Indexed OCR Text

Pages 401-420

أنه كان يقول: (( من لبد أو عقص أو ضفر ؛ فإن كان نوى الحلق
فليحلق ، وإن لم ينوه فإن شاء حلق ، وإن شاء قصر )) وفعل النبي -
عليه السلام - أولى ، وسيأتي في كتاب اللباس قول عمر : ((من ضفر
فليحلق ، ولا تشبهوا بالتلبيد )) ومعناه - إن شاء الله .
باب : الحلق والتقصير عند الإحلال
فيه : ابن عمر أن النبي - عليه السلام - قال: (( اللهم ارحم المحلقين .
قالوا : والمقصرين يا رسول الله . قال : اللهم ارحم المحلقين . قالوا :
والمقصرين، قال: والمقصرين)).
وقال: (( حلق النبي - عليه السلام - وطائفة من أصحابه ، وقصر
بعضهم».
وفيه: معاوية قال: (( قَصَّرْتُ عن رسول الله بِمِشْقَصِ )).
هذا الموضع الذي قال فيه رسول الله هذا القول كان بالحديبية ،
ذكره ابن إسحاق عن الزهري ، عن عروة ، عن مروان بن الحكم
والمسور بن مخرمة قالا : (( لما فرغ رسول الله من الكتاب ، أمر الناس
أن ينحروا ويحلقوا، فوالله ما قام رجل؛ لما دخل في قلوب الناس من
الشَّرُّ ، فقالها رسول الله ثلاث مرات ، فما قام أحد ، فقام رسول الله
فدخل على أم سلمة ، فقال لها : أما تري الناس آمرهم بالأمر
لا يفعلونه ، فقالت : يا رسول الله، لا تَلُمهم ؛ فإن الناس دخلهم
أمر عظيم مما رأوك حملت على نفسك في الصلح ، فاخرج يا رسول الله
لا تكلم أحدًا حتى تأتي هديك فتنحر وتحل ؛ فإن الناس إذا رأوك
فعلت ذلك فعلوه . فخرج رسول الله ففعل ذلك ، فقام الناس
فنحروا، فحلق بعض وقصر بعض ، فقال رسول الله : اللهم اغفر
- ٤٠١ -

للمحلقين - ثلاثًا، وقال في الثالثة: وللمقصرين)). وذكر ابن
إسحاق عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، عن ابن عباس قال :
(حلق رجال يوم الحديبية وقصر آخرون ، فقال رسول الله : اللهم
ارحم المحلقين - ثلاثًّا - قيل : يا رسول الله ، ما بال المحلقين
ظاهرت لهم في الترحم ؟ قال : لأنهم لم يشكوا )) .
واختلف أهل العلم هل الحلاق نسك يجب على الحاج والمعتمر أم
[٢/ ١٠١٥-ب] لا ؟ فقال / مالك: هو نسك يجب على الحجاج والمعتمر ، وهو
أفضل من التقصير ، ويجب على من فاته الحج أو أحصر بِعَدوُّ أو
بمرض . وهو قول جماعة من الفقهاء ، إلا في المحصر ؛ فإنهم
اختلفوا هل هو من النسك ؟ فقال أبو حنيفة : ليس على المحصر
تقصير ولا حلاق . وهذا أمر النبي - عليه السلام - أصحابه بالخديبية
حين صُدّ عن البيت بالحلاق وهم محصورون ، فلا وجه لقوله .
وقال الشافعي مرة : الحلاق من النسك . وقال مرة : الحلاق من
الإحلال ؛ لأنه ممنوع منه للإحرام .
وقال غيره : من جعل الحلاق نسكًا أوجب على من تركه الدم ،
ومن جعله من باب الإحلال لم يوجب على من تركه شيئًا ، ودعاء .
الرسول للمحلقين ثلاثًا: دليل على أن الحلاق نسك، فلا وجه لإسقاط
أبي حنيفة له عن المحصر .
قال ابن القصار : والدليل على أنه نسك يجب عليه عند التحلل
قوله تعالى: ﴿لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين
رءوسكم ومقصرين﴾ (١) فخص الحلق والتقصير من بين المباحات ،
ولم يقل : لابسين متطيبين ، فُعلم أن الحلاق نسك ، وليس حكمه
(١) الفتح : ٢٧ .
- ٤٠٢ -

حكم اللباس وغيره ، وأيضًا فإنه دَعَا للمحلقين ثلاثًا ، ولم يَدْعُ لهم
على شيء من فعل المباحات مثل اللباس والطيب ، ودعاؤه عليه
السلام معه الثواب ، فثبت أن الحلاق نسك ؛ لأن الثواب يقع عليه ،
ولو كان أباحه من حَظْرٍ لم يستحق الدعاء والثواب عليه . وأجمعوا
أن النساء لا يحلقن ، وأن سنتهن التقصير .
قال المهلب : ووجه دعاء النبي للمحلقين ثلاثًا - والله أعلم - أن
التحليق أبلغ في العبادة ، وأدل على صدق النية في التذلل لله ؛ لأن
المقصر لشعره مبق لنفسه من الزينة التي أراد الله أن يأتيه المستجيبون
لدعوته بالحج مبرئين منها ، مظهرين للذلة والخشوع ، مجانبين للطيب
والتزين كله ، شعثًا غبرًا ، ومن ترك من شعره البعض فقد أبقى لنفسه
من الزينة (١) ما دل على أنه لم يتزين بالشعث والغبرة لله وحده، فأكد
النبي - عليه السلام - الحض على الشعث والغيرة بالدعوة لمن آثرها
على إبقاء الزينة لدنياه ، ثم جعل له من الدعوة نصيبًا ، وهو الربع ،
لئلا يخيب أحدًا من أمته من صالح دعوتِهِ. وقال أبو عبيد: المشْقَص:
النصل الطويل ، وليس بالعريض .
قال أبو حنيفة الدينوري: المشقص : كل نصل فيه [ عين ] (٢)
وكل ناتئ في وسطه حديدة فهو [ عين ] (٢) ومنه [ عين ] (٢) الكتف
والورقة .
(١) في (( الأصل)) ما صورته هنا : والتذ بها .
(٢) راجع كتاب ((غريب الحديث)) للحربي (٩٦/١) وفيه : المشقص الذي له عين
يعني: حدا. ووقع في (( الأصل)): عير - بالراء - وهو تحريف .
- ٤٠٣ -

