Indexed OCR Text

Pages 401-420

خمس أواق من الورق صدقة)) إلا أن قوله عليه السلام: ((من آتاه
الله مالا فلم يؤد زكاته )» يدخل في عمومه الذهب والفضة بالدليل ،
وإنما لم ترو زكاة الذهب من طريق النص عن النبي عليه السلام -
والله أعلم - لكثرة الدراهم بأيديهم ، وأن بها كان تجارتهم ، ولقلة
الذهب عندهم ، وكان صرف الدينار حينئذ عشرة دراهم ، فعدل
المسلمون بخمس أواق من الفضة عشرين مثقالا ، وجعلوه نصاب
[زكاة الذهب] (١) وتواتر العمل به (وعليه جماعة) (٢) العلماء أن
الذهب إذا كانت عشرين مثقالا وقيمتها مائتا درهم [ أن ] (٣) فيها
[الزكاة] (٣) نصف دينار إلا ما اختلف فيه عن الحسن أنه [ قال] (٣):
ليس فيما دون أربعين دينارًا زكاة وهو شذوذ لا يلتفت إليه .
( وذهبت ) طائفة إلى أن الذهب إذا بلغت قيمتها مائتي درهم ففيها
( ربع العشر ) (٤) وإن كان أقل من عشرين مثقالا ، وهذا قول عطاء
وطاوس والزهري . واختلفوا في تأويل قوله عليه السلام [ في
الإبل](٣): ((ومن حقها أن تحلب على الماء)) فذهبت طائفة إلى أن في
المال حقا سوى الزكاة . وقال أبو هريرة: ((حق الإبل أن تنحر
السمينة ، وتمنح الغزيرة ، وتقعد الظهر ، و( يضرب ) (٥) الفحل
و(يسقى) (٦) اللبن ، وتأولوا في قوله تعالى : ﴿والذين في أموالهم
حق معلوم للسائل والمحروم﴾ (٧) فقالوا: ( مثل) (٨) فك العاني ،
وإطعام الجائع الذي يخاف ذهاب نفسه ، والمواساة في المسغبة
(١) من ((ح)) وفى ((الأصل)): الزكاة.
(٢) في (( ح)): وأجمع .
(٣) من (( ح)).
(٤) من ((ح)) وحاشية (( الأصل)) وفي ((الأصل)) : زكاة.
(٥) في (( ح)) : تطرق.
(٧) المعارج : ٢٤ - ٢٥ .
(٦) في ( ح)): تسقي.
(٨) في (( ح)): منها .
- ٤٠١ -

والعسرة . وهو قول الحسن البصري ، والشعبي [ وعطاء ] (١)
وطاوس ، وتأول مسروق في قوله تعالى : ﴿ سيطوقون ما بخلوا به :
يوم القيامة﴾ (٢) قال: هو الرجل يرزقه الله المال، فيمنع قرابته
صلته ، فيجعل حية يطوقها ، وأكثر العلماء على أن ذلك كله في
الزكاة المفروضة ، ولا حق عندهم في المال سوى الزكاة ، وتأولوا
قوله عليه السلام: (( ومن حقها أن تحلب على الماء)) . أن ذلك حق
في كرم المواساة ، وشريف الأخلاق لا أن ذلك فرض ، والحجة لهم
قوله عليه السلام: (( من كان له مال فلم يؤد زكاته مثل له .. )) .
والزكاة لا يفهم منها إلا زكاة الفرض، وقد بين النبي ◌َ﴾ قوله:
[٢/ ٣٥- ] ﴿سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة﴾ (٢) أنه جاء في مانع الزكاة / أ
وفي هذا الحديث خلاف تأويل مسروق ، وقد انتزع ابن مسعود بهذه
الآية في مانع الزكاة أيضًا ..
قال إسماعيل بن إسحاق : الحق المفترض هو الموصوف المحدود ،
وقد تحدث أمور لا تحدّ ولا يحدّ لها [ وقت ] (١) فتجب بها المواساة
للضرورة التي تنزل من ضيف مضطر ، أو جائع يعلم ( أنه مضطر )(٣)
أو غاز [ مثله ] (٤) أو ميت ليس له من يواريه فيجب حينئذ على من
يمكنه المواساة التي يزول بها [ حد ] (٥) الضرورة .
والشجاع : الحية [ الذي ] (٦) يقوم على ذنبه ، وربما بلغ رأس
الفارس ، والزبيبتان نقطتان منتفختان في شدقيه كالرغوة، يقال : إنهما
(١) من (( ح)).
(٢) آل عمران: ١٨٠.
(٣) في (( ح)): اضطراره. (٤) من ((ح)) وفى ((الأصل)): مضطر.
(٥) من ((ح)) وفي (( الأصل)): حق .
(٦) من (( ح)) وفي ((الأصل)): التي، ولعل الصواب: ((الذِّكَر الذي »، راجع
لسان العرب (١٧٤/٨)، وسيأتي ما يدل عليه قريبًا .
- ٤٠٢ -

