Indexed OCR Text
Pages 321-340
وقد قال ابن عباس: (( إن الطواف بالبيت صلاة ، إلا أن الله - تعالى - أباح فيه المنطق )) وقد يكون في الشرع صلاة لا ركوع فيها ولا سجود كصلاة الجنازة ، فإن قيل : فينبغي أن يكون لها تحريم وتسليم ، قيل : ليس كل ما كان صلاة يحتاج إلى ذلك ؛ لأن كثيرًا من الناس من يقول في سجود السهو أنه صلاة ولا يحتاج إلى ذلك ، وكذلك سجود التلاوة ، ولنا أن نستدل بحديث صفية لما حاضت فقال: ((أحابستنا هي ؟ فلما قيل: إنها قد أفاضت ، قال: فلا إذًا)). فلو كان الدم ينوب مناب طوافها بغير طهارة لكان عليه السلام لا يحتاج أن يقيم هو وأصحابه إلى أن تطهر ثم تطوفه ، فإن قيل : إن الطواف ركن لا يصح الحج إلا به فلا يحتاج إلى طهارة كالوقوف بعرفة، قيل: لما كان بعقب كل أُسْبُوع (١) من / الطواف ركعتان، لا فصل [ بينه ] (٢) وبينهما ، وجب أن يكون الطائف متوضئًا لتتصل صلاته بطوافه ، والوقوف بعرفة لا صلاة بأثره ، فافترقا . [٢/ق٨٦-١] واختلفوا فيمن انتقض وضوءه وهو في الطواف ، فقال عطاء ومالك: يتوضأ ويستأنف الطواف ، قال مالك : وهو بخلاف السعي بين الصفا والمروة لا يقطع عليه ذلك ما أصابه من انتقاض وضوئه ، وقال النخعي : يبني . وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق ، إلا أن الشافعي قال : إن تطاول استأنف . وقال مالك : إن كان تطوعًا فأراد إتمامه توضأ واستأنف ، وإن لم يرد إتمامه تركه . وقد تقدم بعض ما في هذا الحديث في باب : من طاف بالبيت إذا قدم مكة ، وسيأتي شيء منه في باب : متى يحل المعتمر بعد هذا - إن شاء الله . (١) الأُسْبُوع : من الأيام : سبعة . ومن الطواف: سبع مرات (المعجم الوسيط: ٤١٤/١) . (٢) من ( ح))، وفي ((الأصل)): بينها. ٠٢ - ٣٢١ - باب : وجوب الصفا والمروة و( جعل ) (١) من شعائر الله فيه : عروة: « سألتُ عائشة أرأيت قول الله - تعالى - : ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾ (٢) فوالله ما على أحد جناح ألا يطوف بالصفا والمروة ، قالت : بئس ما قلت يا ابن أختي ، إن هذه الآية لو كانت كما أَوَّلْتَهَا عليه [كانت] (٣) ((لا جناح عليه أن لا يتطوف بهما))، ولكنها أنزلت في الأنصار كانوا قبل [ أن يسلموا ] (٤) يهلون لمناة الطاغية التي كانوا يعبدونها عند المُشَلِّل، فكان من أَهَلَّ يتحرج أن يطوف ( بين الصفا)(٥) والمروة [ فسألوا ] (٦) رسول الله عن ذلك قالوا : يا رسول الله ، إنا كنا نتحرج أن نطوف ( بين الصفا ) (٥) والمروة فأنزل الله: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر اله﴾ الآية، قالت عائشة: وقد سَنَّ رسول الله ◌ِلَّه الطواف بينهما ، فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما ، ثم أخبرتُ أبا بكر بن عبد الرحمن فقال : إن هذا لعلم ما كنت سمعته ، ولقد سمعت رجالا من أهل العلم يذكرون أن الناس - إلا من ذكرت عائشة ممن كان يُهل لمناة - كانوا يطوفون كلهم بالصفا والمروة ، فلما ذكر الله الطواف بالبيت ولم يذكر الصفا والمروة في القرآن ، قالوا : يا رسول الله ، كنا نطوف بالصفا والمروة ، وإن الله أنزل الطواف بالبيت ( فلم ) (٧) يذكر الصفا ، فهل علينا من حرج أن نطوف بالصفا والمروة ؟ فأنزل الله ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله ﴾ الآية، قال أبو بكر: فأسمعُ (٨) هذه الآية (١) في (( ح)): جعلا. (٢) البقرة : ١٥٨. (٣) من ( ح))، وفي ((الأصل)): فكانت. (٤) من (( ح)، وفي ((الأصل)): يسلمون، كذا. (٥) في (( ح)): بالصفا. . (٧) في ( ح)): ولم. (٦) من ((ح))، وفي ((الأصل)): فلما سألوا. (٨) في ((الأصل))، و(( ح)): بدون همز - كما هي عادة الناسخين - وقال ابن حجر في الفتح : كذا في معظم الروايات بإثبات الهمزة وضم العين بصيغة = - ٣٢٢ - نزلت في الفريقين كليهما في الذين كانوا يتحرجون أن يطوفوا في الجاهلية (بالصفا) (١) والمروة، والذين [ كانوا ] (٢) يطوفون ثم تحرّجُوا أن يطوفوا بهما في الإسلام من أجل أن الله أمر بالطواف بالبيت ، ولم يذكر الصفا [والمروة ] (٢) حتى