Indexed OCR Text

Pages 261-280

يلبي حول البيت إلا عطاء بن السائب . وروي عن سالم أنه كان يلبي
في طوافه ، وبه قال ربيعة والشافعي وأحمد وإسحاق ، فَكُل وَاسعٌ .
باب : دخول مکة نهارا وليلا
فيه : ابن عمر : (( بات النبي - عليه السلام - بذي طوى حتى أصبح
ثم دخل مكة ، و کان ابن عمر يفعله .
ذو طوى بضم الطاء : موضع بمكة ، مقصور ، وذو طوى بفتح
الطاء : موضع باليمن ، ممدود ، قاله بعض أهل اللغة ، وليس
دخوله عليه السلام مكة إذا أصبح بأمر لازم لا يجوز تركه ، ودخولها
في كل وقت واسع .
باب : من أين يدخل مكة
[ فيه: ابن عمر ((كان النبي ◌َّله يدخل من الثنية العليا، ويخرج من
الثنية السفلى )) .
*
باب : من أين يخرج من مكة ] (١)
/ فيه: ابن عمر (( أن النبي - عليه السلام - دخل مكة من [٢/ ق٧٥ -ب]
[كَدَاء] (٢)، من الثنية العليا التي بالبطحاء، وخرج من [ كَدَاء] (٢)،
من الثنية السفلى )) .
وفيه: عائشة: (( أن النبي - عليه السلام - دخل مكة من أعلاها ،
(١) من (( ح))، وليس في ((الأصل)).
(٢) من (( ح))، وفي ((الأصل)): كذا.
- ٢٦١ -

وخرج من أسفلها)). وقالت مرة: ((دخل عليه السلام من [ كُدَىَ ](١)،
وخرج من [ كُدَىَ ](١) من أعلى مكة )» وكان عروة يدخل على كلتيهما
وأكثر ما يدخل من [ كُدَىّ ](١)، وكانت أقربهما إلى منزله)).
قال المهلب : أما دخوله عليه السلام مرة من أعلى مكة ومرة من
أسفلها ، فإنما فعله ليعلم الناس السعة في ذلك ، وأن ما يمكن لهم منه
فمجزئ عنهم - والله أعلم - ألا ترى أن عروة كان يفعل ذلك ، وإذا
فتحت الكاف من [ كَدَاء ] (١) مددت ، وإذا ضممتها قصرت ، وقد
قيل: [ كدى] (١) بالضم هو أعلى مكة ، وقيل: بل [ كداء ] (١)
بفتح الكاف أعلى مكة ، وهو أصح .
باب : فضل مكة وبنيانها
وقوله تعالى : ﴿ وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنًا ﴾ إلى قوله :
﴿إنك أنت التواب الرحيم﴾ (٢).
فيه: جابر: (( لما بنيت الكعبة ذهب النبي - عليه السلام - والعباس
ينقلان الحجارة ، فقال العباس للنبي - عليه السلام - : اجعل إزارك
على رقبتك ، فخر ( إلى) (٣) الأرض فطمحت عيناه إلى السماء فقال:
إزاري إزاري فشده علیه » .
وفيه : عائشة: (( أن النبي - عليه السلام - قال لها: ألم تري أن قومك
حين بنوا الكعبة اقتصروا على قواعد إبراهيم، فقلت : يا رسول الله ، ألا
تردها على قواعد إبراهيم ؟ قال : لولا حدثان قومك بالكفر لفعلت)).
قال عبد الله : لئن كانت عائشة سمعت هذا من رسول الله ، ما أرى
(١) من (( ح))، وفي ((الأصل)): كذا .
(٢) البقرة : ١٢٥ - ١٢٨
(٣) في (( خ)): على.
- ٢٦٢ -

رسول الله ترك استلام الركنين اللذين يليان الحجر إلا أن البيت لم يتمم
على قواعد إبراهيم .
وقالت عائشة: (( سألت النبي - عليه السلام - عن ( الجدار ) (١):
من البيت هو ؟ قال : نعم. قلت : فما لهم لم يدخلوه في البيت ؟ قال :
إن قومك قد قصّرَتْ بهم النفقة ، قلت : فما شأن بابه مرتفعًا ؟ قال :
فعل ذلك قومك ليدخلوا من شاءوا ويمنعوا من شاءوا ، ولولا أن قومك
حديث عهدهم بجاهلية فأخاف أن تنكر قلوبهم أن أدخل الجَدْر (٢) في
البيت وأن ألصق بابه بالأرض )) .
وقالت : قال عليه السلام : (( لأمرت بالبيت فهدم فأدخلت فيه ما
أخرج منه ، وألزقته بالأرض ، وجعلت له بابین : بابًا شرقیا ، وبابًا غربيا
فبلغت به أساس إبراهيم)) . فذلك الذي حمل ابن الزبير على هدمه ،
قال يزيد : وشهدت ابن الزبير حين هدمه وبناه ، وأدخل فيه من الحجر ،
وقد رأيت أساس إبراهيم حجارة كأسنمة الإبل ، قال جرير : فقلت له :
أين موضعه ؟ قال : أريكه الآن ، فدخلت معه الحجر فأشار إلى مكان
فقال: هاهنا، قال جرير: [فَحَزَرْتُ](٣) من الحجر ستة أذرع أو نحوها.
قال المؤلف : قد ذكر الله فضل مكة في غير موضع من كتابه ،
ومن أعظم فضلها أنه تعالى فرض على عباده حجها ، وألزمهم
قصدها، ولم يقبل من أحد صلاة إلا باستقبالها ، وهي قبلة أهل دينه
أحياءٌ وأمواتًا .
(١) من ((الأصل)) وهي رواية المستملي كما قال الحافظ في الفتح (٥١٨/٣)، وفي
(( ح): الجَدْر : كذا للأكثر ، وكذا هو في مسند مسدد شيخ البخاري فيه ،
كما قال الحافظ في الموضع المشار إليه .
(٢) من الأصل و(( ح)).
(٣) من ((حِ))، وفي ((الأصل)): فخرجت وهو خطأ . وإنما هو : فحزرت
یعنی: قَدّرْتُ .
- ٢٦٣ -