( يبرزان ) (١) حين يهيج ويغضب . وقيل : إنهما نقطتان سوداوان
على عينيه ، وهي علامة الحية الذكر المؤذي . وقيل : الأقرع الذي
ابيض رأسه من كثرة السم .
[ وقوله: ((لها يعار))] (٢) قال صاحب (الأفعال) (٣):
اليعار: صوت المعزى ، وقد يعرت تيعر ، واليعر : الجدي ،
واليعور: الشاة التي تبول على حالبها وتَبْعَرُ فيفسد اللبن (٤) . وثغت
الشاة تثغو ثغاءً، ورغا البعير رُغاءً: صاح .
باب : ما أدی ز کاته فلیس بکنز
لقول الرسول: (( ليس فيما دون خمس أواق صدقة».
فيه : ابن عمر أنه قال له أعرابي : أخبرني عن قول الله - تعالى - :
﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ﴾ (٥) قال ابن عمر : من كنزها فلم
يؤد زكاتها فويل له ، إنما كان هذا قبل أن تنزل الزكاة ، فلما نزلت جعلها
الله طهراً للأموال .
وفيه : أبو سعيد قال عليه السلام: (( ليس فيما دون خمس أواق
صدقة ، وليس فيما دون خمس ذود صدقة ، وليس فيما دون خمسة
أوسق صدقة )) .
وفيه : زيد بن وهب (( مررت بالربذة ، فإذا أنا بأبي ذر ، فقلت : ما
أنزلك منزلك هذا ؟ قال : كنت بالشام فاختلفت أنا ومعاوية في هذه
جـ
(١) في (( ح)) : يبدوان.
(٣) في (( ح)): العين .
(٢) من ( ح)).
(٤) انظر: لسان العرب (٣٠١/٥ - ٣٠٢) مادة: يعر. (٥) التوبة: ٣٤.
- ٤٠٣ -

الآية: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله﴾(١).
قال معاوية : نزلت في أهل الكتاب ، فقلت : نزلت فينا وفيهم ، فكان
بيني وبينه في ذلك ، فكتب إلى عثمان يشكوني ، فكتب إليّ عثمان : أن
اقدم المدينة . فقدمتها فکثر علي الناس حتی کأنهم لم يروني قبل ذلك ،
فذكرت ذلك لعثمان ، قال : إن شئت تَنَحْيت فكنت قريبًا . فذاك أنزلني
هذا المنزل، ولو أمَّروا عليَّ حبشيا لسمعت وأطعت )).
[ وفيه: الأحنف ] (٢) (( قال : جلست إلى ملأ من قريش ، فجاء رجل
[خشن ] (٣) الشعر والثياب والهيئة ، حتى قام عليهم فسلم ثم قال :
بشر الكانزين برَضف يحمى عليهم في نار جهنم، ثم يوضع على حلمة
ثدي أحدهم حتی یخرج من نُغض کتفه فیتزلزل . ثم ولی ، فجلس إلى
سارية ، فتبعته وجلست إليه ولا أدري من هو ، قلت : لا أرى القوم إلا
قد كرهوا مقالتك ، قال : إنهم لا يعقلون شيئًا ، قال لي خليلي رسول الله
رَ * : « يا أبا ذر [أتبصر] (٤) أُحُدًا؟ فنظرت إلى الشمس ما بقي من
النهار، وأنا أرى أن النبي - عليه السلام - يرسلني في حاجة . قلت:
نعم. قال : ما أحب أن لي مثل أُحُد ذهبًا أنفقه كله إلا ثلاثة دنانير ، وإن
هؤلاء لا يعقلون ، إنما يجمعون للَّدنيا ، لا والله لا أسألهم دنيا ، ولا
أستفتیهم عن دین حتى ألقى الله )) .
قال الطبري: الكنز في كلام العرب كل شيء مجموع بعضه (إلى)(٥)
بعض في بطن الأرض كان أو على ظهرها، ولذلك تقول العرب للشيء
المجتمع : مكتنز لانضمام بعضه إلى بعض ، ومنه قول الهُذكي (٦):
(١) التوبة : ٣٤.
(٢) من (( ح)) .
(٣) من ((ح)) وهي رواية الأكثر من رواة الصحيح، وفي ((الأصل)): حسن ،
وهي رواية القابسي، قال الحافظ فى ((الفتح)) (٣٢٤/٣): والأول أصح .
(٤) من (( ح)) وفي ((الأصل)): تبصر.
(٦) انظر لسان العرب (٤٠٢/٥) مادة: ((كنز)).
(٥) في ( ح)): على
- ٤٠٤ -

لا دَرَّ دَرِّيَ إن أطعمت نازلكم
قِرْفَ الْحَتِيِّ ، وعندي البُرُّ مكنوز
الحتي : سويق المقل .
و[اختلف] (١) السلف في معنى الكنز ، فقال بعضهم : هو كل
مال وجبت فيه الزكاة فلم تؤد زكاته ، وقالوا: معنى قوله تعالى :
﴿ولا ينفقونها في سبيل الله﴾ (٢) لا يؤدون زكاتها. وهذا قول عمر ،
وابن عمر ، وابن عباس و[ عبيد ] (٣) بن عمير ، وجماعة.
وقال آخرون : الكنز ما زاد على أربعة آلاف درهم فهو كنز، وإن
أديت زكاته . رواه جعدة بن هبيرة عن علي بن أبي طالب قال : أربعة
آلاف فما دونها نفقة ، وما كان أكثر من ذلك فهو كنز ، وقال
(غيره) (٤) : الكنز ما فضل عن حاجة صاحبه ( إليه ) (٥). وهذا
مذهب أبي ذر . روي أن نصل سيف أبي هريرة كان من فضة فنهاه
عنه أبو ذر، قال: إن رسول الله وَ 0 قال: ((من ترك / صفراء أو [٢/ ٥ ٣-ب]
بيضاء كوي بها )) .
[ و] (٦) اتفق أئمة الفتوى على قول (عُمر ) (٥) وابن عمر ،
وابن عباس ، واحتج له الطبري بنحو ما نزع ( به ) (٧) البخاري ،
فقال : الدليل على أن كل ما أديت زكاته فليس بكنز إيجاب الله -
تعالى - على لسان رسوله في خمس أواق ربع عشرها ، فإذا كان
ذلك فرض الله (تعالى على لسان رسوله)(٥)، فمعلوم أن (الكثير)(٨)
(١) من (( ح))، وفي (( الأصل)): واختلفت.
(٣) من (( ح))، وفي ((الأصل)): عتبة . خطأ .
(٢) التوبة : ٣٤ .
(٤) في (( ح) : آخرون.
(٦) من ( ح)).
(٥) ليس في ( ح)) .
(٧) في ((الأصل)): له، والمثبت من (( ح)).
(٨) في ((الأصل و((ح)) كأنها: الكنز . وهو تصحيف.
- ٤٠٥ -

