Indexed OCR Text

Pages 61-80

صوم جاز أن يقال له : تتم صومك الذي كنت دخلت فيه ، وعليك
القضاء ؛ لأنك مفطر ( قاله ابن القصار ) (١)، وقال المهلب : معنى
قوله: ((فإن الله أطعمه وسقاه)) إثبات عذر الناسي و[علة لسقوط](٢)
الكفارة عنه ، وأن النسيان لا ( يرفع ) (٣) نية الصوم [التي] (٤) بيتها،
فأمره عليه السلام بإتمام العمل على النية ، وأسقط عنه الكفارة ؛ لأنه
ليس كالمنتهك العامد ، ووجب عليه القضاء بنص كتاب الله - تعالى-
وهو قوله : ﴿فعدة من / أيام أخر ﴾ (٥) فإن قيل: إنه لم ينقل في [٢/ ٥ ٤٠ -ب)
الحديث القضاء ، فلا قضاء عليه ، قيل : يجوز ألا يشكل القضاء
على السائل أو ذكره ، ولم ينقل كما لم ينقل في حديث الذي وطئ
أهله في رمضان القضاء عليه ولا على امرأته ، فلا تعلق لهم بهذا،
قال ابن القصار : وليس معكم أن قوله عليه السلام: (( فإن الله أطعمه
وسقاه )) كان في رمضان ، فيحمل الحديث على صوم التطوع ؛ وأنه
يكون بذلك مفطرًا ، ولا قضاء عليه .
وكذلك اختلفوا فيمن جامع ناسيًا في شهر رمضان ، فقالت طائفة:
لا شيء عليه ، قال ابن المنذر : روينا هذا عن الحسن ، ومجاهد ،
وبه قال الثوري ، وأبو حنيفة ، والشافعي ، وإسحاق ، وأبو ثور ،
وقالت طائفة : عليه القضاء ، روينا هذا عن ابن عباس ، وعطاء ،
وهو قول مالك والليث والأوزاعي ، وفيه قول ثالث : وهو أن عليه
القضاء والكفارة ، وهو قول ابن الماجشون وأحمد بن حنبل ، ورواية
ابن نافع عن مالك ، واحتج ابن الماجشون بأن الذي قال للنبي - عليه
السلام -: ((وطئت أهلي)) لم يذكر عمدًا ولا سهوًا ، فالناسي
(١) ليس في ( ح)).
(٢) من (( ح)) وفي ((الأصل)): عليه بسقوط.
(٣) في ( ح)): ينسخ .
(٤) من ((ح)) وفي ((الأصل)»: الذي.
(٥) البقرة : ١٨٤ - ١٨٥ .
- ٦١ -

۔۔
والعامد سواء ، واختاره ابن حبيب ، قال ابن القصار : واستدلاله
بهذا على وجوب الكفارة خطأ ؛ لأنه عليه السلام أوجب عليه الكفارة.
لعمده ؛ ألا ترى أنه قال له: ((هلكت)) فلحقه المأثم، والناسي
لا يكون هالكًا ؛ لأنه لا مأثم عليه ، وهذا خلاف الإجماع فلا يعتد
به، وكفارة رمضان إنما تتعلق بالمأثم ، بدلالة سقوطها عن الحائض
والمسافر والمريض ، والناسي أعذر منهم ، وقال ابن المنذر : في قول
الرجل للنبي - عليه السلام -: ((احترقت)) وترك النبي إنكار ذلك
عليه أبين البيان أنه كان عامدًا ، لإجماعهم على سقوط المأثم عمن
جامع ناسيًا، ويدل على ذلك قول الرسول: ((أين المحترق ؟ )) وغير
[ جائز] (١) أن توجب السنة على من وطئ ناسيًا مأثمًا، وإجماع
الناس على ارتفاع المأثم عنه .
وأما الذباب يدخل حلق الصائم ، فروي عن ابن عباس أنه لا شيء
عليه ، وهو قول مالك ، وأبي حنيفة ، والشافعي ، وأحمد
و(إسحاق) (٢) قال ابن المنذر: ولم يحفظ عن غيرهم خلافهم، قال
ابن القصار : سبق الذباب إلى الحلق لا يمكن التحرز منه ، وهو كغبار
الطريق والدقيق فلم يكلفه ، قال ابن المنذر : وهذا يلزم مالكًا حين
[أوجب ] (٣) على المرأة توطأ مستكرهة القضاء [ والكفارة ] (٤) ويلزم
من أوجب عليها القضاء ، ومن أسقط القضاء عمن دخل حلقه الذباب
( مغلوبًا عليه ) (٥) لزمه أن يقول مثله في المرأة التي يستكرهها زوجها
أو يأتيها وهي نائمة
(١) من ((ح)) وفي ((الأصل) : واجب . كذا وهو خطأ.
(٣) من (( ح)) وفي (( الأصل)): يوجب
(٢) في (( ح)) : أبي ثور .
(٤) من (( ح )).
(٥) ليس في ( ح)).
- ٦٢ -

باب : [ السواك] (١) الرطب واليابس للصائم
ويذكر عن عامر بن ربيعة: « رأيت النبي - عليه السلام - يستاك وهو
صائم ما لا أحصي أو أعد ) .
وقالت عائشة عن النبي : (( السواك مطهرة للفم مرضاة للرب)) . وقال
عطاء وقتادة : يبتلع ريقه .
وقال أبو هريرة [ عن النبي -* ] (٢): ((لولا أن أشق على أمتي
لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء )) ويروى نحوه عن [جابر ] (٣) وزيد
ابن خالد، عن النبي - عليه السلام - ولم يخص ( الصائم ) (٤) من
غيره .
وفيه : عثمان أنه توضأ فأفرغ على يديه ثلاثًا ، ثم ( مضمض ) (٥)
واستنثر )) الحديث .
واختلف العلماء في السواك للصائم في كل وقت من النهار ،
فأجازه الجمهور ، قال مالك أنه سمع أهل العلم لا يكرهون السواك
للصائم في أي ساعات النهار شاء غدوة وعشية ، ولم يسمع أحدًا من
أهل العلم يكره ذلك ولا ينهى عنه ، وقد روي ذلك عن عائشة ،
وابن عمر ، وابن عباس ، وبه قال النخعي ، وابن سيرين ،
و[عروة](٦) والحسن ، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه ، وقال عطاء:
أكرهه بعد الزوال إلى آخر النهار من أجل الحديث في خلوف فم
الصائم ، وهو قول مجاهد ، وإليه ذهب الشافعي ، وأحمد ،
(١) من (( ح)) وفي ((الأصل)): سواك.
(٣) من (( ح)) وفي ((الأصل)): خالد ، خطأ.
(٥) في ( ح )) : تمضمض .
(٦) من ( ح)) وفي ((الأصل)): العروة - كذا .
(٢) من ( ح )).
(٤) في (( ح)): صائمًا .
- ٦٣ -

وإسحاق ، وأبو ثور ، وحجة القول [ الأول ] (١) ما نزعه البخاري
من قوله عليه السلام: (( لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند
كل وضوء)) وهذا يقتضي إباحته في كل وقت ، وعلى كل حال؛ لأنه
لم يخص الصائم من غيره ، وهذا احتجاج حسن لا مزيد عليه .
[ واحتج ابن المنذر بهذا الحديث في إباحة السواك للمحرم ، وقال:
هو داخل في عموم هذا الحديث ، قال : ولا أعلم أحدًا من أهل
العلم منع المحرم من السواك ] (١) واختلفوا في السواك بالعود الرطب
للصائم ، فرخصت فيه طائفة ، روي ذلك عن ابن عمر ، وإبراهيم ،
وابن سيرين ، وعروةٍ، وهو قول أبي حنيفة ، والثوري ، والأوزاعي،
والشافعي ، وأبي ثور ، وكرهت طائفة السواك الرطب، روي [ ذلك
عن الشعبي ] (٢) وقتادة، والحكم ، وهو قول مالك [ وأحمد
وإسحاق ] (١) والحجة لمن أجاز الرطب أمره عليه السلام بالسواك عند
[٤١٥/٢-٤ كل وضوء ، كما لم يخص الصائم من غيره / بالإباحة، كذلك لم
يخص السواك ( الرطب ) (٣) من غيره بالإباحة ، فدخل في عموم
الإباحة كل جنس من السواك رطبًا [ أو ] (٤) يابسًا، ولو افترق حكم
الرطب واليابس في ذلك لبينه عليه السلام؛ لأن الله فرض عليه البيان
...
لأمته ، وحديث عثمان في الوضوء حجة واضحة [في ذلك ] (١) وهو
انتزاع ابن سيرين حين قال : لا بأس بالسواك الرطب، قيل : له
طعم. قال : والماء له طعم ، وأنت تتمضمض به ، وهذا لا انفكاك
منه ؛ لأن الماء أرق من ريق [ المتسوك ] (٥) وقد أباح
(١) من (( ح)).
(٢) من ((ح)) وفي ((الأصل)): عن الشعبي ذلك.
(٤) من (( ح)) وفي ((الأصل)):".
(٣) في (( ح)): اليابس .
(٥) من ((ح)) وفي ((الأصل)): السواك.
- ٦٤ -

[ الله ] (١) المضمضة بالماء في الوضوء للصائم ، وإنما كرهه من كرهه
[ خشية] (١) من ألا يعرف أن يحترس من ازدراد ريقه ، قال ابن
حبيب : من استاك بالأخضر ومج من فيه ما اجتمع في فيه ، فلا شيء
عليه ، ولا بأس به للعالم الذي يعرف كيف يتقي ذلك ، ومن وصل
من ريقه إلى حلقه [ شيء ] (١) فعليه القضاء .
باب : قول النبي عليه السلام: (( إذا توضأ فليستنشق
بمنخره الماء)) . ولم يميز بين الصائم وغيره
وقال الحسن : لا بأس بالسعوط للصائم ( إن ) (٢) لم يصل إلى حلقه
ويكتحل . وقال عطاء: إن ( تمضمض ) (٣) ثم أفرغ ما في فيه من الماء
لم يضره أن يزدرد ريقه وما بقي في فيه ، ولا يمضغ العلك ، فإن ازدرد
ریق العلك لا أقول أنه یفطر ، ولکن ینھی عنه .
اختلف العلماء في الصائم يتمضمض أو يستنشق أو يستنثر فيدخل
الماء فى حلقه ، فقالت طائفة : صومه تام ولا شيء عليه . هذا قول
عطاء وقتادة في الاستئثار ، وبه قال أحمد وإسحاق ، وقال الحسن :
لا شيء عليه إن مضمض فدخل الماء في حلقه . وهو قول الأوزاعي ،
وكان الشافعي يقول : لو أعاد احتياطًا ، ولا يلزمه أن يعيد . وقال
أبو ثور : لا شيء عليه في المضمضة والاستنشاق . ( وإلى هذا ذهب
البخاري ) (٤) وقالت طائفة: يقضي يومًا مكانه . هذا قول مالك
والثوري ، وقال أبو حنيفة وأصحابه في المضمضة : إن كان ذاكرًا
لصومه قضى ، وإن كان ناسيًا [ فلا ] (٥) شيء عليه . وفرق آخرون
(١) من (( ح)).
(٢) في (( ح)): إذا. (٣) في (( ح)): من مضمض.
(٥) من ((ح)) وفي ((الأصل)): لا.
(٤) ليس في (( ح)).
- ٦٥ -