ذكر ذلك بعد ما ذكر الطواف بالبيت)). قال المؤلف : ذكر إسماعيل بن إسحاق عن الشعبي قال : كان على الصفا وثن يقال له: (( يساف))، وعلى المروة وثن يقال له: ((نائلة))، فكان المشركون يطوفون بينهما ، فلما كان الإسلام قال ناس : (( يا رسول الله ، إن أهل الجاهلية كانوا يطوفون بين الصفا والمروة للوثنين الذين كانا عليهما ، وليسا من شعائر الله . فنزلت هذه الآية)). واختلف العلماء في وجوب السعي بين الصفا والمروة ، فروي عن ابن مسعود ، وأبي بن كعب ، وابن عباس أنه غير واجب ، وقال أنس ابن مالك وابن الزبير : هو تطوع . وروي مثله عن ابن سيرين ، وقال الثوري والكوفيون : هو واجب إلا أنه ينوب عنه الدم . وروي مثله عن عطاء والحسن وقتادة ، وقالت عائشة : هو فرض . وبه قال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور ، ويأمرون من بقي عليه منه شيء بالرجوع إليه من بلده ، فإن كان وطأ النساء قبل أن يرجع كان عليه إتمام حجه أو عمرته ، وحج قابل والهدي . واحتج من لم يره واجبًا بقراءة من قرأ: (( فلا جناح عليه ألا يطوف بهما )) قالوا : فعلى هذه القراءة لا جناح عليه في ترك السعي كما قالت عائشة ، واحتج بعض أهل هذه المقالة أيضًا بقراءة الجماعة المضارعة للمتكلم ، وضبطه الدمياطي في نسخته بالوصل وسكون العين بصيغة = الأمر، والأول أصوب فقد وقع في رواية سفيان: ((فأراها نزلت )) وهو بضم الهمزة أى أظنها . اهـ . (١) في (( ح)): بين الصفا. (٢) من ( ح )). - ٣٢٣ - ۔۔ وقالوا : قوله تعالى: ﴿ فلا جناح عليه أن يطوف بهما ﴾ (١) يقتضي أن يكون السعي مباحًا لا واجبًا ، كقوله : ﴿فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة﴾ (٢)، والقصر مباح لا واجب، واحتجوا بقول [٢/ ٨٦٥-ب) عائشة في هذا الحديث: ((وقد سَنَّ رسول الله الطواف بينهما)) / فمن قال : إن السعي فرض ، فقد خالف ما تقتضيه الآية ، وخالف لفظ الحديث ، وما سُمي سنّة فليس بفريضة ، فهي سنة مؤكدة لا ينبغي تركها . قال ابن القصار : فيقال لهم : إن عائشة قد ردت على عروة تأويل [المخالف ] (٣) في الآية وقالت : بئس ما قلت يا ابن أختي ، إن هذه لو كانت كما تأولتها ، لكانت: ((فلا جناح عليه ألا يطوف بهما» . وإنما نزلت في الأنصار الذين كانوا يتحرجون في الجاهلية أن يطوفوا بينهما ، وفي الذين كانوا يطوفون في الجاهلية ثم تحرجوا أن يطوفوا في الإسلام ، وهذا يبطل تأويلهم ؛ لأن عائشة علمت سبب الآية وضبطت هذا المعنى الجليل ، والصاحب إذا روى القصة مُفْسَّرةٍ فلا تفسير لأحد معه . وقال غيره : لا حجة لمن تعلق بقول عائشة ((وقد سَنَّ رسول الله الطواف بينهما)) ؛ لأنه قد صح من مذهبها أن ذلك فريضة ، والفرائض تثبت بالسنة كما تثبت بالقرآن ؛ لأن الله قد فرض طاعة رسوله ، فكل ما جاء عن الرسول من فرض أو سنة فسائغ أن يقال فيه: سَنْهُ رسول الله ؛ لأنه فرض عُلم من طريق السنّة ، وأما قراءة من قرأ: ((فلا جناح عليه ألا يطوف بهما )) فلا حجة فيها لشذوذها ، وأنه لم يقرأ بها أحد من أئمة القراء . (١) البقرة : ١٥٨ . (٢) النساء : ١٠١. (٣) من (( ح))، وفي ((الأصل)): الخلاف. - ٣٢٤ - قال الطحاوي : وقد يجوز أن يرجع معنى القراءتين جميعًا إلى معنى واحد ؛ لأن العرب قد تصل بـ (( لا )) وتزيدها كقوله تعالى : ﴿لا أقسم بيوم القيامة * ولا أقسم بالنفس اللوامة﴾ (١) ، وكقوله: فلا أقسم بمواقع النجوم ﴾ (٢)، و﴿ فلا أقسم برب المشارق والمغارب ﴾ (٣) في معنى أقسم بيوم القيامة ، وأقسم بكل ما ذكر ، و﴿ما منعك ألا تسجد﴾ (٤) أي : ما منعك أن تسجد ، فيحتمل قول عائشة لعروة : كلا لو كانت كما تقول [ لكانت ] (٥): ((فلا جناح عليه ألا يطوف [ بهما ] (٦))) على معنى الصلة التي [يرجع ] (٧) بها إلى معنى قوله : ﴿فلا جناح عليه أن يطوف بهما ﴾ وفي حديث عائشة أن رسول الله سَنَّ الطواف بينهما ، وأن قوله : ﴿ فلا جناح عليه أن يطوف بهما ﴾ إنما هو على إباحة الطواف بينهما الذي كانوا يتحرجونه، ثم سَنَّ رسول الله الطواف بينهما ، فصار من سنته التي ليس لأحد التخلف