Indexed OCR Text

Pages 181-200

يحتمل أن يكون إنما ضاعف اعتكافه في العام الذي قبض فيه من
أجل أنه علم بانقضاء أجله ، فأراد أن يستكثر من عمل الخير ؛ ليسن
لأمته الاجتهاد في العمل إذا بلغوا ( انقضاء ) (١) العمر ليلقوا الله على
خير أحوالهم .
وقد روى ابن المنذر حديثًا دل على غير هذا المعنى قال: حدثنا
محمد بن إسماعيل ، حدثنا عفان ، حدثنا حماد ، حدثنا ثابت ،
عن أبي رافع ، عن أبي بن كعب (( أن النبي - عليه السلام - كان
يعتكف العشر الأواخر من رمضان ، فسافر عامًا فلم يعتكف ، فلما
كان [ العام ] (٢) المقبل اعتكف عشرين ليلة)).
وقوله : (( كان رسول الله يعتكف في كل رمضان )) فهذا يدل على
أن الاعتكاف من السنن المؤكدة؛ [ لأنه ] (٣) مما واظب عليه النبي -
عليه السلام - فينبغي للمؤمنين الاقتداء في ذلك بنبيهم ، وذكر ابن
المنذر عن ابن شهاب أنه كان يقول : عجبًا للمسلمين تركوا
الاعتكاف، وإن النبي - عليه السلام - لم يتركه منذ دخل المدينة كل
عام في العشر الأواخر حتى قبضه الله .
وروى ابن نافع عن مالك قال: ما زلت أفكر في ترك الصحابة
الاعتكاف ، وقد اعتكف النبي حتى قبضه الله - تعالى - وهم أتبع
الناس بآثاره ، حتى [ أخذ ] (٣) بنفسي أنه كالوصال المنهي عنه،
وأراهم إنما تركوه لشدته ، وأن ليله ونهاره سواء ، قال مالك : ولم
يبلغني أن أحدًا من السلف اعتكف إلا أبو بكر بن عبد الرحمن. واسمه
المغيرة ، وهو ابن أخي أبي جهل ، وهو أحد فقهاء تابعي المدينة .
قال ابن المنذر : روينا عن عطاء الخراساني أنه قال : كان يقال: / [٦١٨/٢-ب]
(١) في (( ح)): أقصى.
. (٢) من ( ح)).
(٣) من (( ح))، وفي ((الأصل)) كأنها : أجد.
- ١٨١ -

مثل المعتكف كمثل عبد ألقى نفسه بين يدي ربه ثم قال : رب لا أبرح
حتى تغفر لي ، رب لا أبرح حتى ترحمني .
باب : من أراد أن يعتكف ثم بدا له أن يخرج
فيه: عائشة: (( أن النبي - عليه السلام - ذكر أن يعتكف العشر
الأواخر من رمضان ، فاستأذنته عائشة فأذن لها ، وسألت حفصة عائشة
أن تستأذن لها ففعلت ، فلما رأت ذلك زينب أمرت ببناء فبني لها ،
وكان رسول الله إذا صلى انصرف إلى بنائه فبصر بالأبنية فقال: ما هذا ؟
فقالوا : بناء عائشة وحفصة وزينب ، فقال عليه السلام : آلبر أردن بهذا؟
ما أنا بمعتكف ، فرجع، فلما أفطر اعتكف عشراً من شوال)).
قال المؤلف : يحتمل أن يكون النبي - عليه السلام - [ قد كان](١)
شرع في الاعتكاف ودخل فيه ، فلذلك قضاه لقول عائشة: (( إن
رسول الله كان إذا صلى انصرف إلى بنائه)) . فإن كان هذا فيكون
قضاؤه واجبًا [عليه ] (١) .
وأهل العلم متفقون أنه لا يجب قضاء الاعتكاف إلا على من نواه
وشرع في عمله ثم قطعه لعذر ، ويحتمل أن يكون عليه السلام لم يكن
شرع في الاعتكاف ولا بدأ به ، وإنما كان انصرافه إلى [ بنائه ] (٢) بعد
صلاة الصبح [ مطلعًا] (٣) لأموره ، والنظر في إصلاحها غير معتقد
[الدخول ] (٤) في الاعتكاف ، ومن كان هكذا فله أن يرجع عن
إمضاء نيته لأمر يراه ، وقد قال العلماء : إن من نوى اعتكافًا فله تركه
(١) من (( ح)).
(٢) من (( ح))، وفي ((الأصل)): شأنه.
(٣) من (( ح))، وفي ( الأصل)): مطقًا، كذا.
(٤) من (( ح))، وفي (( الأصل)): لدخول، كذا .
- ١٨٢ -