وفي حديث عائشة معرفة بنيان قريش الكعبة ، وقد بناها إبراهيم -
عليه السلام - قبل ذلك ، وقيل : إن آدم خط البيت قبل إبراهيم ،
وقد نقل فيه النبي - عليه السلام - الحجارة مع عمه العباس وقريش
في الجاهلية ..
وذكر أهل السير أن قريشًا لما بنت الكعبة وبلغت موضع الركن
اختصمت في الركن ، أي القبائل يلي رفعه ، فقالوا : تعالوا نحكم
أول رجل يطلع علينا ، فطلع النبي - عليه السلام - فحكموه وسموه
الأمين ، وكان ذلك الوقت ابن خمس وثلاثين سنة فيما ذكر ابن
إسحاق ، فأمر بالركن فوضع في ثوب ، ثم أَمَرَ سَيِّدَ كُلِّ قبيلةٍ فأعطاه
ناحية من الثوب ، ثم ارتقى هو فرفعوا إليه الركن فوضعه عليه السلام
بيده ، فعجبت قريش من سداد رأيه .
وكان الذي أشار بتحكيم أول رجل يطلع عليهم أبو أمية [ ابن ] (١)
المغيرة ، والد أم سلمة زوج النبي - عليه السلام - ، وكان عامئذ
أَسَنَّ قريش كلها ، وقد ذكر الرسول أنه إنما امتنع من رده على قواعد
إبراهيم خشية إنكار قريش لذلك .
[٢ / ق٧٦-١]
وفي هذا من الفقه أنه يجب اجتناب / ما يُسْرِعُ الناس إلى إنكاره
وإن كان صوابًا ، وقد روي أن هارون الرشيد ذكر لمالك بن أنس أنه
يريد هدم ما بناه الحجاج من الكعبة ، وأن يرده إلى بنيان ابن الزبير ،
فقال له : ناشدتك الله يا أمير المؤمنين أن [ لا] (٢) تجعل هذا البيت
ملعبة للملوك ، لا يشاء أحد منهم إلا نقض البيت وبناه ، فتذهب
هيبته من صدور الناس . وفي الحديث دليل أن الحجر من البيت ، وإذا
كان ذلك فإدخاله واجب في الطواف .
(١) من ((ح))، وفي ((الأصل)): أبو ، خطأ.
(٢) زدتها ليستقيم المعنى، وكأنها سقطت من ((الأصل)) و( ح)).
- ٢٦٤ -

واختلف العلماء فيمن سلك الحجر في طوافه ، فكان عطاء ،
ومالك ، والشافعي ، وأحمد ، وأبو ثور يقولون : يقضي ما طاف
قبل أن يسلك فيه ، ولا يعتد بما طاف في الحجر ، وقال أبو حنيفة: إن
كان بمكة قضى ما بقي عليه ، وإن رجع إلى بلده فعليه دم ، واحتج
المهلب وأخوه [ لهذا ] (١) القول فقالا : إنما عليه أن يطوف بما بني
من البيت ؛ لأن الحكم للبنيان لا للبقعة ، لقوله تعالى : ﴿وليطوفوا
بالبيت العتيق﴾ (٢) أشار إلى البناء، والبقعة دون البناء لا [تسمى] (٣)
بيتًا ، والنبي - عليه السلام - إنما طاف بالبيت ولم يكن على الحجر
علامة ، وإنما علمها عمر إرادة استكمال البيت .
ذكر ذلك [ عبيد الله ] (٤) بن أبي [ يزيد ] (٥) وعمرو بن دينار في
باب بنيان الكعبة في آخر مناقب الصحابة في هذا الديوان، قالا: ((لم
يكن حول البيت حائط ، إنما كانوا يصلون حول البيت ، حتى كان
عمر فبنى حوله حائطًا جَدْرُهُ قصير ، فبناه ابن الزبير )) وكذلك كان
الطواف قبل تحجير عمر حول البيت الذي قصرته قريش عن القواعد
كما قال تعالى : ﴿وطهر بيتي للطائفين﴾ (٦)، والطواف فرضه البيت
المبني ولو كان ذراعًا منه ، وقد حج الناس من زمن النبي - عليه
السلام - إلى زمن عمر فلم يؤمر أحد بالرجوع من بلده إلى استكمال.
وقد قال مالك : من حلف لا يدخل دار فلان ، فهدمت فدخلها أنه
لا يحنث ، فهذا يدل أن الدار والبيت إنما يخص بالبنيان لا بالبقعة .
قال المهلب : ومعنى قول [ عبيد الله ] (٤) بن أبي يزيد وعمرو :
(٢) الحج : ٢٩ .
(١) من ((ح))، وفي ((الأصل)): بهذا، وهو خطأ.
(٣) من (( ح))، وفي ((الأصل)): تسم.
(٤) من ((ح))، وفي ((الأصل)»: عبد الله ، خطأ .
(٥) من (( ح))، وفي ((الأصل)): زيد، خطأ وانظر الفتح (٧/ ١٨٠).
(٦) الحج : ٢٦ .
- ٢٦٥ -