عنها مع ما تقدم من قوله تعالى فيهما أن جعلهما من شعائره ، والشعائر : العلامات ، وقد قال تعالى : ﴿ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب ﴾ (٨). وقال عليه السلام حين طاف بهما: ((نبدأ بما بدأ الله به)). وقال: « خذوا عني مناسككم ، لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا)) . وطاف بينهما ، ودل حديث حماد بن سلمة عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة أنها قالت : (( ما تمت حجة أحد ولا عمرته لم يطف بين الصفا والمروة)) أن ذلك مما لا يكون مأخوذًا من جهة الرأي ، وإنما (١) القيامة: ١، ٢ . (٣) المعارج : ٤٠. (٥) من (( ح))، وفي (( الأصل)): كانت. (٧) من ( ح))، وفي (( الأصل)) : ترفع. (٢) الواقعة : ٧٥ . (٤) الأعراف : ١٢ . (٦) من (( ح )). (٨) الحج : ٣٢. - ٣٢٥ - يؤخذ من جهة التوقيف ، و[ قولها ] (١) ذلك يدل على وجوب الصفا والمروة في الحج والعمرة جميعًا . باب : ما جاء في السعي بين الصفا والمروة وقال ابن عمر : السعي من دار بني [عباد] (٢) إلى زقاق ابن أبي حسين . فيه : ابن عمر: (( كان عليه السلام إذا طاف الطواف الأول خَبَّ ثلاثًا ، ومشى أربعاً، وكان يسعى بطن المسيل إذا طاف بين الصفا والمروة)). فقلت لنافع : أكان عبد الله يمشي إذا بلغ الركن اليماني ؟ قال : لا ، إلا أن یزاحم علی الرکن ، فإنه كان لا يدعه حتى يستلمه . وسئل ابن عمر عن رجل طاف بالبيت في ( عمرته ) (٣) ولم يطف بين الصفا والمروة، أيأتي امرأته؟ قال: (( قدم النبي - عليه السلام - [فطاف] (٤) بالبيت سبعًا ، وصلى خلف المقام ركعتين ، وطاف بین الصفا والمروة سبعًا ، وقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة)) . وقال جابر كذلك، وقال أيضًا ابن عمر: ((إن النبي سعى بين الصفا والمروة)). وفيه : عاصم قال: قلت لأنس : ( أکنتم تكرهون السعي بين الصفا والمروة ؟ قال : نعم ؛ لأنها كانت من شعائر الجاهلية حتى أنزل الله - تعالى -: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله ... ) الآية)). وفيه : ابن عباس : (( إنما سعى الرسول بالبيت وبين الصفا والمروة [لُيُرِيَ] (٥) المشركين قوته )) . (١) من ((ح))، وفي ((الأصل)): قوله ، كذا . (٢) من ((ح))، وفي ((الأصل)): عماد ، خطأ. (٣) في (( ح)): عمرة .. (٤) من ( ح))، وفي ((الأصل)): وطاف. (٥) من (( ح))، وفي ((الأصل)): لترى. - ٣٢٦ - قال المؤلف : معنى هذا الباب كالذي قبله ، وفيه بيان صفة السعي وأنه شيء معمول به غير مرخَّص فيه ؛ ألا ترى أن ابن عمر حين ذكره قال: ((وقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة)) وذكر / ابن عباس [٢/ ق٨٧-١] في حديث هذا الباب علة السعي في الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة، وأن النبي - عليه السلام - فعله لُيُرِيَ المشركين قوته ؛ لأنهم قالوا : إن حُمّى يثرب أنهكتهم ، فكان عليه السلام يرمل في طوافه بالبيت مقابل المسجد ومقابل السوق موضع جلوسهم وأنديتهم ، فإذا توارى عنهم مشى ، ذكره أهل السير ، وقد ذكرته في باب : كيف كان بدء الرَّمَل ، فالسنة التزام الخبّ في الثلاثة أشواط في الطواف بالبيت، تبركًا بفعله عليه السلام وسنته ، وإن كانت العلة قد ارتفعت فذلك من تعظيم شعائر الله . وقد ذكر البخاري في كتاب الأنبياء عن ابن عباس علّة أخرى للسعي والهرولة بين الصفا والمروة، فقال ابن عباس: (( انطلقت أم إسماعيل إلى الصفا فوجدته أقرب جبل في الأرض إليها ، فقامت عليه تنظر هل ترى أحدًا ، فلم تر ، فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها ، فسعت سعي المجهود حتى جاوزت الوادي ، ثم أتت المروة فقامت عليها ونظرت هل ترى أحدًا ، فلم تره ، ففعلت ذلك سبع مرات ، قال ابن عباس: قال النبي - عليه السلام -: فلذلك سعى الناس بينهما )). فبيّن في هذا الحديث أن سبب كونها سبعة أطواف ، وسبب السعي [فيها فعل أم إسماعيل عليهم السلام ] (١) ذلك. وذكر ابن أبي شيبة قال : حدثنا عبد الأعلى ، عن الجريري ، عن أبي الطفيل قال: قلت