Indexed OCR Text

Pages 361-380

قال عليه السلام : إنهم ليعلمون الآن ما كنت أقول لهم حق )) قالوا :
فخبر عائشة يبين ما قلنا من تأويل قوله عليه السلام : (( ما أنتم بأسمع
لما أقول منهم )» أنه يراد به ما أنتم بأعلم [ لا ] (١) أنه خبر عن أنهم
يسمعون أصوات بني آدم وكلامهم، قالوا: ولو كانوا يسمعون كلام
الناس وهم موتى ، لم يكن لقوله : ﴿ إنك لا تسمع الموتى﴾ (٢)
﴿وما أنت بمسمع من في القبور﴾ (٣) معنى .
قال الطبري : والصواب من القول في ذلك أن كلا الروايتين عن
النبي في ذلك صحيح لعدالة نقلتها ، والواجب الإيمان بها ، والإقرار
بأن الله يُسمع من يشاء من خلقه بعد موتهم ، ما شاء من كلام خلقه،
ويُفهم ما يشاء منهم ما يشاء ، ويُنعِّم من أحب منهم ، ويعذب في
قبره الكافر ومن استحق العذاب كيف أراد ، على ما صحت به
الأخبار عن النبي - عليه السلام .
وليس في قوله : ﴿ إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في
القبور ﴾ (٣) حجة في دفع ما صحت به الآثار من قوله لأصحابه في
أهل القليب: (( ما أنتم بأسمع منهم )) ولا في إنكار من أنكر ما ثبت
من قوله: (( إنه ليسمع قرع نعالهم)) إذا كان قوله: ﴿وما أنت بمسمع
من في القبور﴾ (٣) و﴿ إنك لا تسمع الموتى﴾ (٢) محتملا من التأويل
وجهًا سوى ما تأوله من زعم أن الميت لا يسمع كلام الأحياء ، وذلك
أن يكون معناه : فإنك لا تسمع الموتى بطاقتك وقدرتك ؛ إذ كان
خالق السمع غيرك ، ولكن الله هو الذي يُسمعهم .
(١) في ((الأصل)): إلا. وهو خلاف المراد هنا، وإنما مراد القائل: نفى أن
يكون في الحديث إخبار أن الموتى يسمعون أصوات بني آدم وكلامهم ، وما في
((الأصل )) يثبت هذا ، وهو خطأ .
(٢) النمل : ٨٠ .
(٣) فاطر: ٢٢ .
- ٣٦١ -

وذلك نظير قوله : ﴿وما أنت بهاد العمي عن ضلالتهم ﴾ (١) وذلك
بالتوفيق والهداية بيد الله دون من سواه ، فنفى عن نبيه أن يكون قادرًا
أن يسمع الموتى إلا بمشيئته ، كما نفى أن يكون قادرًا على هداية
الضلال إلا بمشيئته ، وإنما أنت نذير ، فبلِّغْ ما أُرسلتَ به .
والثانى : أن يكون المعنى: فإنك لا تسمع الموتى إسماعًا ينتفعون به؛
لأنهم قد انقطعت عنهم الأعمال ، وخرجوا من دار العمل إلى دار
الجزاء ، فلا ينفعهم دعاؤك إياهم إلى الإيمان بالله وبطاعته ، فكذلك
هؤلاء الذين كتب عليهم ربك أنهم لا يؤمنون ، لا يسمعهم دعاؤك
إياهم إسماعًا ينتفعون به ؛ لأن الله قد حتم عليهم ألا يؤمنوا ، كما
حتم على أهل القبور من أهل الكفر أنهم لا ينفعهم بعد كونهم في
القبور عمل ؛ لأن الآخرة ليست بدار امتحان ، وإنما هي دار جزاء .
وكذلك قوله : ﴿ إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في
القبور ﴾ (٢) : الجهال ؛ يريد أنك لا تقدر على إفهام من جعله الله
جاهلا ، ولا تقدر على إسماع من جعله الله أصم عن الهدى ، وفي
صدر الآية ما يدل على هذا ؛ لأنه قال : ﴿ وما يستوي الأعمى
والبصير ﴾ (٣) يعني بالأعمى: الكافر، والبصير: المؤمن ﴿ولا
الظلمات ولا النور﴾ (٤) يعني بالظلمات : الكفر ، وبالنور : الإيمان
ولا الظل ولا الحرور ﴾ (٥) يعني بالظل: الجنة ، وبالحرور : النار
وما يستوي الأحياء ولا الأموات ﴾ (٢) يعني بالأحياء: العقلاء ،
وبالأموات : الجهال ، ثم قال : ﴿إن الله يسمع من يشاء وما أنت
بمسمع من في القبور ﴾ (٢) يعني: إنك لا تسمع الجهال الذين كأنهم
(١) النمل : ٨١.
(٤) فاطر : ٢٠ .
(٣) فاطر : ١٩
(٢) فاطر : ٢٢ .
(٥) فاطر : ٢١ .
- ٣٦٢ -