باب : تقصير المتمتع بعد العمرة
فيه : ابن عباس قال: (( لما قدم الرسول مكة أمر أصحابه أن يطوفوا
بالبيت وبالصفا والمروة ، ثم يحلوا ويحلقوا [ أو ](١) يقصروا)).
وليس فيه أكثر من أن الحلاق أو التقصير لازم للمعتمر كما يلزم
الحاج ؛ لأمر النبي المتمتعين عند الإحلال به .
باب : الزيارة يوم النحر
قالت عائشة وابن عباس: (( أخّر الرسول الزيارة إلى الليل))
(وذكر)(٢) ابن عباس ، عن الرسول أنه كان يزور البيت أيام منى)) .
فيه : ابن عمر أنه طاف طوافًا واحدًا ، ثم يقيلُ ، ثم يأتي منى يوم
النحر. ورفعه عبد الرزاق .
فيه: عائشة: (( حججنا مع النبي - عليه السلام - فأفضنا يوم النحر ،
فحاضت صفية فأراد الرسول منها ما يريد الرجل من أهله ، فقال :
حابستنا هي ؟ قالوا : يا رسول الله أفاضت يوم النحر . قال : اخرجوا ،
قال الله - تعالى -: ﴿ ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا
بالبيت العتيق ﴾ (٣).
وأجمع العلماء أن هذا الطواف هو الواجب : طواف الإفاضة ؛ ألا
ترى أن النبي - عليه السلام - لما توهم أن صفية لم تطف يوم النحر،
(١) في ((الأصل)): و. والسياق يقتضي التخيير، ولم يذكر الحافظ ابن حجر
غيره في الفتح (٦٦٢/٣) .
(٢) في الصحيح المطبوع : ويُذكر عن أبي حسان ، عن ابن عباس.
(٣) الحج : ٢٩ .
- ٤٠٤ -

قال: ((أحابستنا هي؟)) فلما أخبر أنها قد طافت للإفاضة ، قال :
فلا إذًا . فأخبر أنه يجزئها عن غيره ، فاستحب جميع العلماء طواف
يوم النحر / ثم يرجع إلى منى للمبيت والرمي ، وذكر عبد الرزاق [٢/ ١٠٢٥-١]
عن سعيد بن جبير : أنه كان إذا طاف يوم النحر لم يزد على سبع ،
وأخر ، وعن طاوس مثله ، وعن الحكم قال : أصحاب عبد الله لا يزيدون
يوم النحر على سبع ، وأخر . قال الحجاج : فسألت عطاء ، فقال :
طف كم شئت ، ولا خلاف بين الفقهاء أن من أخر طوافه من يوم
النحر ، وطافه في أيام التشريق أنه مؤد لفرضه ، ولا شيء عليه .
واختلفوا إن أخره حتى مضت أيام التشريق ، فقال عطاء : لا شيء
عليه . وهو قول أبي يوسف ومحمد والشافعي وأبي ثور ، وقال
مالك: إن عجله فهو أفضل ، وإن أخره حتى مضت أيام التشريق ،
وانصرف من منى إلى مكة فلا بأس ، وإن أخره بعد ما انصرف من
منى أيامًا ، وتطاول ذلك فعليه دم .
واختلفوا إذا أخره حتى رجع إلى بلده ، فقال عطاء ، ومالك ،
والثوري ، وأبو حنيفة ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور:
يرجع فيطوف ، لا يجزئه غيره .
وروي عن عطاء قول ثان : وهو أن يأتي عامًا قابلا بحجٍ أو عمرة.
وقال ابن القاسم في المدونة : ورواه ابن عبد الحكم عن مالك أن
طواف الدخول يجزئه عن طواف الإفاضة لمن نسيهُ إذا رجع إلى بلده،
وعليه دم . وروى ابن الماجشون ومطرف عن مالك أن طواف الدخول
لا يجزئ عن طواف الإفاضة البتة ، وإنما يجزئ عندهم عن طواف
الإفاضة كل عمل يعمله الحاج يوم النحر وبعده في حجته . وهو قول
أبي حنيفة والشافعي ، قال إسماعيل بن إسحاق : والحجة لذلك :
- ٤٠٥ -