بين المضمضة للصلاة المكتوبة والنافلة ، فأوجبوا القضاء في النافلة
وأسقطوه في المكتوبة ، روي هذا عن ابن عباس ، والنخعي ، وابن
أبي ليلى ، قال ابن القصار: و[ حجة ] (١) من أوجب القضاء أنه
ليس المضمضة والاستنشاق هما الموصلان الماء إلى جوفه ، وإنما توصله
المبالغة ، والاحتراز منها ممكن في العادة ، وإن لم يبالغ فالمضمضة
سبب ذلك أيضًا ، وهذا بمنزلة القبلة إذا حصل معها الإنزال ، سواء
كانت القبلة مباحة أو غير مباحة ؛ لأنه لما كانت القبلة مع الإنزال
تفطر، كذلك المضمضة مع الازدراد ، وأظن أبا حنيفة إنما فرق بين
الذاكر لصومه والناسي على أصله في كل من أكل ناسيًا في رمضان أنه
لا شيء عليه ، وقد تقدم ذلك في باب [الصائم ] (٢) إذا أكل أو
شرب ناسيًا ، فأغنى عن إعادته ، ولا معنى لقول من فرق بين
الوضوء للمكتوبة والنافلة بغير دليل ولا حجة .
وأما السعوط للصائم فذهب الثوري ، وأبو حنيفة ، وأصحابه ،
والأوزاعي ، وإسحاق إلى أنه إذا استعط فعليه القضاء ، يعنون إذا
احتاج [ إليه ] (١) للتداوي ، وقال مالك: [ إذا وصل ذلك إلى فمه
لضرورته إلى التداوي به فعليه القضاء . وقال الشافعي ] (١) : إذا
وصل طعم ذلك إلى دماغه عليه القضاء ، غير أن أصل الشافعي أنه
لا كفارة على من أكل عمدًا، قال إسحاق : إن دخل حلقه عليه
القضاء والكفارة ، قال ابن المنذر : وقال قائل : لا قضاء عليه ، وقد
روينا عن النخعي روايتين : إحداهما كراهية السعوط ، والأخرى
الرخصة فيه .
قال المؤلف : والحجة المتقدمة لمن أوجب القضاء في المضمضة إذا
(١) من (( ح)).
(٢) من (( ح)) وفي ((الأصل)) : الصيام . خطأ.
- ٦٦ -

أوصل الماء منها إلى الجوف ، هي الحجة في إيجاب القضاء عن
السعوط إذا وصل ذلك إلى فمه أو جوفه .
قال ابن المنذر : وحجة من لم ير القضاء في ذلك أن القضاء إلزام
فرض ، ولا يجب ذلك إلا بسنة أو إجماع ، وذلك غير موجود ، وما
حكاه البخاري عن عطاء أنه إن مضمض ثم أفرغ ما في فيه لم يضره
أن يزدرد ريقه وما بقي في فيه ، فلا يوهم هذا أن عطاء يبيح أن يزدرد
ما بقي في فيه من الماء الذي تمضمض به ، وإنما أراد أنه إذا مضمض
ثم أفرغ ما في فيه من الماء أنه لا يضره أن يزدرد ريقه خاصة ؛ لأنه
لا ماء [ في ] (١) فيه بعد تفريغه له ، قال عطاء : [ وماذا ] (٢) بقي
في فيه ؟ هكذا رواه عبد الرزاق عن ابن جريج ، عن عطاء ، وأظنه
سقط (( ذا)) للناسخ - والله أعلم .
/ قال ابن المنذر : وأجمعوا أنه لا شيء على الصائم في ما يزدرده [٤١٥/٢-ب]
مما يجري مع الريق بما بين أسنانه من فضل سحور أو غيره مما لا يقدر
على إخراجه وطرحه ، ( وكان أبو حنيفة يقول : إذا كان بين أسنانه
لحم ) (٣) فأكله متعمدًا فلا قضاء عليه ولا كفارة ، وفي قول سائر أهل
العلم إما عليه القضاء والكفارة [ أو ] (٤) القضاء على حسب اختلافهم
فيمن أكل عامدًا في الصيام ، قال ابن المنذر : هو بمنزلة الأكل في
الصوم فعليه القضاء .
واختلفوا في مضغ العلك للصائم ، فرخصت فيه طائفة ، روي
ذلك عن عائشة وعطاء ، وقال مجاهد : كانت عائشة ترخص في
الغار وحده ، وكرهت ذلك طائفة ، روي ذلك عن النخعي ،
(٢) من (( ح)) وفي ((الأصل)»: أما إذا، وهو خطأ.
(١) من ( ح)).
(٣) في ( ح)) : واختلفوا في بلعه ما بين أسنانه .
(٤) من (( ح))، وفي ((الأصل)): و.
- ٦٧ -

والشعبي ، وعطاء ، والكوفيين ، والشافعي ، وأشهب ، وأحمد ،
وإسحاق ، إلا أنه لا يفطر ذلك عند الكوفيين والشافعي ، وإسحاق ،
ولم يذكر عنهم ابن المنذر الفرق بين مجه وازدراده ، وعند أصحاب
مالك إن مجه فلا شيء عليه ، وإن ازدرده فقد أفطر .
باب : إذا جامع في رمضان (١)
ويذكر عن أبي هريرة رفعه : (( من أفطر يومًا من رمضان من غير
[عذر](٢) ولا مرض ، لم يقضه صيام الدهر وإن صامه )) . وبه قال ابن
مسعود ، وقال سعيد بن المسيب ، والشعبي ، وابن جبير ، وإبراهيم ،
وقتادة ، وحماد : يقضي يومًا مكانه .
فيه: عائشة: (( أن رجلا أتى النبي - عليه السلام - في رمضان فقال له
إنه احترق ، قال : ما لك ؟ قال : أصبت أهلي [ في رمضان ] (٣) ، فأتى
النبي - عليه السلام - بمكتل يدعى [ العَرَق ] (٤) فقال : أين المحترق ؟
قال : أنا ، قال: ( تصدق بهذا) (٥))) .
· اختلف العلماء فيما يجب على الواطئ عامدًا في نهار من شهر
رمضان ، فذكر البخاري عن جماعة من التابعين أن على من أفطر
القضاء فقط بغير كفارة ، قال المؤلف : فنظرت أقوال التابعين الذين
ذكرهم البخاري في [ صدر ] (٣) هذا الباب في المصنفات، فلم أر
(١) المثبت من ((ح))، وفي ((الأصل)): باب إذا جامع في رمضان ثم تذكر،
وعن أبي هريرة ... وهو خطأ جزمًا لأن الباب معقود للمجامع المتعمد
لا الناسي.
(٣) من (( ح)).
(٢) من (( ح))، وفي ((الأصل)): علة.
(٤) من ((ح))، وفي ((الأصل)): الغرق وهو خطأ.
(٥) في ( ح)) : فتصدق به .
- ٦٨ -