قبل أن يدخل فيه ، وعلى هذا الوجه تأوله البخاري ، وترجم له باب
من أراد أن يعتكف ثم بدا له أن يخرج ، وعلى هذا يكون قضاؤه له
تطوعًا .
قال المهلب : وفيه من الفقه أن من نوى شيئًا من الطاعات ،
ولم يبدأ بَعْدُ بالعمل فيه أن له تركه إن شاء تركًا واحدًا ، وإن شاء
تركًا مؤخرًا إلى وقت غيره ، وقال غيره : واعتكافه عليه السلام وإن
كان تطوعًا فغير [ نكير ] (١) أن يكون قضاه في شوال من أجل أنه
[كان](٢) قد نوى أن يعمله وإن لم يدخل فيه ؛ لأنه كان أوفى الناس
بما عاهد عليه ، ذكر سنيد قال : حدثنا معتمر بن سليمان ، عن
كهمس ، عن معبد (٣) ابن ثابت في قوله تعالى: ﴿ومنهم من عاهد
الله لئن آتانا من فضله ... ﴾ (٤) الآية. قال : إنما هو شيء نووه في
أنفسهم ولم يتكلموا به ، ألم تسمع إلى قوله في الآية : ﴿ ألم يعلموا
أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأن الله علام الغيوب ﴾ (٥) .
قال المهلب : في قوله عليه السلام : (( آلبر ترون بهن )) من الفقه
أن من عُلم منه الرياء في شيء من الطاعات فلا بأس أن يُقطع عليه فيه
ومنعه منه ، ألا ترى قوله عليه السلام: ((آلبر ترون بهن)). يعني
أنهن إنما أردن الحظوة والمنزلة منه عليه السلام ، فلذلك قطع عليهن ما
أردنه و[ أخر ] (٦) ما أراده [ لنفسه ] (٢).
(١) من (( ح))، وفي (( الأصل)): كبير، كذا .
(٢) من ( ح)).
(٣) كذا في ((الأصل))، و(( ح))، وأخشى أن تكون محرفة عن (( مصعب)) وهو
مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام ، روى عنه كهمس - وهو
ابن المنهال - ولم أجد ذكرًا لـ: (( معبد بن ثابت )) هذا .
(٤) التوبة : ٧٥ .
(٥) التوبة : ٧٨ .
(٦) من (( ح))، وفي ((الأصل)) : أخبر ، خطأ.
- ١٨٣ -

وفيه من الفقه أن للرجل منع زوجته وأمته وعبده من الاعتكاف في
الابتداء ، كما منع نساءه الذين ضربوا الأبنية ، وهو قول مالك
والکوفیین والشافعي
واختلفوا إذا أذن لهم في ذلك فقال مالك : لا يمنعهم ، وقال
الكوفيون : لا يمنع زوجته إن أذن لها ، ويمنع عبده إن أذن له ، وقال
الشافعي : له منعهما جميعًا ، وقال ابن شعبان كقول الشافعي : له أن
يمنعهما جميعًا ، وإن أذن لهما ما لم يدخلا فيه ، وهذا الحديث يدل
على صحة هذا القول ؛ لأن النبي - عليه السلام - قد كان أذن لعائشة
وحفصة في الاعتكاف ثم منعهما منه حين رأى ذلك ، وفيه من الفقه :
أنه قد يستر ( عن ) (١) الضرائر تفضيل بعضهن على بعض و[ لو
بترك] (٢) طاعة لله تستدرك بعد حين .
تم كتاب الاعتكاف [ والحمد لله رب العالمين] (٣) يتلوه [ كتاب] (٣)
الحج [ إن شاء الله والله المعين ] (٣)
(١) في (( ح)): على ..
(٢) من (( ح))، وفي ((الأصل)): لم يترك، كذا.
(٣) من (( ح )
- ١٨٤ -

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
كتاب الحج
وجوب الحج وفضله وقول الله تعالى : ﴿ ولله على الناس حج البيت
من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين﴾ (١) .
/ فيه: ابن عباس قال: ((كان الفضل [بن عباس] (٢) رديف [٢/ ٦٢٥-١)
رسول الله ﴿ فجاءت امرأة من خثعم ، فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر
إليه ، [وجعل] (٣) رسول الله وَل* يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر،
فقالت : يا رسول الله ، إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي
شيخًا كبيرًا لا يثبت على الراحلة ، أفأحج عنه ؟ قال : نعم ، وذلك في
حجة الوداع)) .
أجمع العلماء [ على ] (٢) أن على المرء في عمره حجة واحدة ،
حجة الإسلام إذا كان مستطيعًا .
واختلفوا في الاستطاعة ، فذهبت طائفة إلى أن من قدر على
الوصول [ إلى البيت ] (٢) ببدنه فقد لزمه فرض الحج وإن لم يجد
راحلة ، وهو بمنزلة من يجد الراحلة ولا يقدر على المشي ، وهو قول
ابن الزبير وعكرمة والضحاك ، وبه قال مالك ، وذهب الحسن
البصري ومجاهد وسعيد بن جبير إلى أن الاستطاعة : الزاد والراحلة،
وبه قال أبو حنيفة [والثوري ] (٢) والشافعي وأحمد وإسحاق.
(١) آل عمران : ٩٧ .
(٣) من (( ح))، وفي (( الأصل)): فجعل.
(٢) من ( ح)).
- ١٨٥ -

