
ومن حديث عائشة في هذا الباب استحب مالك ألا يعتمر حتى
تغيب الشمس من آخر أيام التشريق ؛ لأن النبي - عليه السلام - قد
كان وَعَد عائشة بالعمرة وقال لها : (( كوني في حجك عسى الله أن
يرزقكيها)) ولو استحب لها العمرة في أيام التشريق لأمرها بالعمرة
(١) في ((الأصل)): قال . وما أثبتناه يقتضيه السياق.
- ٤٤١ -

فيها ، وبه قال الشافعي ، وإنما كرهت العمرة فيها للحاج خاصة ؛
لئلا يُدخل عملا على عمل ؛ لأنه لم يكمل عمل الحج بعد، ومن
أحرم بالحج فلا يحرم بالعمرة ؛ لأنه لا تضاف العمرة إلى الحج عند
مالك وطائفة من العلماء ، وأما من ليس بحاج فلا يمنع من ذلك ،
[٢/ ١٠٩٥ -ب) فإن قيل: فقد روى أبو معاوية، عن هشام بن عروة / عن أبيه ، عن
عائشة في هذا الباب: (( وكنت ممن أهل بعمرة )) وروى مثله يحيى
القطان عن هشام في الباب بعد هذا ، وهذا خلاف ما تقدم عن
عائشة أنها أهلت بالحج .
فالجواب : أنا قد قدمنا أن أحاديث عائشة في الحج أشكلت على
الأئمة قديمًا ، فمنهم من جعل الاضطراب فيها جاء من قبلها ، ومنهم
من جعله جاء من قبل الرواة عنها ، وقد روى عروة والقاسم والأسود
وعمرة عن عائشة ، أنها كانت مفردة للحج على ما بيناه في باب :
التمتع والقران والإفراد في أول كتاب الحج ، فالحكم لأربعة من ثقات
أصحاب عائشة ، فالصواب أن حمل ذلك على التضاد أولى من
الحكم لرجلين من متأخري رواة حديثها .
وقد يحتمل قولها : ((وكنت ممن أهل بعمرة )) تأويلا ينتفي به
التضاد عن الآثار ، وذلك أن عَمْرَة روت عن عائشة أنها قالت :
((خرجنا لخمس بقين من ذي القعدة مهلين بالحج ، فلما دنونا من
مكة ... )) وقالت مرة: ((فنزلنا بسرف، قال النبي - عليه السلام -
لأصحابه : من لم يكن معه هدي فأحب أن يجعلها عمرة فليفعل .
فأهلت عائشة حينئذ بعمرة ، فحاضت قبل أن تطوف بالبيت طواف
العمرة ، فقالت للنبي - عليه السلام - : منعت العمرة)) فأمرها عليه
السلام برفض ذكر العمرة بأن تبقى على إحرامها بالحج الذي كانت
أهلت به أولا ، فمن روى عنها: (( وكنت ممن أهل بعمرة حين دنوا
من مكة )) ممن رتب الأحاديث على مواطنها ومواضع ابتداء الإحرام ؛
- ٤٤٢ -
- .

بان له أن ما اختلف من ظاهر الآثار غير مخالف في المعنى، وزال
الإشكال عنها ، والحمد لله . هذا معنى قول المهلب .
وقولها : ((مكان عمرتي )" تريد عمرتي التي أحرمت بها من
سرف، ثم مُنعتها من أجل الحيض .
*
باب : الاعتمار بعد الحج بغير هدي
فيه: عائشة قالت: (( خرجنا مع الرسول موافين لهلال ذي الحجة ،
فقال عليه السلام : من أحب أن يهل بالحج فليهل ، ومن أحب أن يهل
بعمرة فليهل ، ولولا أني أهديت لأهللت بعمرة . وكنت ممن أهل بعمرة،
فحضت قبل أن أدخل مكة ، فأدركني يوم عرفة وأنا حائض ، فشكوت
ذلك إلى رسول الله ، فقال : دعي عمرتك وانقضي رأسك وامتشطي ،
و
وأهلي بالحج . ففعلت ، فلما كان ليلة الحصبة أرسل معي عبد الرحمن
إلى التنعيم ، فأهللت بعمرة مکان عمرتي » فقضى الله حجها وعمرتها،
ولم يكن في شيء من ذلك هدي ولا صدقة ولا صوم .
قال المهلب: قولها: (( خرجنا مع رسول الله موافين لهلال ذي
الحجة)) إنما هو بمعنى المقاربة ؛ لأنه قد صح عنها أنها قالت: ((خرجنا
مع رسول الله لخمس بقين من ذي القعدة)) والخمس قريب من آخر
الشهر ، فوافاهم الهلال في الطريق، وقولها: (( فأدركني يوم عرفة
وأنا حائض)) وقالت في رواية القاسم: ((وطهرت حين قدمنا منى ،
صبيحة ليلة عرفة يوم النحر بمنى)) وقولها: (( لم يكن في شيء من
ذلك هدي)) لأن عمرتها بعد انقضاء عمل الحج . ولا خلاف بين
العلماء أن من اعتمر بعد انقضاء عمل الحج وخروج أيام التشريق أنه
لا هدي عليه في عمرته ؛ لأنه ليس بمتمتع ، وإنما المتمتع من اعتمر في
أشهر الحج وطاف لعمرته قبل الوقوف بعرفة ، وأما من اعتمر بعد يوم
- ٤٤٣ -