﴿ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق)(١)
ففرض الطواف بالبيت العتيق بعد قضاء التفث ، وذلك طواف الإفاضة
يوم النحر بعد الوقوف بعرفة ، فإذا طاف تطوعًا أجزأه عن فرضه ؛
لأنه جاء بطواف في وقته . وقال ابن القصار : لما كان الإحرام بالحج
إذا انعقد ناب تطوعه عن فرضه ، كطواف الوداع ينوب عن طواف
الفرض ، ولو أوقع طواف تطوع ولم يعتقده طواف الإفاضة لناب عنه
بلا خلاف .
وقال ابن شعبان : إنما قالوا : يجزئه ؛ لأن كل عمل يكون في
الحج ينوي به التطوع ، ولم يكمل فرض الحج، فالفرض أولى به من
النية التي نويت به ، كالداخل في صلاة بإحرام نواه بها ، ثم صلى منها
صدرًا ، ثم ظن أنه قد فرغ منها ، فصلى ما بقي على أنه تطوع عنده،
فهو للفرض الذي ابتدأه ولا تضره نيته إذ لم يقطع الصلاة عمدًا.
قال المهلب : وقد خص الله الحج بما لم يخص غيره من الفرائض
وذلك قوله : ﴿ الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج ... ﴾ (٢)
الآية ، فمن فرض الحج في حرمه وشهوره فليس له أن ينتقل عما
فرضه بنية إلى غيره حتى يتمه ؛ لأن العمل على النية الأولى حتى
يكملها ، هو فرضه ؛ لقوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ (٣)
ألا ترى أن من وطئ بعد جمرة العقبة قبل طواف الإفاضة ، أن منهم
من قال : يحج قابلا . ومنهم من قال : إن أحرم بعمرة وأهدى أجزأه
ذلك . وهُم : ابن عباس وعكرمة وطاوس وربيعة ، وفسره ابن عباس
فقال: إنما (يفي من أمره) (٤) أربعة أميال، فيحرم من التنعيم أربعة
!
أميال، فيكون طواف مكان طواف، وهذا طواف عمرة يجزئه عن طواف
(١) الحج : ٢٩ .
(٣) البقرة : ١٩٦ .
.(٢) البقرة : ١٩٧ .
(٤) هكذا صورته في ((الأصل)).
- ٤٠٦ -

فريضة ، وكذلك القارن يجزئه طواف واحد وسعي واحد لعمرته
وحجته ، للسُنّة الثابتة عن عائشة وابن عمر عن النبي - عليه السلام-
والعمرة تطوع .
باب: إذا رمى بعدما أمسى [ أو حَلَق ](١)
قبل أن یذبح ناسيًا أو جاهلا
فيه: ابن عباس (( أن النبي - عليه السلام - قيل له في الذبح والحلق
والرمي ، والتقديم والتأخير ، فقال: لا حرج)).
أجمع العلماء أن الاختيار في رمي جمرة العقبة يوم النحر من طلوع
الشمس إلى زوالها ، وأنه إن رمى قبل غروب الشمس / من يوم (١٠٢٥/٢ -ب]
النحر أجزأ عنه ، إلا مالكًا فإنه يستحب له أن يهريق دمًا يجيء به من
الحل .
واختلفوا فيمن رمى من الليل أو من الغد ، فقال مالك : عليه دم.
وهو قول عطاء والثوري وإسحاق ، وقال مالك في الموطأ : من نسي
جمرة من الجمار أيام منى حتى يمسي ، يرميها أي ساعة ذكرها من ليل
أو نهار ما دام بمنى ، كما يصلي الصلاة أي ساعة ذكرها من ليل أو
نهار . ولم يذكر دمًا ، وذكر عنه ابن القاسم أنه كان مرة يرى عليه
الدم ، ومرة لا يرى عليه ذلك ، وقال أبو حنيفة : إن رماها من الليل
فلا شيء عليه ، وإن أخرها إلى الغد فعليه دم . وقال أبو يوسف
ومحمد والشافعي : لا شيء عليه وإن أخرها إلى الغد . واحتجوا
(١) سقط من ((الأصل)) ولا بُدَّ منه، وسيأتي قول المصنف: تقدم الاختلاف فيمن
حلق قبل أن يذبح .
- ٤٠٧ -

بقول الرسول: ((لا حرج)) للذي قال له : رميت بَعْد ما أمسيت.
وأيضًا فإن النبي - عليه السلام - أرخص لرعاء الإبل في مثل ذلك ،
يرعون بالنهار ويرمون بالليل ، وما كان ليرخص لهم فيما لا يجوز ،.
وحجة مالك أن النبي - عليه السلام - وقت لرمي جمرة العقبة وقتًا ،
وهو يوم النحر ، فمن رمى بعد غروب الشمس فقد رمى بعد وقتها ،
ومن فعل في الحج شيئًا بعد وقته فعليه دم ، وقد تقدم اختلافهم في
رمي جمرة العقبة قبل طلوع الفجر ، أو قبل طلوع الشمس من يوم.
النحر لأهل العذر وغيرهم في باب (( من قدم ضعفة أهله بالليل )»
فأغنى عن إعادته .
وأما قوله : ناسيًا أو جاهلا ، فإن العلماء لم يفرقوا بين الجاهل.
والعامد في أمور الحج ، وقد تقدم الاختلاف فيمن حلق قبل أن يذبح
في باب (( الذبح قبل الخلق)) فأغنى عن إعادته .
فإن قال قائل : ما معنى قول القائل للنبي - عليه السلام - :
(رميت بعد ما أمسيت)) وهذا يوهم أنه كان السؤال له عليه السلام بعد
انقضاء المساء ، وهذا حديث عبد الله بن عمرو في الباب بعد هذا أنه
وقف النبي - عليه السلام - على ناقته يوم النحر للناس يسألونه ،
وذكر الحديث . فالجواب : أن العرب تسمى ما بعد الزوال : مساءً
وعشاءً ورواحًا ، وهو مشهور في لغتهم ، روى مالك عن ربيعة ،
عن القاسم بن محمد أنه قال : ما أدركت الناس إلا وهم يصلون
الظهر بعشي . وإنما يريد تأخيرها إلى ربع القامة ، وتمكن الوقت في
شدة الحر ، وهو وقت الإبراد الذي أمر به عليه السلام .
- ٤٠٨ -