قال المهلب : في هذا الحديث أن الاستطاعة لا تكون الزاد
والراحلة؛ ألا ترى أن ما اعتذرت به هذه المرأة عن أبيها ليس بزاد
ولا راحلة ، وإنما كان ضعف جسمه ، فثبت أن الاستطاعة شائعة
كيفما وقعت وتمكنت . قال ابن القصار : والاستطاعة في لسان العرب
القدرة ، فإن جعلناها عمومًا في كل قادر جاز ، سواء قدر ببدنه ، أو
ببدنه وماله ، أو بماله ، إلا أن تقوم دلالة .
وإن قلنا :" إن حقيقة الاستطاعة أن تكون صفة قائمة في المستطيع
كالقدرة والكلام والقيام والقعود ، فينبغي أن تكون الاستطاعة صفة فيه
( تختصه ) (٢) وهذا لا يكون إلا لمن هو مستطيع ببدنه دون ماله .
فإن احتجوا بما روي عن الرسول أنه قال: ((السبيل : الزاد
والراحلة )) فإن ابن معين وغيره قالوا : ( راويه ) (٣) إبراهيم الخوزي ،
وهو ضعيف . وقال ابن المنذر : لا يثبت الحديث الذي فيه ذكر الزاد
والراحلة ، وليس بمتصل ، والآية عامة ليست مجملة ولا تفتقر إلى
بيان ، فكأنه تعالى كلف كل مستطيع [ على أي وجه ] (١) قدر بمال أو
ببدن، والدليل على ذلك قوله عليه السلام: (( لا تحل الصدقة لغني،
ولا لذي مرة سوي » فجعل صحة الجسم مساوية للغنى ، فسقط قول
من اعتبر الراحلة . وقال إسماعيل بن إسحاق : لو أن رجلا كان في
موضع يمكنه المشي إلى الحج ، وهو لا يملك راحلة لوجب عليه
الحج؛ لأنه مستطيع إليه سبيلا .
وما روي عن السلف في ذلك أن السبيل : الزاد والراحلة ، فإنما
أرادوا التغليظ على من ملك هذا المقدار ولم يحج ؛ لأنهم ذكروا أقل
الأملاك التي يبلغ بها الإنسان إلى الحج ، فإن قيل : فإنها عبادة تتعلق
(١) من ( ح)).
(٢) في ( ح)) : مختصة.
(٣) من ( ح))، وفي ((الأصل)): رواية.
- ١٨٦ -

بقطع مسافة بعيدة ( فوجبت ) (١) فيها الراحلة ، أصله الجهاد ، قيل :
لا فرق بينهما ، وعندنا أن من تعين عليه فرض الجهاد وهو قادر ببدنه
على المشي ، فليست الراحلة [ شرطًا ] (٢) في وجوبه عليه ؛ لأنه
منكسر بالهجرة ، وسيأتي بعض معاني هذا الحديث في باب : الحج
عمن لا يستطيع الثبوت على الراحلة من هذا الكتاب - إن شاء الله .
قال المهلب : وفيه من الفقه جواز الارتداف لسادة الناس ورؤسائهم،
ولا سيما في الحج لتزاحم الناس ، ومشقة الرجالة ، ولأن الراكب
فيه أفضل ، ولا خلاف بين العلماء في جواز ركوب نفسين على دابة
إذا أطاقت الدابة ذلك ، وفي نظر الفضل إلى المرأة مغالبة طباع البشر
لابن آدم وضعفه عما ركب فيه من شهوات النساء ، وفيه أن على
العالم أن يغير من المنكر ما يمكنه إذا رآه ، وسيأتي بقية القول في قصة
الفضل بن عباس في كتاب الاستئذان في باب قوله : ﴿ يا أيها الذين
آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم ﴾ (٣).
وذكر ابن المنذر قال : حدثنا محمد بن إسماعيل الصايغ ، حدثنا
عفان ، حدثنا سكين بن عبد العزيز قال : حدثني أبي قال : سمعت
ابن عباس يقول: (( كان الفضل رديف رسول الله يوم عرفة ، فجعل
الفتى يلاحظ النساء وينظر إليهن ، فقال : يا ابن أخي هذا يوم من
ملك فيه سمعه وبصره ولسانه غفر له )) . وقال عكرمة والضحاك
[ومجاهد] (٤) في قوله تعالى: ﴿ومن كفر فإن الله غني عن
العالمين﴾(٥) قالوا : من كفر بالله واليوم الآخر ، وقال الحسن : من
كفر بالحج فلم يره واجبًا ، وقال سعيد بن جبير : قال عمر بن
(١) في ( ح)): فوجب .
(٢) من ( ح))، وفي ((الأصل)): شرط.
(٤) من ( ح )).
(٣) النور : ٢٧ .
(٥) آل عمران : ٩٧ .
- ١٨٧ -

الخطاب : لو أن الناس تركوا الحج لقاتلناهم عليه كما نقاتلهم على
الصلاة والزكاة .
[٢/ ٥ ٦٢-ب) باب: قول الله / - تعالى - : ﴿يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين
من كل فج عميق﴾ (١) فجاجًا : الطرق الواسعة
فيه: ابن عمر : (( رأيت النبي - عليه السلام - يركب راحلته بذي
الحليفة ، ثم يهل حين تستوي به قائمة )).
وفيه: جابر (( أن إهلال رسول الله من ذي الحليفة حين استوت به
راحلته » . ورواه أنس وابن عباس .
ذكر ابن المنذر عن ابن عباس في هذه الآية : هم المشاة والركبان
على كل ضامر من الإبل ، وروى محمد بن كعب عن ابن عباس
قال: ما فاتني شيء أشد عليَّ إلا أن أكون حججت ماشيًا؛ لأن الله-
تعالى - يقول : ﴿ يأتوك رجالا وعلى كل ضامر﴾. فبدأ بالرجال
قبل الركبان ، وذكر إسماعيل بن إسحاق عن مجاهد قال : أهبط آدم
بالهند ، فحج على قدميه البيت أربعين حجة ، وعن ابن أبي نجيح ،
عن مجاهد أن إبراهيم وإسماعيل - عليهما السلام - حجا ماشيين ،
وحج النبي - عليه السلام - راكبًا ، ولذلك ذكر حديث ابن عمر
وجابر في هذا الباب ، وذلك كله مباح ، وقد قال تعالى : ﴿ومن
یعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه ﴾ (٢) .
قال ابن القصار : في قوله : ﴿يأتوك رجالا ﴾ دليل قاطع لمالك أن
الراحلة ليست من شرط السبيل ، والمخالفون يزعمون أن الحج لا يجب
على الرجالة ، وهذا خلاف الآية .
(١) الحج : ٢٧ .
(٢) الحج : ٣٠.
- ١٨٨ -