قولهم بسقوط الكفارة إلا في [ المفطر بالأكل ] (١) لا في المجامع ،
فيحتمل أن يكون عندهم الآكل والمجامع [ سواء ] (٢) في سقوط
الكفارة ، إذ كل ما أفسد الصيام من أكل أو شرب أو جماع فاسم فطر
يقع عليه ، وفاعله مفطر بذلك من صيامه ، وقد قال عليه السلام في
ثواب الصائم: (( قال الله - تعالى - : يدع طعامه وشرابه ، وشهوته
من أجلي )) . فدخلت في ذلك أعظم الشهوات، وهي شهوة الجماع،
وذكر عبد الرزاق عن سعيد بن المسيب : أن كل من أكل في شهر
رمضان عامدًا عليه صيام شهر ، وذكر عن ابن سيرين : عليه صيام
يوم، وأوجب جمهور الفقهاء على المجامع عامداً الكفارة والقضاء ،
هذا قول مالك ، وعطاء ، والثوري ، وأبي حنيفة ، وأصحابه ،
والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، واحتجوا بإعطاء النبي للمحترق
المكتل [ ليتصدق] (٣) به ، قالوا : فثبت بهذا الخبر الكفارة على
المجامع ، ولا وجه لقول من لم ير الكفارة في ذلك لخلافهم السنة
الثابتة والجمهور ، وقد تقدم في باب من أكل وشرب ناسيًا أن في قول
الرجل : إنه احترق ، دليلاً أنه كان عامدًا منتهكًا في وطئه ؛ لأن الله
قد رفع الحرج عن السهو والخطأ ، ويؤيد هذا قوله عليه السلام : ((أين
المحترق ؟)) فأثبت له حكم العمد بهذا ؛ لأنه لا ينطق عن الهوى.
وذكر الطحاوي في شرح معاني الآثار قال : ذهب قوم إلى أن من
وقع بأهله في رمضان فعليه أن يتصدق ، ولا يجب عليه من الكفارة
غير ذلك ، واحتجوا بهذا الحديث . ولم يسم القائلين [ بذلك ] (٤)
(١) من ((ح))، وفي ((الأصل)): الفطر والأكل - خطأ.
(٢) من (( ح))، وفي (( الأصل)): فسووا.
(٣) من (( ح))، وفي (( الأصل)) : المتصدق.
(٤) من (( ح))، وفي ((الأصل)): لذلك.
- ٦٩ -

وحديث أبي هريرة أولى منه ؛ لأنه قد كان قبل الذي في حديث عائشة
شيء حفظه أبو هريرة ولم تحفظه عائشة ، فهو أولى لما زاد في الحديث
من العتق والصيام ، فأما قول البخاري : ويذكر عن أبي هريرة : ((من
أفطر يومًا من رمضان متعمداً لم يقضه صيام الدهر )) ، فرواه الثوري
عن حبيب بن أبي ثابت ، عن ابن [ المطوس ] (١) ، عن أبيه ، عن.
أبي هريرة ، عن النبي - عليه السلام - وهو حديث ضعيف لا يحتج.
بمثله ، وقد صحت الكفارة بأسانيد صحاح، ولا تعارض بمثل هذا
الحديث، وقال البخاري في التاريخ: تفرد أبو [المطوس] (١) بهذا
الحديث ، ولا نعرف له غيره ، ولا أدري سمع أبوه من أبي هريرة أم
لا ، واسمه : يزيد بن [ المطوس ] (١) .
واختلفوا فيمن أكل عامدًا في رمضان ، فقال مالك ، وأبو حنيفة ،
[٢/ ٤٢-١] والثوري، والأوزاعي، وأبو ثور ، وإسحاق / : عليه ما على
المجامع من الكفارة مع القضاء ، وهو قول عطاء ، والحسن ،
والزهري ، وقال الشافعي وأحمد بن حنبل : عليه القضاء دون
الكفارة، وهو قول النخعي وابن سيرين ، وقالوا : إن الكفارة إنما
وردت في المجامع خاصة ، وليس الآكل مثله بدليل قوله عليه السلام:
(( من استقاء فعليه القضاء)) . وهو مفطر عمدًا ، وكذلك مزدرد
الحصى عمدًا عليه القضاء ، وحجة من أوجب الكفارة أن الأكل
والشرب في القياس كالجماع سواء ، وأن الصوم في الشريعة الامتناع
من الأكل والشرب والجماع ، فإذا ثبت في الشريعة في وجه واحد
منهما حكم فسبيل نظيره في ذلك الحكم سبيله ؛ لأن المعنى الجامع
بينهما انتهاك حرمة الشهر بما يفسد الصوم عمدًا، وذلك أن الأكل
(١) من ((ح))، وهو الصواب ويقال له: ((أبو المطوس))، و((ابن المطوس))،
وجاء في الأصل في المواضع كلها: ((المضرس)) وهو خطأ.
- ٧٠ -