باب : الفتيا على الدابة عند الجمرة
فيه: عبد الله بن عمرو: (( وقف النبي - عليه السلام - في حجة الوداع
على ناقته ، فجعلوا يسألونه ، فقال رجل : لم أشعر فحلقت قبل أن
أذبح؟ فقال : اذبح ولا حرج ... )) الحديث .
وقد تقدم هذا التبويب في كتاب العلم ، وأن معناه أنه يجوز أن
تسأل العالم وإن كان مشتغلا بطاعة الله - تعالى - وقد أجاب السائل
وقال له: (( لا حرج)) وكل ذلك طاعة الله - تعالى.
باب : الخطبة أيام منى
فيه: ابن عباس: (( أن النبي - عليه السلام - خطب الناس يوم النحر،
فقال : يا أيها الناس ، أي يوم هذا ؟ قالوا : يوم حرام . قال : فأي بلد
هذا ؟ قالوا : بلد حرام. [ قال ](١) : فأي شهر هذا؟ قالوا : شهر حرام.
قال : فإن دماء كم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام ، كحرمة يومكم
هذا في بلدكم هذا، في شهركم هذا . فأعاد هذا مرارًا، ثم رفع رأسه
فقال : اللهم هل بلغت ؟ - مرتين ، قال ابن عباس : فوالذي نفسي بيده
إنها لوصيته إلى أمته - فليبلغ الشاهد الغائب ، لا ترجعوا بعدي كفاراً
يضرب بعضكم رقاب بعض )) وقال جابر بن زيد عن ابن عباس :
((سمعت النبي - عليه السلام - يخطب بعرفات)).
وفيه: أبو بكرة: (( خطبنا النبي يوم النحر ... )) فذكر مثله سواء.
وفيه : ابن عمر قال النبي - عليه السلام - بمنى : « أتدرون أي يوم
هذا؟ ... )) الحديث .
(١) في ((الأصل)»: قالوا . وهو خطأ.
- ٤٠٩ -

وقال هشام بن الغاز: أخبرنا نافع ، عن ابن عمر: « وقف النبي - عليه
[١٠٣٥/٢-١] السلام - يوم / النحر بين الجمرات في الحجة التي حج - بهذا - وقال:
هذا يوم الحج [ الأكبر ] (١) . فطفق النبي يقول: اللهم اشهد ، فودع
الناس ، فقالوا : هذه حجة الوداع )) .
اختلف الناس في خُطب الحج ، فكان مالك يقول : يخطب الإمام
في اليوم السابع قبل يوم التروية بيوم ، ويخطب ثاني يوم النحر ،
وهو يوم القر ، سمي بذلك ؛ لأن الناس يستقرون فيه بمنى ، وهو
قول أبي حنيفة وأصحابه ، ووافقهم الشافعي في خطبة اليوم السابع
يأمرهم بالغدو إلى منى ، وخطبة يوم عرفة بعد الزوال ، وخالفهم
فقال : يخطب يوم النحر بعد الظهر ، يعلم الناس فيها النحر والرمي
والتعجيل لمن أراد ، وخطبة رابعة : ثالث يوم النحر بعد الظهر ،
وهو يوم النفر الأول ، يودع الناس ويعلمهم أن من أراد التعجيل
فذلك له ، ويأمرهم أن يختموا حجهم بتقوى الله وطاعته . واحتج
الشافعي بخطبة يوم النحر بحديث ابن عباس وابن عمر وأبي بكرة ((أن
النبي - عليه السلام - خطب يوم النحر )) قال الشافعي : وبالناس
حاجة إلى هذه الخطبة ليعلمهم المناسك ، وإن علمهم النحر والإفاضة
إلى مكة للطواف والعود إلى منى للمبيت بها ، فوجب أن يكون ذلك
سُنة .
وقال ابن القصار : أما خطبة يوم النحر فإنه عليه السلام إنما وقف
للناس فقال : أي يوم هذا ؟ وأي شهر هذا ؟ وأي بلد هذا ؟ فعرفهم
أن دماءهم وأموالهم وأعراضهم حرام ، وأمرهم بتبليغ ذلك لكثرة
اجتماعهم من أقاصي الأرض ، فظن أنه خطب .
وقال الطحاوي: لم تكن هذه الخطبة من أسباب الحج ؛ لأنه عليه
(١) ليس في ((الأصل))، والكلام بدونها لا يتم ، وهي ثابتة في الصحيح المطبوع
مع الفتح (٦٧١/٣، ٦٧٤) وغيره .
- ٤١٠ -