النحر فقد وقعت عمرته في غير أشهر الحج ، فلذلك ارتفع حكم
الهدي عنها ، والصحيح من قول مالك أن أشهر الحج : شوال وذو
القعدة وعشر من ذي الحجة .
ولم يكن عليها أيضًا في حجتها هدي؛ لأنها كانت مفردة على ما
روى عنها القاسم والأسود وعمرة ، ولم يأخذ مالك بقولها في آخر
الحديث : ((ولم يكن في شيء من ذلك هدي)) لأنها كانت عنده في
حكم القارنة ، ولزمها لذلك هدي القرآن، ولا أخذ بذلك أبو حنيفة
أيضًا ؛ لأنها كانت عنده رافضة لعمرتها ، والرافضة عنده عليها دم
للرفض ، وعليها عمرة .
وقوله : (( فقضى الله حجها وعمرتها ، ولم يكن في ذلك هدي
ولا صوم ولا صدقة)) ليس من لفظ عائشة ، وإنما هو لفظ هشام بن
عروة ، لم يذكر ذلك أحد غيره ، ولا تقول به الفقهاء ، وقد تقدم
(٢/ ق ١١٠- أ) مذاهب الفقهاء في قوله: ((انقُضي رأسك / وامتشطي)) في باب
كيف تهل الحائض والنفساء . فأغني عن إعادته .
باب : المعتمر إذا طاف طواف [ العمرة ] (١) ثم خرج
هل يجزئه من طواف الوداع
فيه: عائشة: (( خرجنا مهلين بالحج في أشهر الحج وحَرَمه ... )» إلى
مو
قوله: (( حتى نفرنا من منى ونزلنا المحصب ، فدعا عبد الرحمن فقال :
اخرج بأختك من الحرم فلتهل بعمرة ، ثم افرغا من طوافكما ، أنتظر كما
هاهنا . فأتينا في جوف الليل ، فقال : فرغتما ؟ قلت : نعم . فنادى
بالرحيل في أصحابه ، فارتحل الناس » .
(١) من الصحيح المطبوع (٧١٦/٣) وسقط من الأصل.
. - ٤٤٤ -

لا خلاف بين العلماء أن المعتمر إذا طاف وخرج إلى بلده أنه يجزئه
من طواف الوداع ، كما فعلت عائشة ، وأما إن أقام بمكة بعد عمرته
ثم بدا له أن يخرج منها ، فيستحبون له طواف الوداع .
باب : أجر العمرة على قدر النصب
[ فيه عائشة قالت: (( يا رسول الله ] (١) يصدُّر الناس بنسكين ،
وأصدر بنسك ! فقال لها : انتظري ، فإذا طهرت فاخرجي إلى التنعيم
فأهلي ، ثم ائتي مكان كذا وكذا ، ولكنها على قدر نفقتك أو نصبك )).
أفعال البر كلها الأجر فيها على قدر المشقة والنفقة ، ولهذا استحب
مالك وغيره الحج راكبًا ، ومصداق هذا في كتاب الله قوله : ﴿ الذين
آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة.
عند الله وأولئك هم الفائزون﴾ (٢) وفي هذا فَضْل الغنى وإنفاق المال
في الطاعات ، ولما في قمع النفس عن شهواتها من المشقة على
النفس، وَعَدَ الله - تعالى - الصابرين على ذلك : ﴿ إنما يوفى
الصابرون أجرهم بغير حساب﴾ (٣).
باب : يفعل في العمرة ما يفعل في الحج
فيه: يعلى بن أمية: (( أن رجلا أتى النبي - عليه السلام - وهو بالجعرانة
وعليه جبّة ، وعليه أثر الخلوق - أو قال: صفرة - فقال : كيف تأمرني
أن أصنع في عمرتي ؟ فأنزل الله على الرسول ، فَسَتْرَ بثوب ، فلما سَرِّي
(١) كأنه سقط من الناسخ، وأثبتناه من الصحيح المطبوع (٧١٤/٣).
(٣) الزمر : ١٠.
(٢) التوبة : ٢٠ .
- ٤٤٥ -

عنه قال : أين السائل عن العمرة ؟ اخلع عنك الجبة ، واغسل أثر الخلوق
عنك، و[أنق] (١) الصفرة، واصنع في عمرتك كما تصنع في حجك)).
وفيه [ هشام: قلت لـ] (٢) عائشة (( أرأيت قول الله: ﴿إن الصفا
والمروة من شعائر الله﴾(٣) ... )) الحديث. وقال هشام: ما أتم الله حج
امرئ ولا عمرته لم يطف بين الصفا والمروة .
قوله عليه السلام: ((اصنع في عمرتك كما تصنع في حجك)) .
هذا مما لفظه العموم والمراد به الخصوص ، يدل على ذلك أن المعتمر
لا يقف بعرفة ، ولا يرمي جمرة العقبة ، ولا يعمل شيئًا من عمل
الحج غير الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة ، وإنما أمره عليه
السلام أن يصنع في عمرته مثل ما يصنع في حجه من اجتناب لباس
المخيط واستعمال الطيب ، وأعلمه أن جميع ما يحرم على الحاج
بالإحرام يحرم مثله على المعتمر بالإحرام، كالصيد والنساء وغير ذلك.
: باب : متى يحل المعتمر
وقال عطاء عن جابر: (( أمر النبي - عليه السلام - أن يجعلوها عمرة،
ويطوفوا ثم يقصروا ويحلوا)) .
:
فيه : ابن أبي أوفى: (( اعتمر النبي - عليه السلام - واعتمرنا معه ،
فلما دخل مكة طاف فطفنا معه ، وأتى الصفا والمروة وأتيناها معه ، و کنا
نستره من أهل مكة أن يرميه أحد ، فقال له صاحب لي : أكان دخل
الكعبة ؟ قال : لا . وقال : بشروا خديجة ببيت في الجنة من قصب ،
لا صخب ( فیھا ) (٤) ولا نصب )) .
(١) في ((الأصل)): أنقي. وهو خلاف الجادة .
(٢) ليس في (( الأصل))، فكأنه سقط من الناسخ ، أو تسبب فيه اختصار المؤلف،
والسياق بدونه لا يستقيم، والحديث في الفتح (٧١٩/٣) .
(٣) البقرة: ١٥٨. (٤) هكذا في ((الأصل))، وفي الفتح (٣/ ٧٢٠): فيه .
- ٤٤٦ -