[ من ] (١) المال، وإن بلغ (ألوفًا) (٢) إذا أديت زكاته فليس بكنز ،
ولا يحرم على صاحبه اكتنازه ؛ لأنه لم يتوعد الله عليه بالعقاب ،
وإنما توعد الله بالعقاب على [ كل ] (٣) مال لم تؤد زكاته، وليس
في القرآن بيان كم ذلك القدر من الذهب والفضة [ الذي ] (٣) إذا
جمع بعضه إلى بعض استحق جامعه الوعيد ، فكان معلومًا أن بيان
ذلك إنما يؤخذ ( من وقف) (٤) رسول الله وَلهو وهو ما بيناه أنه المال
الذي لم يؤد حق الله منه من الزكاة دون غيره من المال .
قال غيره : وإنما كتب معاوية إلى عثمان يشكو أبا ذر ؛ لأنه كان
كثير الاعتراض عليه والمنازعة له ، وكان وقع في جيشه تشتيت من ميل
[ بعضهم ] (٣) إلى قول أبي ذر، فلذلك [ أقدمه ] (٥) عثمان إلى
المدينة ؛ إذ خشي الفتنة في الشام ببقائه ؛ لأنه كان رجلا ( شديدًا
لا يخاف في الله ) (٦) لومة لائم .
قال المهلب : وكان هذا توقيرًا من معاوية لأبي ذر [ حين ] (٣)
كتب إلى السلطان الأعلى يستجلبه ، وصانه معاوية من أن يخرجه
فتكون عليه وصمة .
وقد ذكر الطبري : أنه حين كثر الناس عليه بالمدينة يسألونه عن
سبب خروجه من الشام ، خشي عثمان من التشتيت بالمدينة ما خشيه
معاوية بالشام ، فقال له : تنح قريبًا . فقال: إني والله لن أدع ما
كنت أقوله [ فسار إلى الربذة، وبينها وبين المدينة ثلاثة أيام ] (٣).
(١) في (( الأصل)) : هو.
(٢) في ((ح)): ألوفٌ.
(٤) في (( ح)): بوقف .
(٣) من ( ح)).
(٥) من (( ح)):، وفي: ((الأصل)) : قدمه .
(٦) في (( ح)): شديدًا في الله لا يخاف فيه .
- ٤٠٦ -

وفي هذا من الفقه أنه جائز للإنسان الأخذ بالشدة في الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر ، وإن أدى ذلك إلى فراق وطنه .
وفيه : أنه جائز للإمام أن يخرج من توقع ببقائه وقوع فتنة بين
الناس. وفيه ترك الخروج على الأئمة ، والانقياد لهم ، وإن كان
الصواب في خلافهم .
وفيه جواز الاختلاف والاجتهاد في الآراء ؛ ألا ترى أن عثمان ومن
كان بحضرته من الصحابة لم يردوا أبا ذر عن مذهبه ، ولا قالوا له :
إنه لا يجوز لك اعتقاد قولك ؛ لأن أبا ذر نزع بحديث النبي - عليه
السلام - واستشهد به ، وذلك قوله عليه السلام: ((ما أحب [أن](١)
لي مثل أُحُدٍ ذهبًا أنفقه كله إلا ثلاثة دنانير)). وكذلك حين أنكر على
أبي هريرة نصل سيفه استشهد على ذلك بقوله - عليه السلام - : ((من
ترك صفراء أو بيضاء كوي بها )) .
وهذا حجة في أن الاختلاف في العلم باق إلى يوم القيامة ، لا
يرتفع إلا ( بإجماع ) (٢).
وقد روى ابن أبي شيبة عن محمد بن [ بشر ] (٣) حدثنا سفيان ،
عن المغيرة بن النعمان، عن عبد الله بن الأقنع الباهلي(٤)، عن الأحنف
ابن قيس قال : (( كنت جالسًا في مسجد المدينة فأقبل رجل لا تراه
حلقة إلا فروا منه حتى انتهى إلى الحلقة التي كنت فيها ، فَثَبَتُّ وفروا
فقلت: (على) (٥) ما يفر الناس منك ؟ قال: إني أنهاهم عن الكنوز.
قلت: إن أعطياتنا قد ارتفعت وكثرت فتخاف علينا منها ؟ قال : أما
اليوم فلا، ولكنها توشك أن تكون أثمان دينكم ، فدعوهم وإياها)) .
(١) من (( ح)).
(٢) في (( ح)): بالإجماع .
(٣) من (( ح)) وترجمة محمد هذا في تهذيب الكمال (٢٤/ ٥٢٠)، وفي (الأصل)):
بشير . خطأ .
(٤) هو عبد الله بن يزيد بن الأقنع الباهلي ، يروي عن الأحنف بن قيس ، وبروي
عنه المغيرة بن النعمان كما في تهذيب الكمال (٤٠٤/٢٨) وغيره .
(٥) ليست في ( ح)).
- ٤٠٧ -