لابن عباس: (( ألا تحدثني عن الطواف راكبًا (١) من ((ح))، وفي ((الأصل)): فيهما فقال وإسماعيل ، كذا . - ٣٢٧ - بين الصفا والمروة ، فإنهم يزعمون أنه سنة . فقال : صدقوا وكذبوا ، فقلت : وما صدقوا وكذبوا ؟! قال : صدقوا ، إن الطواف بين الصفا والمروة سنة ، وكذبوا [ في ] (١) أن الركوب فيه سنة ، أتى رسول الله الصفا والمروة فلما سمع به أهل مكة خرجوا ينظرون إليه ، حتى خرجت العوائق ، وكان رسول الله لا يدفع أحَدًا عنه ، فأكبُّوا عليه ، فلما رأى ذلك دعا براحلته فركب ثم طاف على بعيره ليسمعوا كلامه، ولا تناله أيديهم ، ويروا مكانه )) . واختلفوا في ذلك ، فكانت عائشة تكره السعي بينهما راكبًا ، وكرهه عروة بين الزبير ، وهو قول أحمد وإسحاق ، وقال أبو ثور : لا يجزئه وعليه أن یعید . وقال الكوفيون : إن كان بمكة أعاد ولا دَمَ عليه ، وإن رجع إلى الكوفة فعليه دم . ورخصت [ فيه ] (١) طائفة، روي عن أنس بن مالك أنه طاف على حمار ، وعن عطاء ومجاهد مثله ، وقال الشافعي : يجزئه ولا إعادة عليه إن فعل ، وحجة من أجاز ذلك فعل النبي - عليه السلام - وحجة من كرهه أنه [ ينبغي امتثال ] (٢) فعل أم إسماعيل في ذلك ، وأن ركوب النبي - عليه السلام - راحلته فيه كان للعلة التي ذكرها ابن عباس في الحديث . قال الطحاوي : وأما قول أنس: إنهم كانوا يكرهون الطواف بهما لأنهما من شعائر الجاهلية حتى نزلت الآية ، فقد كان ما سواهما من الوقوف بعرفة والمزدلفة والطواف بالبيت من شعائر الحج في الجاهلية أيضًا ، فلما جاء الإسلام ذكر الله ذلك في كتابه ، فصار من شعائر الحج في الإسلام . (١) من (( ح)). (٢) من ( ح))، وفي (( الأصل)): سعى أمثال، كذا ." - ٣٢٨ - فإن قال قائل : فإن الله قال بعقب قوله : ﴿ فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾ ﴿ومن تطوع خيراً فإن الله شاكر عليم﴾. فدل أن الطواف بهما في الحج والعمرة تطوع ، قيل له : لو كان كما وصفت لكان الطواف بينهما قربة ، وكان للناس أن يتطوعوا بالطواف بينهما ، وإن لم يكونوا حاجين ولا معتمرين ، وقد أجمع المسلمون على أن الطواف بينهما في غير الحج والعمرة ليس مما يتقرب به العباد إلى الله ولا يتطوعون به ، وأن الطواف بينهما لا قربة فيه إلا في حج أو عمرة، فَدَلَّ ذلك على أن قوله : ﴿ومن تطوع خيرًا﴾ لا يرجع إلى الطواف بين الصفا والمروة ، وإنما يرجع إلى قوله تعالى : ﴿فمن حج البيت أو اعتمر ﴾ أي : من تطوع بحج أو عمرة فإن الله شاكر عليم. باب : تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت ، وإذا سعى على غير وضوء بين الصفا والمروة فيه : عائشة قالت : (( قدمت مكة وأنا حائض ، ولم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة فشكوت ذلك إلى رسول الله / فقال: افعلي [٢/ ٨٧٥-ب] (كما)(١) يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري )) . وفيه : جابر: ((أَهَلَّ الرسول وأصحابه بالحج وليس مع أحد منهم هَدْي غير النبي - عليه السلام - وطلحة ، وقدم علي من اليمن ومعه هدي ... )) الحديث . (( وحاضت عائشة فنسكت المناسك كلها ، غير أنها لم تطف بالبيت ، فلما طهرت طافت بالبيت )) . وفيه : حفصة : (( كنا نمنع عواتقنا أن يخرجن ، فقدمت امرأة فنزلت قصر بني خلف ... )) الحديث (( وقالت : سمعت النبي يقول : لتخرج (١) في (( ح)): ما . - ٣٢٩ - العوائق وذوات الخدور فليشهدن الخير ودعوة المؤمنين ، و( تعتزل الحائض) (١) المصلى، فقلت: الحائض؟ [ فقال ] (٢) : أو ليس تشهد عرفة و كذا وكذا )) . العلماء مجمعون على أن الحائض تشهد المناسك كلها غير الطواف بالبيت لقوله عليه السلام لعائشة : (( افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري )» . فكان في حكم الحائض كل من ليس على طهارة من جنب وغير متوضئ ؛ لأن ركوع الطواف متصل به لا فصل بينه وبينه ، هذه سنته . قال المهلب : وإنما منعت الحائض - الطواف على غير طهارة ؛ تنزيهًا للمسجد من النجاسات لقوله عز وجل: ﴿إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام ﴾ (٣) ولأمره عليه السلام الحيض في العيدين بالاعتزال للمصلى ، فوجب تنزيهه عن الحائض والجنب ، ومن عليه نجاسة ، وأما السعي بين الصفا والمروة فلا أعلم أحدًا شرط فيه الطهارة إلا الحسن البصري فقال : إن ذكر أنه سعى على غير طهارة قبل أن يحل فليعد ، وإن ذكر ذلك بعدما حل فلا شيء عليه . وذكر ابن وهب عن ابن عمر أنه كان يكره السعي بينهما على غير طهارة . قال ابن المنذر: قوله عليه السلام لعائشة: ((افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت)) [ يبين ] (٢) أن ذلك جائز؛ لأنه أباح لها السعي بين الصفا والمروة والوقوف بعرفة وجميع المناسك على غير طهارة ، غير الطواف بالبيت خاصة . (١) في ( ح)) : يعتزل الحيض. (٣) التوبة : ٢٨ (٢) من ( ح)). - ٣٣٠ - باب : الإهلال من البطحاء وغيرها للمكي والحاج إذا خرج إلى منى وسئل عطاء عن المجاور يلبي بالحج ، فقال : كان ابن عمر يلبي يوم التروية إذا صلى الظهر واستوى على راحلته ، وقال جابر: (( قدمنا مع رسول الله فأحللنا [ حتى ] (١) يوم التروية، وجعلنا مكة بظَهر لَبَّيْنَا بالحج )) وقال أبو الزبير عن جابر : أهللنا من البطحاء . وقال عبيّد بن جريجٍ لابن عمر: (( رأيتك إذا كنت بمكة أهل الناس إذا رأوا الهلال ولم [ تُهلّ ] (٢) أنت حتى يوم التروية ، فقال : لم أر رسول الله يهل حتى تنبعث به راحلته )) . قال المهلب : من أنشأ الحج من مكة فله أن يهل من بيته [ أو ] (٣) من المسجد الحرام [ أو ] (٣) من البطحاء، و[ هي ] (٤) طرف مكة، أو من حيث أحب مما دون عرفة ، ذلك كله واسع ؛ لأن ميقات أهل مكة منها ، وليس عليه أن يخرج إلى [ الحِلِّ ] (٥) ؛ لأنه خارج في حجته إلى عرفة ، فيحصل له بذلك الجمع بين الحل والحرم ، وهو بخلاف منشئ العمرة من مكة ، وقد ذكرنا حكمه في باب قبل هذا . ويستحب للمكي وللمتمتع إذا أنشأ الحج من مكة أن يُهلا من حيث أهل ابن عمر [يوم التروية] (١) من البطحاء، و[كذلك] (٦) قال جابر. قال غيره : وأما وجه احتجاج ابن عمر بإهلال النبي - عليه السلام- بذي الحليفة ، وهو غير مكي على من أنشأ الحج من مكة أنه يجب أن يهل يوم التروية ، وهي قصة أخرى ، فوجه ذلك أن النبي - (٢) من (( ح)) وفي ((الأصل)): تهلل. (١) من (( ح)). (٣) من (( ح))، وفي ((الأصل)): و. (٤) من (( ح))، وفي ((الأصل)): من . (٥) من (( ح))، وفي (( الأصل)) : الجبل ، كذا . (٦) من (( ح))، وفي ((الأصل)): يجزئك، كذا. - ٣٣١ - عليه السلام - أهل من ميقاته في حين ابتدائه في عمل حجته ، واتصل به عمله ، ولم يكن بينهما مكث ينقطع به العمل ، فكذلك المكي لا يهل إلا يوم التروية الذي هو أول عمله للحج ، ليتصل له عمله تأسيًا برسول الله في ذلك . وقد تابع ابن عمرٍ على ذلك ابن عباس قال : لا يهل أحد من أهل مكة بالحج حتى يريد الرواح إلى مِنى . وبه قال عطاء ، واحتج بأن أصحاب النبي - عليه السلام - إذ دخلوا في حجتهم مع النبي أهلُّوا عشية التروية ، حين توجهوا إلى منى ، قال : وأخبرني أبو الزبير عن جابر أن النبي - عليه السلام - قال لهم في حجته: ((إذا أردتم أن [تنطلقوا] (١) إلى منى فأهلوا، قال: فأهللنا من البطحاء)). وأما قول عبيد بن جريج لابن عمر : إن أهل مكة يهلون إذا رأوا الهلال ، فهو مذهب عمر بن الخطاب وابن الزبير ، روى مالك ، (٨٨/٢-٢] عن عبد الرحمن بن القاسم / عن أبيه أن عمر بن الخطاب قال: ((يا أهل مكة ، ما بال الناس يأتون شعثًا وأنتم مدهنون ، أهلوا إذا رأيتم الهلال)) [ فهو ] (٢) على وجه الاستحباب، لأن (الإهلال) (٣) إنما يجب على من [ يتصل ] (٤) عمله ، وليس من السنة أن يقيم المحرم في أهله ، وقد روي عن ابن عمر ما يوافق مذهب عمر . : ذكر مالك في الموطأ أن ابن عمر كان يهل لهلال ذي الحجة ، ويؤخر الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة حتى يرجع من منى، قال نافع : أَهَلَّ ابن عمر مرة بالحج حين رأى الهلال ، ومرة أخرى بعد الهلال من جوف الكعبة ، ومرة أخرى حين راح إلى منى. قال (١) من ((ح))، وفي (( الأصل)): تطلعوا. (٢) من (( ح)). (٣) في ( ح)): الهلال ، خطأ. (٤) من ((ح))، وفي ((الأصل)): يصل. - ٣٣٢ - مجاهد : فقلت لابن عمر : أهللت فينا إهلالا مختلفًا ! قال : أما أول عام فأخذت بأخذ أهل بلدي - يعني : المدينة - ثم نظرت فإذا أنا أدخل على [ أهلي حرامًا ] (١) ، وأخرج حرامًا ، وليس كذلك كنا نصنع ، إنما كنا نهل ثم نقبل على شأننا ، قلت : فبأي شيء نأخذ ؟ قال : تحرم يوم التروية . * باب : أين يصلي الظهر يوم التروية فيه : عبد العزيز بن رفيع عن أنس بن مالك قلت: (( أخبرني بشيء عقلته عن رسول الله ، أين صلى الظهر والعصر يوم التروية ؟ قال : بمنى. قلت : فأين صلى العصر يوم النفر ؟ قال: بالأبطح . ثم قال : افعل كما يفعل أمراؤك . وقال مرة : خرجت إلى منى فلقيت أنسًا ذاهباً على حمار، فقلت : أين صلى النبي - عليه السلام - اليوم الظهر ؟ قال : انظر حيث يُصلى أمراؤك فَصَلِّ » . قال المهلب : الناس في سعة من هذا ، يخرجون متى أحبوا ويصلون حيث أمكنهم ، ولذلك قال أنس : صل حيث تصل أمراؤك. والمستحب من ذلك ما فعله رسول الله ، صلى الظهر والعصر بمنى ، وهو قول مالك ، والثوري ، وأبي حنيفة ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبي ثور ، وعادة أهل مكة أن يخرجوا إلى منى بعد صلاة العشاء ، وكانت عائشة تخرج ثلث الليل . وهذا يدل على التوسعة ، وكذلك المبيت عن منى ليلة عرفة ليس فيه حرج إذا وافى عرفة الوقت الذي يَجِبُ ، ولا فيه جبر ، كما يجبر ترك المبيت بها بعد الوقوف أيام رمي الجمار ، وبه قال مالك وأبو حنيفة والشافعي وأبو ثور . (١) من ((ح))، وفي ((الأصل)): أهل حرام. كذا !. - ٣٣٣ - والمستحب في ذلك أن يصلي الظهر والعصر بمنى ، ثم يصلي المغرب والعشاء والصبح بها ، ثم يدفع بعد طلوع الشمس إلى عرفة فيصلي فيها الظهر والعصر ، ثم يطلع إلى جبال الرحمة يدعو إلى أن تغرب الشمس ، فإذا غربت دفع مع الإمام فيصلي المغرب والعشاء بالمزدلفة يجمع بينهما ، ثم يبيت بالمزدلفة ، فإن أخذ منها حصى الجمار فَحَسَن ، ثم يصلي الصبح بها ، ثم يدفع [ من ] (١) المزدلفة قبل طلوع الشمس إلى منى لرمي جمرة العقبة يرميها يوم النحر إلى وقت الزوال ، ثم يحل له كل شيء إلا النساء والطيب ، والصيد عند مالك ، وعند غيره إلا النساء ، فإن أراد استعجال تمام الحل كله نهض إلى مكة فطاف طواف الإفاضة ، وحل حلا كاملا ، ثم يرجع يوم النحر إلى منى فيبيت بها ويرمي الجمار في الثلاثة الأيام من منى بعد الزوال ، إلا أن يتعجل في يومين وقد تم حجه . وحَدُّ منى من محسر إلى العقبة ، وكان منزل الرسول - عليه السلام - من منى بالخيف . باب : الصلاة بمنى فيه : ابن عمر: (( صلى النبي - عليه السلام - بمنى ركعتين وأبو بكر وعمر وعثمان صدرًا من خلافته )) . وقال حارثة بن وهب: (( صلى ( بنا) (٢) النبي - عليه السلام - ونحن أکثر ما کنا قط وآمنه منی ر کعتین )) . وقال عبد الله: (( صليت مع الرسول ركعتين، و[أبي ](٣) بكر مثله، (١) من ((ح))، وفي (( الأصل)) : إلى ، خطأ. (٢) في (( ح)) : لنا . (٣) من ( ح))، وفي ((الأصل)): أبو . - ٣٣٤ - 1 وعمر مثله ، ثم تفرقت بكم الطرق فيا ليت حظي من أربع [ ركعتان متقبلتان ] (١))). قد تقدم هذا الباب في كتاب الصلاة في أبواب قصر المسافر الصلاة / وقد تقدم [ فيه ] (٢) اختلاف العلماء فيمن يلزمه قصر الصلاة بمنى، [٨٨/٢-ب] وما نزع فيه كل فريق منهم ، ونذكر منه هنا طرفًا . ذهب مالك والأوزاعي وإسحاق إلى أن أهل مكة ومن أقام بها من غيرها يقصرون الصلاة بمنى وعرفة ، وأن القصر سنة الموضع ، وإنما يُتْمَّ بمنى وعرفة من كان مقيمًا فيها ، وذهب الثوري ، وأبو حنيفة ، والشافعي ، وأحمد ، وأبو ثور إلى أنهم يُتمون الصلاة بها وقالوا : إن من لم يكن سفره سفرًا تقصر فيه الصلاة فحكمه حكم المقيم ، وكذلك قد تقدم هناك معنى إتمام عثمان وعائشة الصلاة في السفر وما للعلماء في ذلك من الوجوه . # باب : صوم يوم عرفة فيه : أم الفضل: (( شك الناس يوم عرفة في صوم النبي - عليه السلام- فبعثتُ إلى النبي بشراب فشربه)) . قد تقدم هذا الباب في