موتى في القبور ، ولم يرد بالموتى الذين ضربهم مثلا للجهال شهداء
بدر ، فيحتج علينا بهم ، أولئك أحياء كما نطق التنزيل .
وقال أبو عثمان بن الحداد : وليس في قوله تعالى : ﴿ لا يذوقون
فيها الموت إلا الموتة الأولى ﴾ (١) ما يعارض ما ثبت من عذاب القبر؛
لأن الله - تعالى - قد أخبر في كتابه بحياة الشهداء قبل يوم القيامة ،
فقال : ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم
يرزقون﴾ الآية (٢)، فلما كانت حياة الشهداء قبل محشرهم ليست
برادة ؛ لقوله تعالى : ﴿لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى﴾ (١)
ومن أنكر حياة الشهداء بعد موتهم قبل محشر الناس ، وادَّعَى أن قوله
تعالى: ﴿أحياء عند ربهم يرزقون﴾ يومَ القيامة أبطل ما اقتضاه قوله :
ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ﴾ (٢) لأن الشهداء
وغيرهم من جميع الناس يتوافون يوم القيامة ، ويستحيل فيمن وافاه
غيره أن يقال في الذي وافاه أنه سيلحقه ، ويقال فيه بأنه خلفه .
قال غيره : والأخبار في عذاب القبر صحيحة متواترة لا يصح عليها
التواطؤ ، وإن لم يصح مثلها لم يصح شيء من أمر الدين .
واختلف أهل التأويل في قوله تعالى: ﴿سنعذبهم مرتين﴾ (٣) قال
الحسن وابن جريج : عذاب الدنيا وعذاب القبر . وقال مجاهد :
القتل والسباء ، وأما قوله : ﴿فاليوم تجزون عذاب / الهون ﴾ (٤):
في الآخرة . وقال غيره : لما بعثوا وصاروا إلى النار قالت الملائكة :
اليوم تجزون عذاب الهون ، قال : الهوان .
[١/ق٢٤٥-١]
(١) الدخان : ٥٦ .
(٣) التوبة : ١٠١ .
(٢) آل عمران : ١٦٩ .
(٤) الأحقاف : ٢٠ .
- ٣٦٣ -

باب : التعوذ من عذاب القبر
فيه : البراء بن عازب قال: (( خرج النبي وقد وجبت الشمس فسمع
صوتًا ، فقال : يهود تعذب في قبورها)) .
وفيه : ابنة خالد أم سعيد بن العاص : (( أنها سمعت النبي - عليه
السلام - وهو يتعوذ من عذاب القبر)).
وفيه: أبو هريرة قال: (( كان رسول الله يدعو : اللهم إني أعوذ بك من
عذاب القبر ، ومن عذاب النار ، ومن فتنة المحيا والممات ، ومن فتنة
المسيح الدجال )) .
قال المؤلف : هذه الآثار تشهد للآثار التي في الباب قبل هذا ، أن
عذاب القبر حق على ما ذهب إليه أهل السّنّة ؛ ألا ترى الرسول
استعاذ بالله منه ، وقد عصمه الله وطهره ، وغفر له ما تقدم من ذنبه
وما تأخر ، فينبغي لكل من علم أنه غير معصوم ولا مطهر أن يكثر.
التعوذ مما استعاذ منه نبيه ، ففيه أكرم الأكرمين أسوة .
فإن قيل : فإذا أخبر الله نبيه أنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما
تأخر، فما وجه استعاذته عليه السلام من شيء قد علم أنه قد أعيذ
منه؟ فالجواب : أن في استعاذته عليه السلام من كل ما استعاذ منه
إظهارًا للافتقار إلى الله ، وإقرارًا بالنعم ، واعترافًا بما يتجدد من شكره
عليها ما يكون ( كفأ لها ) (١) ألا ترى أنه كان يصلي حتى تتفطر قدماه
فيقال له : (( يا رسول الله ، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما
تأخر ! فيقول : أفلا أكون عبداً شكورًا )» .
فمن عظمت عليه نعم الله وجب عليه أن يتلقاها بعظيم الشكر ،
لا سيما أنبياءه وصفوته من خلقه الذين اختارهم ، وخشيةُ العباد لله
(١) هكذا استظهرت قراءتها .
- ٣٦٤ -