وفيه : ابن عمر: (( سئل عن رجل طاف بالبيت في عمرته ، ولم يطف
بين الصفا والمروة ، أيأتي امرأته ؟ / فقال : قدم الرسول فطاف بالبيت [٢/ ١١٠ -ب]
سبعًا ، وصلى خلف المقام ركعتين ، وطاف بين الصفا والمروة سبعًا ،
وقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة )) وقال جابر : لا يقربها حتى
يطوف بين الصفا والمروة .
وفيه : أبو موسى قال: (( قدمت على النبي - عليه السلام - وهو منيخ
بالبطحاء ، فقال : أحججت ؟ قلت : نعم . قال : بم أهللت ؟ قلت :
لبيت بإهلال كإهلال النبي - عليه السلام. قال : أحسنت ، طف بالبيت
وبالصفا والمروة ثم أحل . فطفت بالبيت وبالصفا والمروة ، ثم أتيت
امرأة من قيس ففلت رأسي ، ثم أهللت بالحج ، فكنت أفتي به ، حتى
كان في خلافة عمر فقال : إن أخذنا بكتاب الله فإنه يأمر بالتمام ، وإن
أخذنا بقول رسول الله فإنه لم يحل حتى يبلغ الهدي محله » .
وفيه: ((أسماء قالت كلما مرت بالحجون: ( صلى الله عليه وسلم)(١)،
نزلنا معه هاهنا ونحن يومئذ خفاف ، قليل ظهرنا ، قليلة أزوادنا ،
فاعتمرت أنا وأختي عائشة والزبير وفلان وفلان ، فلما مسحنا البيت
أحللنا ، ثم أهللنا من العشي بالحج)) .
اتفق أئمة الفتوى على أن المعتمر يحل من عمرته إذا طاف بالبيت
وسعى بين الصفا والمروة وإن لم يكن حلق ولا قصر ، على ما جاء في
هذا الحديث ، ولا أعلم في ذلك خلافًا ، إلا شذوذًا روي عن ابن
عباس أنه قال : العمرة الطواف . وتبعه عليه إسحاق بن راهويه ،
والحجة في السنة لا في خلافها .
واحتج الطبري بحديث أبي موسى على من زعم أن المعتمر إذا كمل
عمرته ثم جامع قبل أن يحلق أنه مفسد لعمرته ، قال : ألا ترى قوله
(١) هكذا في ((الأصل))، وفي الفتح (٣/ ٧٢٠ - ٧٢١): صلى الله على محمد.
- ٤٤٧ -

عليه السلام لأبي موسى: (( طف بالبيت وبين الصفا والمروة ، وقصر
من شعرك واحلق ثم أحل )) فبين بذلك أن التقصير والحلق ليسا من
النسك ، وإنما هما من معاني الإحلال ، كما لبس الثياب والطيب بعد
طواف المعتمر بالبيت وسعيه بين الصفا والمروة من معاني إحلاله ،
وكذلك إحلال الحاج من إحرامه بعد رميه جمرة العقبة ، لا من
نسكه، فبّن فساد قول من زعم أن من جامع من المعتمرين قبل التقصير
من شعره أو الحلق ، ومن بعد طوافه بالبيت وبين الصفا والمروة أنه
مفسد عمرته ، وهو قول الشافعي ، قال ابن المنذر : ولا أحفظ ذلك
عن غيره . وقال مالك والثوري والكوفيون : عليه الهدي . وقال
عطاء : يستغفر الله ولا شيء عليه .
قال الطبري : وفي حديث أبي موسى بيان فساد قول من قال : إن
المعتمر إن خرج من الحرم قبل أن يقصر من شعره أو يحلق أن عليه
دمًا، وإن كان قد طاف بالبيت وبين الصفا والمروة قبل خروجهٍ منه ،
وفيه أيضًا أن الرسول إنما أذن لأبي موسى بالإحلال من عمرته بعد
الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة ، فبان بذلك أن من حل
منهما قبل ذلك فقد أخطأ وخالف سنته عليه السلام ، واتضح به فساد
قول من زعم أن المعتمر إذا دخل الحرم فقد حل من إحرامه ، وله أن
يليس ويتطيب ويعمل ما يعمل الحلال، وهو قول ابن عمر وابن المسيب
وعروة والحسن ، وصح أنه مَنْ حل مِنْ شيء كان عليه حرامًا قبل ذلك
فعليه الجزاء والفدية .
واختلف العلماء إذا وطئ المعتمر قبل طوافه بالبيت وقبل أن يسعى
بين الصفا والمروة ، فقال مالك والشافعي وأحمد وأبو ثور : عليه
الهدي وعمرة أخرى مكانها ، ويتم التي أفسد . ووافقهم أبو حنيفة إذا
جامع بعد طواف ثلاثة أشواط ، وقال : إذا جامع بعد أربعة أشواط
بالبيت أنه يقضي ما بقي من عمرته ، وعليه دم ، ولا شيء عليه .
- ٤٤٨ -