كتاب الصيام ، وذكرت فيه قول من استحب صوم [ يوم ] (٢) عرفة بعرفة وغيرها ، ومن كرهه ، و[ذكرت] (٣) الأثر الوارد عن النبي - عليه السلام - في فضل صيامه، وأن ذلك كفارة سنتين ، وما للعلماء في صومه من المذاهب ، فأغنى عن إعادته فتأمله هناك . (٢) من ( ح )). (١) من (( ح))، وفي (( الأصل)): ركعتين متقبلتين. (٣) من (( ح))، وفي ((الأصل)): ذكر . - ٣٣٥ - = تص٤ ٤٤ هـ قال المهلب : وفيه قبول الهدية من المطعم والمشرب ، وفيه الشرب في المحافل للعالم والسلطان . -- باب : التلبية والتكبير إذا غدا من منی إلى عرفات مـ فيه : محمد بن أبي بكر الثقفي : ( أنه سأل أنس بن مالك وهما غاديان من منى إلى عرفة : كيف كنتم تصنعون في هذا اليوم مع رسول الله؟ فقال : کان یُهلِّ منّا الُھلّ فلا ینکر علیه ، ویکبر المکبر منا فلا ینکر علیه)». قال أبو عبد الله بن أبي صفرة : في هذا الحديث ابتداء قطع التلبية من الغُدُوِّ من منى ، وآخرها رمي جمرة العقبة في حديث الفضل وأسامة وابن مسعود عن النبي - عليه السلام - والذي مضى عليه (جمهور العلماء ) (١) من أصحاب النبي وأهل المدينة اختيار قطعها عند الرواح إلى عرفة ؛ لأنهم فهموا أن تعجيل قطعها وتأخيره على الإباحة، يدل على ذلك ترك إنكار بعضهم على بعض ، وهم فهموا السنن وتلقوها ، فوجب الاقتداء بهم [ في ] (٢) اختيارهم ؛ لأنا أمرنا باتباعهم . قال الطحاوي : لا حجة لكم في هذا الحديث ؛ لأن فيه أن بعضهم كان يهل ، وبعضهم كان يكبر ، ولا يمنع أن يكونوا فعلوا ذلك ولهم أن يلبوا ( لأن للحاج ) (٣) فيما قبل يوم عرفة أن يكبر ، وله أن يهل ، وله أن يلبي ، فلم يكن تكبيره وإهلاله يمنعانه من التلبية. وقال المهلب : وجه قطع التلبية عند الرواح إلى الموقف من عرفة ؛ (١) في (( ح)): عمل الجمهور. (٢) من (( ح))، وفي ((الأصل)): و، خطأ. (٣) في (( ح)): فإن الحاج - ٣٣٦ - لأنه آخر السفر ، وإليه منتهى الحاج ، وما بعد ذلك فهو رجوع فالتكبير فيه أولى لقوله تعالى : ﴿ فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله كذكر كم آباءكم﴾ (١)، وقال: ﴿ولتكبروا الله على ما هداكم﴾ (٢) فدل هذا على أن التكبير والدعاء لله عند المشعر الحرام وأيام منى أولى من التلبية ؛ لأن معنى التلبية الإجابة ، وإذا بلغ موضع النداء قطع التلبية ، وأخذ في الدعاء ، وسأل الله حاجاته ، وسأذكر اختلافهم في قطع التلبية في حديث الفضل وأسامة بعد هذا - إن شاء الله . باب : التهجير بالرواح يوم عرفة فيه: سالم قال: (( كتب عبد الملك إلى الحَجَّاج ألا يُخالفَ ابن عمر في الحج، فجاء ابن عمر و( إني ) (٣) معه يوم عرفة حين زالت الشمس ، فصاح عند سرادق الحَجّاج ، فخرج وعليه ملحفة معصفرة ، فقال : ما لك يا أبا عبد الرحمن ؟ فقال : الرواح إن كنت تريد السنة ، قال : هذه الساعة ؟ قال : نعم ، قال: فأنظرني حتى أفيض على رأسي ثم أخرج، فنزل حتى خرج الحَجّاج ، فسار بيني وبين أبي فقلت : إن كنت تريد السنة فأقصر الخطبة وعجل الوقوف ، فجعل ينظر إلى عبد الله ، فلما / رأی ذلك عبد الله قال : صدق )) . [٢/ ق٨٩-٢] هذا الحديث يخرج في المسندات لقول عبد الله للحجَّاج : إن كنت تريد السنة ؛ لأن السنة سنة رسول الله . وقال معمر : إن الزهري سمع هذا الحديث من ابن عمر ؛ لأنه شهد تلك الحجة وحضر القصة، وسمع منه حديثًا آخر ، وفيه أن تعجيل الرواح للإمام للجمع بين الظهر والعصر في مسجد عرفة في أول وقت الظهر سنة ، وقد (١) البقرة : ١٩٨ . (٢) البقرة : ١٨٥ . (٣) في (( ح): أنا. - ٣٣٧ - روى عن مالك في هذا الحديث: ((وعجل الصلاة)) مكان: ((وعجل الوقوف )) ابنُ القاسم، وابنُ وهب ، ومطرف ، ويحيى بن يحيى، وهو صحيح المعنى ؛ لأن تعجيل الرواح إنما يراد لتعجيل الصلاتين والجمع بينهما ، فدل أن تعجيل الصلاة بعرفة سنة . وروى القعنبي وأشهب عن مالك: (( وعجل الوقوف ))، كما رواه البخاري وهو صحيح المعنى أيضًا ؛ لأن تعجيل الوقوف بعرفة بعد الصلاة سنة أيضًا، و[فيه ] (١): الغسل [للوقوف ] (٢) بعرفة؛. لقول الحجاج لعبد الله : أنظرني