على قدر علمهم به . وفي استعاذته مما أُعيذ منه تعليم لأمته ، وتنبيه
لهم على الاقتداء به واتباع سنّته وامتثال طريقته ، والله أعلم .
باب : الميت يعرض عليه مقعده بالغداة والعشي
فيه : ابن عمر: أن رسول الله قال: ((إن أحدكم إذا مات عرض عليه
مقعده بالغداة والعشي ، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة ، وإن كان
من أهل النار فمن أهل النار ، فيقال : هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه
يوم القيامة )) .
قال بعض أهل بلدنا : معنى العرض في هذا الحديث الإخبار بأن
اللهَ موضعُ أعمالكم ، والجزاء لها عند الله ، وأريد بالتكرير بالغداة
والعشي تذكارهم بذلك ، ولسنا نشك أن الأجساد بعد الموت والمساءلة
هي في الذهاب وأكل التراب لها والفناء ، ولا يعرض شيء على فان،
فَبَانَ أن العرض الذي يدوم إلى يوم القيامة إنما هو على الأرواح
خاصة، وذلك أن الأرواح لا تفنى ، وأنها باقية إلى أن يصير العباد إلى
الجنة أو النار .
وقال القاضي ابن الطيب : اتفق المسلمون أنه لا غدو ولا عشي في
الآخرة ، وإنما هو في الدنيا ، فهم معروضون بعد مماتهم على النار ،
وقيل : يوم القيامة ، ويوم القيامة يدخلون أشد العذاب ، فمن عرض
عليه النار غدوا وعشيا أحرى أن يسمع الكلام .
قال غيره : واستدل بهذا الحديث من ذهب إلى أن الأرواح على
أفنية القبور ، وهو أصح ما ذهب إليه في ذلك ؛ لأن الأحاديث بذلك
أثبت من غيرها : قال الداودي : ومما يدل على حياة الروح والنفس
وأنهما لا يفنيان قوله تعالى: ﴿ الله يتوفى الأنفس حين موتها ﴾ إلى
﴿مسمى﴾ (١) والإمساك لا يقع على الفاني.
(١) الزمر : ٤٢ .
- ٣٦٥ -

باب : كلام الميت على الجنازة
فيه : أبو سعيد قال: قال رسول الله: ((إذا وضعت الجنازة فاحتملها
الرجال على أعناقهم ، فإن كانت صالحة قالت : قدموني قدموني ، وإن
٢٤٥٥/١٦- ب) كانت غير صالحة قالت : يا ويلها ، أين تذهبون بها ؟ / يسمع صوتَها
كُلّ شيء إلا الإنسان، ولو سمعها الإنسان لصعق)) .
قال المؤلف : في هذا الحديث دليل أن روح الميت تتكلم بعد
مفارقته لجسده ، وقبل دخوله في قبره ، والكلام لا يكون إلا من
الروح، وقد جاءت آثار تدل على معرفة الميت من يحمله ويدخله في
قبره ، وروى الطبري قال : حدثنا محمد بن يزيد الأدمي ، حدثنا أبو
عامر (١)، حدثنا [ عبد الملك ] (٢) بن الحسن الحارثي ، حدثنا سعيد
ابن عمرو بن سليمان الزرقي قال : سمعت رجلا اسمه : معاوية - أو
ابن معاوية - قال : سمعت من أبي سعيد الخدري ، عن النبي - عليه
السلام - قال: ((إن الميت ليعرف من يحمله ومن يغسله ومن يدليه في
قبره )) وحدثنا محمد بن يزيد ، حدثنا محمد بن عثمان بن صفوان،
حدثنا حميد الأعرج ، عن مجاهد قال : إذا مات الميت فملك قابض
نفسه ، فما من شيء إلا وهو يراه عند غسله ، وعند حمله حتى يصل
إلى قبره .
(١) هو عبد الملك بن عمرو العقدي.
(٢) هكذا ذكره البخاري في ترجمة سعيد بن عمرو الزرقي ، من التاريخ الكبير
(٣/ رقم ١٦٦٤) وهو عبد الملك بن الحسن بن أبي حكيم الجاري - ويقال:
الحارثي - أبو مروان المدني، ترجمته في ((تهذيب الكمال)) (٣٠١/١٨)
وفيه: يروي عن سعيد هذا، وعنه أبو عامر العقدي. ووقع في ((الأصل)) :
محمد بن الحسن، وهو تحريف .
وهذا الخبر رواه الخطيب في (( تاريخ بغداد)) (٢١٢/١٢)، ووقع فيه: سعد
ابن عمرو بن سليم الزرقي ، وهو صواب أيضًا حكاه البخاري في ترجمته من.
((التاريخ الكبير)) وترجمته في تعجيل المنفعة رقم (٣٨٣) قال: ويقال فيه:
سعد .
- ٣٦٦ -