واختلفوا في تأويل قوله تعالى : ﴿ ليشهدوا منافع لهم ﴾ (١) فروي
عن ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد أنها التجارة ، وزاد مجاهد :
وما يرضاه الله من أمر الدنيا والآخرة ، وقال أبو جعفر : هي المغفرة ،
واختاره إسماعيل بن إسحاق ، وسيأتي الاختلاف في بدء إهلال
رسول الله بعد هذا في موضعه - إن شاء الله .
باب: الحج على الرَّحْل
وقالت عائشة: (( إن النبي - عليه السلام - بعث معها أخاها عبد الرحمن
فأعمرها من التنعيم وحملها على قتب )) .
وقال عمر : شدوا الرحال في الحج فإنه أحد الجهادين ، وحج أنس
على رحل ولم يكن شحيحًا ، وحدث (( أن النبي - عليه السلام - حج
علی رحل و کانت زاملته )) .
فیه: عائشة أنها قالت: « یا رسول الله ، اعتمرتم ولم أعتمر ، فقال : يا
عبد الرحمن ، اذهب بأختك فأعمرها من التنعيم ، فأحقبها على ناقة
فاعتمرت )» .
في هذا الباب فضل الحج على الرواحل ، قال ابن المنذر : اختلف
العلماء هل المشي في الحج أفضل أو الركوب ، فقال مالك : الركوب
أحب إليَّ من المشي ، وبه قال الشافعي ؛ لأن النبي - عليه السلام -
حج راكبًا ، ولفضل النفقة في الحج ، ولأنه إذا كان مستريحًا كان
أقوى له على الدعاء والابتهال والتضرع ، وروى عبد الله بن بريدة عن
أبيه ، أن النبي - عليه السلام - قال: ((النفقة في الحج كالنفقة في
(١) الحج : ٢٨ .
- ١٨٩ -

سبيل الله سبعمائة ضعف)) . وكان حسين بن علي يمشي في الحج ،
وفعل ذلك ابن جريج والثوري ، وقال إسحاق : المشي أفضل ، وهو
محجوج بفعل النبي - عليه السلام .
باب : فضل الحج المبرور
فيه : أبو هريرة: « سئل النبي - عليه السلام - أي الأعمال أفضل ؟
قال: إيمان بالله ورسوله، قيل : ثم ماذا؟ قال : جهاد في سبيل الله ؟ قيل:
ثم ماذا ؟ قال : حج مبرور )) .
وفيه: عائشة قالت: (( يا رسول الله [نرى] (١) الجهاد أفضل العمل ،
[ أفلا ] (٢) نجاهد ؟ قال : لَكنّ أفضل الجهاد حج مبرور)).
وفيه : أبو هريرة قال : قال النبي - عليه السلام -: (( من حج لله
فلم يرفث ولم یفسق رجع کیوم ولدته أمه » .
قال المؤلف : إنما جعل الجهاد في هذا الحديث أفضل من الحج ؛
لأن ذلك كان في أول الإسلام وقلَّته ، وكان الجهاد فرضًا متعينًا على
كل أحد ، فأما ( إِذ ) (٣) ظهر الإسلام وفشا ، وصار الجهاد من
فروض الكفاية على من قام به ، فالحج حينئذ أفضل ؛ ألا ترى قوله
لعائشة: ((إن أفضل ( جهادكن) (٤) الحج)) لما لم يكنّ من أهل
(القتال ) (٥) والجهاد للمشركين، فإن حَلَّ العدو ببلدة واحتيج إلى
دفعه ، وكان له ظهور وقوة وخيف منه ؛ توجه فرض الجهاد على
الأعيان ، وكان أفضل من الحج - والله أعلم .
(١) من (( ح))، وفي ((الأصل)): ترى.
(٢) من ((ح))، وفي ( الأصل)): فلا.
(٤) في (( ح)): جهادن .
(٣) في ( ح)": إذا.
(٥) في (( ح)): الغنا.
- ١٩٠ -