وهذا تحكم لا دليل عليه إلا الدعوى ، وحجة مالك ومن وافقه
حديث ابن أبي أوفى أن النبي - عليه السلام - اعتمر مع أصحابه ولم
يحلوا حتى طافوا وسعوا بين الصفا والمروة ، ولذلك أمر النبي - عليه
السلام - أيضًا أبا موسى الأشعري قال له: (( طف بالبيت وبين الصفا
والمروة وأحل)) فوجب الاقتداء بسنته واتباع أمره، وقال: ((خذوا
عني مناسككم )) / .
[٢/ ق١١١-٢]
وقد فهم الصحابة الذين تلقوا عنه السنة قولا وعملا هذا المعنى ،
فقال جابر وابن عمر : لا يقرب امرأته حتى يطوف بين الصفا والمروة.
واحتج ابن عمر في ذلك بفعل النبي - عليه السلام - وإن كان عليه
السلام غير معتمر ، فمعنى ذلك أنه لم يُدخل بين الطواف والسعي
عملا ، ولا أباحه للمعتمرين الذين أمرهم بالإحلال حتى وصلوا
سعيهم بطوافهم ، وكذلك حلوا بمسيس النساء والطيب وغير ذلك -
والله الموفق .
قال المهلب: قولها: ((فاعتمرت أنا وأختي عائشة)) (١) ...
بالإحرام بعمرة حين أمرهم عليه السلام أن يجعلوا إحرامهم بالحج
عمرة ، فثبتت أسماء على عمرتها ، وحاضت عائشة فلم تطف
بالبيت، وأمرها النبي - عليه السلام - أن ترفض ذكر العمرة ، وأن
تكون على ما كانت أبدأت الإحرام به من ذي الحليفة من الحج ،
وتركت العمرة التي كانت أحلت بها من سرف ، فأخبرت أسماء عن
نفسها وعن الزبير وفلان وفلان الذين كانوا أحلوا بمسح البيت بعمرة ،
ولم يدل ذلك أن عائشة مسحت البيت معهم ؛ لثبوت أنها حاضت
فمنعت العمرة ، وقول الرسول لها : (( كوني على حجك عسى الله
أن يرزقكيها غير ألا تطوفي بالبيت » ومثله قول ابن عباس في حرمة
(١) الظاهر أن هنا سقطًا .
- ٤٤٩ -

الفسخ : طفنا بالبيت وأتينا النساء . لأنه كان في حجة الوداع صغيرًا
قد ناهز الحلم ، وقد قال : توفي رسول الله وأنا ابن عشر سنين .
فكان في حجة الوداع ابن ثمان أو نحوها ممن لا يأتي النساء ،
وكذلك قالت عائشة في حديث الأسود : فلما قدمنا تطوفنا بالبيت .
وهي لم تطف بالبيت حتى طهرت ورجعت من عرفة ؛ لأنها قالت
فيه: ونساؤه لم يسقن الهدي فأحللن ، فحضت فلم أطف بالبيت .
بعد أن قالت : تطوفنا . وعلى هذا التأويل يخرج قول من قال :
((تمتع رسولُ الله وتمتعنا معه)) يعني : تمتع بأن أمر بذلك - والله أعلم-
وقد تقدم معنى قولها: (( فلما مسحنا البيت أحللنا )) يريد بعد السعي
بين الصفا والمروة ، وعلى ذلك تأوله الفقهاء .
باب: ما يقول إذا رجع من الحج ( و) (١) العمرة أو الغزو
فيه : ابن عمر: (( كان النبي - عليه السلام - إذا قفل من حج أو عمرة
أو غزو كبر على كل شرف من الأرض ثلاث تكبيرات ، ثم يقول : لا إله
إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، وهو على كل شيء
قدیر، آییون تائبون عابدون ساجدون لربنا حامدون ، صدق الله وعده ،
ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده )) .
فيه من الفقه : استعمال حمد الله - تعالى - والإقرار بنعمته ،
والخضوع له ، والثناء عليه عند القدوم من الحج والجهاد على ما وهب
من تمام المناسك ، وما رزق من النصرة على العدو ، والرجوع إلى
الوطن سالمين ، وكذلك يجب إحداث الحمد لله والشكر له على ما
(١) كذا في ((الأصل)) وسيأتي في الحديث ((أو)) وهو كذلك في التبويب من
الصحيح المطبوع (٧٢٤/٣) .
- ٤٥٠ -