قال عبد الواحد : إن قال قائل : كيف ترجم البخاري باب كلام
الميت على الجنازة ، وأدخل حديثًا يدل أن الجنازة : الميت ؟ قيل : إنما
ترجم ذلك لمعرفته باللغة ، قال صاحب العين : الجَنازة - بالفتح - :
الميت ، والجنازة - بالكسر - : خشب السرير الذي يحمل عليها
الميت، فإنما أراد كلام الميت على النعش - وبالله التوفيق .
باب : ما قيل في أولاد المسلمين
وقال أبو هريرة: عن النبي - عليه السلام -: (( من مات له ثلاثة من
الولد لم يبلغوا الحنث كان له حجابًا من النار، أو أدخل الجنة)).
وفيه : أنس قال : قال النبي - عليه السلام - : (( ما من الناس مسلم
يموت له ثلاثة لم يبلغوا الحنث إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم)).
وفيه : البراء قال: (( قال رسول الله لما توفي إبراهيم : إن له مرضعًا في
الجنة )) .
وقال بعض العلماء : الثلاثة داخلة في حيز الكثير ، وقد يصاب
المؤمن فيكون في إيمانه من القوة ما يصبر للمصيبة ، ولا يصبر لتردادها
عليه ، فلذلك صار من تكررت عليه المصائب فَصَبَر ، أَوْلَى بجزيل
الثواب ، والولد من أجل ما يسر به الإنسان لقد يرضى أن يفديه
بنفسه، هذا هو المعهود في الناس والبهائم ، فلذلك قصد رسول الله
إلى أعلى المصائب والحض على الصبر عليها .
وقد روي عنه أنه قال: (( لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من
الولد فيحتسبهم إلا كانوا له جُنَّة من النار)) ومعنى الحِسْبَةِ : الصبر لما
ينزل به ، والاستسلام لقضاء الله عليه فإذا طابت نفسه على الرضا عن
- ٣٦٧ -

الله في فعله ، استكمل جزيل الأجر ، وقد جاء أنه ليس شيء من
الأعمال يبلغ مبلغ الرضا عن الله في جميع النوازل ، وهذا معنى
قوله: ﴿ رضي الله عنهم ورضوا عنه﴾ (١) يريد رضي أعمالهم ،
ورضوا عنه بما أجرى عليهم من قضائه ، وما أجزل لهم من عطائه .
وقوله: (( لم يبلغوا الحنث)) يريد لم يبلغوا أن تجري عليهم الأقلام.
بالأعمال ، والحنث : الذنب العظيم .
وقوله عليه السلام في حديث أنس: (( أدخله الله الجنة بفضل رحمته.
إياهم)) هو دليل قاطع أن أولاد المسلمين في الجنة ؛ لأنه لا يجوز أن
يرحم الله الآباء من أجل من ليس بمرحوم ، ويشهد لصحة هذا قوله
عليه السلام في ابنه إبراهيم : ((إن له مرضعًا في الجنة )) وعلى هذا
القول جمهور علماء المسلمين أن أطفال المسلمين في الجنة إلا المجبرة؛
فإنهم عندهم في المشيئة ، وهو قول مجهول مردود بإجماع الحجة
الذين لا يجوز عليهم الغلط ، ولا يسوغ مخالفتهم .
باب : أولاد المشركين
فيه : ابن عباس وأبو هريرة: (( أن النبي - عليه السلام - سئل عن
أولاد المشركين فقال : الله إذ خلقهم أعلم بما كانوا عاملين)) .
وفيه : أبو هريرة قال : قال النبي - عليه السلام - : « کل مولود يولد
على الفطرة ، فأبواه يهودانه ، أو ينصرانه ، أو يمجسانه ، كمثل البهيمة
تنتج البهيمة ، هل ترى فيها جدعاء ؟ )).
(١) المائدة: ١١٩، والمجادلة: ٢٢، والبينة: ٨.
- ٣٦٨ -