والجماع كانا محرمين في ليل الصوم بعد النوم ، فنسخ الله ذلك رفقًا
بعباده ، وأباح الجماع والأكل إلى الفجر ، وقال تعالى : ﴿ ثم أتموا
الصيام إلى الليل ﴾ (١) فبقي الأكل والجماع بالنهار محرمين ، وأوجب
عليه السلام على الواطئ في رمضان الكفارة ، فوجب أن يكون حكم
الأكل في الكفارة مثله ، إذ هما في التحريم سواء .
وأما قوله عليه السلام: (( من استقاء فعليه القضاء )) فقد ثبت
بقوله: عليه القضاء أنه مفطر ، فإن كان استقاء لحاجة دعته إلى ذلك ،
فهو كالعليل الذي يحتاج إلى شرب الدواء ، وهو مفطر غير مأثوم ولا
ممنوع ، فلا كفارة عليه ، وإن كان لغير حاجة فهو منتهك لحرمة
الصوم، فعليه الكفارة ، وقد أوجب عطاء على المستقيء عمدًا لغير
عذر القضاء والكفارة ، وهو قول أبي ثور ، ويدخل على الشافعي
التناقض في قياسه الأكل على القيء ؛ لأنه فرق بين الأكل والقيء في
المكره ، فقال : إذا أكره على الأكل فعليه القضاء ، وإن أكره على
القيء فلا قضاء عليه ، فيلزمه أن يفرق في الصيام بين القيء والأكل
والجماع ، ولا يجمع بينها .
وقد اختلف الفقهاء في قضاء ذلك [ اليوم ] (٢) مع الكفارة ، قال
مالك : عليه قضاء ذلك اليوم مع الكفارة ، وهو قول أبي حنيفة
وأصحابه ، والثوري ، وأبي ثور ، وأحمد ، وإسحاق ، وقال
الأوزاعي: إن كَفَّرَ بالعتق [ أو ] (٣) الإطعام صام يومًا مكان ذلك
اليوم الذي أفطر ، وإن صام شهرين متتابعين دخل فيهما قضاء ذلك
اليوم ، وقال [ الشافعي ] (٢): يحتمل أن تكون الكفارة بدلا من
الصيام ، ويحتمل أن يكون الصيام مع الكفارة ، وأحب إليَّ أن يكفر
(١) البقرة : ١٨٧ .
(٢) من ( ح )) .
(٣) من ( ح))، وفي (( الأصل)): و.
- ٧١ -

ويصوم ، وحجة من أوجب صوم اليوم مع الكفارة أن الكفارة عقوبة
للذنب الذي ركبه ، والقضاء بدل من اليوم الذي أفسده ، فكما
لا يسقط عن المفسد حجه بالوطء إذا أهدى البدن ، [ فكذلك ] (١)
قضاء اليوم، والله أعلم .
واعتلَّ من لم يَرَ مع الكفارة صيام اليوم بأنه ليس في حديث عائشة
ولا خبر أبي هريرة في نقل الحفاظ ذكر القضاء ، وإنما فيهما الكفارة
فقط، [ فيقال ] (٢) له : قد روى عمرو بن شعيب عن أبيه ، عن
جده: (( أن أعرابيا جاء ينتف شعره ، وقال : يا رسول الله ،
وقعت على امرأتي في رمضان ، فأمره رسول الله أن يقضي يومًا
مكانه))، وهو من مرسلات سعيد بن المسيب، وهي حجة عند الفقهاء،
وكتاب الله يشهد بصحته، وهو قوله تعالى : ﴿فعدة من أيام أخر﴾(٣)
ولا تبرأ الذمة إلا بيقين الأداء ، وهو قضاء اليوم مع الكفارة .
واختلفوا في مقدار الكفارة ، فقال مالك والشافعي : الإطعام في
ذلك مُدّ لكل مسكينٍ بِمُدِّ النبي - عليه السلام - ، وقال أبو حنيفة:
إن أخرج من البُر فنصف صاع لكل مسكين ، ومن التمر والشعير
صاع، والحجة لمالك أن [العَرَق ] (٤) الذي في الحديث مبلغه خمسة
عشر صاعًا ، وذلك ستون مدا ، وروى ابن المنذر عن مؤمل بن
إسماعيل ، حدثنا سفيان ، عن منصور ، عن الزهري ، عن حميد
ابن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة : (( أن رجلا أتى النبي فقال : يا
رسول الله ، إني وقعت على امرأتي في رمضان ؟ فقال : أعتق رقبة ،
(١) من (( ح))، وفي ((الأصل)): كذلك .
(٢) من (( ح))، وفي ((الأصل)) : فقال - كذا .
(٣) البقرة : ١٨٤، ١٨٥.
(٤) من (( ح))، وفي (( الأصل)): الغرق - خطأ.
- ٧٢ -