وقال المهلب: [ و] (١) في قوله: ((بشر الكانزين برضف)).
وجوب ( مبادرة ) (٢) إخراج الزكاة عند (حولها ) (٣) والتحذير من
تأخيرها .
وقوله: (( فنظرت إلى الشمس ما بقي من النهار)) فهو [ مثل ] (١)
لتعجيل الزكاة ، يريد : ما أحب أن أحبس ما أوجبه الله [ وحَلَّ
وقته](١) بقدر ما بقي من النهار . والرضف : الحجارة المحماة .
والنغض : ( الغضروف ) (٤) من الكتف . الخطابي : نغض الكتف :
فرغه ، وسمي نغضا ؛ لأنه ينغض من الإنسان إذا أسرع . أي :
يتحرك . ومنه يقال: ( نغض ) (٥) الرجل رأسه ، إذا حركه . ومنه
قوله تعالى : ﴿فسينغضون إليك رءوسهم﴾ (٦).
#
باب : إنفاق المال في حقه
فيه: ابن مسعود قال: سمعت النبي وَلّ يقول: ((لا حسد إلا في
[اثنتين] (٧): رجل آتاه الله مالا [فسلطه ] (٨) على هلكته في الحق ،
ورجل آتاه الله حکمة فهو يقضي بها ويعلمها )» .
( قال بعض أهل العلم ) (٩) : إنفاق المال في حقه ينقسم ثلاثة
أقسام : فالأول أن ينفق على نفسه ، وأهله ، ومن تلزمه ( نفقته) (١٠)
غير مقتر عما يجب لهم ، ولا مسرف في ذلك ، كما قال تعالى :
(١) من ( ح)).
(٣) في (( ح)): محلها .
(٢) ليست في ( ح)).
(٤) في ((الأصل، ح)) : الغرضوف - كذا .
(٦) الإسراء : ٥١ .
(٥) في (( ح)): أنغض.
(٧) من (( ح)) وفي ((الأصل)): اثنين.
(٨) من ( ح)) وفي ((الأصل))؛ فسلطته - كذا.
(٩) ليس في ( ح)).
(١٠) في (( ح)): النفقة عليه .
- ٤٠٨ -

والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قوامًا ﴾ (١)
وهذه النفقة أفضل من الصدقة ، ومن جميع النفقات ؛ لقوله عليه
السلام: ((إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى
اللقمة تضعها فِي / فيّ امرأتك )).
[٢/ ق٤- ١]
وقسم ثان : وهو أداء الزكاة ، وإخراج حق الله - تعالى - لمن
وجب له . وقد قيل : من أدى الزكاة فقد سقط عنه اسم البخل .
وقسم ثالث : وهو صلة الأهل [ البعداء ] (٢) ومواساة الصديق ،
وإطعام الجائع ، وصدقة التطوع كلها فهذه [ نفقة ] (٣) مندوب إليها
مأجور عليها ؛ لقوله عليه السلام: (( الساعي على الأرملة واليتيم
كالمجاهد في سبيل الله )).
فمن أنفق في هذه الوجوه الثلاثة فقد وضع المال [ في ] (٣)
موضعه، وأنفقه في حقه ، ووجب حسده ، وكذلك من آتاه الله
[حكمته ] (٤) فعلمها فهو وارث منزلة النبوة ؛ لأنه يموت ، ويبقى له
أجر من علَّمه ، وعمل بعلمه إلى يوم القيامة ، فينبغي لكل مؤمن أن
يحسد من هذه حاله ، والله يؤتي فضله من يشاء .
باب : الرياء في الصدقة
لقوله تعالى : ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن
والأذى﴾(٥) الآية .
وقال ابن عباس : صلدًا : ليس عليه شيء .
والرياء يبطل الصدقة وجميع الأعمال ؛ لأن المرائي إنما يعمل من
(١) الفرقان : ٦٧ .
(٣) من (( ح)).
(٥) البقرة : ٢٦٤ .
(٢) من (( ح)) وفى (( الأصل)): البعيد .
(٤) من (( ح)) وفي ((الأصل)): حكمه - كذا .
- ٤٠٩ -