باب
فيه : سمرة بن جندب /: (( كان النبي - عليه السلام - إذا صلى صلاة (٦٥/١ ٢٤-١]
أقبل علينا بوجهه فقال : من رأى منكم الليلة رؤيا ؟ فإن رأى أحد
قَصَّها، فيقول ما شاء الله ، فسألَنا يومًا فقال : هل رأى أحدٌ منكم رؤيا؟
قلنا : لا [ قال: ] (١) لكني رأيت الليلة [ رجلين ] (٢) أنياني فأخذا
بيدي ، فأخرجاني إلى الأرض المقدسة ، فإذا رجل جالس ورجل قائم
بيده - قال بعض أصحابنا عن موسى : كلوبٌ من حديد يدخله في
شدْقه - حتى يبلغَ قفاه ، ثم يفعل بشدقه الآخر مثل ذلك ، ويلتئم شدقه
هذا ، فيعودُ فيصنعُ مثلَه ، قلت : ما هذا؟! [ قالا: ] (٣) انطلق.
فانطلقنا حتى أتينا على رجل مضطجع على قفاهُ ، ورجل قائم على
رأسه بفهْر - أو صخرة - فيشدخُ بها رأسَه، فإذا ضربه تَدَهْدَه الحجرُ ،
فانطلق إليه ليأخذه فلا يرجع [ إلى ] (١) هذا حتى يلتئم رأسه وعاد
رأسه كما هو، وعاد إليه فضربه ، قلت: من هذا؟! [ قالا: ](٣) انطلق.
فانطلقنا إلى ثَقْب مثل التَّنَور ، أعلاهُ ضيِّقٌ وأسفلُه واسعٌ ، يتوقد تحته
ناراً ، فإذا اقترب ارتفعوا حتى كادوا أن يخرجوا ، فإذا خمدت رجعوا ،
وفيها رجال ونساء عراة ، فقلت : ما هذا ؟! قالا : انطلق . فانطلقنا حتى
أتينا على نهر من دم ، فيه رجل قائم على وسط النهر - قال یزید ووهب
ابن جرير بن حازم : وعلى [ شط ] (٤) النهر - رجل بين يديه حجارة ،
فأقبل الرجل الذي في النهر ، فإذا أراد أن يخرج رمى الرجل بحجر في
فيه فرده حيث كان ، فجعل كلما جاء ليخرج رمى في فيه بحجر فيرجع
(١) سقطت من ((الأصل)) ولا بد منها، وهي في الصحيح المطبوع مع الفتح
(٢٩٥/٣) .
(٢) فى ((الأصل)): رجلان. وهو خلاف الجادة.
(٣) من ((الصحيح المطبوع، وفي ((الأصل)): قال . وهو خطأ.
(٤) من الصحيح المطبوع وهو الصواب، وفي ((الأصل)): وسط . وهو خطأ .
- ٣٦٩ -

كما كان ، فقلت: ما هذا ؟! [ قالا: ] (١) انطلق . حتى أتينا إلى روضة
خضراء فيها شجرة عظيمة ، وفي أصلها شيخ وصبيان ، وإذا رجل
قريب من الشجرة بين يديه نار يوقدها ، فصعدا بي في الشجرة ،
وأدخلاني دارًا لم أر قط أحسن منها ، فيها رجالٌ شيوخٌ وشباب ونساء
وصبيان ، ثم أخرجاني منها ، فصعدا بي الشجرة فأدخلاني دارًا هي
أحسنُ وأفضلُ، فيها شيوخ وشباب ، قلت : طوفتما بي الليلة فأخبراني
عما رأيتُ. قالا : نعم ، الذي رأيته يُشق شدقُه فكذاب يُحَدِّثُ بالكذب،
فتُحمل عنه حتى تبلغ الآفاق ، فَيُصنع به إلى يوم القيامة ، والذي رأيتَ
يُشدخ رأسُه ، فرجل علمه الله القرآن فنام عنه بالليل ، ولم يعمل بما فيه
في النهار ، يُفُعل به إلى يوم القيامة ، والذين رأيتَهم في الثقب فهم
الزناة، والذي رأيتَه في النهر آكل الربا ، والشيخ في أصل الشجرة
إبراهیم ، والصبيان حوله أولاد الناس ، والذي یوقد النار مالك خازن
النار ، والدار الأولى التي دخلتها دار عامة المؤمنين ، وأما هذه الدار فدار
الشهداء ، وأنا جبريل ، وهذا میکائیل ، فارفع رأسك . فرفعت رأسي
فإذا فوقي مثل السحاب، قالا: ذاك منزلك. فقلت: دعاني أدخل منزلي.
قالا : إنه بقي لك عمر لم تستکمله ، فلو استکملته أتیت منزلك )) .
۔۔
قال بعض العلماء : جهل قوم معنى الفطرة في هذا الحديث ،
وقالوا : إنها الإسلام ، فتأولوا في قوله : ﴿فطرت الله التي فطر
الناس عليها ﴾ (٢) يعني: دين الإسلام ، روي هذا عن أبي هريرة
وعكرمة والحسن وإبراهيم والضحاك وقتادة والزهري ، وقال جماعة
من العلماء وأهل اللغة : الفطرة في هذا الحديث : الخلقة التي خلق
عليها المولود المضطرة إلى الإفداء يريد كأنه قال عليه السلام : كل
(١) من الصحيح المطبوع، وفي ((الأصل)): قال . وهو خطأ.
(٢) الروم : ٣٠.
- ٣٧٠ -