يحدث على عباده من نعمه ، فقد رضي من عباده بالإقرار له
بالوحدانية ، والخضوع له بالربوبية ، والحمد والشكر عوضًا مما وهبهم
من نعمه تفضلا عليهم ورحمة لهم .
وفي هذا الحديث بيان أن نهيه عليه السلام عن السجع في الدعاء أنه
على غير التحريم ؛ لوجود السجع في دعائه ودعاء أصحابه ، فيحمل
أن يكون نهيه عن السجع يتوجه إلى حسن الدعاء خاصة ، خشية أن
يشتغل الداعي بطلب الألفاظ وتعديل الأقسام عن إخلاص النية وإفراغ
القلب في الدعاء والاجتهاد فيه ، وسأزيد في بيان هذا المعنى في باب:
ما يكره من السجع في الدعاء . في كتاب الدعاء - إن شاء الله .
[٢/ ق١١١ -ب]
باب : استقبال الحاج / القادمين والثلاثة على الدابة
فيه : ابن عباس: (( لما قدم النبي - عليه السلام - مكة ، استقبله أغيلمة
بني عبد المطلب ، فحمل واحدًا بين يديه وآخر خلفه )) .
فيه من الفقه : جواز تلقي القادمين من الحج تكرمة لهم وتعظيمًا ؛
لأن النبي لم ينكر تلقيهم له ، بل سُرّ به لحمله لهم بين يديه وخلفه ،
ويدخل في معنى ذلك من قدم من الجهاد أو من سفر فيه طاعة لله ،
فلا بأس بالخروج إليه وتلقيه ، تأنسًا له وصلةً .
قال المهلب : وفيه رد قول من يقول : لا يجوز ركوب ثلاثة على
دابة ، وإنما أصل هذا ألا يكلف الدابة حمل ما لا تطيق ، أو ما تطيقه
بمشقة ظاهرة ، فإذا أطاقت حمل ثلاثة وأربعة جاز ركوبها . وسيأتي
اختلاف العلماء في ركوب الثلاثة على الدابة في آخر كتاب الزينة ،
فإنه ترجم لهذا الحديث باب : الثلاثة على الدابة .
- ٤٥١ -

باب : القدوم بالغداة
فيه: ابن عمر قال: (( كان النبي - عليه السلام - إذا خرج إلى مكة
يصلي في مسجد الشجرة ، وإذا رجع صلى بذي الحليفة ببطن الوادي ،
وبات حتی یصبح )) .
إنما اختار عليه السلام القدوم بالغداة - والله أعلم - ليتقدم خبره
إلى أهله ، ويتأهبوا للقائه ، فيقدم على ذلك ، والله أعلم .
باب : الدخول بالعشي
الدخول بالعشي مباح ، وإنما الذي نهى عنه - عليه السلام - عن
أن يطرق القادمُ أهلَهُ .
باب : لا يطرق الرجل أهله
فيه : جابر: (( نهى الرسول أن يطرق أهله ليلا)).
قد جاء في الحديث بيان المعنى الذي من أجله نهى الرسول عن
هذا، وهي لكي تمتشط الشعثة ، وتستحد المغيبة ، كراهية أن يهجم
منها على ما يقبح عنده اطلاعه عليه ، فيكون سببًا إلى شنآنها
وبغضها، فنبههم عليه السلام على ما تدوم به الألفة بينهم ، ويتأكد به
المحبة ، فينبغي لمن أراد الأخذ بأدب نبيه أن يتجنب مباشرة أهله في
حال البذاذة وغير النظافة ، وألا يتعرض لرؤية عورة يكرهها منها ، ألا
ترى أن الله - تعالى - أمر من لا يبلغ الحلم بالاستئذان قبل صلاة
الفجر ووقت الظهيرة وبعد العشاء ؛ لما كانت هذه أوقات التجرد
والخلوة ، خشية الاطلاع على العورات وما يكره النظر إليه ، وروي
- ٤٥٢ -

عن ابن عباس أنه قال : آية لم يؤمن بها أكثر الناس ؛ آية الإذن ،
وإني لآمر جاريتي هذه أن تستأذن علي .
باب : من أسرع ناقته إذا بلغ المدينة
فيه: أنس: (( كان الرسول إذا قدم من سفر فأبصر درجات المدينة
أَوْضَعَ ناقته ، وإن كانت دابة حركها من حبها )) وقال إسماعيل عن
حميد: [ ((جُدُّرَات))](١).
قوله: ((مِنْ حُبِّها )) يعني لأنها وطنه ، وفيها أهله وولده الذين هم
أحب الناس إليه ، وقد جبل الله النفوس على حب الأوطان والحنين
إليها ، وفعل ذلك عليه السلام ، وفيه أكرم الأسوة ، وأمر أمته سرعة
الرجوع إلى أهلهم عند انقضاء أسفارهم .
[٢ / ق١١٢-١]
باب : قول الله - تعالى - / :
{ وائتوا البيوت من أبوابها﴾ (٢)
فيه : البراء قال : نزلت هذه الآية فينا ، كانت الأنصار إذا حجوا
فجاءوا لم يدخلوا من قبل أبواب بيوتهم ولكن من ظهورها ، فجاء
رجل من الأنصار فدخل من قبل بابه ، فكأنه عيِّرَ بذلك ، فنزلت :
﴿وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها﴾ (٢).
وقال مجاهد في هذه الآية : كان المشركون إذا أحرم الرجل منهم
(١) من الصحيح المطبوع، ووقع في ((الأصل)): جدارات. ولم يذكره الحافظ ابن
حجر في اختلاف الرواة على هذا اللفظ ، فالظاهر أنه خطأ ، والله أعلم .
(٢) البقرة : ١٨٩ .
- ٤٥٣ -