(( ولم يكن حول البيت حائط)) أي حائط [ يحجر الحجر ] (١) من
سائر المسجد حتى حجره عمر بالبنيان، ولم يبنه على [ الجَدْر ] (٢)
الذي كان علامة [ أساس إبراهيم - عليه السلام - ] (٣) بل زاد ووسع
قطعًا للشك أن [ الجَدْر] (٢) على آخر قواعد إبراهيم ، فلما لم يكن
عند عمر أن ذلك الجدر هو آخر قواعد البيت التي رفعها إبراهيم
وإسماعيل - عليهما السلام - على يقين ، ونقلٍ كافة ، مع معرفته أن
قريشًا كانت قد هدمت البيت وبنته على غير القواعد ، خشي أن يكون
الجدر من بنيان قريش القديم ، فزاد في الفسحة استبراء للشك ،
ووسع الحجر حتى صار الجدر في داخل التحجير ، وقد بان هذا في
حديث جرير وهو قوله: ((فحزرت من الحجر ستة أذرع أو نحوها)).
والحائط الذي بناه عمر حول الحجر ليس بحائط مرتفع ، هو من
ناحية الحجر نحو ذراعين ، ومن الجرف خارجه نحو أربعة أذرع إلى
صدر الواقف من خارجه ، ولم يكن الجدر الذي ظهر من أساس
إبراهيم مرتفعًا ، إنما كان علامة كالنجم والهدف لا بنيانًا .
قال ابن القصار : والحجة لقول مالك إخبار الرسول أن البيت قصر
به عن قواعد إبراهيم ولم يتم عليها ، فمن طاف في الحجر حصل
طائفًا ببعضه ؛ لأن البيت ما خطه آدم وبناه إبراهيم ، وقد قال عمر
وابنه عبد الله : لولا أن الحجر من البيت ما طيف به .
قال ابن عباس : الحجر من البيت ، قال تعالى : ﴿وليطوفوا
بالبيت العتيق ﴾، ورأيت رسول الله طاف من وراء الحجر ، فدل أنه
إجماع، ومن لم يستوف الطواف بالبيت وجب ألا يجزئه، كما لو فتح
(١) من ((ح))، وفي ((الأصل)): الحجر الحجر، كذا.
(٢) من (( ح))، وفي ( الأصل)) : الجدار .
(٣) من ((ح))، وفي ((الأصل)): للناس.
- ٢٦٦ -

بابا في البيت فطاف وخرج منه ، والباء عند سيبويه في قوله تعالى :
﴿ بالبيت العتيق﴾ للامتزاج والاختلاط [ لا] (١) للتبعيض، وسيأتي
ذكر استلام الأركان في موضعه - إن شاء الله - والجَدْر : واحد
الجدور، وهي الحواجز التي بين السواقي التي تمسك الماء، وذكر عبد الرزاق
عن ابن جريج قال : سمعت الوليد بن عطاء يحدث عن الحارث
ابن عبد الله بن أبي ربيعة ، عن عائشة ، أن النبي - عليه السلام -
قال لها : (( وهل تدرين لم كان قومك رفعوا بابها ؟ قالت: لا ،
قال: تعززًاً لئلا يدخلها إلا من أرادوا ، فكان الرجل إذا كرهوا أن
يدخلها يدعوه يرتقي حتى إذا كاد أن يدخلها دفعوه فسقط)).
[٢/ ق٧٦ -ب]
/ باب : فضل الحرم
وقول الله تعالى : ﴿إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة﴾ (٢) الآية
وقوله: ﴿أو لم يمكن لهم حرمًا آمنًا﴾ (٣) الآية.
فيه : ابن عباس قال : قال النبي - عليه السلام - يوم فتح مكة : ((إن
هذا البيت حرمه الله ، لا يعضد شوكه ، ولا ينفر صيده ، ولا يلتقط
لقطته إلا من عرفها )) .
فيه : التصريح بتحريم الله - تعالى - مكة والحرم وتخصيصها
بذلك من بين البلاد ، قال القاضي أبو بكر بن الطيب : وقد اعترض
تحريمَ الله لمكة وأنه جعلها حرمًا آمنًا قوم من أهل البدع وقالوا : قد
قُتل خلق بالحرم والبيت من الأفاضل كعبد الله بن الزبير ومن جرى
مجراه ، وهو تكذيب للخبر ، زعموا .
(١) من (( ح)).
(٢) النمل : ٩١ .
(٣) القصص : ٥٧ .
- ٢٦٧ -

قال القاضي : ولا تعلق لهم بذلك ؛ لأن هذا القول خرج مخرج
الخبر ، والمراد به الأمر بأمان من دخل البيت وألا يقتل ، ولم يرد
الإخبار عن أن كل داخل إليه آمن ، فعلى مثل هذا خرج قول
الرسول- عليه السلام -: (( من ألقى سلاحه فهو آمن ، ومن دخل
الكعبة و[ دخل ] (١) دار أبي سفيان فهو آمن)) ..
إنما قصد الأمر بأمان من ألقى سلاحه ودخل في هذه المواضع ،
ولم يرد بذلك الخبر، ومثل هذا قوله تعالى : ﴿والمطلقات يتربصن
بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ (٢) يعني بذلك الأمر لهن بالتربص دون الخبر عن
تربص كل مطلقة ؛ لأنها قد تعصي الله ولا تتربص ، فكذلك قال:
من دخله كان آمنًا ﴾ أي أَمِّنُوا من دخله . وهو على صفة من يجب أن
يُؤَمَّنَ ، فمن لم يفعل ذلك عصى الله - تعالى - وخالف ، ومتى
جعل هذا القول أمرًا بطل [ تمويههم ] (٣) ، وقد يجوز أن يكون أراد
تعالى : ومن دخله كان آمنًا يوم الفتح وقت قوله عليه السلام : ((من
ألقى سلاحه فهو آمن و[ من ] (١) دخل دار أبي سفيان كان آمنًا، ومن
اعتصم بالكعبة كان آمنًا )) فلا يناقض عدم الأمن في غير ذلك الوقت
وجوده فيه ، فيكون قوله أن من دخل البلد الحرام كان آمنًا في بعض
الأوقات دون بعضها، وسيأتي في باب: ((لا يحل القتال بمكة)) من
كتاب الحج زيادة في أ بيان ] (١) هذا المعنى - والله الموفق .
(١) من ( ح)).
(٢) البقرة : ٢٢٨ .
(٣) من (( ح))، وفي ((الأصل)): تنويههم، والظاهر أنه تصحيف .
- ٢٦٨ -