أجل الناس ليحمدوه على عمله ، فلم يحمده الله - تعالى - حين
رضي بحمد الناس عوضًا ( عن ) (١) حمد الله وثوابه ، وراقب الناس
دون ربه ، ولذلك قال عليه السلام عن الله - عز وجل - : (( من
عمل عملاً أشرك فيه [ معي ] (٢) غيري فهو له ، وأنا أغنى الشركاء
عن الشرك)) . وجاء في الحديث أن الرياء الشرك الأصغر . وكذلك
المن والأذى يبطلان الصدقة ؛ لأن المنان بها لم ( يتق ) (٣) الله فيها ،
ولا أخلصها لوجهه تعالى ، ولا ينفع [ عمل ] (٤) بغير نية ، لقوله
عليه السلام: ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لامرئ ما نوى )) وكذلك
المؤذي لمن تصدق عليه يبطل إثمُ الأذى أجرَ الصدقة ، وقد نهى الله -
تعالى - عن انتهار السائل ، فما فوق ذلك من الأذى أَدْخَلُ في
النهي، والله أعلم .
( قال عبد الواحد ) (٥) : كان ينبغي للبخاري - رحمه الله - أن
يخرج في هذا الباب قوله عليه السلام: (( إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها
وجه الله إلا أجرت عليها ... )) الحديث . فهو يشبه التبويب؛ لأن من
ابتغى وجه الله يسلم من الرياء ، وابتغاء غير وجه الله هو عين الرياء .
باب : ( لا تقبل ) (٦) صدقة من غُلول [ ولا تقبل إلا من
كسب طيب ] (٢)
لقوله تعالى : ﴿ قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها
أذى ﴾ (٧) الآية .
۔۔
(١) في (( ح)): من.
(٣) في (( ح)) كأنها : ينو
(٥) لیست في ( ح )) .
(٧) البقرة : ٢٦٣ .
(٢) من (( ح)).
(٤) من (( ح)) وفي (( الأصل)): عملا.
(٦) في (( ح)): لا يقبل الله.
- ٤١٠ -
۔۔

( استدلال البخاري بهذه الآية صحيح ) (١) وذلك أنه لما كان حرمانٌ
السائل ، والقولُ المعروف والاستغفارُ له [ خيراً] (٢) من صدقة يتبعها
أذى ، صَحَّ وثَّبَتَ أن الصدقة إذا كانت من غلول أنها غير متقبلة ؛ لأن
الأذى للمسلمين في الغلول أشد عند الله من أذى المتصدَّق عليه وحده.
( قال عبد الواحد ) (٣): كان ينبغي للبخاري أن يخرج في هذا
الباب قوله تعالى : ﴿أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من
الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ﴾ (٤) فهو أليق بالترجمة ،
والحديثُ الذي خرجه في الباب بعد هذا وهو قوله عليه السلام: ((من
تصدق بصدقة من كسب طيب ... )) يصلح فيه .
باب : الصدقة من کسب طیب
لقوله تعالى: ﴿ويربي الصدقات﴾ (٥) الآية .
[ فيه ]: (٦) أبو هريرة: قال عليه السلام: ((من تصدق بعدل تمرة من
كسب طيب - ولا يقبل الله إلا الطيب - فإن الله يتقبلها بيمينه ، ثم
یربیھا لصاحبها کما یربی أحدكم فلوه [ أو فصیله ] (٧) حتی تکون مثل
الجبل)) .
قوله تعالى : ﴿ ويربي الصدقات ﴾ (٥) يعني : يضاعف أجرها
لربها وينميها ؛ ألا ترى قوله عليه السلام: ((ثم يربيها كما يربي
(١) في (( ح)): إن قيل : ما وجه استدلال البخاري بهذه الآية في هذا الكتاب ؟
قيل : وجه ذلك أنه لما كان ...
(٢) من (( ح)) وفي (( الأصل)): خير.
(٣) ليست في ( ح)).
(٥) البقرة : ٢٧٦ .
(٤) البقرة : ٢٦٧ .
(٦) في ((الأصل)): قال.
(٧) من ( ح )).
- ٤١١ -

أحدكم فلوه [ أو فصيله ] (١) ولما كان الربا قد أخبر الله أنه يمحقه ؛
لأنه حرام دلت الآية أن الصدقة [ التي ] (٢) تربو وتتقبل لا تكون إلا
من غير جنس الممحوق ، وذلك الحلال ، وقد بين ذلك عليه السلام
بقوله : (( ولا يقبل الله إلا الطيب)).
وقال ابن الأنباري : الزكاة في اللغة أصلها الزيادة ، سميت بذلك؛
لأنها تزيد في المال [ الذي ] (٣) يخرج منه . يقال : زكا الشيء
[٢/ ق٤ -ب) زكاة، إذا زاد، والزكا بالقصر معناه : زوجان ذكر وأنثى، أو شيئان/.
مصطحبان يجريان مجرى الذكر والأنثى ، والمراد بِذِكْرِ اليمين في هذا
الحديث : التحفي بالصدقة ، والرضا عنها ، والحض عليها ، والله -
تعالى - لا يوصف بالجوارح فيكون له يمين وشمال (٤) . قال أبو بكر:
ابن فورك : المراد بوصف الله - تعالى - باليمين أنه لما وصف
باليدين، ويد الجارحة تكون إحداهما يمينا ، والأخرى شمالا ،
واليسرى تنقص أبدًا في الغالب عن اليمين في القوة ، والبطش عرفنا
النبي - عليه السلام - بقوله: ((وكلتا يديه يمين)) كمال صفة الله -
تعالى - أنه لا نقص فيها ، وأن ما وصف به من اليدين ليس كما
يوصف به ذو ( الجارحة ) (٥) التي تنقص مياسره عن ميامنه .
(١) من (( ح)).
(٢) من ((ح) وفي ((الأصل)) : الذي .
(٣) من (( ح)) وفي ((الأصل)): التي.
(٤) هذا التأويل وما بعده ليس له وجه وابن فورك متجهم ، والصواب إجراء
الحديث على ظاهره ، وهذه التأويلات من عقيدة الأشاعرة ، وأما عقيدة أهل
السنة والجماعة : الإيمان بما جاء في كتاب الله والسنة الصحيحة من أسماء الله
وصفاته ، وإثبات ذلك لله على وجه الكمال مع تنزيهه تعالى عن مشابهة
المخلوقات ، وهذا هو الحق الذي لا يجوز العدول عنه . وفي هذا الحديث
دلالة على إثبات اليمين لله سبحانه، وعلى أنه يقبل الصدقة عن الكسب الطيب،
ويضاعفها [ وانظر تعليق الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز على الحديث في
هامش الفتح (٣٢٩/٣)] .
(٥) في (( ح)) : الجوارح.
- ٤١٢ -