ثقب كوة في ظهر بيته وجعل سلمًا ، فجعل يدخل منها . وقال معمر
عن الزهري : كان الأنصار إذا أهلوا بالعمرة لم يحل بينهم وبين
السماء شيء يتحرجون من ذلك ، وكان الرجل حين يخرج مهلا
بالعمرة ، فتبدو له الحاجة بعد ما يخرج من بيته فيرجع ، لا يدخل من
باب الحجرة من أجل سقف الباب أن يحول بينه وبين السماء ، فيقتحم
الجدار من ورائه ، حتى بلغنا أن النبي - عليه السلام - أهل من
الحديبية بالعمرة فدخل حجرته ، فدخل رجل من الحمس من ورائه ،
فقال له الأنصار ، فقال : أنا أحمسي . فقال : وأنا على دينك ؛ لأن
الحمس كانت لا تبالي ذلك ؛ فأنزل الله: ﴿ وليس البر بأن تأتوا
البيوت من ظهورها ﴾ (١)
باب : السفر قطعة من العذاب
فيه : أبو هريرة ، قال عليه السلام: (( السفر قطعة من العذاب ، يمنع
أحدكم طعامه وشرابه ونومه ؛ فإذا قضى نهمته فليعجل إلى أهله )) .
فيه حض وندب على سرعة رجوع المسافر إلى أهله عند انقضاء
حاجته ، وقد بين عليه السلام المعنى في ذلك بقوله: (( يمنع أحدكم
نومه وطعامه وشرابه)) فامتناع هذه الثلاثة التي هي أركان الحياة مع ما
ينضاف إليها من شقة السفر وتعبه ، هو العذاب الذي أشار إليه ،
ولذلك قال عليه السلام : (( فإذا قضى أحدكم نهمته فليرجع إلى أهله))
لكي يتعوض من ألم ما ناله ، من ذلك الراحة والدعة في أهله ،
والعرب تشبه الرجل في أهله بالأمير ، وقيل في قوله : ﴿وجعلكم
ملوكًا﴾ (٢) قال : من كان له دار وخادم فهو داخل في معنى الآية.
(١) البقرة : ١٨٩.
(٢) المائدة : ٢٠ .
- ٤٥٤ -

وقد أخبر الله - تعالى - بلطف محل الأزواج من أزواجهن بقوله :
﴿وجعل بينكم مودة ورحمة﴾ (١) فقيل : المودة : الجماع ، والرحمة:
الولد .
فإن قيل : فقد روى ابن عمر وابن عباس ، عن النبي - عليه
السلام - أنه قال: ((سافروا تصحُوا وتغنموا)) وهو مخالف لحديث
أبي هريرة ، قيل : لا خلاف بين شيء من ذلك ، وليس كون السفر
قطعة من العذاب بمانع أن يكون فيه منفعة ومصحة لكثير من الناس ؛
لأن في الحركة والرياضة منفعة ، ولا سيما لأهل الدعة والرفاهية ،
كالدواء المرّ المُعْقب للصحة وإن كان في تناوله كراهية ، فلا خلاف
بين الحديثين .
قال أبو محمد الأصيلي : انفرد مالك بهذا الحديث عن سُمَيِّ
وقال: هؤلاء أهل العراق يسألونني عنه . قيل له : لأنك انفردت به .
قال : لو أعلم أني انفردت به ما حدثت به .
باب : المسافر إذا جَدّ به السير وتعجل إلى أهله
فيه: ابن عمر: (( أنه بلغه عن صفية بنت [ أبي عبيد ] (٢) شدة وجعٍ ،
فأسرع السير حتى كان بعد غروب الشفق نزل فصلى المغرب والعتمة
جمع بينهما ، ثم قال : إني رأيت الرسول إذا جد به السير أخْر المغرب
وجمع بينهما )» .
فيه جواز الإسراع على الدواب عند الحاجة تَعْرِضُ ، ولا سيما عند
خبرٍ مقلق يبلغه عن أهله .
(١) الروم : ٢١ .
(٢) من الصحيح المطبوع وهو الصواب كما في كتب الصحابة، وفي ((الأصل)):
أبي عبيدة . وهو خطأ .
- ٤٥٥ -

باب : المحصر وجزاء الصيد
وقوله : ﴿ فإن أحضرتم فما استيسر من الهدي﴾ (١) وقال عطاء:
الإحصار من كل شيء يحبسه
الإحصار ينقسم قسمين : فإحصار بعدو ، وإحصار بمرض ، وأصل
الإحصار في اللغة : المنع والحبس ، واختلف في ذلك أهل اللغة ،
فقال بعضهم : يقال من العدو : حُصِرَ ، فهو محصور ، ويقال من
[١١٢٠/٢ -ب] المرض: أُحصِر، فهو محصر / هذا قول الكسائي وأبي عبيد، ذكره
ابن القصار .
وقال بعضهم : يقال : أحصر من المرض ومن العَدوّ ومن كل شيء
جبس الحاج ، كما قال عطاء ، وهو قول النخعي والثوري
والكوفيين، وهو قول الفراء وأبي عمرو ، والحجة لذلك قول الله -
تعالى - : ﴿فإن أحصرتم﴾ (١) وإنما نزلت هذه الآية بالحديبية ،
وكان حبسهم يومئذٍ بالعدو ، قال أبو عمرو: يقالُ: حَصرني الشيء.
وأحصرني : حبسني . وحكم الإحصار بعدو مخالف لحكم الإحصار
بمرض عند جمهور العلماء على ما يأتي بيانه بعد هذا - إن شاء الله ..
باب : إذا أُحصر المعتمر
فيه : ابن عمر : (( أنه خرج معتمراً في الفتنة ، فقال : إن صُددتُ عن
البيت صنعنا كما صنعنا مع النبي - عليه السلام - فأهل بعمرة من أجل
أن النبي - عليه السلام - كان أهل بعمرة عام الحديبية)) .
وقال أيضًا: (( خرجنا مع النبي - عليه السلام - فحال كفار قريش
(١) البقرة : ١٩٦ .
- ٤٥٦ -