باب : توریٹ دور مكة
وبيعها وشرائها وأن الناس في المسجد الحرام سواء خاصة لقوله
تعالى: ﴿ إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي
جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد ﴾ (١).
فيه : أسامة أنه قال: (( يا رسول الله ، أين تنزل في دارك بمكة ؟ فقال :
وهل ترك لنا عقيل من رباع [ أو ] (٢) دور ، وكان عقيل وَرَثَ أبا طالب
هو وطالب، ولم [ يرثه ](٣) جعفر ولا علي شيئًا؛ لأنهما كانا مسلمين،
و[ كان] (٤) عقيل وطالب كافرين)). وكان عمر بن الخطاب يقول:
لايرث المؤمن الكافر . قال ابن شهاب : وكانوا يتأولون قول الله : ﴿إن
الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين
آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض﴾ (٥) الآية.
اختلف السلف في تأويل قوله تعالى : ﴿ سواء العاكف فيه والباد﴾
فروي عن عطاء أنه قال : الناس في البيت سواء ليس أحد أحق به من
أحد ، وروي نحوه عن ابن عباس ، وقال مجاهد : أهل مكة
وغيرهم في المنازل سواء .
قال الطحاوي : وقد اختلف العلماء في بيعها وكرائها ، فذكر عن
عطاء ومجاهد أنه لا يحل بيع أرض مكة ولا كرائها ، وهو قول أبي
حنيفة والثوري ومحمد ، وكره مالك بيعها وكراءها .
وخالفهم آخرون فقالوا: لا بأس ببيع أرضها وإجارتها، وجعلوها
كسائر البلدان، هذا قول أبي يوسف، وذكر ابن المنذر عن الشافعي
وطاوس إباحة الكرى، وكان أحمد بن حنبل يتوقى الكراء في الموسم،
ولا يرى بأسًا بالشراء، واحتج بأن عمر اشترى دار السجن بأربعة آلاف.
(١) الحج : ٢٥ .
(٢) من (( ح))، وفي ((الأصل)): و.
(٣) من (( ح))، وفي ((الأصل)): يرث .
(٤) من (( ح)).
(٥) الأنفال : ٧٢ .
- ٢٦٩ -

قال الطحاوي: واحتج من أجاز بيعها و[ كراءها ] (١) بحديث
أسامة ؛ لأنه ذكر فيه ميراث عقيل وطالب لما تركه أبو طالب فيها من
[٧٧/٢-١] رباع ودور ، قال الشافعي: فأضاف الملك إليه وإلى من ابتاعها منه / .
١
قال الطحاوي : واعتبرنا ذلك فرأينا المسجد الحرام الذي كل الناس
فيه سواء لا يجوز لأحد أن يبتني فيه بناء ، ولا يحتجر منه موضعًا ،
وكذلك حكم جميع المواضع التي لا يقع لأحد فيها ملك وجميع
الناس فيها سواء ؛ ألا ترى أن عرفة لو أراد رجل أن يبتني في المكان
الذي يقف الناس فيه منها بناء لم یکن له ذلك ، وكذلك منی لو أراد
أن يبتني فيها دارًا كان من ذلك ممنوعًا .
وكذلك جاء الأثر عن النبي - عليه السلام - روى إبراهيم بن
(مهاجر) (٢) عن يوسف بن ماهك، عن أمه ، عن عائشة أنها قالت:
(( يا رسول الله، ألا تتخذ لك بمنى شيئًا تستظل فيه ؟ قال : يا عائشة،
إنها مُناخ لمن سبق ؛ وكانت أم يوسف بن ماهك تخدم عائشة فسألت
مكان عائشة بعدما توفي النبي - عليه السلام - أن تعطيها إياه فقالت
لها عائشة : لا أحل لك ولا لأحد من أهل بيتي أن يستحل هذا
المكان)» - تعنى مِنِّى - فهذا حكم المواضع التي الناس فيها سواء
ولا ملك لأحد عليها .
ورأينا مكة على غير ذلك ، قد أجيز البناء فيها ، وقال رسول الله
يوم دخلها : (( من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، ومن أغلق بابه فهو
آمن» . فأثبت لهم أملاكهم ، فلما كانت مما يغلق عليه الأبواب ومما
يبنى فيها المنازل [ كانت ] (٣) صفتها صفة المواضع التي تجري عليها
الأملاك وتقع فيها المواريث .
(١) من ((ح))، وفي (( الأصل)): كراؤها، كذا.
(٢) في ((ح)): هاجر، خطأ. (٣) من ( ح))، وفي ((الأصل)): كان.
- ٢٧٠ -