قال : لا أجد ، قال : صم شهرين متتابعين، قال : ( لا ) (١)
أستطيع ، قال : أطعم ستين مسكينًا ، قال : لا أجد ، فأتي النبي -
عليه السلام - بمكتل فيه خمسة عشر صاعًا ، قال : خذ هذا فأطعمه
[عنك] (٢) ... )) الحديث .
[ قال ابن المنذر ] (٢): فقد أمر النبي - عليه السلام - الواقع على
أهله في رمضان بعد أن أعلمه أن الذي يجب [ على ] (٢) من لا يجد
الرقبة إطعام ستين مسكينًا أن يتصدق بخمسة عشر صاعًا من تمر ،
وذلك مُدّ لكل مسكين ، وفي إعطاء الرسول للرجل الصاع ليتصدق به
حجة لمالك في اختياره الإطعام في كفارة / المفطر في رمضان ؛ لأنه [٢/ ٥ ٤٢ -ب]
يشبه البدل من الصيام ؛ ألا ترى أن الحامل والمرضع والشيخ الكبير
والمفرّط في قضاء رمضان حتى يدخل عليه رمضان آخر لا يؤمر واحد
منهم بعتق ولا صيام مع القضاء ، وإنما يؤمر بالإطعام [ و] (٢) هذا
مأخوذ من قوله تعالى : ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾(٣)
وذكر أبو عبيد عن الأصمعي قال: أصل العَرَق : السقيفة المنسوجة من
الخوص قبل أن يجعل منها زَبيل ، فسمى الزبيل عرفًا بذلك ، زعم
الأخفش أنه سمى عرقًا ؛ لأنه يعمل [ عرقة عرقة ثم تضم ، والعرقة
الطريقة، ولذلك سميت درة الكتاب ] (٤) عرقة لعرضها واصطفافها،
يقال: عَرَقَة [ و] (٢) عَرَق، كما يقال: علقة وعلق.
(٣) البقرة : ١٨٤ .
(٢) من (( ح)).
(١) ساقط من (( ح)).
(٤) من ( ح))، وفي (( الأصل)) بدلاً مما بين الحاجزين: عرفًا.
- ٧٣ -

باب : إذا جامع في رمضان ولم يكن له شيء
فَتُصُدِّقَ عليه فَلُكَفِّر
فيه : أبو هريرة: (( جاء إلى النبي - عليه السلام - رجل فقال : يا
رسول الله هلكت ، قال : ما لك ؟! قال : وقعت على امرأتي وأنا صائم،
فقال رسول الله : هل تجد رقبة تعتقها ؟ قال : لا ، قال : فهل تستطيع أن
تصوم شهرين متتابعين ؟ قال : لا ، قال : فهل تجد إطعام ستين مسكينًا ؟
قال : لا، قال: فمكث النبي - عليه السلام - فبينا نحن ( على ذلك)(١)
أتي النبي - عليه السلام بعرق فيه تمر - والعرق المكتل - . قال : أين
السائل؟ قال : أنا ، قال: خذ هذا فتصدق به، قال الرجل : أَعَلَى أفقر
مني يا رسول الله ، فوالله ما بين لابتيها أهل بيت أفقر من أهل بيتي .
فضحك النبي حتى بدت أنيابه ، ثم قال: أطعمه أهلك)) .
۔۔
وترجم له باب المجامع في رمضان هل يطعم أهله من الكفارة إذا كانوا
محاويج ، وفيه أن الرجل قال للنبي: (( إن الأَخِرَ وقع على امرأته في
رمضان )) .
اختلف العلماء في الواطئ في رمضان إذا وجب عليه التكفير
بالإطعام دون غيره ، ولم يجد ما يطعم كالرجل الذي ورد في هذا
الحديث ، قال ابن شهاب : إباحة النبي لذلك الرجل أكل الكفارة
لعسرته رخصة له وخصوص ، وقال : لو أن رجلاً فعل ذلك اليوم لم
يكن له بد من التكفير ، وزعم الطبري أن قياس قول أبي حنيفة
والثوري وأبي ثور أن الكفارة دين عليه لا يسقطها عنه [عسرته ](٢)
كسائر الكفارات ، وقال عيسى بن دينار : الكفارة على المعسر واجبة ،
فإذا أيسر أداها ، وقال الأوزاعي : الكفارة ساقطة عن ذمته [ إذا كان
-- --
(١) في (( ح)): كذلك.
(٢) من ((ح))، وفي ((الأصل)): غيره.
- ٧٤ -
۔۔

محتاجًا ؛ لأنه لما جاز للمكفر أن يطعم أهله الكفارة علم أنها ساقطة
عن ذمته ] (١) . قيل الأوزاعي : أنسأل في الكفارة ؟ قال : لا ، رد
رسول الله كفارة المفطر عليه وعلى أهله ، فليستغفر الله ولا يعد ، ولم
ير عليه شيئًا ، وهو قول أحمد بن حنبل .
وقال الشافعي : يحتمل أن تكون الكفارة دينًا عليه متى أطاقها
أداها، وإن كان ذلك ليس في الخبر، وهو أحب إلينا وأقرب إلى
الاحتياط ( وله احتمالات أخر ، هذا الوجه الذى أستحب ، سأوردها
في هذا الذي بعد هذا ، وأرد فيه قول من جعل الكفارة ساقطة عن
المعسر خلاف من ذكرت قوله في هذا الباب - إن شاء الله ) (٢)
ويحتمل أنه لما كان في الوقت الذي أصاب فيه أهله ليس ممن يقدر
على واحدة من الكفارات ، تطوع رسول الله ب 18 بأن قال له في شيء
أتى به : (( كَفِّر )».
فلما ذكر الحاجة ولم يكن الرجل قبضه . قال له : (( كله وأطعمه
أهلك))، وجعل التمليك له حينئذ مع القبض ، ويحتمل أن يكون لما
ملكه وهو محتاج ، وكان إنما تجب ( عليه ) (٣) الكفارة إذا كان عنده
فَضْل ، ولم يكن عنده فضل ، قال له كله - هو وأهله - لحاجته
[ويحتمل إذا كان لا يقدر على شيء من الكفارات، وكان لغيره أن
يكفر عنه ؛ كان لغيره أن يتصدق عليه وعلى بيته بتلك الكفارة إذا كانوا
محتاجين ، وتجزئ عنه ] (٢) ويحتمل أن تسقط عنه الكفارة لعدمه،
كما سقطت الكفارة عن المغمى عليه إذا كان مغلوبًا .
قال المهلب: قوله عليه السلام: (( كله)) دليل (على) (٢) أنه إذا
وجبت على معسر كفارة إطعام، وكان [ محتاجًا ] (٤) إلى إبقاء رمق
(١) من ( ح)).
(٣) في ( ح)): عنده.
(٢) ليس في (( ح)).
(٤) من (( ح))، وفي ((الأصل)): محتاج - كذا .
- ٧٥ -

