Indexed OCR Text
Pages 1-20
شْعُ صَحِيعُ الْيَارِيُ لابْن بطّا أُبِيّ الحَيَسْ عَلِيَ بْ خَلْفُ بن ◌ُعَبْ أَلُلتُ ضَبَطَ نِصَّهُ وَعَلّق عَليه أُبُوتِيَمْ يَاسِرِينْ إِبْرَاهِيم الجزء الَائى مكتبة الرشد الرياض [ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ](١) كتاب الصيام باب : وجوب صوم رمضان وقول الله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام﴾ (٢) الآية. فيه: طلحة بن عبيد الله: ((أن أعرابيا جاء إلى الرسول ثائر الرأس فقال: يا رسول الله، أخبرني (ماذا) (٣) فرض الله عليٌّ من الصلاة ؟ قال: الصلوات الخمس إلا أن تطوع شيئًا /، قال: أخبرني بما فرض [ الله](١) عليّ من الصيام؟ قال: شهر رمضان إلا أن تطوع [ شيئًا] (١) قال: أخبرني بما فرض الله عليّ من الزكاة ؟ فأخبره رسول الله [ بشرائح] (٤) الإسلام ، قال : والذي أكرمك بالحق لا أتطوع شيئًا ولا أنقص مما [فرض ] (٥) الله عليّ شيئًا ، فقال رسول الله : أفلح إن صدق ، أو دخل الجنة إن صدق )) . [٢/ق٣١-١] وفيه : ابن عمر: « صام النبي عاشوراء وأمر بصيامه ، فلما فرض رمضان ترك)» وكان عبد الله بن عمر لا يصومه إلا أن يوافق صومه. وفيه: عائشة: (( أن قريشًا كانت تصوم عاشوراء في الجاهلية ثم أمر رسول الله بصيامه حتى فرض رمضان ، وقال رسول الله : من شاء فليصمه ، ومن شاء ( فليفطره) (٦))). (١) من (( ح)). (٢) البقرة : ١٨٣ . (٣) في ( ح )) : بما (٤) من (( ح)) وفي ((الأصل)) : شرائع. (٥) من (ح)) وفي ((الأصل)): افترض. (٦) في ( ح) : أفطره . -٥ - وقال المؤلف : قوله تعالى : ﴿ كتب عليكم الصيام ﴾ أي فرض [عليكم ] (١) كما فرض على الذين من قبلكم ، والكتاب في اللغة بمعنى الوجوب والفرض، قال الله - تعالى - : ﴿ كتب عليكم القصاص﴾ (٢) بمعنى فرض، وقال ابن عباس في هذه الآية: كان [كتاب ] (٣) الصيام على أصحاب محمد أن الرجل كان يأكل ويشرب وينكح ما بينه وبين أن يصلي العتمة [ أو ] (٤) يرقد ، فإذا صلى العتمة أو رقد منع من ذلك إلى مثلها من القابلة ، فنسختها هذه الآية : ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث﴾ (٥) الآية وروي (( أن صرمة بن مالك كان شيخًا كبيرًاً جاء إلى أهله وهو صائم ، فدعا بعشائه فقالوا : امهل حتى نجعل لك طعامًا سَخِنا تفطر عليه ، فوضع الشيخ رأسه فنام فجاءوا بطعامه فقال : قد كنت نمت ، فلم يطعم ، فبات ليلته يتسلق(٦) ظهرا لبطن ، فلما أصبح أتى النبي - عليه السلام- فنزلت هذه الآية : ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ﴾ (٥) الآية . وجاء عمر بن الخطاب فأراد أهله فقالت إنها قد كانت نامت ، فظن أنها اعتلت عليه فواقعها، وفعل مثل ذلك كعب بن مالك ، فذكر ذلك للنبي - عليه السلام - فنزلت : ﴿ علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم﴾ إلى قوله: ﴿ ثم أتموا الصيام إلى الليل ﴾ (٥) وقد تقدم الكلام في قوله: ((والله لا أزيد على هذا ولا أنقص)) وقوله عليه السلام: (( أفلح إن صدق )) في كتاب الإيمان ، فأغنى عن إعادته هاهنا .. (١) من (( ح)). (٢) البقرة : ١٧٨. ... (٥) البقرة : ١٨٧. (٣) من ((ح)) وفي ((الأصل)): كتب . (٤) من ( ح)) وفي (( الأصل)): و. (٦) أورده السيوطي في الدر المنثور (١٩٨/١) بلفظ: يتقلب . وعزاه إلى وكيع. وعبد بن حميد . - ٦ - قال المهلب : وفيه أن أداء الفرائض يوجب الجنة ، وأن عمل السنن والرغائب يوجب الزيادة في الجنة . قال الطبري : وأما الآثار في صيام عاشوراء ، فإن أهل العلم اختلفوا في حكم صومه اليوم ، هل هو في فضله وعظيم ثوابه على مثل ذلك الذي كان عليه قبل أن يفرض رمضان ؟ فقالت طائفة : كان ذلك [ يومًا ] (١) تصومه اليهود شكرًا لله على أن نجى موسى وبني إسرائيل من البحر ، وأغرق فرعون ، فصامه رسول الله وأمر بصومه، فلما فرض رمضان لم يأمر بصومه ولم ينه عنه ، فمن شاء صامه ومن شاء تركه . وقال آخرون : لم يزل رسول الله يصومه ويحث أمته على صومه حتى مضى بسبيله عليه السلام ، روي هذا عن ابن عباس قال: (( ما رأيت رسول الله يومًا يتحرى فضله إلا يوم عاشوراء وشهر رمضان)). فإن قيل : فما وجه كراهية ابن عمر صومه ؟ قيل : نظير كراهية من كره صوم رجب إذا كان شهرًا تعظمه الجاهلية ، فكره أن يعظم في الإسلام ما كان يعظم في الجاهلية ، من غير تحريم صومه على من صامه، ولا مؤيسه من الثواب الذي وعد الله صائمه على لسان رسوله إذا صامه مبتغيًا بصومه ثواب الله ، لا مريدًا به إحياء سنة أهل الشرك، وكذلك صوم رجب ، وسيأتي بقية القول في هذا المعنى في باب صوم عاشوراء [ بعد هذا ] (٢) إن شاء الله . (١) من ((ح)) وفي ((الأصل)): يوم. (٢) من ( ح)). - ٧ - باب : فضل الصوم فيه : أبو هريرة قال النبي - عليه السلام -: (( الصيام جنة ، فلا يرفث ولا يجهل ، فإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل : إني صائم - مرتين - والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي ، الصيام لي وأنا أجزي به ، والحسنة بعشر أمثالها)) . قوله: ((الصيام جنة )) أي: ستر من النار ، ومنه قيل للترس مجن؛ لأن صاحبه يستتر به. وقوله: (( فلا يرفث )) فالرفث هاهنا : الفحش والخنا ، و[الجهل: ما ] (١) لا يصلح من القول والفعل ، قال الشاعر : [٢/ ق٣١ -ب] فنجھل فوق جهل الجاهلینا / ألا لا يجهلن أحد علينا والجهل : السفه قال المهلب : واختلف أهل العلم في معنى قوله: ((فليقل إني صائم )» فقيل : يقول : إني صائم للذي يشاتمه ، ليكف عن شتمه ، واستدل بعضهم بقول مريم : ﴿إني نذرت للرحمن صوماً فلن أكلم اليوم إنسيا ﴾ (٢) فكان حكم الصيام عند مريم وأهل زمانها أن لا يتكلموا فيه ، وكان هذا متعارفًا عندهم ، وقال ابن جريج : قلت لعطاء : أبلغك أنه يؤمر الإنسان إذا دعي إلى طعام أن يقول : إني صائم ؟ قال: ( سمعنا ) (٣) أبا هريرة يقول: إذا كنت صائمًا فلا تساب ولا تجهل ، فإن جهل عليك فقل : إني صائم . وروي عن ابن مسعود : إذا دعي أحدكم إلى طعام وهو صائم فليقل : إني صائم ، وقاله قتادة والزهري ، وقالت طائفة : معنى قوله: (( فليقل إني صائم)) أي يذكر نفسه بذلك ولا يجهر به [ ولا يراجع به (١) من ((ح)) وفي ((الأصل)): والجهل وما .... (٢) مريم : ٢٦ . (٣) في ( ح ): سمعت ٠ - ٨ - من سبه ] (١) لأنه إذا تكلم به فقد أظهر [ نيته ] (٢) وربما دخل فيه الرياء، قال ثابت: ومعنى القول هاهنا: [ العلم ] (١) قال الشاعر: إذا ما خلوت الدهر يومًا فلا تقل خلوت ولكن قل علي رقيب ومثله قول مجاهد في قوله تعالى : ﴿ إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكورًا﴾ (٣) قال : أما إنهم لم يتكلموا به ولكن علمه الله من قلوبهم ، فأثنى عليهم به ليرغب في ذلك راغب ، وعلى هذا المعنى يدل قوله في الحديث: (( الصيام لي وأنا أجزي به )) [ ولا يكون لله خالصًا إلا بانفراده بعلمه دون الناس)). وقوله : (( الصيام لي وأنا أجزي به )) ] (١) فالصيام وجميع الأعمال لله ، لكن لما كانت الأعمال الظاهرة يشرك فيها الشيطان بالرياء وغيره، وكان الصيام لا يطلع عليه أحد إلا الله فيثيبه عليه على قدر خلوصه لوجهه ، جاز أن يضيفه تعالى إلى نفسه . قال الطبري : ألا ترى قوله في الحديث : ((يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي)) وكان ابن عيينة يقول في قوله: ((إلا الصوم فإنه لي )) قال: لأن الصوم هو الصبر، يصبر الإنسان نفسه [ عن ] (٤) المطعم والمشرب والمنكح ، ثم قرأ : ﴿إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ﴾ (٥) وهذا كله إنما يكون فيما خلص لله من الرياء ( قال عبد الواحد ) (٦) أيضًا: قوله عليه السلام عن الله - تعالى - أنه قال: (( من عمل عملا أشرك فيه غيري فهو له ، وأنا أغنى الشركاء عن (١) من (( ح)). (٣) الإنسان : ٩ . (٥) الزمر : ١٠ . (٢) من (( ح)) وفي ((الأصل)): منه . (٤) من ((ح)) وفي ((الأصل)): عند. (٦) ليس في ( ح )). - ٩ - الشرك)) فجعل عمل الرياء لغيره ، وجعل ما خلص من الرياء له تعالى ، وقال آخرون : إنما خص الصوم بأن يكون هو الذي يتولى جزاءه ؛ لأن الصوم لا يظهر من ابن آدم بلسان ولا فعل فتكتبه الحفظة، إنما هو نية في القلب ، وإمساك عن المطعم والمشرب ، فيقول: أنا أتولى جزاءه على ما أحب من التضعيف ، وليس على كتاب كتب ، وهذا القول ذكره أبو عبيد . قال الطبري : والصواب عندي القول الأول، وأما [ معنى ] (١) قوله: ((وأنا أجزي به)) فأنا المنفرد بجزائه على عمله ذلك لي بما لا يعلم كنه مبلغه غيري ، إذ كان غير الصيام من أعمال الطاعة قد علم غيري بإعلامي إياه أن الحسنة [ فيها ] (٢) بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف. قال المؤلف : ( وقد روى يحيى بن بكير عن مالك في هذا الحديث. بعد قوله) (٣): ((الحسنة بعشر أمثالها)) فقال: ((كل حسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصيام فهو لي وأنا أجزي به )) .. فخص الصيام بالتضعيف على سبعمائة ضعف في هذا الحديث ، وقد نطق التنزيل بتضعيف النفقة في سبيل الله أيضا كتضعيف الصيام ، فقال عز وجل : ﴿ مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء﴾ (٤) وجاء في ثواب الصبر مثل ذلك وأكثر ، فقال تعالى : ﴿ إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب﴾ (٥) [ فيحتمل] (٦) - والله أعلم - أن تكون هاتان الآيتان نزلتا على النبي - عليه السلام - بعد ما أعلمه الله (٢) من (( ح)) وفي (( الأصل)): فيه. (١) من (( ح)). (٣) في (( ح)): ويبين هذا ما رواه يحيى بن يحيى ويحيى بن بكير في هذا الحديث بعد قوله . (٤) البقرة: ٢٦١. (٥) الزمر : ١٠. (٦) من ((ح)) وفي ((الأصل)): فيحمل. - ١٠ - ثواب الصيام ؛ لأنه لا ينطق عن الهوى ، والفضائل إنما تدرك من طريق الوحي . وقال ( عبد الواحد ) (١) : أما قول من قال : كل عمل تكتبه الحفظة إلا