دون البيت ، فتحر النبي - عليه السلام - هديه وحلق رأسه ، وأشهدكم
أني قد أوجبت عمرة - إن شاء الله - أنطلق ، فإن خُلِّيَ بيني وبين البيت
طفت ، وإن حيلَ بيني وبينه فعلتُ كما فعل النبي - عليه السلام - فأهَل
بعمرة من ذي الحليفة ، ثم سار ساعة فقال : إنما شأنهما واحد ، أُشهدكم
أني قد أوجبت حَجّة مع عمرتي . فلم يَحِلّ منهما حتى يوم النحر
وأَهْدَى ، وكان يقول : لا يحل حتى يطوف طوافًا واحدًا يوم يدخل مكة)).
وفيه : ابن عباس: (( قد أحصر الرسول ، فحلق وحل مع نسائه ، ونحر
هدیه حتی اعتمر عامًا قابلا عوضه )) .
في هذه الترجمة رَدَّ قول من يقول أن من أحصر في العمرة بعدوٍّ أنه
لا بد له من الوصول إلى البيت والاعتمار ؛ لأن السَّنَةَ كُلَّها وقت
للعمرة بخلاف الحج ، ولا إحصار في العمرة ، ويقيم على إحرامه
أبدًا ، وهو قول لبعض السلف ، وهو مخالف لفعل الرسول ؛ لأنه
كان مُعْتمرًا بالحديبية هو وجميع [ أصحابه و] (١) حَلَّوا دون البيت ،
والفقهاء على خلافه، حكم الإحصار في الحج والعمرة عندهم سواء.
واختلف فيمن أحصر بعدو ، فقال مالك والشافعي : لا حصر إلا
حصر العدو . وهو قول ابن عباس وابن عمر ، ومعنى ذلك أنه لا يحل
للمحصر أن يحل دون البيت إلا من حَصَره العدو ، كما فعل النبي ،
وكان حصره بالعدو ، واحتج الشافعي فقال : على الناس إتمام الحج
والعمرة ، ورخص الله في الإحلال للمحصر بعدو ، فقلنا في كُلِّ
بأَمْرِ الله، ولم نَعْدُ بالرخصة موضعها ، كما لم نَعْدُ بالرخصة المسح
على الخفين ، ولم نجعل عمامة ولا قفازين قياسًا على الخفين .
وخالف الشافعي مالكًا فأوجب عليه الهدي ، ينحره في المكان الذي
(١) السياق يقتضي هذا أو نحوه، وقد سقط من ((الأصل)).
- ٤٥٧ -

۔۔
حُصر فيه وقد حَلَّ ، كما فعل النبي - عليه السلام - بالحديبية ، وهو
قول أشهب ، وقال أبو حنيفة : الهدي واجب عليه أن ينحره في الحرم
وقد حَلَّ .
واحتجوا بإيجاب الهدي عليه بقوله تعالى : ﴿ فإن أحصرتم فما
استيسر من الهدي ... ﴾ (١) الآية فأجابهم الكوفيون أن هذا إحصار
مرض ، ولو كان إحصار عدو لم يكن في نحر أهل الحديبية حجة ؛
لأن ما كان معهم من الهدي لم يكونوا ساقوه لما عرض لهم من حصر
العدو ؛ لأن الرسول لم يعلم حين قلده أنه يُصَد ، وإنما ساقه تطوعًا،
فلما صُد أخبر الله - تعالى - عن صدهم وحبسهم الهدي عن بلوغ
محله ، وكيف يجوز أن ينوب هدي قد ساقه عليه السلام قبل أن يُصَدَّ
عن دم وجب بالصَّدِّ ، ولم يأمرهم عليه السلام بدمٍ لحصرهم ، قاله
جابر بن عبد الله ، ولو وجب عليهم الهدي لأمرهم به كما أمرهم
[بالحلق ] (٢) الذي وجب عليهم ، فكيف يُنقل الحلق ولا يُنقل إيجاب
الهدي ، وهو يحتاج إلى بيان من معه هدي ما حكمه ؟ ومن لا هدي
معه ما حكمه ؟
-- -
وأما قول أبي حنيفة : ينحره في الحرم ، فقوله تعالى: ﴿والهدي
معكوفًا أن يبلغ محله ﴾ (٣) يدل أن التقصير عن بلوغ المحل سواء كان
ذلك في الحل أو الحرم اسم التقصير واقع عليه إذا لم يبلغ مكة؛ لقوله.
(٢/ ٥ ١١٣-)) تعالى: ﴿هديًا بالغ / الكعبة﴾ (٤) وقول ابن عمر: ((إنما شأنهما
واحد)) يعني: الحج والعمرة في اجتناب ما يجتنبه المحرم بالحج وفي
العمل لهما؛ لأن طوافًا واحدًاً وسعيًا واحدًا يجزئ القارن عنده .
(١) البقرة : ١٩٦.
(٢) في ((الأصل)): بالهدي . وهو سهو واضح من الناسخ كما يعلم من السياق ،
والمثبت هو الصواب
(٣) الفتح : ٢٥.
(٤) المائدة : ٩٥ .
- ٤٥٨ -