السلام ذكر فيها أمورًا لا يصلح لأحد بعده ذكرها ، والخطبة إنما هي
لتعليم الحج ، ولم ينقل أحد عنهم أنه علمهم يوم النحر شيئًا من سنن
الحج ، فعلمنا أن خطبة يوم النحر لم تكن للحج ، وإنما كانت لما
سواه .
قال ابن القصار : وقوله : يحتاج أن يعلمهم النحر ، فقد تقدم
تعليمهم في خطبته يوم عرفة ، وأعلمهم ما عليهم فيه وبعده ، وخطب
ثاني النحر فأعلمهم ما بقي عليهم في يومه وغده ، وأن التعجيل يجوز
فيه ، وكذلك خطب قبل يوم التروية بيوم وهو بمكة ، فكانت خطبه
ثلاثًا ، كل خطبة ليومين ، وأما قول الشافعي أنه يخطب ثالث يوم
النحر ، مع اجتماعهم بأنها خطبة يأمر الإمام الناس فيها بالتعجيل إن
شاءوا ، ولما كان مما لم يختلفوا فيه أن الخطبة التي يأمر الإمام الناس
فيها بالخروج إلى منى قبل الخروج إليها ، كان كذلك الخطبة التي
يأمرهم فيها بالتعجيل في يومين قبل ذلك أيضًا .
قال ابن الموّاز : الخطبة الأولى قبل التروية بيوم في المسجد الحرام
بعد الظهر لا يجلس فيها ، والثانية بعرفة يجلس في وسطها ، والثالثة
بمنى أول يومٍ من أيام التشريق ، وهي بعد الظهر لا يجلس فيها ،
وهي كلها تعليم المناسك، ولا يجهر بالقراءة في شيء من صلاتها .
وقال الطبري : معنى قوله عليه السلام: (( إن دماءكم وأموالكم
عليكم حرام )) يريد أن دماء بعضكم وأمواله وأعراضه حرام على
البعض الآخر ، فأخرج الخبر عن تحريم ذلك على وجه الخطاب لهم ؛
إذ كانوا أهل ملة واحدة ، وكان جميعهم فيما لبعضهم على بعض من
الحق في معنى الواحد فيما لنفسه وعليه ، وذلك نظير قوله تعالى :
﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة
عن تراضٍ منكم ولا تقتلوا أنفسكم ﴾ (١) والمعنى : لا يأكل بعضكم
(١) النساء : ٢٩ .
- ٤١١ -

مال بعض بالباطل ، ولا يقتل بعضكم بعضًا ، وذلك أن المؤمنين
بعضهم إخوة بعض ؛ فما أصاب أخاه من مكروه فكأنه المصاب به ،
ومثله قوله تعالى موبخًا لبني إسرائيل الذين كانوا بين ظهراني المسلمين
في قتل بعضهم بعضًا وإخراج بعضهم بعضًا من ديارهم : ﴿ وإذ أخذنا.
ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ﴾ (١)
فأخرج الخبر عن قتل بعضهم لبعض على وجه الخبر عن أنفسهم ،
وفيه البيان عن أن الله حرم من مال المسلم وعرضه نظير الذي حرم من
دمه ، وسوی بین جمیعه [ فلا یستحل ] (٢) ماله ، وكذلك قال ابن
مسعود في خطبته : حُرمة مال المسلم كحرمة دمه .
فإن قال قائل : فإنك تستحل سفك دماء أقوام من المسلمين وأنت
(٢/ ٥ ١٠٣-ب) لأموالهم / محرم ، وذلك كقطاع الطريق والخوارج ومن يجب قتله
بحدٌّ لزمه. قيل: أما هؤلاء فإنما لزم الإمام سفك دمائهم إقامة لحدِّ الله
الذي وجب عليهم، وليس ذلك استحلالا لزمه من الوجه الذي
سوَّى الله بينه وبين ماله وعرضه في الحرمة ، وإنما ذلك عقوبة لجرمه
دون ماله ، كما أمر بعقوبة آخر في ماله دون بدنه ، وليس إلزامه الدية
استحلالا لماله من الوجه الذي سوّى بينه وبين دمه وماله ، وإنما الوجه
الذي سَوّي بين حُرمة جميع ذلك في ألا يتناول شيئًا منه بغير حق ،
فحرام أن يُغتابَ أحدٌ بسوء بغير حق ، وكذلك مَالُهُ ؛ أخذُ شيءٍ منه
حرام بغير حق كتحريم دمه .
وأما قوله عليه السلام: (( لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم
رقاب بعض)) فإنه قد تقدم منه عليه السلام إلى أمته بالثبوت على
الإسلام ، وتحريم بعضهم من بعض على نفسه سفك دمه ، ما أقاموا
(١) البقرة : ٨٤ .
(٢) في (( الأصل)): فيستحل، ولا يستقيم المعنى بها، والمثبت أنسب للسياق.
- ٤١٢ -

على الإسلام ، فإن ظن ظان أن ذلك حكم من النبي لضارب رقبة
أخيه المسلم بالكفر ، فقد أعظم الغفلة وأفحش الخطأ ، وذلك أنه لا ذنب
يوجب لصاحبه الكفر مع الإقرار بالتوحيد والنبوة إلا بذنب يركبه
صاحبه على وجه الاستحلال مع العلم بتحريمه ، فأما إذا ركبه معتقدًا
تحريمه ، فإن ذلك معصية لله ، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له ، فهو
بذلك الذنب آثم ، ومن ملة المسلمين غير خارج ؛ لقوله تعالى : ﴿إن
الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾ (١) فإن قال
قائل: فما معنى قوله - عليه السلام -: (( لا ترجعوا بعدي كفاراً
يضرب بعضكم رقاب بعض)) إذ كان لهم الرجوع وهو حي بينهم
كفاراً ، فيشترط في نهيه النهي عن ذلك بعده ؟
قيل : لذلك وجوه مفهومة: أحدها : أن يكون قال لهم: (( لا ترجعوا
بعدي كفاراً )) لأنه قد علم أنهم لا يفعلون ذلك وهو فيهم حي ، فقال
لهم : لا تفعلوه بعد وفاتي ، فأما قبل وفاتي فقد علمت أنكم لا تفعلونه
بإعلام الله ذلك. والثاني: أن يكون عنى بقوله : ((بعدي )) بعد
فراقي من موقفي هذا . والثالث : أن يكون عنى بقوله : (( بعدي ))
خلافي ، فيكون معنى الكلام : لا ترجعوا خلافي كفاراً يضرب
بعضكم رقاب بعض ، فتخلفوني في أنفسكم بغير الذي أمرتكم به .
*
باب : هل يبيت أصحاب السقاية وغيرهم
بمكة [ ليالي ](٢) منى
فيه : ابن عمر : (( رخص النبي للعباس ليبيت بمكة ليالي منى من أجل
سقايته )) .
(١) النساء : ٤٨ .
(٢) من الصحيح المطبوع (٦٧٦/٣) وهو الموافق للفظ الحديث الوارد في الباب ،
ولسياق الشرح، ولمقتضى معنى: يبيت، وجاء في ((الأصل)»: أيام، وهو وهم.
- ٤١٣ -