نفسه وأهله أن يؤثرها بذلك الإطعام ، ويكون ذلك [ مجزئًا] (١) عنه
على قول من رأى سقوط الكفارة عنه بالعسرة ، [ وعلى مذهب
الآخرين يكون في ذمته إلى الميسرة ، ورد ابن القصار على من رأى
سقوط الكفارة عنه بالعسرة ] (٢) فقال: أما إباحته عليه السلام
للواطئ أكل الكفارة ، فلا يمتنع من بقاء حكم الكفارة في ذمته ؛ لأنه
لما أخبر عن حاجته أباح له الانتفاع بما أعطاه ، ولم يتعرض لحكم ما
في ذمته، فبقي ذلك بحاله .
وقال غيره : فإن احتج محتج في سقوط الكفارة بقوله عليه السلام ::
((أطعمه أهلك)). ولم يقل له : وتؤديها إذا أيسرت ؛ لأنها لو كانت
واجبة لم يسكت حتى يبين ذلك ، قيل له : ولا قال له رسول الله :
إنها ساقطة عنك لعسرك بعد أن كان أخبره بوجوبها [عليه] (٢) وكل ما
وجب عليه أداؤه في اليسار لزم الذمة إلى الميسرة.
[٢/ ق٤٣-١]
قال المهلب: وفيه أن الصدقة على أهل [الفقير] (٣) / واجبة (بهذا
الحديث ) (٤) واحتج بهذا الحديث من جعل كفارة المفطر في رمضان
مرتبة على ما جاء في هذا الحديث ، أولها بالعتق ، فإن لم يجد
صام، فإن لم يقدر أطعم ، هذا قول أبي حنيفة وأصحابه ،
والثوري، والأوزاعي ، والشافعي ، وأحمد ، وأبي ثور ، وفي
المدونة قال ابن القاسم : لا يعرف مالك في الكفارة إلا الإطعام ، لا عتقًا
ولا صومًا ، وقال في كتاب الظهار : ما للعتق وماله ! قال تعالى :
﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾ (٥) [قال المؤلف] (٢):
(١) من (( ح))، وفي ((الأصل)): مجزئ.
(٢) من ( ح )) .
(٣) من (( ح))، وفي ((الأصل)): ((الفقر)).
(٤) ليس في (( ح))، ويظهر أنها كررت على ناسخ الأصل بسبب انتقال النظر -
والله أعلم .
(٥) البقرة : ١٨٤ .
- ٧٦ -

وأمر المحترق بالصدقة ، وروي [ عن مالك ] (١) أنه مخير بين العتق
[أو ] (٢) الصيام أو الإطعام ، ذكره ابن القصار ، والحجة له حديثه
عن الزهري ، عن حميد ، عن أبي هريرة (( أن رجلاً أفطر في
رمضان، فأمره النبي أن يعتق أو يصوم [ أو يطعم ] (٣))) و((أو))
موضعها في كلام العرب للتخيير ، ولا توجب الترتيب ، ويجوز أن
يكون أبو هريرة قد حفظ الفتيا من الرسول في مرتين فرواه مرة على
التخيير ، ومرة على الترتيب ، ليعلمنا الجواز في التخيير أو الندب إلى
تقديم العتق ، ولا يكون أحدهما ناسخًا للآخر .
وقال الطحاوي : إنما أمره النبي - عليه السلام - بكل صنف من
أصناف الكفارة الثلاثة لما لم يكن واجدًا للصنف الذي ذكر له قبله
على ما ثبت في حديث هذا الباب ، وقال بعض العراقيين : القصة
واحدة، والراوي واحد وهو الزهري ، وقد نقل التخيير والترتيب ،
ولا يجوز أن يكون خيره ورتبه ، فلا بد من المصير إلى أحد الروايتين،
فالمصير إلى الترتيب أولى من وجوه : أحدها : كثرة ناقليها ، والثاني:
[أن] (٣) من نقل الترتيب فإنما نقل لفظه عليه السلام ، ومن نقل التخيير
فإنما نقل لفظًا لراوٍ ، وإن كانا في الحجة سواء ، وإذا تعارضا كان
المصير إلى من نقل لفظه عليه السلام أولى . والثالث : أن من
نقل الترتيب نقل الخبر مفسراً؛ لأنه قال له : (( أعتق ، قال :
لا أجد، قال: فصم))، ومن نقل التخيير لم يذكر أنه أمره بالصيام
والإطعام بعد أن ذكر الأعرابي عجزه، وهذه زيادة، [ و] (٣)
(١) من ((ح))، وفي ((الأصل)): عنه.
(٢) من ( ح))، وفي ((الأصل)): و .
(٣) من ( ح )).
- ٧٧ -