مولود يولد على خلقة يعرف بها ربه إذا بلغ مبلغ المعرفة ، يريد خلقة
مخالفة لخلقة البهائم التي لا تصل بخلقتها إلى معرفة ، واحتجوا على
أن الفطرة : الخلقة بقوله تعالى: ﴿فاطر السموات والأرض﴾ (١)
يعني : خالقهن ، وبقوله: ﴿وما لي لا أعبد الذي فطرني﴾ (٢) أي:
خلقني، وقال : المراد بقوله : ﴿فطرت الله التي فطر الناس عليها﴾ (٣)
الخلقة، بدليل قوله : ﴿لا تبديل لخلق الله ﴾ (٣) يعني: لا تبديل لخلقته
عما خلقه عليه .
وقد ثبت عن الرسول قال: (( لما خلق الله آدم مسح ظهره بيمينه -
وكلتا يديه يمين - ثم قال : خلقت هؤلاء للجنة ، وبعمل أهل الجنة
يعملون . ثم مسح الأخرى وقال : خلقت هؤلاء للنار ، وبعمل أهل
النار يعملون)) فلما صح عندنا هذا الحديث مع تصديق الله له بقوله :
وإذ أخذ ربك من بني آدم﴾ إلى ﴿بلى﴾ (٤) علمنا أن أخذه لهم من
ظهر آدم إنما كان للإشهاد عليهم ، وكان هذا الأخذ هو الاختراع
الأول في إخراجهم من العدم إلى الوجود ، ثم ردهم في ظهور
آبائهم على ما جاء في الخبر .
فبان أن هذه الفطرة هي الخلقة الأولى التي فطر الناس عليها
لا تبديل لها ، وقد جاء في الأخبار أنه حين أشهدهم على أنفسهم أو
جميعهم على أنفسهم بالعبودية ولله - تعالى - بالربوبية ، لكنه كان
إقرار أصحاب اليمين بألسنتهم / وقلوبهم ليتم علم الله بهم ومراده [٢٤٦٥/١ -ب ]
فيهم ، وإقرار الآخرين بألسنتهم دون قلوبهم خذلانًا من الله ليتم
مراده، وعلمه فيهم [ أنهم من أهل ] (١) النار .
فإذا صاروا في بطون أمهاتهم ظهر فيهم بعض علم الله السابق
(١) الأنعام: ١٤، ومواضع كثيرة في القرآن. (٢) يس: ٢٢. (٣) الروم: ٣٠.
(٥) في ((الأصل)): ((أعلم من)) والمثبت أقرب إلى السياق.
(٤) الأعراف: ١٧٢ .
- ٣٧١ -