قال ابن المنذر : السنة أن يبيت الناس بمنى ليالي أيام التشريق إلا من
أرخص له رسول الله في ذلك ؛ فإنه أرخص للعباس أن يبيت بمكة من
أجل سقايته ، وأرخص لرعاء الإبل ، وأرخص لمن أراد التعجيل أن
ينفر في النفر الأول ..
واختلف الفقهاء فيمن بات ليلةً بمكة من غير من رُخِّصَ له ، فقال
مالك : عليه دم . وقال الشافعي : إن بات ليلة أطعم عنها مسكينًا ،
وإن بات ليالي منى كلها أحببتُ له أن يُهريق دمًا . وقال أبو حنيفة
وأصحابه : لا شيء عليه إن كان يأتي منى ويرمي الجمار . وهو قول
الحسن البصري ، قالوا : ولو كانت سُنَّة ما سقطت عن العباس وآله،
وإنما هو استحباب ، وحسبه إذا رمى الجمار في وقتها ، وقد روى:
سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن عكرمة ، عن ابن عباس
قال: لا بأس أن يبيت الرجل بمكة ليالي منى ، ويظل إذا رمى الجمار.
وحجة من أوجب الدم أن الرخصة في ذلك إنما هي تخصيص من
رسول الله لأهل السقاية ، ولمن أذن له دون غيرهم .
باب : رمي الجمار
وقال جابر: « رمی النبي - عليه السلام - يوم النحر ضحى ، ورمى
بعد ذلك بعد الزوال ».
وفيه : وبرة: (( سألت ابن عمر : متى أرمي الجمار ؟ قال : إذا رَمَى.
[٢/ ٤٥ ١٠- ١] إمامُك فَارْمه. فأعدت عليه المسألة ، قال: كنا نَتَحَيّنُ ؛ فإذا زالت /
الشمس رمينا )).
قول جابر: ((رمى النبي يوم النحر ضُحى)) فإنما يريد جمرة:
العقبة، لا يرمي يوم النحر غيرها، وقوله: ((ثم رمى بعد ذلك بعد
- ٤١٤ -
..--

الزوال )) فإنه يعني رمي الجمار أيام التشريق ، وممن رماها بعد الزوال:
عمر بن الخطاب ، وابن عباس ، وابن الزبير ، ولذلك قال ابن عمر:
كنا نتحين ؛ فإذا زالت الشمس رمينا . وهذه سنة الرمي أيام التشريق
الثلاثة ، لا تجوز إلا بعد الزوال عند الجمهور ، منهم : مالك،
والثوري ، وأبو حنيفة ، وأبو يوسف ، ومحمد ، والشافعي ،
وأحمد . وقال أبو حنيفة : القياس أنه لا يجوز إلا بعد الزوال ،
ولكنا استحسنا أن يكون في اليوم الثالث قبل الزوال .
وقال إسحاق : إن رمى في اليوم الأول والثاني قبل الزوال أعاد ،
وفي اليوم الثالث يجزئه . وقال عطاء وطاوس : يجوز في الأيام
الثلاثة قبل الزوال . وحديث جابر وابن عمر يرد هذا القول ، والحجة
في السنة ، فلا معنى لقول من خالفها، ولا لمن استحب غيرها ،
واتفق مالك وأبو حنيفة والثوري والشافعي وأبو ثور إذا مضت أيام
التشريق وغابت الشمس من آخرها ، فقد فات الرمي ، ويجبر ذلك
ـالدم .
*
باب : رمي الجمار من بطن الوادي
فيه : ابن عمر: (( أنه رمى من بطن الوادي، فقلت : يا أبا عبد الرحمن،
إن ناسًا يرمونها من فوقها ! فقال : والذي لا إله غيره هذا مقام الذي
أنزلت عليه سورة البقرة)) .
رمي الجمرة من حيث تيسر من العقبة ، من أسفلها أو أعلاها أو
أوسطها ، كل ذلك واسع ، والموضع الذي يختار منها بطن الوادي ؛
من أجل حديث ابن مسعود ، وكان جابر بن عبد الله يرميها من بطن
الوادي ، وبه قال عطاء وسالم ، وهو قول الثوري والشافعي وأحمد
وإسحاق ، وقال مالك : يرميها من أسفلها أحب إلي . وقد روي عن
- ٤١٥ -