الرابع : أن فيه [ احتياطًا] (١) لأنها إن كانت على التخيير أجزأه إذا
رتب ، وإن كانت على الترتيب لم يجزئه ما دونه .
واختلفوا في المرأة إذا وطئها طائعة في رمضان ، فقال مالك : عليها
مثل ما على الرجل من الكفارة ، وهو قول أبي حنيفة ، وأبي ثور ،
وقال الشافعي : تجزئ الكفارة التي كفرها الرجل عنهما ، وفيه قول
ثالث : أن الكفارة [ الواحدة] (٢) تجزئهما إلا الصيام، فإنه عليهما،
يصوم كل واحد [ منهما ] (٣) شهرين متتابعين، وإن أكرهها فالصوم
عليه وحده .
واختلفوا إذا وطئها مكرهة ، فقال مالك : عليه كفارتان عنه وعنها،
وكذلك إن وطئ أمته كفر كفارتين ، وقال أبو حنيفة : عليه كفارة
واحدة ولا شيء [ عليها ] (٤)، وقال الشافعي: ليس [ عليها ] (٤)
كفارة سواء طاوعته أو أكرهها ، واحتج بأن النبي إنما أجاب السائل
بكفارة واحدة ولم يسأله هل طاوعته أم أكرهها ، ولو اختلف الحكم
لم يترك النبي تبيين ذلك ، وحجة من أوجب عليها الكفارة إن طاوعته
القياس على قضاء ذلك اليوم ، فلما وجب عليها قضاء ذلك اليوم ،
وجب عليها الكفارة عنه ، وأما وجوب الكفارة عليه عنها إذا أكرهها ؛
فلأنه سبب إفساد ضومها بتعديه الذي أوجب الكفارة عليه عن نفسه ،
فوجب أن يكفر عنها ، وهذا مبني على أصولهم إذا أكرهها، وأفسد
حجها بالوطء ، فعليه أن يحجها من ماله ، ويهدي عنها، وكذلك إذا
حلق رأس محرم نائم ، فإنه ينسك عنه ؛ لأنه أدخل ذلك عليه بتعديه
من غير اختيار من المفعول به ذلك ، ولا يلزم على هذا الناسي ،
(١) من (( ح))، وفي (( الأصل)): احتياط.
(٢) ليس في ((ح))، وفي ((الأصل)): الواحد - كذا.
(٤) من (ح))، وفي ((الأصل)) : عليه - خطأ.
(٣) من ( ح)).
- ٧٨ -

والحائض ، والمريض وغيرهم من المعذورين إذا أفطروا ؛ لأن السبب
أتاهم من قبل الله - تعالى - وفي مسألتنا الفطر أتى من قبل الواطئ،
والكفارة تتعلق بالذمة ؛ لأن ماله لو تلف لم تسقط .
وقوله: ((إن الأَخِرَ وقع على امرأته)) قال ثابت: الآخر على مثال
فعل هو الأبعد ، [ وقال ] (١) بعضهم : الأخير الأبعد ، والآخر
الغائب ، وقال قيس بن عاصم [ لبنيه ] (٢): يا بني، إياكم ومسألة
الناس ، فإنها آخر كسب ( المرء ) (٣) يعنى : أرذله وأوسخه.
باب : الحجامة والقيء للصائم
يروى عن أبي هريرة : إذا قاء فلا يفطر ، إنما يخرج ولا يولج، ويذكر
عن أبي هريرة أنه يفطر ، والأول أصح .
وقال ابن عباس وعكرمة : الفطر مما دخل وليس مما خرج ، وكان ابن
عمر يحتجم وهو صائم [ ثم ] (٤) تركه فكان يحتجم بالليل ، واحتجم
أبو موسى ليلاً، ويذكر عن سعد، وزيد بن أرقم ، وأم سلمة احتجموا
صيامًا (وقال / بكير عن ) (٥) أم علقمة: كنا نحتجم عند عائشة، [٢/ ٤٣٥ -ب]
فلا تنهى ، ويروى عن الحسن عن غير واحد مرفوعًا: (( أفطر الحاجم
والمحجوم)) قيل له : عن النبي - عليه السلام - ؟ قال: نعم، ثم قال :
الله أعلم .
فيه : ابن عباس (( أن النبي - عليه السلام - احتجم وهو محرم ،
(١) من (( ح))، وفي ((الأصل)): فقال.
(٣) في (( ح)): المرأة - كذا.
(٢) من ( ح)).
(٤) من (( ح))، وفي (( الأصل)): و.
(٥) في (( ح)): وقالت أم علقمة .
- ٧٩ -

واحتجم وهو صائم ، قيل لأنس : أكنتم تكرهون الحجامة للصائم ؟
قال: لا إلا من أجل الضعف )).
قال المؤلف: أما قول أبي هريرة: ((إذا قاء فلا يفطر))، فقد روي
مرفوعًا من حديث عيسى بن يونس ، عن هشام بن حسان ، عن
محمد بن سيرين ، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: (( من
استقاء فعليه القضاء ، ومن ذرعه القيء فلا قضاء عليه)) . وهذا
الحديث انفرد به عيسى بن يونس ، عن هشام بن حسان . وعيسى
ثقة، إلا أن أهل الحديث أنكروه عليه ، ووهم عندهم فيه ، وقال
البخاري : لا يعرف إلا من هذا الطريق، ولا أراه محفوظًا [و](١)
روى معاوية بن سلام عن يحيى بن أبي كثير قال : أخبرني عمر بن
الحكم بن ثوبان أنه سمع أبا هريرة يقول : إذا قاء أحدكم فلا يفطر ،
فإنما يخرج ولا يدخل . وهذا عندهم أصح موقوفًا على أبي هريرة .
وأجمع الفقهاء أن من ذرعه القيء فلا قضاء عليه ، واختلفوا في من
استقاء ، فقال مالك، والليث ، والثوري ، وأبو حنيفة ، والشافعي،
وأحمد : من استقاء عامدًا فعليه القضاء ، وعليه الجمهور ، روي ذلك
عن علي، وابن عمر ، وأبي هريرة .
وقال الأوزاعي وأبو ثور : عليه القضاء والكفارة مثل كفارة الآكل
عامدًا في رمضان ، وهو قول عطاء ، واحتجوا بحديث الأوزاعي عن
يعيش بن الوليد بن هشام أن أباه حدثه قال : ( حدثنا ) (٢) معدان بن
طلحة أن أبا الدرداء حدثه (( أن رسول الله - صلى الله عليه - قاء
فأفطر)) . قالوا : وإذا كان القيء يفطر الصائم فعلى ( من تعمده ما
على ) (٣) من تعمد الأكل ( و) (٤) الشرب ( و) (٤) الجماع القضاء
(١) من (( ح)).
(٣) لیس في ( ح )) ..
(٢) في ( ح )) : حدثني .
(٤) في (( ح)) : أو .
- ٨٠ -