[٢/ ق٦٣ -أ]
وقال المهلب : وقوله: (( لكن أفضل الجهاد / حج مبرور )) .
يفسر قوله تعالى : ﴿ وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية
الأولى﴾ (١) أنه ليس على الفرض لملازمة البيوت ، كما زعم من أراد
تنقص عائشة في خروجها إلى العراق [ للإصلاح ] (٢) بين المسلمين،
وهذا الحديث يخرج الآية عما تأولوها ؛ لأنه قال: (( لكن أفضل
الجهاد حج مبرور)) فدل (٣) هذا أن لهن جهادًا غير جهاد الحج ،
والحج أفضل منه ، فإن قيل : إن النساء لا يحل لهن الجهاد ، قيل :
قد قالت حفصة : (( قدمت علينا امرأة غزت مع النبي - عليه السلام -
ست غزوات ، وقالت : كنا نداوي الكلمى ، ونقوم على المرضى ،
وكان رسول الله إذا أراد الغزو [ أسهم ] (٤) بين نسائه ، فأيتهن خرج
سهمها غزا بها )) .
باب : فرض مواقيت الحج والعمرة
فيه : زيد بن جبير (( أنه أتى عبد الله بن عمر في منزله وله [فسطاط](٥)
[و] (٦) سرادق فسأله : من أين يجوز إن اعتمر؟ قال : فرضها رسول الله
لأهل نجد [ قرنًا ] (٧)، ولأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة)).
أجمع أئمة الفتوى أن المواقيت في الحج والعمرة سنة واجبة ،
(١) الأحزاب : ٣٣ .
(٢) من (( ح))، وفي ((الأصل)): للصلاح.
(٣) جاء في ((الأصل)): فدل على هذا، ولفظة ((على )) مقحمة.
(٤) من ((ح))، وفي (( الأصل)) : سهم .
(٥) من (( ح))، وفي ((الأصل)): فسطاطًا.
(٦) من ((ح))، وفي ((الأصل)): أو .
(٧) من (( ح))، وفي ((الأصل)): من قرن.
- ١٩١ -

وقالوا: هي توسعة ورخصة يتمتع المرء بحلها حتى يبلغها ، ولا أعلم
أحدًا قال : إن المواقيت من فروض الحج .
وقول ابن عمر: (( فرضها رسول الله )) يريد وَقَّتَها وَبَّينها ، وهذا
الباب رد على عطاء والنخعي والحسن ، فإنهم زعموا أنه لا شيء على
من ترك الميقات ولم يُحْرم وهو يريد الحج والعمرة ، وهذا شذوذ من
القول ، وقال مالك وأبو حنيفة والشافعي : إنه يرجع من مكة إلى
الميقات ، واختلفوا إذا رجع هل عليه دم أم لا ؟ فقال مالك ، ورواية
عن الثوري : لا يسقط عنه الدم برجوعه إليه محرمًا ، وهو قول ابن
المبارك ، وقال أبو حنيفة : إن رجع إليه فلبى فلا دم عليه ، وإن لم يلب
فعليه الدم ، وقال الثوري وأبو يوسف ومحمد والشافعي : لا دم عليه
إذا رجع إلى الميقات بعد إحرامه على كل وجه .
باب : قول الله - تعالى -: ﴿ وتزودوا فإن خير الزاد التقوى ﴾(١)
فيه : ابن عباس قال : كان أهل الیمن یحجون ولا يتزودون ،
ويقولون: نحن المتوكلون ، فإذا قدموا مكة سألوا الناس ، فأنزل الله :
﴿وتزودوا فإن خير الزاد التقوى ﴾ (١) .
قال المهلب : فيه من الفقه أن ترك سؤال الناس من التقوى ، ألا ترى
أن الله مدح قومًا فقال: ﴿ لا يسألون الناس إلحافًا﴾ (٢)، وكذلك
معنى قوله تعالى : ﴿ وتزودوا فإن خير الزاد التقوى ﴾ (١) أي تزودوا
فلا تؤذوا الناس بسؤالكم إياهم ، واتقوا الإثم في أذاهم بذلك .
وفيه: أن التوكل لا يكون مع السؤال ، و[ إنما ] (٣) التوكل على الله
(١) البقرة : ١٩٧ .
(٢) البقرة : ٢٧٣ ..
(٣) من (( ح))، وفي ((الأصل)): أما.
- ١٩٢ -

دون استعانة بأحد في شيء ، ويبين ذلك قوله عليه السلام : (( يدخل
الجنة سبعون ألفًا بغير حساب ، وهم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون،
ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون)) . فهذه أسباب التوكل وصفاته .
وقال الطحاوي : لما كان التزود فيه ترك المسألة المنهي عنها في غير
الحج، [ و] (١) كانت حرامًا على الأغنياء قبل الحج ؛ كانت في
الحج أوكد حرمة ، وقال سعيد بن جبير في قوله تعالى : ﴿وتزودوا﴾
قال : الكعك والسويق ، وليس هذا من سعيد على أن هذه الأصناف
من الأزواد [ هي ] (١) التي أبيحت في الحج دون ما سواها ، ولكنه
على إفهام السائل أن [ المراد ] (٢) هو الزاد الذي هو قوام الأبدان ،
لا على التزود من الأعمال ، ثم أتبع ذلك بقوله : ﴿ فإن خير الزاد
التقوى﴾ فكان هذا - والله أعلم - أن من التقوى ترك التعرض لحال
من الأحوال التي يخرج أهلها إلى المسألة المحرمة عليهم.
باب : مهل أهل مكة للحج والعمرة
فيه : ابن عباس : (( أن النبي - عليه السلام - وَقّتَ لأهل المدينة ذا
الحليفة ، ولأهل الشام الجحفة ، ولأهل نجد قرن المنازل ، ولأهل اليمن
يلملم، هن لهن ولمن أتى عليهن من غيرهن ممن أراد / الحج والعمرة ، [٢/ ق٦٣ -ب]
ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة )) .
وترجم له باب: ((مهل أهل الشام))، وباب: ((مهل من كان
دون المواقيت))، وباب: ((مهل أهل اليمن)).
قال ابن المنذر : والعلماء متفقون على أن مهل أهل مكة للحج من
(١) من ( ح)).
(٢) من ( ح))، وفي (( الأصل)) : الزاد.
- ١٩٣ -