عمر بن الخطاب أنه خاف الزحام عند الجمرة ، فصعد فرماها من
فوقها .
باب : رمي الجمار بسبع حصيات
فيه: عبد الله: ((أنه انتهى إلى الجمرة الكبرى، [ جعل ](١) البيت عن
يساره ومنى عن يمينه ، ورمى بسبع ، وقال : هكذا رمى الذي أنزلت عليه
سورة البقرة )) .
وترجم له باب من رمى جمرة العقبة فجعل البيت عن يساره .
اتفقت الأمة على أن من رمى كل جمرة بسبع حصيات فقد أحسن ،
واختلفوا إذا رماها بأقل من سبع ، فذكر الطبري عن عطاء أنه إن رمى
بخمس أجزأه . وعن مجاهد : إن رمى بست فلا شيء عليه ، وذكر
ابن المنذر أن مجاهدًا احتج بحديث سعد بن أبي وقاص قال : (رجعنا
مع النبي - عليه السلام - وبعضنا يقول : رميت بست ، وبعضنا
يقول: رميت بسبع ، فلم يَعِبْ بعضهم على بعض )) وبه قال أحمد
وإسحاق ، وعن طاوس إن رمى ستًا يطعم تمرة أو لقمة .
وذكر الطبري قال : قال بعضهم : لو ترك رمي جميعهن بعد أن
يكبر عند كل جمرة بسبع تكبيرات أجزأه ذلك. وقال: إنما جعل الرمي
في ذلك بالحصى سبًا لحفظ التكبيرات السبع، كما جعل عقد الأصابع
بالتسبيح سببًا لحفظ العدد . وذكر عن يحيى بن سعيد أنه سئل عن
الخرز والنوى يسبح به ، فقال : حسن ، قد كانت عائشة زوج النبي-
عليه السلام - تقول : إنما الحصى للجمار ليحفظ به التكبير . وقال
(١) من الصحيح المطبوع (٦٧٩/٣) وسيأتي هذا اللفظ في الشرح آخر الباب ، وجاء
في ((الأصل)): خَلَّ، مضبوطاً بالقلم، والظاهر أنه تحريف ، والله تعالى
أعلم .
- ٤١٦ -

الشافعي وأبو ثور : إن بقيت عليه حصاة فعليه مُد من طعام ، وفي
حصاتين مُدَّان ، وإن بقيت ثلاث فأكثر فعليه دم . وقال أبو حنيفة وأبو
يوسف ومحمد : إن ترك أقل من نصف جميع الجمرات الثلاث ،
فعليه في كل حصاة نصف صاع من طعام إلا أن يبلغ ذلك دمًا ،
فيطعم ما شاء ويجزئه ، وإن كان ترك أكثر من نصف جميع الجمرات
الثلاث فعليه دم ، وعلتهم إجماع الجميع [أنَّ على ] (١) كل تارك
رمي الجمرات الثلاث في أيام الرمي حتى / تنقضي: دمًا، فلما كان (٢/ ١٠٤٥ -ب]
ذلك إجماعًا ، كان الواجب أن يكون لترك رمي ما دون جميع
الجمرات الثلاث من الدم بقسطه، وأن يكون ذلك مردودًا إلى القيمة؛
إذ كان غير ممكن نسك بعض الدم، فجعلوا ذلك طعامًا، وجعلوا ما يعطى
كل مسكين من ذلك قوت يومه ، وجعلوا تارك ما زاد على نصف
جميع الجمرات الثلاث بمنزلة تارك الجمرات كلها ؛ إذ كان الحُكم
عندهم للأغلب ، مع أن ذلك إجماع من الجميع .
وقال الحكم وحماد : من نسي جمرة أو جمرتين أو حصاة أو
حصاتین یھریق دمًا .
وقال عطاء : من نسي شيئًا من رمي الجمار فذكر ليلا أو نهاراً
(فليرمي) (٢) ما نسي، ولا شيء عليه، وإن مضت أيام التشريق فعليه
دم . وهو قول الأوزاعي ، وقال مالك : إن نسي حصاة من الجمرة
حتى ذهبت أيام الرمي ذبح شاة ، وإن نسي جمرة تامة ذبح بقرة .
قال الطبري : والصواب عندنا أن رمي جمرة العقبة يوم النحر
بسبع حصيات ، ورمي الجمرات الثلاث أيام التشريق الثلاثة كل جمرة
منها بسبع حصيات من مناسك الحج التي لا يجوز تضييعها ؛ لنقل
الأمة جميعًا وراثة عن النبي - عليه السلام - أن رميهن كذلك مما عَلَّمَ
(١) في ((الأصل)): على أن، وهو مقلوب.
(٢) كذا في ((الأصل)).
- ٤١٧ -