الصيام فإنما هو نية في القلب ، وإمساك عن المطعم والمشرب فلا يكتب فغير صحيح ؛ لأن الحفظة تعلم الإمساك عن الأكل وهو حقيقة إذا اطلعت على الإمساك عن الأكل في خلوته فقد علمت صيامه ؛ لأنه ليس يرائي أحد الحفظة ، ولا ينتفع بالرياء إلا إذا أكل في الباطن ، فإذا كف عن الأكل في الباطن وتمادى على ذلك فقد علمت صيامه / 1 وليس أيضًا قول من تأول في قوله : ﴿ إني نذرت للرحمن صومًا﴾ (٢) ] (٣) أن مريم كانت صائمة في ذلك [الوقت] (٤) صواب، بدليل قوله تعالى في الآية : ﴿وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبًا جنيا فكلي واشربي وقري عينا فإما ترين من البشر أحدًا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا ﴾ (٥) فأخبر أن ذلك كان بعد أكلها وشربها، ويشهد لذلك أنها كانت نفساء، والنفساء لا تصوم، وإنما معنى قولها: ﴿إني نذرت للرحمن صوماً﴾(٢) أي : إمساكًا عن الكلام ، والعرب تقول : صام، إذا أمسك عن الكلام ، فإن قيل : فكيف نذرت أن تمسك عن الكلام وقد قيل لها : ﴿فقولي﴾؟ قيل : المراد هاهنا : تقول بالإشارة بدليل قوله بعد هذا: فأشارت إليه﴾ (٦) الآية. وقال زيد بن أسلم : كانت بنو إسرائيل يصومون من الكلام كما يصومون من الطعام ولا يتكلمون إلا بذكر الله . [٢ / ق٣٢-١] وقوله: (( لخلوف فم الصائم)) [ بضم الخاء ، هو مصدر خلف (١) في ( ح)): غيره. (٢) مريم : ٢٦ . (٣) من (( ح))، ومطموسة في الأصل . (٥) مريم ٢٥، ٢٦ . (٤) من (( ح )). (٦) مريم ٢٩ . - ١١ - فمه يخلف ] (١) يعنى تغير رائحته في آخر النهار ؛ لأن الفم يتغير بترك الطعام ، قال أبو عبيد : خلف اللبن وغيره : تغير ريحه وطعمه ، [وقال صاحب العين: الخالف: اللحم المتغير الريح، قال الخطابي: فأما الخلوف بفتح الخاء، فهو الذي يعد ثم يخلف ، قال النمر بن تولب: جزى الله عني جمرة ابنة نوفل جزاء خلوف بالخلالة كاذب](١) وقوله : (( أطيب عند الله من ريح المسك)) يريد أزكى عند الله وأقرب إليه ؛ لأن الله - تعالى - لا يوصف بالشم (٢)، ( قال عبد الواحد : ومعنى) (٣) قوله: ((عند الله)) يريد في الآخرة، أي : يجازيه يوم القيامة [ بتطييب ] (٤) نكهته الكريهة في الدنيا حتى تكون كريح المسك، والدليل على أنه أراد الآخرة بقوله: ((عند الله )) قوله [ تعالى] (١): ﴿وإن يوماً عند ربك﴾ (٥) يريد أيام الآخرة ، ومن هذا الباب [ قوله ] (١) عليه [ السلام ] (١) في الشهيد: (( أنه يأتي يوم القيامة وجرحه ( يثعب دمًا ) (٣) اللون لون الدم والريح ريح المسك)) فأخبر أنه يجازي الشهيد في الآخرة بأن يجعل رائحة دمه الكريهة في الدنيا كريح المسك في الآخرة . ۔۔ (١) من ( ح)). (٢) لا حاجة لمثل هذا التأويل ، ويسعنا ما أطلقه الله وأطلقه رسوله في صفات الله عز وجل ، بلا تأويل ، أو تشبيه ، أو تعطيل ، وسبق التنبيه على ذلك في مواضع من هذا الكتاب ، وهو مذهب الصحابة ومن تبعهم بإحسان ، فتمسك به تسلّم ، والله الهادي إلى سواء السبيل . (٣) ليس في (( ح)). (٤) من ((ح)) وفي ((الأصل)): تطيب . (٥) الحج : ٤٧ . - ١٢ - باب : الصوم كفارة فيه : حذيفة (( قال عمر : من يحفظ حديث النبي - عليه السلام - في الفتنة ؟ قال حذيفة : أنا سمعته يقول : فتنة الرجل في أهله وماله وجاره تكفرها الصلاة والصيام والصدقة ، قال : ليس أسأل عن ذه ، إنما أسأل عن التي تموج ( كما يموج) (١) البحر )) الحديث . الفتنة عند العرب : الابتلاء والاختبار ، وهي في هذا الحديث شدة حب الرجل لأهله ، و[ شغفه ](٢) بهن ، كما روى عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: (( رأيت رسول الله يخطب ، فجاء الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يعثران ويقومان ، فنزل رسول الله فرفعهما ووضعهما في حجره ، ثم قال : صدق الله ﴿إنما أموالكم وأولادكم فتنة﴾ (٣) رأيت هذين فلم أصبر، ثم أخذ في خطبته)). وسمع عمر ابن الخطاب رجلا يستعيذ بالله من الفتنة فقال له: أتدعو الله ألا يرزقك مالا وولدًا ! ( فاستعذ ) (٤) بالله من مضلات الفتن . وقال ابن مسعود : لا يقل أحدكم : اللهم إني أعوذ بك من الفتنة، فليس أحد إلا وهو مشتمل على فتنة ؛ لأن الله يقول : ﴿إنما أموالكم وأولادكم فتنة ﴾ (٣) فأيكم استعاذ فليستعذ بالله من مضلات الفتن . ومن فتنة الأهل أيضًا الإسراف والغلو في النفقة عليهن ، والشغل بأمورهن عن كثير من النوافل ، وفتنته في ماله أن يشتد سروره [ به](٥) حتى يغلب عليه ، وهذا مذموم ؛ ألا ترى أن النبي لما نظر إلى عَلَم الخميصة في الصلاة ردها إلى أبي جهم وقال: (( كاد يفتنني)) فتبرأ مما خشي منه الفتنة . وكذلك عرض لأبي طلحة حين كان يصلي في حائطه فطار دُبْسِيّ (٦) فأعجبه ( فأتبعه بصره ) (٧) ثم رجع إلى صلاته (١) في (( ح)): كموج. (٢) من (( ح)) وفي ((الأصل)): شفقته. (٣) التغابن : ١٥ . (٥) من ( ح )). (٤) في ( ح)): استعذ . (٦) (( دُبسي)) بضم الدال هو ذكر نوع من الحمام ذوات الأطواق وهي الفواخت. (٧) في (( ح)): فجعل يتبعه بصره ساعة. - ١٣ - فلم يَدْرِ كَمْ صلى ؛ فقال : لقد لحقني في مالي هذا فتنة ، فجاء إلى النبي فذكر ذلك له فقال : هو صدقة یا رسول الله فضعه حيث شئت. ومن فتنة المال أيضًا ألا يصل منه أقاربه ، ويمنع معروفه أجانبه ، وفتنته في جاره أن يكون أكثر مالا منه وحالا ، فيتمنى مثل حاله ، وهو معنى قوله تعالى : ﴿وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون﴾ (١) فهذه الأنواع وما شابهها مما يكون من الصغائر فدونها تكفرها أعمال البر ، ومصداق ذلك في قوله تعالى : ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ (٢) قال أهل التفسير : الحسنات هاهنا : الصلوات الخمس ، والسيئات . الصغائر .: باب : الريان للصائمين فيه : سهل قال: قال النبي - عليه السلام -: ((إن في الجنة بابا يقال له. [٣٢٥/٢ -ب] الريان ، يدخل منه الصائمون يوم القيامة / لا يدخل أحد منه غيرهم ، يقال : أين الصائمون ؟ فيقومون لا يدخل أحد غيرهم ، فإذا دخلوا أغلق ، فلم يدخل منه أحد )) . وفيه : أبو هريرة قال: قال النبي - عليه السلام -: (( من أنفق زوجين في سبيل الله نودي من أبواب الجنة يا عبد الله ، هذا خير ، فمن كان من أهل الصلاة دعى من باب الصلاة ، ومن كان من أهل الجهاد [ دعي ](٣) من باب الجهاد ، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان ، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة ، قال أبو بكر : بأبي أنت وأمي يا رسول الله ، ما على من يدعى من تلك الأبواب من ضرورة ، (١) الفرقان: ٢٠ . (٢) هود : ١١٤ . (٣) من (( ح)) وفي ((الأصل)»: نودي. ٠ = - ١٤ - فهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها ؟ قال : نعم ، وأرجو أن تكون منهم )) . قال المهلب : إنما أفرد الصائمين بهذا الباب ليسارعوا إلى الري من عطش الصيام في الدنيا إكرامًا لهم واختصاصًا، و[ ليكون ] (١) دخولهم في الجنة هينًا غير متزاحم عليهم عند أبوابها ، كما خص النبي أبا بكر الصديق بباب في المسجد يقرب منه خروجه إلى الصلاة ولا يزاحمه أحد ، وأغلق سائرها إكرامًا له وتفضيلاً . ومعنى قوله : ((زوجين)) أي : شيئين ، كدينارين أو ثوبين ، وشبه ذلك ، والحجة لذلك ما رواه حماد بن سلمة عن يونس بن عبيد وحميد ، عن الحسن ، عن صعصعة بن معاوية ، عن أبي ذر ، أن النبي - عليه السلام - قال : (( من أنفق زوجين من ماله ابتدرته حجبة الجنة )) ثم قال : (( بعيرين ، شاتين ، حمارين، درهمين)) قال حماد: أحسبه قال: (( خفين)). وروى [ أسد بن موسى، نا مبارك بن فضالة، عن الحسن ] (٢) عن صعصعة قال : لقيت أبا ذر بالربذة وهو يسوق بعيرا له عليه مزادتان قال : سمعت النبي - عليه السلام - يقول: (( ما من مسلم ينفق من [ كل ] (٢) ماله زوجين في سبيل الله إلا استقبلته حجبة الجنة كلهم يدعوه إلى ما عنده)) قلت: زوجين [ من ] (٢) ماذا ؟ قال: إن كان صاحب خيل ففرسين ، وإن كان صاحب إبل فبعيرين ، وإن كان صاحب بقر فبقرتين ، حتى عد أصناف المال . فإن قال قائل : إن النفقة إنما تسوغ في باب الجهاد وباب الصدقة ، فكيف تكون في باب الصلاة والصيام ؟ (١) من (( ح))، وفي ((الأصل)): ليكن. (٢) من (( ح)). - ١٥ - ( قال عبد الواحد : معنى زوجين أراد نفسه وماله - والله أعلم - قال المؤلف: ) (١) والعرب تسمي ما يبذله الإنسان من نفسه واجتهاده نفقة فيقول أحدهم فيما تعلم من العلم أو صنعة من سائر الأعمال : أنفقت في هذا عمري ، وبذلت فيه نفسي ، قال حبيب [ بن أوس](٣): كم بين قوم إنما نفقاتهم مال وقوم ينفقون نفوسًا. قال المهلب : فتكون النفقة على هذا الوجه في باب الصلاة والصيام من الجسم بإتعابه له ، فإن قيل : كيف تكون النفقة في زوجين ، وإنما نجد الفعل في هذا الباب نفقة الجسم لا غير ؟ فالجواب : أن نفقة المال مقترنة بنفقة الجسم في ذلك ؛ لأنه لابد للمصلي والصائم من قوت يقيم رمقه ، وثوب يستره ، وذلك من فروض الصلاة ، ويستعين بذلك على طاعة الله - تعالى - فقد صار منفقًا لزوجين : لنفسه وماله ، وقد تكون النفقة في باب الصلاة ، أن يبني لله مسجدًا للمصلين ، لدلالة قوله: ((من بنى لله مسجدًا بنى الله له بيتا في الجنة)) والنفقة في -- الصيام إذا فَطَّر صائمًا فكأنما صام يومًا ويعضده قوله تعالى: ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾ (٣) فجعل الإطعام للمسكين عوضًا من صيام يوم ، وأبواب الجنة ثمانية ، وإنما ذكر منها في الحديث أربعة [ وروي عن النبي ◌َّ: ((إن من أبواب الجنة أبواب الواطئين)) (٤). ذكر إسماعيل بن أبي خالد عن يونس بن خباب قال : أخبرت أن رسول الله وَل قال: ((إن للجنة ثمانية أبواب منها: باب للصائمين، وباب للمجاهدين ، وباب للمتصدقين ، وباب للواطئين ، وليس أحد من هذه الأصناف يمر بخزنة الجنة إلا كلهم يدعوه : هلم إلينا يا (١) ليس في ( ح )). (٣) البقرة : ١٨٤ (٢) من (( ح.)). (٤) كذا - وهو من (( ح)) فقط - وسيأتي مثله ، ولم أقف عليه. -١٦ - عبد الله)) ومن أبواب الجنة ] (١) باب الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس . وذكر ابن البراء في كتاب الروضة عن أحمد بن حنبل قال : حدثنا روح عن أشعث ، عن الحسن قال : إن لله في الجنة بابًا لا يدخله إلا من عفا عن مظلمة ، فقال [ أحمد ] (٢) لابنه : يا بني ما خرجت من دار أبي إسحاق حتى أحللته ومن معه إلا رجلين : ابن أبي دؤاد ، وعبد الرحمن [ ابن إسحاق ] (٣) فإنهما طلبا دمي، وأنا أهون على الله من أن يُعَذِّبَ في أحدًا ، أشهدك أنهم في حلّ . ومنها باب التوبة ، روي عن ابن مسعود أنه سأله رجل عن ذنب ألمّ به ، هل له من توبة ؟ فأعرض عنه ابن مسعود ، ثم التفت فرأى عينيه تذرفان ، فقال : إن للجنة ثمانية أبواب كلها تفتح وتغلق إلا باب التوبة فإن عليه ملكًا موكلاً به لا يغلق ، فاعمل ولا تيأس . ووجه الإنفاق في ذلك ما يتقوى به على طاعة الله ، ويتحلل من المحارم التي سلفت منه ، ويؤدي المظالم إلى أهلها ، ويمكن أن يكون [ الباب الباقي] (٤) باب المتوكلين الذين يدخلون / الجنة في سبعين [٢/ ٣٣٥-١] ألفا من باب واحد ، لا يدخل أولهم حتى يدخل آخرهم ، وجوههم كالبدر: الذين لا يسترقون ، ولا يكتوون ، ولا يتطيرون ، وعلى ربهم يتوكلون، ووجه الإنفاق في ذلك أنهم ينفقون على أنفسهم في حال المرض المانع لهم من التصرف في طلب المعاش ، صابرين على ما أصابهم ، وينفقون على من أصابه ذلك البلاء من غيرهم . ومنها: باب الصابرين لله على المصائب، المحتسبين الذين يقولون عند (٢) من ( ح )) . (١) من ((ح)) وفي ((الأصل)): فمن الأربعة الباقية. (٣) من ((ح)) وفي ((الأصل)): بن أبي إسحاق . خطأ. (٤) من ((ح)) وفي ((الأصل)): من الثلاثة الباقية. - ١٧ - نزولها : ﴿ إنا لله وإنا إليه راجعون ﴾ (١) الآية ، ومنها: باب الحافظين فروجهم والحافظات المستعفين بالحلال عن الحرام ، وغير المتبعين للشهوات ، ووجه الإنفاق في ذلك : الصداق والوليمة والإطعام حتى اللقمة يضعها في فيٌّ امرأته والله أعلم بحقيقة الثلاثة الأبواب . فإن قيل : فإذا جاز أن يسمى استعمال الجسم في طاعة الله نفقة ، فيجوز أن يدخل في معنى الحديث (( من أنفق نفسه في سبيل الله فاستشهد وأنفق كريم ماله)) ؟ قيل : نعم وهو أعظم أجرًا من الأول ويدل على ذلك ما رواه سفيان عن الأعمش ، عن أبي سفيان ، عن جابر قال: (( قال رجل : يا رسول الله ، أي الجهاد أفضل ؟ قال: أن يعقر جوادك ويهراق دمك » . ( قال عبد الواحد: ) (٢) فإن قيل: هل يدخل في ذلك صائم رمضان، والمزكي لماله ، ومؤدي الفرائض؟ قيل: المراد بالحديث النوافل وملازمتها والتكثير منها ، فذلك الذي يستحق أن يدعى من أبوابها [لقوله: ((فمن كان من أهل كذا)) ] (٣). قال المهلب : قول أبي بكر : ما على أحد يدعى من تلك الأبواب [من] (٣) ضرورة ، يريد أنه من لم يكن إلا من أهل خصلة واحدة من هذه الخصال ، ودعي من باب تلك الخصلة ، فإنه لا ضرورة عليه ؛. لأن الغاية المطلوبة دخول الجنة . وقوله : (( هل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها ؟ قال : نعم )) يريد أن من كان من أهل الصلاة والجهاد والصيام والصدقة أنه يدعى منها كلها ، فلا ضرورة عليه في دخوله من أي باب شاء ، لاستحالة دخوله منها کلها معا، ولا يصح دخوله إلا من باب واحد، ونداؤه منها كلها إنما هو على سبيل الإكرام والتخيير له في الدخول من أيها شاء . (١) البقرة : ١٥٦ . (٣) من ( ح )) (٢) ليس في ( ح )). - ١٨ - ( قال عبد الواحد : ) (١) وفيه أن أعمال البر [ كلها ] (٢) يجوز أن يقال فيها [ في ] (٢) سبيل الله ولا يخص بذلك الجهاد وحده . # باب : هل یقال رمضان أو شهر رمضان ومن رأى ذلك [ كله](٢) واسعًا، وقال عليه السلام: ((من صام رمضان )) وقال: (( لا تقدموا رمضان )) فيه: أبو هريرة قال: قال النبي - عليه السلام -: ((إذا (جاء)(٣) رمضان فتحت أبواب السماء ، وغلقت أبواب جهنم ، وسلسلت الشياطين)) . وفيه: ابن عمر قال: قال النبي - عليه السلام -: (( إذا رأيتموه فصوموا ، وإذا رأيتموه فأفطروا ، فإن غم عليكم فاقدروا له )) يعني هلال رمضان . قال ابن النحاس : كان عطاء ومجاهد يكرهان أن يقال : رمضان ، قالا : وإنما نقول ما قال الله - تعالى - : ﴿شهر رمضان ﴾ (٤) لأنا لا ندري لعل رمضان اسم من أسماء الله . قال: وهذا قول ضعيف ؛ لأنا [ وجدنا ] (١) النبي - عليه السلام- قال : ((رمضان)) بغير شهر، فقال: (( من صام رمضان )) و(( لا تقدموا رمضان)) والأحاديث كثيرة في ذلك. وأبواب السماء في هذا الحديث يراد بها أبواب الجنة بدليل قوله في الحديث : ((وغلقت أبواب جهنم)) وقد تبيّن هذا المعنى في رواية مالك عن عمه أبي سهيل بن مالك ، عن أبيه ، عن أبي هريرة أنه قال : (١) ليس في ( ح)). (٣) في (( ح)): دخل . (٢) من ( ح)). (٤) البقرة : ١٨٥. - ١٩ - رمضان فتحت أبواب الجنة ، وغلقت أبواب النار، وصفدت الشياطين» وهذا حجة [ في أن الجنة ] (١) في السماء، [وتأول ] (٢) العلماء في قوله: (( فتحت أبواب الجنة وسلسلت الشياطين )) معنيين : أحدهما أنهم يسلسلون على الحقيقة ، فيقل أذاهم ووسوستهم ، ولا يكون ذلك منهم كما هو في ( غير ) (٣) رمضان ، وفتح أبواب الجنة على ظاهر الحديث . والثاني على المجاز ، ويكون المعنى في فتح [ أبواب ] (٤) الجنة ما فتح الله على العباد فيه من الأعمال المستوجب بها الجنة من الصلاة والصيام وتلاوة القرآن ، وأن الطريق إلى الجنة في رمضان [ أسهل](٥). والأعمال فيه أسرع إلى القبول ، وكذلك أبواب النار تغلق بما قطع عنهم من المعاصي ، وترك الأعمال المستوجب بها النار ، ولقلة ما يؤاخذ الله العباد بأعمالهم السيئة، يستنقذ منها ببركة الشهر [أقوامًا](٦) ويهب المسيء للمحسن ، ويتجاوز عن السيئات ، فهذا معنى الغلق [٣٣٥/٢-ب] / وكذلك قوله: ((سلسلت الشياطين)) يعني أن الله يعصم فيه المسلمين أو أكثرهم في الأغلب عن المعاصي والميل إلى وسوسة الشياطين وغرورهم ، ذكره الداودي والمهلب .. واحتج المهلب لقول من جعل المعنى على الحقيقة فقال : ويدل على ذلك ما يذكر من تغليل الشياطين ومردتهم بدخول أهل المعاصي كلها في رمضان في طاعة الله ، والتعفف عما كانوا عليه من الشهوات ، وذلك دلیل بیّن . (١) من ( ح)). (٢) من ((ح)) وفي ((الأصل)): تأويل. (٣) ليس في (( ح)). (٤) من (( ح)) وفي ( الأصل)) : باب . (٥) من (( ح)) وفي ((الأصل)) : سهل. (٦) من ((ح)) وفي ((الأصل)): قومًا . ٢٠٠ -