وقال غيره : ألا ترى أن عمر اشترى دار السجن من صفوان ،
ومحال أن يشتري منه ما لا يجوز له ملكه ، وقد ثبت عن الصحابة
أنهم كانت لهم الدور بمكة ، منهم أبو بكر الصديق ، والزبير بن
العوام، وحكيم بن حزام ، وعمرو بن العاص ، وصفوان بن أمية
وغيرهم ، وتبايع أهل مكة لدورهم قديمًا أشهر من أن يخفى .
واحتج الذين كرهوا بيع دور مكة وكراءها بحديث علقمة بن نضلة
قال : (( توفي رسول الله وأبو بكر وعمر وما ترعى رباع مكة إلا
السوائب)). وبما رواه نافع، عن ابن عمر أن عمر كان (ينهى ) (١)
أن تغلق دور مكة في زمن الحاج .
وقال إسماعيل بن إسحاق : وما [ تأول ] (٢) مجاهد في الآية
فظاهر القرآن يدل على أنه المسجد الذي يكون فيه النسك والصلاة، لا سائر
دور مكة ، قال الله: ﴿إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد
الحرام ﴾ (٣) أي: ويصدون عن المسجد الحرام ، وقال تعالى :
﴿يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله
وكفر به والمسجد الحرام﴾ (٤) أي وعن المسجد الحرام ، فدل ذلك كله
على أن الذي كان المشركون يفعلونه هو التملك على المسجد الحرام
وادعاؤهم أنهم أربابه وولاته ، وأنهم منعوا منه من أرادوا ظلمًا ، وأن
الناس كلهم فيه سواء ، فأما المنازل والدور فلم تزل لأهل مكة غير أن
المواساة تجب إذا كانت الضرورة ، ولعل عمر فعل ذلك على طريق
المواساة عند الحاجة - والله أعلم .
وقال أبو عبد الله بن أبي صفرة : وحديث أسامة حجة في أن من
(١) ساقط من ( ح)).
(٣) الحج : ٢٥.
(٢) من ( ح))، وفي (( الأصل)): رواه.
(٤) البقرة : ٢١٧ .
- ٢٧١ -

خرج من بلده مسلمًا وبقي أهله وولده في دار الكفر ثم غزا مع
المسلمين بلده ؛ أن أهله وماله وولده على حكم البلد كما كانت دار
النبي - عليه السلام - على حكم البلد [وملكه، ] (١) ولم ير نفسه
أحق بها ، وهذا قول مالك في المدونة ، وبه قال الليث ، وسيأتي
اختلاف العلماء في هذه المسألة في كتاب الجهاد في باب : ((إذا غنم
المشركون مال [ المسلم ثم وجده المسلم )) إن شاء الله ] (٢) ، وبيان
مذاهبهم فيها ، وفي حديث أسامة أن المسلم لا يرث الكافر ، وسيأتي
بيان ذلك أيضًا في كتاب الفرائض - إن شاء الله .
باب : نزول النبي - عليه السلام - ( مكة) (٣)
فيه: أبو هريرة قال: (( قال النبي - عليه السلام - حين أراد قدوم مكة
[وهو بمنى الغد من يوم النحر] (٤): منزلنا غدًا - إن شاء الله - بخيف
بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر ، يعني بذلك المحصب - وذلك أن
قريشًا وكنانة تحالفت على بني هاشم وبني عبد المطلب - أو بني
المطلب- ألا يناكحوهم ولا يبايعوهم حتى يسلموا إليهم النبي - عليه
السلام )» قال أبو عبد الله : بني المطلب أشبه .
[٧٧/٢-ب]
قال المؤلف : قد فسر ابن عباس أن نزول النبي / - عليه السلام -
بالمحصب لم يكن سنة ، وقال : ( المحصب ليس بشيء ) (٥) ، فإنما
هو منزل نزله رسول الله ليكون أسمح لخروجه ، يعني : إلى المدينة .
وذكر أهل السير أنهم بقوا ثلاث سنين في الشِّعب وكان المشركون كتبوا
صحيفة لبني هاشم وبني المطلب بالتبرؤ منهم ، وألا يقبلوا منهم صلحًا
(٢) من ((ح))، وفي ((الأصل)): المسلمين ..
(١) من ( ح)).
(٣) في ( ح) : بمكة.
(٤) من (( ح)) وهو ليس في ((الأصل))، وفي السلطانية (١٨١/٢)، والفتح
(٥٢٩/٣) : من الغد يوم النحر - وهو بمنّى - .
(٥) في (( ح)): ليس التحصيب بشيء.
- ٢٧٢ -