أمته ، وقد جعل الله بيان مناسكه إلى رسول الله فعلم بذلك أنه من
الفروض التي لا يجوز تضييعها ، وعُلم أن من ترك شيئًا مما علمهم
الرسول حتى فات وقّته فعليه الكفارة ؛ إذ كان قد نص في محكم كتابه
على وجوب ذلك في تضييع بعض المناسك ، فكان في حكمه حكم
ما لم ينص الحكم فيه ، فمما نص الحكم فيه في كتابه (( الشعر » الذي
تَقَدَّم إلى عباده في ترك حلقه أيام إحرامهم بقوله: ﴿ ولا تحلقوا
رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله ﴾ (١) ثم جعل في حلقه قبل وقته
المباح لمرض أو أذى فديةً من طعام أو صدقة أو نسك ، وكذلك أوجب
في قاتل الصيد في الإحرام الكفارة ، فمثل ذلك حكم كل مضيع شيئًا
من مناسك الحج عليه الكفارة والبدل ، وإن اختلفت الكفارات في
ذلك إلا أن ينص الله على وضع شيء من ذلك عن فاعله ، ولما ثبت
أن كل جمرة منها فرض ، بينا أن الرسول كان منقولا عنه وراثة أن من
ضيع رميهن حتى تنقضي أيام التشريق الثلاثة عليه فدية شاة يذبحها
ويتصدق بها ، كان على تارك بعضها ما على تارك جميعها ، كما
حكم تارك شوط واحد من السبعة الأشواط في طواف الإفاضة يوم
النحر حكم تارك الأشواط السبعة فيما يلزمه .
واختلفوا فيمن رمى سبع حصيات في مرة واحدة ، فقال مالك
والشافعي : لا يجزئه إلا عن حصاة واحدة ، ويرمي بعدها ستا .
وقال عطاء : يجزئه عن السبع رميات . وهو قول أبي حنيفة ؛ لأنّه لو
وجب عليه الحد فلا فرق أن يقام عليه الحد سوطًا سوطًا أو سياطًا
مجموعة فإنه يسقط عنه الفرض إذا علم وصول الكل إلى بدنه ،
كذلك الرمي .
قال ابن القصار : والحجة لمالك أن النبي رمى بحصاة بعد حصاة
وقال: (( خذوا عني مناسككم)) فوجب امتثال فعله ، ونحن لا نجيز
(١) البقرة : ١٩٦ .
- ٤١٨ -

ضربه إلا بسوط بعد سوط ؛ لأنه لا يكون ألم الكل في ضربةٍ كألمه
سوطًا بعد سوط ، فالعدد في الحد معتبر ، وفي الرمي معتبر . وقال
ابن المنذر : إذا جعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه ، فهو مستقبل
للجمرة بوجهه وهي السنة، ولذلك ترجم باب (( من رمى جمرة
العقبة فجعل البيت عن يساره)).
باب : يكبر مع كل حصاة
قاله ابن عمر [ عن ](١) النبي - عليه السلام.
فيه : الأعمش قال : سمعت الحَجّاج يقول على المنبر : السورة التي
يذكر فيها البقرة ، والسورة التي يذكر فيها آل عمران ، والسورة التي
يذكر فيها النساء ، قال : فذكرت ذلك لإبراهيم (٢) فقال: حدثني
عبد الرحمن بن يزيد (( أنه كان مع ابن مسعود حين رمى جمرة العقبة
فاستبطن الوادي حتى إذا حاذى بالشجرة اعترضها ، فرمى بسبع
حصيات / يكبر مع كل حصاة ، ثم قال : من هاهنا والذي لا إله غيره (٥/٢ ١٠٥-١]
قام الذي أنزلت عليه سورة البقرة )) .
والسنة أن يكبر مع كل حصاة كما فعل عليه السلام ، وعمل بذلك
الأئمة بعده ، وروي ذلك عن ابن مسعود وابن عمر ، وهو قول مالك
والشافعي ، وكان علي يقول كلما رمى حصاة : اللهم اهدني
بالهدى، وقني بالتقوى ، واجعل الآخرة خيرًاً لي من الأولى . وكان
ابن عمر وابن مسعود يقولان عند ذلك : اللهم اجعله حجاً مبروراً ،
وذنبًا مغفورًا ، وسعيًا مشكورًا .
(١) في ((الأصل)): مع. ولا وجه له هنا، والمثبت من الصحيح المطبوع، وهو
المناسب للسياق .
(٢) هو النخعي .
- ٤١٩ -

وأجمعوا أنه إن لم يكبر فلا شيء عليه ، وفي هذا الحديث رد على
من يقول : إنه لا يجوز أن يقال : سورة البقرة ، ولا سورة آل عمران
كما قال الحجاج ، وقد سبقه إلى ذلك جماعة من السلف وقالوا : إذا
قال: سورة البقرة ، وسورة آل عمران ، فقد أضاف السورة إلى البقرة،
والبقرة لا سورة لها ، وإنما الصواب أن يقال : السورة التي يذكر فيها
البقرة ، واحتج النخعي ( عن ) (١) الأعمش بقول ابن مسعود ، عن
النبي - عليه السلام - : (( الذي أنزلت عليه سورة البقرة)) وقال أهل
العلم بكتاب الله : ليست هذه إضافة ملك ، ولا إضافة نوع إلى
جنسه ، وإنما هي إضافة لفظ بمنزلة قولك : باب الدار ، وسرج
الدابة، ومثل قوله تعالى : ﴿إنه لقول رسول كريم ﴾ (٢) فأضاف
القول إلى جبريل الذي نزل به من عند الله - تعالى - وهذا من اتساع
لغة العرب تضيف الشيء إلى من له فيه أقل سبب ، وقد ترجم
البخاري لهذا المعنى في كتاب فضائل القرآن فقال : باب من لم ير
بأسًا أن يقول : سورة البقرة ، وسورة كذا ، خلافًا للحجاج ولمن
أنكر ذلك قبله .
باب : من رمى جمرة العقبة ولم يقف
قاله ابن عمر عن الرسول
فيه : ابن عمر : ( أنه كان يرمي الجمرة الدنيا بسبع حصيات ، ثم
الوسطى ، ثم يرمي جمرة ذات العقبة من بطن الوادي ولا يقف عندها ،
ثم ينصرف فيقول : هكذا رأيت النبي - عليه السلام - يفعله )) .
(١) هكذا في (( الأصل))".
(٢) التكوير : ١٩ .
- ٤٢٠ -