واختلفوا فيمن أحصر بمرض ، فقال مالك : لا يجوز لمن أحصر
بمرض أن يحل دون البيت بالطواف والسعي الذي هو عمل العمرة ،
ثم عليه حج قابل والهدي . وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق ،
وروي عن ابن عمر وابن عباس .
وقال أبو حنيفة : المحصر بالمرض الذي حيل بينه وبين البيت ،
وحكمه حكم المحضر بالعدو ، فعليه أن يبعث بهديه إلى الحرم ، فإذا
عَلم أنه قد نُحر عنه حَلَّ في مكانه من غير عمل عمرة ، وإنما لم يَرَ
عليه عمرة ؛ لأنه محرم ، والعمرة تحتاج إلى إحرام مستأنف ، ولا يدخل
إحرام على إحرام . وهو قول النخعي وعطاء والثوري ، واحتجوا
بحديث الحجاج بن أبي عثمان الصواف ، عن يحيى بن أبي كثير قال:
حدثنا عكرمة قال : حدثني الحجاج بن عمرو قال : سمعت النبي -
عليه السلام - يقول: (( من كُسر أو عرج فقد حَلَّ )) يحتمل أن يكون
معناه : فقد حل له أن يحل إذا نحر الهدي في الحرم ، لا على أنه قد
حَلَّ بذلك من إحرامه، كما يقال : حَلَّتْ فلانة للرجل ، إذا خرجت
من عدتها ، ليس على معنى أنها قد حلت للأزواج ، فيكون لهم
وطؤها، ولكن على معنى أنهم قد حل لهم تزويجها ، فيحل لهم
حينئذٍ وطؤها .
هذا سائغ في الكلام ، وهذا يوافق معنى حديث ابن عمر أن
النبي - عليه السلام - لم يحل من عمرته بحصر العدو إياه حتى نحر
الهدي ، ومعنى هذا الحديث عند أهل المقالة الأولى (( فقد حل ))
يعني: إذا وصل البيت فطاف وسعى - حلا كاملا - وحَلَّ له بنفس
الكسر والعرج أن يفعل ما شاء من إلقاء التفث ويفتدي ، وليس
للصحيح أن يفعل ذلك .
فقال الترمذي : سألت البخاري عن هذا الحديث فقال : رواه
- ٤٥٩ -

عكرمة ، عن عبد الله بن رافع ، عن الحجاج بن عمرو ، عن النبي-
عليه السلام - وهو [ يروى] (١) عن عكرمة ، عن الحجاج، قال
إسماعيل بن إسحاق : وهذا [ إسناد ] (٢) صالح من أسانيد الشيوخ،
ولكن أحاديث الثقات تضعفه ، وذلك ما حدثنا سليمان بن حرب ،
حدثنا حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن أبي قلابة قال : خرجت
معتمراً حتى إذا كنت بالدثينة وقعت عن راحلتي فانكسرت ، فأرسلت
إلى ابن عباس وابن عمر أسألهما فقالا : ليس لها وقت كوقت الحج،
يكون على إحرامه حتى يصل إلى البيت .
وحدثنا علي ، حدثنا سفيان قال عمرو : أخبرني ابن عباس قال :
لا حصر إلا حصر العدو . ورواه ابن جريج ومعمر ، عن ابن
طاوس، عن أبيه ، عن ابن عباس .
قال إسماعيل : فقد بان بما رواه الثقات عن ابن عباس في هذا
الباب أنه خلاف لما رواه حجاج الصواف عن يحيى بن أبي كثير ؛ لأن
ابن عباس حصر الحصر بالعدو دون غيره ، فبان أن مذهبه كمذهب ابن
عمر .
قال غيره : ومن الحجة لمالك في أن المحصر بمرض لا يجله إلا
البيت قوله تعالى : ﴿ هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام
والهدي معكوفًا أن يبلغ محله﴾ (٣) فأعلمنا تعالى أنهم حبسوا الهدي
عن بلوغ محله ، فينبغي أن يكون بلوغ محله شرطًا فيه مع القدرة
عليه، وأما قوله : ﴿ هديًا بالغ الكعبة ﴾ (٤) وقوله : ﴿ ثم محلها إلى
البيت العتيق﴾(٥). فالمخاطب بذلك : الآمن الذي يجد السبيل إلى
(١) راجع جامع الترمذي (٩٤٠)، والعلل الكبير له (٣٩٤/١) ووقع في ((الأصل)) :.
يرويه ، وليس بصواب .
(٢) فى ((الأصل)): أشياخ . وهو وهم من الناسخ
(٤ ) المائدة : ٩٥ .
.(٣) الفتح : ٢٥ .
(٥) الحج : ٣٣ .
- ٤٦٠ -