مكة ، كما وقت لهم النبي - عليه السلام - ( فاللازم ) (١) على
ظاهر هذا الخبر أن لا [ يخرج] (٢) أهل مكة عن بيوت مكة إلا
محرمين ، وسنتهم ألا طواف ولا سعي عليهم ، وإنما ذلك على من
يقدم مكة من غير أهلها .
قال ابن المنذر : يجمع هذا الحديث أبوابًا من السنن ، منها : أن
هذه المواقيت لكل من أتى عليها من غير أهلها ، فإذا جاء المدني من
الشام على طريق الساحل أحرم من الجحفة ، وإذا أتى اليماني على
ذي الحليفة أحرم منها ، وإذا أتى النجدي من تهامة أحرم من يلملم ،
وكل من مر بميقات بلدة أحرم منه ، ومنها : أن ميقات كل مَنْ منزله
دون الميقات مما يلي مكة مِنْ منزله ذلك .
ومنها : أن أهل مكة ميقاتهم مكة ، ومنها : أن هذه المواقيت إنما
يلزم الإحرام منها من يريد حجا أو عمرة ، ولا يلزم الإحرام منها من
لا يريد الحج والعمرة ، ولو مر مدني بذي الحليفة ولا يريد حجا
ولا عمرة فسار حتى قرب من الحرم أراد الحج والعمرة فإنه يحرم من
حيث حضرته نية الحج أو العمرة ، ولا يجب عليه ما وجب على من
مر بميقاته وهو يريد الحج والعمرة ولم يحرم منه ، وأحرم من وراء
ذلك مما يلي مكة .
وعلى هذا عامة العلماء إلا أحمد وإسحاق فإنهما قالا : يرجع إلى
ذي الحليفة ويحرم ، والقول الأول ( أبين ؛ لدلالة ) (٣) حديث ابن
عباس على ذلك ؛ ولأن ابن عمر أحرم من الفرع ، وهو بعد الميقات،
وهو راوي حديث المواقيت ، ومحال أن يتعدى ذلك مع علمه به
ويوجب على نفسه دمًا ، هذا ما لا يظنه عالم .
(١) في (( ح)): فلا لازم ، كذا .
(٢) من (( ح))، وفي ((الأصل)): يخرجوا. (٣) في (( ح)): أعلى بدلالة
- ١٩٤ -

وقال الشافعي : يحمل [ فعل ] (١) ابن عمر أنه مر بميقاته لا يريد
إحرامًا ، ثم بدا له أو جاء إلى [ الفرع ] (٢) من مكة أو غيرها ، ثم
بدا له في الإحرام .
واختلفوا إذا مر بذي الحليفة وهو يريد الحج والعمرة ولم يحرم
منها، وأحرم من الجحفة ، فقال مالك : عليه دم ، وهو قول الليث
والثوري والشافعي ، واختلف في ذلك أصحاب مالك ، فمنهم من
أوجب الدم ، ومنهم من لم يوجبه ، ورخص في ذلك الكوفيون
والأوزاعي، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور ، وقالوا : لا شيء عليه.
وروي عن عائشة أنها كانت إذا أرادت العمرة أحرمت من الجحفة ،
وإن أرادت الحج أحرمت من ذي الحليفة .
قال ابن المواز : ويدل أمر النبي - عليه السلام - عائشة أن [تخرج] (٣)
من الحرم وتحرم بعمرة ، على أن مكة ليست بميقات يحرم منها
للعمرة، فبان بهذا أن معنى قوله عليه السلام في حديث ابن عباس :
((حتى أهل مكة يهلون من مكة)) أنه أراد الإحرام بالحج فقط، دون
الإحرام بالعمرة ؛ إذ لو كان على ظاهر الحديث لكان ميقات أهل مكة
للحج والعمرة مكة ، كما كان لأهل المواقيت ولمن دونها مما يلي الحرم
الإحرام من ( مواقيتهم ) (٤) ، فلما أمر عائشة أن تحرم من التنعيم دل
أن إهلال أهل مكة من مكة إنما هو بالحج دون العمرة .
قال غيره : وأئمة الفتيا متفقون على أن المكي إذا أراد العمرة أنه
لابد له من الخروج إلى الحِلِّ يهل منه ؛ لأنه لابد له في عمرته من
(١) من (( ح))، وفي ((الأصل)): حديث ، وليس بجيد.
(٢) من ((ح))، وفي ((الأصل)): القرع ، خطأ .
(٣) من (( ح))، وفي ((الأصل)): تحرم ، خطأ.
(٤) من ((ح))، وفي ((الأصل)): مواضعه.
- ١٩٥ -