فيسأل الملكُ [الله](١) عن خلقه : الأنثى والذكر ، والسعادة والشقاوة،
والرزق ، والأجل ، فيكتب ذلك في بطن أمه ، فبان أن الفطرة التي
يولد عليها هي الخلقة الأولى التي سبقت له ، التي لا يجوز تبديلها ،
فإن كان في الفطرة الأولى مؤمنًا ولد مؤمنًا ، وإن كان فيها كافرًا ولد
كافرًا على ما سبق له في علم الله ، يصدق ذلك قوله تعالى :
﴿ لا تبديل لخلق الله﴾ (٢) لكن لا يظهر عليه شيء من ذلك في حال
ولادته ، وإنما يظهر عليه إذا ظهر عمله بالقول والجوارح .
فإن قيل: فما معنى قوله عليه السلام: (( فأبواه يهودانه أو
ينصرانه ... )) الحديث، فينبغي أن يكون سالمًا من اليهودية أو
النصرانية حين تلده أمه ، ألا ترى قوله: (( كما تنتج الإبل من بهيمة
جمعاء ، هل ترى فيها جدعاء)).
قيل له : في قوله : (( كل مولود يولد على الفطرة )) بيان أن
[الفطرة] (٢) الإيمان العام، وإنما فيه أنه يولد على تلك الخلقة التي
لم يظهر منها إيمان ولا كفر ، لكن لما حملهم آباؤهم على دينهم ظهر
منهم ما حملوهم عليه من يهودية أو نصرانية ، ثم أراد الله إمضاء ما
علمه وقدره في كل واحد منهم بما أجرى له في بُدُّ الأمر من كفر أو
إیمان ، ختم لهم به .
يدل على ذلك حديث ابن مسعود أن النبي - عليه السلام - قال :
(( إن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى لا يكون بينها وبينه إلا ذراع -
أو قيد ذراع - فيسبق عليه الكتاب الأول فيعمل بعمل أهل الجنة
فيدخلها )) وقال في أهل النار مثل ذلك .
فبان أن الكتاب الأول هو المعمول عليه الذي لا يجوز تبديله ، ولو
كانت الفطرة : الإسلام لما جاز أن يكون أحدٌ كافراً لقوله تعالى :
ولا تبديل لخلق الله﴾(٣) لأنه لا يجوز أن يكفر من خلقه الله للإيمان.
(١) في (( الأصل)): لله. وما أثبتناه أنسب لسياق الكلام.
٣
(٢) زيادة مني يقتضيها السياق، كأنها سقطت من الناسخ سهوًا. (٣) الروم:
- ٣٧٢ -

وقد اختلف العلماء في أطفال المشركين ، فقال أكثرهم : هم في
المشيئة ، وتأولوا في قوله تعالى : ﴿ إلا أصحاب اليمين ﴾ (١) قال:
هم أطفال المؤمنين ، وقيل : هم أصحاب الملائكة ، وقال آخرون :
حكم الأطفال حكم آبائهم في الدنيا والآخرة ، وهم مؤمنون بإيمانهم،
وكافرون بكفرهم ، واحتجوا بقوله عليه السلام في أطفال المشركين
يصابون في الحرب: (( هم من آبائهم)).
وقال آخرون : أولاد الكفار يمتحنون في الآخرة .
وقال [ آخرون ] (٢): أولاد المشركين في الجنة مع أولاد المسلمين ،
واحتجوا بحديث سمرة بن جندب ، ذكره البخاري في كتاب التعبير :
((وأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإنه إبراهيم، وأما الولدان
الذين حوله فكل مولود مات على الفطرة ، قال بعض المسلمين :
يا رسول الله ، فأولاد المشركين ؟ فقال رسول الله: وأولاد المشركين»
وهذه الحجة قاطعة ، و[ هذه ] (٣) الرواية يفسرها ما جاء في حديث
هذا الباب أن الشيخ إبراهيم والصبيان حوله أولاد الناس ؛ لأن هذا
اللفظ يقتضي عمومه لجميع الناس مؤمنهم وكافرهم ، وهذا القول
أصح ما في هذا الباب من طريق الآثار وصحيح الاعتبار .
فإن قيل : فإذا صح هذا القول في أطفال المشركين ، فما معنى
قوله: (( الله أعلم بما كانوا عاملين ؟ )) وهذا يعارض حديث سمرة
الذي بيّن فيه حكمهم ، أنهم في الجنة مع أولاد المسلمين ، قيل : هذا
يحتمل وجوهًا من التأويل ، أحدها : أن يكون قوله: ((الله [أعلم] (٢)
بما كانوا عاملين)) قيل : أن يعلمه الله أنهم في الجنة مع أولاد
المسلمين؛ لأنه لم يكن ينطق عن الهوى ، وإنما ينطق عن الوحي .
ويحتمل قوله: (( الله أعلم بما كانوا عاملين)) أي : على أي دين
(٢) سقط من ((الأصل)). (٣) في (( الأصل)): هي.
(١) المدثر : ٣٩ .
- ٣٧٣ -