أبدًا ، ولا يدخلوا إليهم طعامًا ، وعلقوا الصحيفة في الكعبة ، فاشتد
عليهم البلاء في الشِّعب .
وكان قوم من قصي ممن ولدتهم [ بنو ] (١) هاشم قد أجمعوا على
نقض ما تعاهدوا عليه من الغدر والبراءة ، فبعث الله عند ذلك الأرضة
على الصحيفة ، فلحست كل ما كان فيها من عهد وميثاق لهم ، ولم
تترك فيها اسمًا من أسماء الله -عز وجل [ إلا لحسته ](٢) وبقي ما كان
فيها من شرك أو ظلم أو قطيعة رحم (٣) ، فأطلع الله رسوله على
ذلك، فذكر ذلك رسول الله لأبي طالب فقال أبو طالب: لا والثواقب
ما كذبتني ، فانطلق في عصابة من بني عبد المطلب حتى أتوا المسجد
وهم خائفون لقريش ، فلما رأتهم قريش أنكروهم ، وظنوا أنهم
خرجوا من شدة البلاء ليسلموا رسول الله برمته إليهم .
فقال أبو طالب : جرت بيننا وبينكم أمور لم نذكرها لكم ، فائتوا
بصحيفتكم التي فيها مواثيقكم فلعله أن يكون بيننا صلح، وإنما قال
ذلك أبو طالب خشية أن ينظروا في الصحيفة قبل أن يأتوا بها، فأتوا
بها معجبين لا يشكون أن رسول الله يدفع إليهم .
فلما وضعوها قال أبو طالب : إنما أتيناكم في أمر هو نصف بيننا
وبينكم ، إن ابن أخي لم يكذبني ، إن هذه الصحيفة قد بعث الله عليها
دابة لم تترك فيها اسمًا لله إلا لحسته ، وتركت فيها غدركم وظلمكم
لنا ، فإن كان الحديث كما يقول فلا والله لا نسلمه حتى نموت ، وإن
كان باطلاً دفعنا إليكم صاحبكم فقتلتم أو استحييتم ، فقالوا : رضينا،
ففتحوا الصحيفة فوجدوا الصادق المصدوق عليه السلام قد أخبر
بالحق، قالوا : هذا سحر ابن أخيك ، وزادهم ذلك بغيًا وعدوانًا .
(١) من ((ح)) وفي ((الأصل)): بني.
(٢) من ( ح)).
(٣) قد حكي عكس هذا الفعل من الأَرَضة ، راجع على سبيل المثال : السيرة النبوية
لابن هشام (٣٩٩/١) وأخشى أن تكون تلك الحكاية قد قلبت على المؤلف،
فلتنظر .
- ٢٧٣ -

قال ابن شهاب : فلما أفسد الله صحيفة مكرهم خرج رسول الله
ورهطه ، فعاشوا وخالطوا الناس ، ثم أذن رسول الله بالهجرة إلى
المدينة ، وكان الذي كتب الصحيفة منصور بن عكرمة بن هاشم بن
عبد العزى ، وذكر أنه شلت يده بعد ذلك ، عن ابن إسحاق .
قال الخطابي : الخيف : ما انحدر عن الجبل ، وارتفع عن المسيل،
وبه سمي مسجد الخيف .
باب : قول الله - تعالى - ﴿ وإذ قال إبراهیم رب اجعل هذا البلد
آمنًا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام﴾ (١) الآيات.
وقوله : ﴿ جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس ﴾ (٢) الآية.
فيه : أبو هريرة قال: قال النبي - عليه السلام -: (( يخرب الكعبة ذو
السويقتين من الحبشة)) .
وفيه : عائشة قالت : ( کانوا یصومون عاشوراء قبل أن یقرض
رمضان ، و [ كان يومًا ] (٣) تستر فيه الكعبة ، فلما فرض الله رمضان
قال رسول الله : من شاء أن یصومه فلیصمه ، ومن شاء فلیتر که )).
وفيه: أبو سعيد قال: قال رسول الله: (( لَيُحَجَّنَّ البيتُ ولَيُعْتَمَرَنّ بعد
خروج يأجوج ومأجوج)). وروى شعبة عن قتادة: (( لا تقوم الساعة :
حتی لا یحج البيت )» والأول أكثر .
اختلف [ السلف ) (٤) في تأويل قوله تعالى: ﴿ قيامًا للناس
(١) إبراهيم : ٣٥ - ٣٧ .
(٢) المائدة : ٩٧ .
(٣) من (( ح))، وفي ((الأصل)) : كانوا يوم ، كذا.
(٤) من ((ح))، وفي ((الأصل)): الناس.
- ٢٧٤ -
٠٠

فقال سعيد بن جبير : قوامًا لدينهم و[ عصمة ] (١) لهم ، وقال
عطاء: ﴿قيامًا للناس﴾: لو تركوه عامًا لم يُنظروا أن يهلكوا.
وأما حديث عائشة فهو مصدق للآية ، ومعناه : أن المشركين كانوا
يعظمون الكعبة قديمًا بالستور والكسوة ويقومون إليها كما يفعل
المسلمون ، وأما حديث أبي هريرة أن ذا السويقتين يخرب الكعبة ،
فهو مبين لقوله تعالى [ عن إبراهيم - عليه السلام - ] (٢): ﴿رب
اجعل هذا البلد آمنًا ﴾ [أن ] (٢) معناه الخصوص، وأن الله - تعالى-
جعلها حرمًا آمنًا غير وقت تخريب ذي السويقتين لها ؛ لأن ذلك لا يكون
[ إلا باستباحته ] (٣) حرمتها وتغلبه عليها، ثم تعود حرمتها ويعود.
الحج إليها كما أخبر الله [ نبيه و] (٢) خليله إبراهيم فقال [ له ] (٢):
﴿وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج
عميق ﴾ (٤) فهذا شرط الله لا ينخرم ولا يحول ، وإن كان في خلاله
وقت يكون فيه خوف فلا يدوم / ولا بد من ارتفاعه ورجوع حرمتها [٢/ ق٧٨-١]
وأمنها وحج العباد إليها ، كما كان قبل [ إجابته ] (٥) لدعوة إبراهيم
خليله ، يدل على ذلك حديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله قال :
(( ليحجن ( البيت ) (٦) وليعتمرن بعد خروج يأجوج ومأجوج)).
وعلى هذا التأويل لا تتضاد الآثار ولا معنى الآية ، ولو صح ما ذكره
قتادة لكان ذلك وقتًا من الدهر ، ويحتمل أن يكون ذلك وقت تخريب
ذي السويقتين لها بدليل حديث أبي سعيد .
(١) من ((ح))، وفي ((الأصل)): عصبة، كذا.
(٣) من (( ح))، وفي ((الأصل)): الاستباحة، خطأ. (٤) الحج : ٢٧.
(٥) من ((ح))، وفي ((الأصل)): إجابة.
(٢) من ( ح )).
(٦) في ( ح)): إليه.
- ٢٧٥ -