الجمع بين الحل والجرم ، وليس ذلك على الحاج المكي ؛ لأنه خارج
في حجه إلى عرفات ، وهي الحل ، وشذ ابن الماجشون في مسألة من
هذا الباب فقال : لا يقرن المكي من مكة قياسًا على المعتمر ، وخالفه
مالك وجميع أصحابه فقالوا : إنه يقرن من مكة ؛ لأنه خارج في
حجه إلى الحل عرفات ، وقد ذكر ابن المواز عن مالك أنه لا يقرن
المكي إلا بمكة؛ لأنه خارج في حجه من الحل ، كقول ابن الماجشون.
فإن اعتمر من مكة ولم يخرج إلى الحل للإحرام [ حتى ] (١) طاف
وسعى، ففيها قولان : أحدهما : أن عليه دمًا لترك الميقات ، وعمرته
تامة ، وهذا قول [ الكوفيين ] (٢) وأبي ثور ، وأحد قولي الشافعي ،
والقول الثاني : أن ذلك لا يجزئه حتى يخرج من الحرم ثم يطوف
ويسعى ، ويقصر أو يحلق ، ولا شيء عليه ، ولو كان حلق أهراق
دمًا ، هذا قول الشافعي الآخر ، وهو قول مالك وأصحابه .
قال مالك : وما رأيت أحدًا أحرم بعمرة من الحرم ، ولا يحرم
أحد بعمرة من مكة ، ولا تصح العمرة عند جميع العلماء إلا من الحل
المكي أو غيره .
[٢ /ق٦٤-١]
قال ابن المنذر: / وهذا أشبه . وحكى الثوري عن عطاء أنه من
أهل بعمرة من مكة أنه لا شيء عليه ، قال سفيان : ونحن نقول : إذا
أهل بها لزمته ويخرج إلى الميقات ، وقال ابن المنذر : المحرم بعمرة
من مكة تارك لميقاته ، فعليه أن يخرج من الحرم ليكون قد رجع إلى
ميقاته ، كما نأمر من جاز ميقاته أن يرجع ما لم يطف بالبيت ، فإن
لم يخرج إلى الحل حتى يفرغ من نسكه فعليه دم ، كما يكون ذلك
على من ترك ميقاته حتى فرغ من نسكه ، وأما إذا كان منزل الرجل
-----
(١) من (( ح))، وفي ((الأصل)»: حين.
(٢) من (( ح))، وفي ((الأصل)) : الكوفيون ، كذا .
- ١٩٦ -

[ بين مكة ] (١) والمواقيت ، فجمهور الفقهاء قائلون بحديث ابن عباس
أنه يحرم من موضعه بالحج ، وهو ميقاته ، وإن لم يحرم منه فهو
كمن ترك ميقاته ، فعليه أن يرجع ، فإن لم يفعل فعليه دم ، قال
مجاهدْ : ميقاته من مكة . وهذا خلاف قوله عليه السلام : ((ومن
كان دون ذلك فمن حيث أنشأ)) قال ابن المنذر : وفي حديث ابن
عباس إثباته [ عليه السلام ] (٢) يلملم ميقاتًا لأهل اليمن؛ لأن ابن
عمر قال: (( ويزعمون أن النبي - عليه السلام - قال : ويهل أهل
اليمن من يلملم )) فأسنده ابن عباس .
باب : ميقات أهل المدينة ولا يهلوا قبل ذي الحليفة
فيه : ابن عمر قال النبي - عليه السلام -: (( يهل أهل المدينة من ذي
الحليفة ، وأهل الشام من الجحفة ، وأهل نجد من قرن)). قال عبد الله :
وبلغني أن رسول الله وَ ليم قال: ((ويهل أهل اليمن من يلملم)).
وترجم له باب: (( مهل أهل نجد)) .
قال ابن المنذر : أمر النبي - عليه السلام - أهل المدينة وأهل الشام
وأهل نجد واليمن أن يهلوا من المواضع التي حَدِّها ، وأحرم عليه
السلام من الميقات الذي بينه لأهل المدينة ، وترك أن يحرم من منزله ،
وعمل بذلك أصحابه وعوام أهل العلم ، وغير جائز أن يكون فعل
أعلى من فعله ، أو عمل أفضل من عمله ، ولقد سئل مالك عن هذه
المسألة فتلا قوله تعالى: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره﴾ (٣) الآية.
وقد أجمع أهل العلم على أنه من أحرم قبل [ أن ] (٢) يأتي الميقات
(١) من (( ح))، وفي ((الأصل)): مكة وبين ، كذا .
(٢) من ( ح)) .
(٣) النور : ٦٣ .
- ١٩٧ -