باب : الصدقة قبل الرد
فيه : حارثة بن وهب قال : سمعت النبي - عليه السلام - يقول :
(«تصدقوا ؛ فإنه يأتي عليكم زمان يمشي الرجل بصدقته فلا يجد من
يقبلها ، فيقول الرجل : لو جئت بها بالأمس لقبلتها ، فأما اليوم فلا حاجة
لي بها )).
وفيه: أبو هريرة قال: قال رسول الله قالفيه: ((لا تقوم الساعة حتى يكثر
فیکم المال فیفیض حتی یُهِم (١) رب المال من يقبل صدقته ، وحتى
يعرضه فيقول الذي يعرضه عليه : لا أَرَبَ لي فيه)) .
وفيه: عدي (بن حاتم يقول) (٢): (( كنت عند النبي - عليه السلام-
فجاءه رجلان أحدهما يشكو العيلة ، والآخر يشكو قطع السبيل . فقال
رسول الله في : أما قطع السبيل فإنه لا يأتي عليك إلا قليل حتى تخرج
العير إلى مكة بغير خفير ، وأما العيلة فإن الساعة لا تقوم حتى يطوف
أحدکم بصدقته فلا يجد من يقبلها منه ، ثم ليقفن أحدکم بين يدي الله
ليس بينه وبينه حجاب ولا ترجمان يترجم له ثم ليقولن له : ألم أوتك
مالا ؟ فليقولن : بلى . ثم ليقولن : ألم أرسل إليك رسولا ؟ فليقولن:
بلی . فینظر عن يمينه فلا یری إلا النار ، ثم ينظر عن شماله فلا یری إلا
النار . فليتقين أحدكم النار ، ولو بشق تمرة ؛ فإن لم يجد فبكلمة طيبة )).
وفيه : أبو موسی قال : قال عليه السلام : « لیأتین على الناس زمان
يطوف الرجل فيه بالصدقة من الذهب فلا يجد من يقبلها . ويرى الرجل
الواحد يتبعه أربعون امرأة يَلُذْنَ به، من قلة الرجال وكثرة النساء )).
(١) أهمه الأمر: أقلقه، انظر الفتح (٣٣١/٣) وسيأتي شرحه.
(٢) ليست في ( ح)).
- ٤١٣ -

فقه هذا الباب : الحض على الصدقة ، والترغيب [ فيها ] (١) ما
وُجد أهلها المستحقون لها ، خشية أن يأتي الزمان الذي لا يوجد فيه
من يأخذ الصدقة ، وهو زمان كثرة المال وفيضه ، قرب الساعة .
وفي قوله: ((فليتقين أحدكم النار ولو بشق تمرة)) [ حض ] (٢)
على القليل من الصدقة .
وقوله: (( فإن لم يجد فبكلمة طيبة)) [ حض ] (٢) أيضًا على أن لا
يحقر شيئًا من الخير بالقول والفعل، وإن قَلَّ ذلك [وإذا] (٣) كانت
الكلمة الطيبة يتقى بها النار ، فالكلمة الخبيثة يستوجب بها النار .
وقوله عليه السلام : (( يرى الرجل الواحد يتبعه أربعون امرأةٍ يَلُذْنَ
به من قلة الرجال ، وكثرة النساء )) فهذا والله أعلم يكون عند ظهور
الفتن ، وكثرة القتل في الناس ، وهذا كله من أشراط الساعة .
... --
قال المهلب : وقوله عليه السلام في حديث عدي : (( ليقفن أحدكم
بين يدي الله ليس بينه وبينه حجاب )) فإنما هذا على ( جهة ) (٤)
التمثيل ليفهم ( الخطاب ) (٥) لأن الله - تعالى - لا يحيط به شيء ،
ولا يحجبه حجاب ، تعالى الله عن ذلك ، وإنما يستتر تعالى عن
أبصارنا بما وضع فينا من الحجب ، والضعف عن الإدراك لنوره في
الدنيا ، فإذا كان في الآخرة ، وكشف تلك الحجب عن أبصارنا
فقواها حتى تدرك معاينة ذاته كما قال عليه السلام: (( ترون ربكم كما
ترون القمر ليلة البدر)).
(١) من (( ح)).
(٣) من ((ح)) وفي (( الأصل)): إذ.
(٤) في ( ح )) : وجه
(٢) من ( ح)) وفي ((الأصل)): حضًا.
(٥) في (ح)): المخاطب.
- ٤١٤ -