باب : كسوة الكعبة
فيه : عمر: (( أنه جلس على الكرسي في الكعبة فقال : لقد هممت أن
لا أدع فيها صفراء ولا بيضاء إلا ( قسمته) (١)، قلت : إن صاحبيك لم
يفعلا، قال : هما المرآن أقتدي بهما)».
۔۔
قال ابن جريج: زعم بعض علمائنا أن أول من كسا الكعبة
إسماعيل - عليه السلام . قال ابن جريج : وبلغني أن تُبَّعًا أول من
كساها ، ولم تزل الملوك في كل زمان يكسونها بالثياب الرفيعة ،
ويقومون بما تحتاج إليه من المؤنة تبركًا بذلك ، فرأى عمر أن ما فيها.
من الذهب والفضة لا تحتاج إليه الكعبة لكثرته ، فأراد أن يصرفه في
منافع المسلمين نظرًا لهم [وحيطة عليهم ] (٢) ، فلما أخبره شيبة بأن
النبي وأبا بكر لم يتعرضا لذلك [ وتركاه ] (٢) أمسك وصوب فعلهما،
وإنما ترك ذلك - والله أعلم - لأن ما جعل في الكعبة وسبل لها يجري
مجرى الأوقاف ، ولا يجوز تغيير الأوقاف عن وجوهها ولا صرفها
عن طرقها ، وفي ذلك أيضًا تعظيم للإسلام وحرماته ، وترهيب على
العدو ، وقد روى ابن عيينة عن عمرو ، عن الحسن قال: قال عمر
ابن الخطاب: ((لو أخذنا ما في هذا البيت - يعني الكعبة - فقسمناه،
فقال له أبيّ بن كعب: والله ما ذلك لك ، قال: ولم ؟ قال: لأن الله
بين موضع كل مال ، وأقره رسول الله . قال : صدقت)).
فإن قال قائل : ما وجه ترجمة هذا ( الباب ) (٣) بباب كسوة الكعبة.
[ ولا ذكر فيه لكسوة؟ ] (٢) قيل له: معنى الترجمة صحيح،
ووجهها أنه معلوم أن الملوك في كل زمان كانوا يتفاخرون بكسوة الكعبة
برفيع الثياب المنسوجة بالذهب وغيره ، كما يتفاخرون بتسبيل الأموال
(١) في (( ح)): قسمت
(٢) من ( ح)).
(٣) في (( ح)) : الحديث.
- ٢٧٦ -

إليها ، فأراك البخاري أن عمر لما [ رأى ] (١) قسمة الذهب والفضة
الموقفين بهما على أهل الحاجة صوابًا ، كان حكم الكسوة حكم المال،
تجوز قسمتها ، بل ما فضل من كسوتها أولى بالقسمة على أهل الحاجة
من قسمة المال ، إذ قد يمكن نفقة المال فيما تحتاج إليه الكعبة في
إصلاح ما يهي منها ، وفي ( ) (٢) وأجرة قيم ، والكسوة لا تدعو
إليها ضرورة ويكفي منها بعضها .
وفي هذا حجة لمن قال : إنه يجوز صرف ما ( فضل ) (٣) في سبيل
من سبل الله في سبيل آخر من [ سبل ] (٤) الله إذا كان ذلك صوابًا ،
وفي فعل النبي وفعل أبي بكر حجة لمن رأى إبقاء الأموال على ما
سبلت عليه ، وترك تغييرها عما جعلت له ، وفي قوله : (([هما ] (٥)
المرآن أقتدي بهما)» من الفقه ترك خلاف كبار الأئمة و[فضل ] (٦)
الاقتداء بهما ، وأن ذلك فعل السلف .
باب : هدم الكعبة
فيه: عائشة قالت: قال عليه السلام: (( يغزو جيشٌ الكعبةَ فيخسف
بهم )) .
وفيه ابن عباس قال : قال النبي - عليه السلام - : (( كأني به أسود
أَفْحَجَ يقلعها حَجَرًا حَجَرًاً )).
(١) من ((ح))، وفي ((الأصل)): أراد، خطأ.
(٢) كلمة لم أستطع قراءتها في ((الأصل)) و(( ح)). (٣) في ( ح)): جعل.
(٤) من (( ح))، وفي ((الأصل)): سبيل.
(٥) من ((ح))، وفي (( الأصل)): هم، خطأ.
(٦) من ((ح))، وفي ((الأصل)): فعل ، كذا.
- ٢٧٧ -