حتى أفيض علي ماء . وأهل العلم يستحبونه . [ قال الطحاوي ] (٣): وفيه خروج الحجّاج وهو محرم وعليه ملحفة معصفرة ، ولم ينكر ذلك عليه ابن عمر ، ففيه حجة لمن أجاز المعصفر للمحرم ، وقد تقدم ذكر ذلك في بابه . وقال المهلب : في حديث ابن عمر من الفقه جواز تأمير الأَدْوَن على الأفضل والأعلم ، وفيه أن إقامة الحج إلى الخلفاء ومن جَعلوا ذلك إليه ، وفيه أن [ الأمير ] (٤) يجب أن يعمل في الدين بقول أهل العلم ويصير إلى رأيهم ، وفيه مداخلة العلماء [ السلاطين وأنه لا نقيصة على العلماء في ذلك، وفيه: فتوى التلميذ بحضرة معلمه عند ] (٣) السلطان وغيره ، وفيه ابتداء العالم بالفتيا قبل أن يُسأل عنها ، وفيه الفهم بالإشارة والنظر ، وفيه أن اتباع الرسول هي السنة وإن كان في المسألة أوجه [ جائزة ] (٥) غيرها . (١) من ((ح))، وفي ((الأصل)): قبل ، خطأ. (٢) من (( ح))، وفي ((الأصل)): الوقوف، خطأ. (٤) من ( ح))، وفي ((الأصل)): الأمر. (٥) من ( ح))، وفي ((الأصل)): جائز. (٣) من (( ح )) - ٣٣٨ - باب : الوقوف على الدابة بعرفة فيه : أم الفضل (( أن ناسًا اختلفوا عندها يوم عرفة في صوم الرسول ، فأرسلت إليه بقدح لبن وهو واقف على بعیره فشربه )) . الوقوف على الدابة بعرفة أفضل من الوقوف راجلا ؛ لأن النبي عليه السلام لا يفعل إلا الأفضل ، مع أن في ذلك قوة على الدعاء والتضرع وتعظيمًا لشعائر الله ، وهو الذي اختار مالك والشافعي وجماعة ، وقد تقدم ، وفيه أن الوقوف على ظهر الدواب مباح إذا كان بالمعروف ولم يجحف بالدابة ، وأن النهى الذي ورد ألا تتخذ ظهورها مجالس ، فإن معناه في الأغلب [ و] (١) الأكثر بدليل هذا الحديث . باب : الجمع بين الصلاتين بعرفة وكان ابن عمر إذا فاتته الصلاة مع الإمام جمع بينهما . فیه : سالم (( أن الحجّاج حین نزل بابن الزبير سأل عبد الله كيف نصنع في الموقف يوم عرفة ؟ فقال سالم : إن كنت تريد السنة فهجر بالصلاة يوم عرفة ، فقال عبد الله بن عمر : صدق إنهم كانوا يجمعون بين الظهر والعصر في السنّة )» . قال المهلب : إنما كان جمع الصلاتين في أول الوقت لاشتراك الوقتين من أول الزوال إلى غروب الشمس في أصل السنّة ، وبمفهوم كتاب الله ليعجلوا الوقوف وينفردوا فيه بالدعاء ؛ لأنه موقف يقصد إليه من أطراف الأرض ، فكأنهم أرادوا الاستكثار من الدعاء في بقية النهار؛ لأنهم يدفعون من عرفة إلى المزدلفة عند سقوط الشمس . (١) من ( ح)). - ٣٣٩ - واختلفوا في الوقت الذي يُؤَذِّن فيه المؤذن [ بعرفة للظهر ] (١) والعصر ، واختلف قول مالك في ذلك ، فحكى ابن نافع عنه أنه قال: الأذان بعرفة بعد جلوس الإمام للخطبة ، وحكى آخر عنه أنه يؤذن بعدما يخطب الإمام صدرًا من خطبته ، حتى يفرغ من خطبته مع فراغ المؤذن ويقيم ، ونحوه قال الشافعي ، قال : يأتي الإمام المسجد إذا زالت الشمس فيجلس على المنبر فيخطب الخطبة الأولى ، فإذا (٢/ ق٨٩- ب) خطب أخذ المؤذنون / في الأذان ، وأخذ هو في الكلام وخفف الكلام الآخر حتى ينزل بقدر فراغ المؤذن من الأذان ويقيم . واختلفوا في الأذان والإقامة لهما ، فقال مالك : يصليهما بأذانين وإقامتين . وقال أبو حنيفة والشافعي : يصليهما بأذان واحد وإقامتين ، وهو قول أبي ثور ، وقال أحمد وإسحاق : يجمع بينهما بإقامة إقامة [أو بأذان وإقامتين] (٢) إن شاء. قال الطبري: وجائز العمل في ذلك بكل ما جاءت به الآثار . واختلفوا فيمن فاتته الصلاة بعرفة مع الإمام ، فكان ابن عمر يجمع بينهما ، وهو قول عطاء ومالك وأحمد وإسحاق وأبي ثور ، وحكاه أبو ثور عن يعقوب ومحمد والشافعي ، وقال النخعي وأبو حنيفة والثوري : إذا فاتته مع الإمام صلى كل صلاة لوقتها ، ولا يجوز له الجمع إلا مع الإمام ؛ لأن النبي - عليه السلام - بَيَّنَ أوقات الصلوات، فلا يجوز الخروج عن وقتها إلا بدلالة ، وقد قامت الدلالة على أنه جمع بين الظهر والعصر بعرفة ، فلا يجوز الجمع إلا بإمام كما فعل النبي - عليه السلام . (١) من (( ح))، وفي (( الأصل)): لعرفة بالظهر. (٢) من ((ح))، وفي ((الأصل)): وأذان. - ٣٤٠ -