وقوله : حتى يهم رب المال من ( يقبل ) (١) صدقته)) قال
صاحب العين : يقال : أهمني الأمر مثل أغمني ، وهمني هما :
(رابني) (٢).
وقوله : (( بغير خفير)) فالخفير : المجير ، والخفارة : الذمة .
##
باب : اتقوا النار ولو بشق تمرة
والقليل من الصدقة
﴿ ومثل الذين ينفقون أموالهم ﴾ إلى قوله: ﴿ فيها من كل
الثمرات﴾ (٣) .
فيه. [ أبو ] (٤) مسعود قال: (( لما نزلت آية الصدقة كنا نُحاملُ، فجاء
رجل فتصدق ( بشيء كثير، فقالوا : مرائي . وجاء رجل ) (٥) بصاع ،
فقالوا : إن الله / لغني عن صاع هذا. فنزلت: ﴿الذين يلمزون [٢/ف٥-١]
المطوعين من المؤمنين في الصدقات ﴾ الآية (٦).
قال أبو مسعود: ((كان النبي ◌َّ إذا أمرنا بالصدقة انطلق أحدنا إلى
السوق فيحامل ، فيصيب المد، وإن لبعضهم اليوم لمائة ألف)).
وفيه : عدي سمعت النبي - عليه السلام - يقول: (( اتقوا النار ولو
بشق تمرة )» .
وفيه : عائشة : (( دخلت امرأة ومعها ابنتان لها تسأل ، فلم تجد عندي
(١) في ( ح)) : يقبض .
(٢) (( ح)): أرابني.
(٣) البقرة : ٢٦٥ - ٢٦٦ .
(٤) من (( ح، النسخة اليونينية)) وفي ((الأصل)): ابن. وهو تحريف.
(٥) ليست في ( ح ))
(٦) التوبة : ٧٩ .
- ٤١٥ -

شيئًا غير تمرة ، فأعطيتها إياها ، فقسمتها بين ابنتيها ، ولم تأكل منها ، ثم
قامت فخرجت .، فدخل النبي - عليه السلام - علينا فأخبرته فقال :
من ابتلي من هذه البنات بشيءٍ كن له ستراً من النار)).
قال المؤلف: قوله: ((اتقوا النار ولو بشق تمرة)). حض على
الصدقة بالقليل ، وقد تصدقت عائشة بتمرة ، وتصدقت بحبة عنب ،
وقالت : كم فيها من مثاقيل الذر . ومثله قوله عليه السلام لأبي تميمة
الهجيمي : (( لا تحقرن شيئًا من المعروف ولو أن تضع من دلوك في
إناء المستقي )) .
وفي حديث أبي مسعود ما كان عليه السلف من التواضع ، والحرص
على الخير ( واستعمالهم) (١) أنفسهم في ( المهن والخدمة) (٢) رغبةً
منهم في الوقوف عند حدود الله ، والاقتداء بكتابه، وكانوا لا يتعلمون
شيئًا من القرآن إلا للعمل به ، فكانوا يحملون على ظهورهم للناس
ويتصدقون [ بالثمن ] (٣) لعدم المال عندهم حينئذ، وقوله: ((نحامل))
يعني : نحمل لغيرنا ، ونحامل وزنه : نفاعل ، والمفاعلة لا تكون إلا
من اثنين كالمبايعة والمعاملة ؛ ألا ترى أنه حين نزلت ﴿ يا أيها الذين
آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ﴾ (٤) شق
عليهم العمل بها ، فنسخت عنهم بقوله : ﴿ فإذا لم تفعلوا وتاب الله
عليكم فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ﴾ (٥) .
وقال علي بن أبي طالب : إن في كتاب الله آية ما عمل بها أحد
قبلي ، ولا يعمل بها أحد بعدي ، كان لي دينار فصرفته ، فكنت إذا
ناجيت رسول الله تصدقت بدرهم حتى نفد ، ثم نسخت .
:
(١) في ( ح)): وامتهانهم.
(٢) في (( ح)): الأعمال الشاقة عليهم
(٣) من ((ح)) وفي ((الأصل)): بالتمر .
(٤) المجادلة : ١٢ .
(٥) المجادلة : ١٣ .
- ٤١٦ -

وفي حديث عائشة أن النفقة على البنات ، والسعي عليهن من
أفضل أعمال البر [ وأن ذلك ينجي من النار ] (١) .
*
باب : فضل صدقة الصحيح الشحيح
لقوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي
يوم لا بيع فيه ولا خلة ﴾ (٢) ﴿ وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي
أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن
من الصالحين﴾ (٣).
فيه : أبو هريرة قال: ( جاء رجل إلى النبي - عليه السلام - فقال : يا
رسول الله ، أي الصدقة أعظم أجرًا ؟ قال : أن تصدق وأنت صحيح
شحيح تخشى الفقر ، وتأمل الغنى ، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم
قلت : لفلان كذا ولفلان كذا ، وقد كان لفلان )) .
فيه : أن أعمال البر [ كلما صعبت ] (٤) كان أجرها أعظم ؛ لأن
الصحيح الشحيح إذا خشي الفقر ، وأمل الغنى صعبت عليه
(النفقة)(٥) ، وسول له الشيطان طول العمر ، وحلول الفقر به ، فمن
تصدق في هذه ( الحال ) (٦) فهو مؤثر لثواب الله على هوى نفسه ،
وأما إذا تصدق عند خروج نفسه فيخشى عليه الضرار بميرائه والجور في
فعله ، ولذلك قال ميمون بن مهران حين قيل له : إن رقية امرأة هشام
(١) من ( ح)).
(٣) المنافقون: ١٠.
(٢) البقرة : ٢٥٤ .
(٤) من (( ح))، وفي ((الأصل)): كلها إذا صعبت.
(٥) في ( ح)) : الصدقة .
(٦) في (( ح)): الحالة.
- ٤١٧ -