وفيه : أبو هريرة قال : قال عليه السلام : (( يخرب الكعبة ذو السويقتين
من الحبشة)) .
:
في هذه الآثار إخبار عما يكون من الحدثان والأشراط ، وذلك
يكون في أوقات مختلفة ، فحديث عائشة أن الجيش الذي يغزو الكعبة
يخسف بهم هو في وقت غير وقت هدم ذي السويقتين لها ، ويمكن أن
يكون هدمه لها عند اقتراب الساعة - والله أعلم - ولا يدل ذلك أن
الحج ينقطع ، فقد أخبر عليه السلام أن البيت يحج بعد خروج يأجوج
ومأجوج ، وأن عيسى بن مريم يحج ويعتمر بعد ذلك ، وقال صاحب
[٢/ ٧٨٥ -ب] العين : الفحج : تباعد ما بين / أوساط الساقين، والنعت: أفحج .
باب : ما ذكر في الحجر الأسود
فيه : عمر (( أنه جاء إلى الحجر الأسود فقبله فقال : إني لأعلم أنك
حجر لا تضر ولا تنفع ، ولولا أني رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك)) .
قال الطبري : إنما قال ذلك عمر - والله أعلم - لأن الناس كانوا
حديث عهد بعبادة الأصنام ، فخشي عمر أن يظن الجهال أن استلام
الحجر هو مثل ما كانت العرب تفعله في الجاهلية ، فأراد عمر أن يعلم
أن استلامه لا يقصد به إلا تعظيم الله - تعالى - والوقوف عند أمر نبيه-
عليه السلام - إذ ذلك من شعائر الحج التي أمر الله بتعظيمها ، وأن
استلامه مخالف لفعل أهل الجاهلية في عبادتهم الأصنام ؛ لأنهم كانوا
يعتقدون أنها تقربهم إلى الله زلفى ، فنبه عمر على مجانبة هذا
الاعتقاد، وأنه لا ينبغي أن يعبد إلا من يملك الضر والنفع ، وهو الله -
تعالى :
وقال المهلب : حديث عمر هذا يرد قول من قال : إن الحجر
- ٢٧٨ -

يمين الله في الأرض ، يصافح بها عباده ، ومعاذ الله أن يكون لله
جارحة مجسمة [ بائنة عن ذاته ] (١)، وإنما شرع النبي - عليه السلام-
تقبيله على ما كانت شريعة إبراهيم ( عليه ] (١) مع أن معناه التذلل لله
والخضوع ، والائتمار لما أمر به على لسان نبي من أنبيائه ، وليعلم عيانًا
ومشاهدة طاعة من أطاع أمره ، وعصيان من أبى من امتثاله ، وهي
شبيهة بقصة إبليس فيما أمر به من السجود لآدم اختبارًا له .
وروي عن ابن عباس أن استلام الحجر مبايعة الله - عز وجل -
وقال مالك في المجموعة : إذا استقبل الركن حمد الله وكبر . وقيل :
أيرفع يديه عنده ؟ قال : ما سمعت ، ولا عند رؤية البيت .
وقال مكحول : كان عليه السلام إذا رأى البيت رفع يديه وقال :
اللهم زد هذا البيت تشريفًا وتعظيمًا ومهابة ، وزد من شَرَفِهِ وكَرَمِهِ
[مَنْ] (٢) حج إليه واعتمر تشريفًا وتعظيمًا وتكريمًا ، ويقال عند
استلام الركن : بسم الله ، والله أكبر ، اللهم إيمانًا بك وتصديقًا بما
جاء به محمد نبيك .
باب : إغلاق البيت ويصلي في أي نواحي البيت شاء
فیه : ابن عمر قال : (( دخل رسول الله هو وأسامة بن زيد وبلال وعثمان
ابن طلحة البيت فأغلقوا عليهم ، فلما فتحوا كنت أول من ولج ،
فلقيت بلالا فسألته : هل صلى فيه رسول الله ؟ قال : نعم ، بين
العمودين اليمانيين)) .
قال المؤلف : قال الشافعي : من صلى في جوف الكعبة مستقبلا
(١) من ( ح)).
(٢) من (( ح))، وفي ((الأصل)): ممن.
- ٢٧٩ -

حائطًا من حيطانها فصلاته جائزة ، فإن صلى نحو الباب والباب
مفتوح فصلاته ( باطل ) (١) ؛ لأنه لم يستقبل شيئًا منها ، فكأنه
استدل على ذلك بغلق النبي - عليه السلام - الباب على نفسه حين
صلى ، [ فيقال له: لم يغلق النبي ◌َلول على نفسه الباب حين
صلى](٢) في الكعبة إلا لئلا يكثر الناس عليه فيه [فيصلوا] (٢) بصلاته،
ويكون ذلك عندهم من مناسك الحج ، كما فعل النبي - عليه السلام-
في صلاة الليل حين لم يخرج إليهم خشية أن يكتب عليهم ، ولو كان
غلق الباب من أجل أنه لا تجوز الصلاة في البيت نحو الباب وهو
مفتوح لبيَّنه عليه السلام لأمته ؛ لأنه قد علم أنهم لابد لهم من دخول
البيت والصلاة فيه ، فلا معنى لقول الشافعي .
قال ابن القصار : ويقال : إنه من صلى في جوفها نحو الباب وهو
مفتوح فقد استقبل بعض أرض الكعبة واستدبر الباقي منها ، فكان
يجب أن تجزئه عنده ؛ لأنه لو انهدمت حيطان الكعبة صلى في أرضها
وأجزأه ذلك عنده .
باب : الصلاة في الكعبة
فيه : ابن عمر (( أنه كان إذا دخل الكعبة مشى قبل الوجه حين يدخلها ،
ويجعل الباب ( خلف ظهره ) (٣) ، يمشي حتى یکون بينه وبين الجدار
الذي قبل وجهه قريب من ثلاث أذرع ، فيصلي يتوخى المكان الذي
أخبره بلال أن رسول الله صلى فيه ، وليس على أحد بأس أن يصلي في
أي نواحي البيت شاء )) .
(١) كذا في ((الأصل))، و(( ح)).
(٣) في (( ح)): قبل الظهر.
(٢) من ( ح )).
- ٢٨٠ -