أنه محرم ، غير أن طائفة من السلف كرهت ذلك ، واستحبه آخرون،
فممن رأى ذلك ابن عمر أحرم من إيلياء ، وسئل علي وابن مسعود
عن قوله تعالى: ﴿ وأتموا الحج والعمرة لله﴾ (١) فقالا: أن تجرم من
دويرة أهلك . وأجاز ذلك علقمة والأسود ، وهو قول أبي حنيفة،
والثوري ، والشافعي . وكره الإحرام قبل المواقيت عمر بن الخطاب ،
وأنكر على عمران بن حصين إحرامه من البصرة ، وأنكر عثمان بن
عفان على عبد الله بن عامر إحرامه قبل الميقات ، وهو قول عطاء ،
والحسن ، ومالك ، وأحمد ، وإسحاق ، وقال أحمد : المواقيت
أفضل ؛ لأنها سنة النبي - عليه السلام - قال إسماعيل (القاضي)(٢):
وإنما كرهوا ذلك -والله أعلم- لئلا يضيق المرء على نفسه ما وسع الله
عليه ، وأن يتعرض لما لا يؤمن أن يحدث في إحرامه، وكلهم ألزمه
الإحرام فإنه زاد ولم ينقص .
قال الطحاوي : وأخذ قوم بحديث ابن عمر وابن عباس ، وذهبوا
إلى أن أهل العراق لا ميقات لهم في الإحرام كميقات سائر أهل
البلدان ؛ وإنما يهلون من حيث مروا عليه من هذه المواقيت [المؤقتة](٣)
في حديث ابن عباس وابن عمر . قال المؤلف : وسأذكر في الباب
بعد هذا اختلاف الناس في ميقات أهل العراق - إن شاء الله .
باب : ذات عرق لأهل العراق
فیه : ابن عمر قال: (( لما ( فتح ) (٤) هذان المصران أتوا عمر فقالوا: يا
أمير المؤمنين ، إن رسول الله حَدّ لأهل نجد [ قرنًا ] (٥) وهو جَوْر عن
(١) البقرة : ١٩٦ .
(٣) من (( ح)) .
(٢) ليس في (( ح)).
(٤) في (( ح)): افتح .
(٥) في ((الأصل))، (( ح)): قرن.
- ١٩٨ -

طريقنا ، وإنا إن أردنا [ قرنًا] (١) شق [ ذلك] (٢) علينا، قال: فانظروا
حذوها من طريقكم ، فَحَدَّ لهم ذات عرق )) .
اختلف العلماء في ميقات أهل العراق ، فقال مالك والكوفيون ،
وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور : ميقاتهم ذات عرق ، وقالت طائفة:
ميقاتهم العقيق ، روي ذلك عن أنس بن مالك ، واستحبه الشافعي ،
قال ابن المنذر : والإحرام من العقيق ( أفضل ) (٣) ، ومن ذات عرق
يجزئ ، وكان القاسم بن عبد الرحمن / وخصيف بحرمان من [٢/ في٦٤ -ب]
الربذة، وهو قول الحسن بن صالح ، ولولا سنة عمر لكان هذا أشبه
بالنظر ؛ لأن المعنى عندهم في ذات عرق أنه بإزاء قرن ، والربذة بإزاء
ذي الحليفة ، غير أن عمر لما سن ذات عرق وتبعه عليه من حج من
أهل العراق ، فمر بذلك ( العمل ) (٤) من أصحاب رسول الله
والتابعين وعوام أهل العلم إلى اليوم كان أولى بالاتباع .
واختلفوا فيمن وَقَّتَ لهم ذات عرق ، فقالت طائفة : وقته عمر بن
الخطاب ، واحتجوا بهذا الحديث ، وهو قول ابن عباس وابن عمر
وعطاء ، وقال آخرون : بل وقت رسول الله لهم العقيق وذات عرق،
كما وقت لأهل الشام الجحفة ، والشام كلها يومئذ دار كفر كما كانت
العراق ، فوقت المواقيت لأهل النواحي ؛ لأنه علم أنه سيفتح الله
على أمته الشام والعراق وغيرها من البلاد لقوله عليه السلام :
«وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها )) . واحتجوا بما رواه أبو داود
قال: حدثنا هشام بن بهرام ، حدثنا المعافى ، حدثنا أفلح بن حميد ،
عن القاسم، عن عائشة قالت: ((وَقَّت رسول الله لأهل العراق ذات
(١) في ((الأصل))، و((ح)): قرن .
(٣) في (( ح)): أحوط.
(٢) من (( ح)) .
(٤) في (( ح)): الطريق.
- ١٩٩ -

عرق)). وهو قول جابر بن عبد الله ، وروى الثوري عن يزيد بن أبي
زياد، عن محمد بن علي ، عن ابن عباس قال: (( وقت رسول الله
لأهل المشرق العقيق )) . وهذا اختلاف، قال ابن المنذر : ولا يثبت
في ذلك عن الرسول سنة .
قال المهلب: وفي قول عمر: (( فانظروا حذوها من طريقكم ))
إباحة القياس على السنن المعروفة الحكم [بالتشبيه ] (١) والتمثيل ، يدل
على ذلك ما رواه عبد العزيز بن أبي رواد ، عن نافع ، عن ابن عمر
أنه قال : لما وقت قرن لأهل نجد ، قال عمر : قيسوا من نحو العراق
كنحو قرن . فاختلفوا في القياس ، فقال بعضهم : ذات عرق ، وقال
بعضهم : بطن العقيق ، قال ابن عمر : فقاس الناس ذلك . والناس
حينئذ هم علماء الصحابة الذين هم حجة على من خالفهم .
وقولهم لعمر: ((وهو جَوْر عن طريقنا)) يعنون هو منحرف
ومنعدل عنه ، ومنه قوله تعالى : ﴿وعلى الله قصد السبيل ومنها
جائر﴾ (٢) يعني غير قاصد.
قال الراجز :
:
فجار عن نهج الطريق القاصد
ومنه جار السلطان إذا عدل في حكمه عن الحق إلى الباطل
(١) من (( ح))، وفي (( الأصل)): بالشبيه.
(٢) النحل : ٩ .
- ٢٠٠ -