ماتت ، وأعتقت كل مملوك لها ، فقال ميمون : يعصون الله في
أموالهم مرتين ، يبخلون بها ، وهي في أيديهم ، فإذا صارت لغيرهم
أسرفوا فيها .
باب
فيه : عائشة: (( أن بعض أزواج النبي وَلقر قلن للنبي: أينا أسرع لحوقًا
بك ؟ قال : أطولكن بدًا . فأخذوا قصبة يذرعونها ، فكانت سودة
أطولهن يدًا، فعلمنا بَعْدُ أنما كانت طول يدها الصدقة ، وكانت
(أسرعنا) (١) لحوقًا به، وكانت تحب الصدقة)).
هذا الحديث سقط منه ذكر زينب ؛ لأنه لا خلاف بين أهل الأثر
والسير أن زينب أول من مات من أزواج النبي - عليه السلام . وروى
ابن عيينة عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن الشعبي ، عن عبد الرحمن
[٢/ ق٥-ب) ابن أبزى قال: ((صليت مع عمر / بن الخطاب على أم المؤمنين زينب
بنت جحش، وكانت أول نساء رسول الله اَ لر توفيت بعده)).
1
وروى ابن أبي خيثمة قال : حدثنا معاوية بن عمرو ، قال : حدثنا
المسعودي ، قال : حدثنا القاسم بن معن قال : (( كانت زينب بنت
جحش أول نساء رسول الله وَ﴿ لحوقًا به)) وروى مسلم في كتابه
حديث عائشة على خلاف ما ذكره البخاري ، فقال : حدثنا محمود
ابن غيلان ، حدثنا الفضل بن موسى السيناني قال : حدثنا طلحة بن
يحيى بن طلحة ، عن عائشة أم المؤمنين قالت : قال رسول الله :
(١) من (( ح)) وكذا في ((النسخة اليونينية)) وفي ((الأصل)): أسرع.
- ٤١٨ -

((أسرعكن لحاقًا بي أطولكن يدًا. قالت: فكن يتطاولن [ أيتهن ](١)
أطول يدًا. فكانت أطولنا يدًا زينب؛ لأنها كانت تعمل [ بيدها ](٢)
وتتصدق .
وذكر مسلم الحديث [ الطويل ] (٣) الذي فيه إرسال أزواج النبي
لفاطمة إلى النبي 180 يسألنه العدل في بنت أبي قحافة . قالت
عائشة: فأرسل أزواج النبي 3 18 زينب ، وهي التي كانت تساميني
منهن في المنزلة عند رسول الله وَّله ولم أر [ امرأة ] (٣) قط خيرًا في
الدين من زينب وأَتْقَى لله ، وأصدق حديثًا ، وأوصل للرحم ،
وأعظم صدقة ، وأشد ابتذالا لنفسها في العمل الذي تتصدق به ،
وتتقرب به إلى الله - عز وجل .
وقال المهلب : اليد في هذا الحديث : الإنعام والإفضال ، وفيه أن
الحكم للمعاني لا للألفاظ ، بخلاف قول أهل الظاهر ؛ ألا ترى أن
أزواج النبي - عليه السلام - سبق إليهن أنه أراد طول اليد التي هي
الجارحة ، فلما لم [ تتوف ] (٤) سودة التي كانت أطولهن يد
الجارحة، وتوفيت زينب قبلهن ( علمن أنه ) (٥) عليه السلام لم يرد
طول العضو ، وإنما أراد بذلك كثرة الصدقة ؛ لأن زينب هي التي
[كانت] (٣) تحب الصدقة.
(١) في ((الأصل، ح)): أيهن. والمثبت من صحيح مسلم (١٩٠٧/٤ رقم
٢٤٥٢) .
(٢) من (ح)) وفي ((الأصل)): مُدّها .
(٣) من ( ح ).
(٤) من (ح)) وفي ((الأصل)): لم تتوقف - كذا.
(٥) في (( ح)): علم أنه .
- ٤١٩ -

باب : صدقة العلانية
﴿ الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية﴾ (١).
اختلف العلماء في المعنى الذي نزلت فيه هذه الآية ، فروى مجاهد
عن ابن عباس : أنها نزلت في علي بن أبي طالب ، كانت معه أربعة
دراهم ، فأنفق بالليل درهمًا ، وبالنهار درهمًا ، وسرا درهمًا ،
وعلانية درهمًا . وقال الأوزاعي : نزلت في الذين يرتبطون الخيل
خاصة في سبيل الله ، ينفقون عليها بالليل والنهار . ورُوي عن قتادة
قول ثالث : أنها نزلت فيمن أنفق ماله في سبيل الله ، لقول
الرسول - عليه السلام - : (( إن المكثرين هم الأقلون يوم القيامة إلا
من قال بالمال هكذا [ وهكذا ] (٢) عن يمينه [وعن ] (٢) شماله،
وقليل ما هم)) هؤلاء قوم أنفقوا [ أموالهم ] (٢) في سبيل الله الذي
افترض وارتضى من غير سرف ولا إملاق ، ولا تبذير ، ولا فساد .
٠٠
ولا خلاف بين أئمة العلم أن إعلان صدقة الفريضة أفضل من
إسرارها ، وأن إسرار صدقة النافلة أفضل من إعلانها على ما يأتي
ذكره في الباب بعد هذا - إن شاء الله .
باب : صدقة السر ..
وقال الرسول - عليه السلام - : (( ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى
لا تعلم شماله ما ( صنعت) (٣) يمينه)).
وقوله : ﴿إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء
فهو خير لكم ﴾ (٤)
(١) البقرة : ٢٧٤ .
(٣) في (( ح)): تنفق .
(٢) من ( ح )
.
(٤) البقرة : ٢٧١.
- ٤٢٠ -