كان يميتهم لو عاشوا فبلغوا العمل ، فأما إذ عدم منهم العمل ، فهم
في رحمة الله التي ينالها من لا ذنب له .
وقيل : قوله : ((الله أعلم بما كانوا عاملين)) مجمل يفسره قوله :
﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم﴾ (١) الآية ، فهذا إقرار عام
يدخل فيه أولاد المشركين والمسلمين ، فمن مات منهم قبل بلوغ الحنث
ممن أقر بهذا الإقرار أولاد الناس كلهم، فهو على إقراره المتقدم لا
يقضى له بغيره ؛ لأنه لم يدخل عليه ما ينقضه إلى أن يبلغ الحنث ،
:
فسقطت المعارضة بين الآثار ، فهذه الوجوه المحتملة .
وأما من قال : حكمهم حكم آبائهم ، فهو مردود بقوله تعالى :
﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ (٢) وإنما حكم لهم بحكمهم في الدنيا
لا في أحكام الآخرة ، أي أنهم إن أصيبوا في التبييت والغارة لا قود
فيهم ولا دية ، وقد نهى رسول الله عن قتل النساء والصبيان في الحرب.
وأما من قال : إنهم يمتحنون في الآخرة ، فهو قول لا يصح ؛ لأن
الآثار الواردة بذلك ضعيفة لا تقوم بها حجة، والآخرة دار جزاء
ليست دار عمل وابتلاء .
[١/ق٢٤٧-٢]
وقوله: (( كما تناتج الإبل / من بهيمة جمعاء)) مجتمعة الخلق
صحيحة (( هل تحس [ فيها من ] (٣) جدعاء ؟ )) يقول : هل ترى فيها
من جدع ؟ أي: نقصان حين تنتج ، وإنما يصيبها الجدع والنقصان بعد
ذلك ، فكذلك يُهَوِّدُ هؤلاء أبناءهم وينصرونهم بعد أن كانوا على
الفطرة كما أن المنتوج من الإبل لولا أن هؤلاء قطعوا أذنه لكان
صحيحًا ، وذلك كله بقدر الله .
وقوله : (( بيده كلوب » والكلاب : خشبة في رأسها عُقَّافَة ،
(١) الأعراف : ١٧٢.
(٢) الأنعام : ١٦٤، وغيرها .
(٣) كأنه سقط من الناسخ ، والسياق بعده يدل عليه .
- ٣٧٤ -

وقوله : ((تدهده)) يقال: دهدهت الحجر ، ودهديته إذا دحرجته ،
أدهدهه وأدهديه دهدهة ودهاها ودهدًا .
باب [ موت ](١) يوم الاثنين
فيه : عائشة قالت: (( دخلت على أبي بكر الصديق ، فقال : في كم
كُفْن النبي ؟ فقلت : في ثلاثة أثواب بيض سحولية ليس فيها قميص
ولا عمامة ، فقال لها : في أي يوم توفي ؟ قلت : يوم الاثنين . قال :
فأي يوم هذا ؟ قلت : يوم الاثنين . قال : أرجو فيما بيني وبين الليل ،
فنظر إلى ثوب كان يمرض فيه ، به ردع من زعفران فقال : اغسلوا ثوبي
هذا، وزيدوا عليه ثوبين وكفنوني فيهما، قلت : إن هذا خَلَق ! قال : إن
الحي أحق بالجديد من الميت ، إنما هو للمهلة، فلم يتوف حتى أمسى من
ليلة الثلاثاء ، ودفن قبل أن يصبح)).
قال المؤلف : إنما سأل أبو بكر الصديق ابنته عن أي يوم توفي فيه
رسول الله ◌َّة طمعًا أن يوافق ذلك اليوم تبركًا به، وقديمًا أحب
الناس التبرك بأثواب الصالحين ، وموافقتهم في المحيا والممات ؛ رغبة
في الخير ، وحرصًا عليه ، كفعل ابن عمر في كثير من حركات النبي-
عليه السلام - وآثاره التي ليست بسنن ، فكان يقف في الموضع الذي
وقف النبي ويدور بناقته في المكان الذي أدار فيه النبي ناقته ، وهذا كله
وإن لم يوجب فضلا ، فإن ابن عمر إنما فعل ذلك محبة في النبي
ومحافظة على اقتفاء آثاره ، ومَنِ اقتدى به عليه السلام فيما لا يلزم من
حركاته كان أحرص على الاقتداء به فيما يلزم اتباعه فيه .
وقد اتفق أهل السَّنَّة أن النبي - عليه السلام - ولد يوم الاثنين ،
(١) من الصحيح المطبوع مع الفتح (٢٩٧/٣) وسقط من الأصل ، ولا معنى للباب
بدونها .
- ٣٧٥ -

وأنزل عليه يوم الاثنين ، وبعث يوم الاثنين ، ودخل المدينة يوم
الاثنين، وتوفي يوم الاثنين ، وكان يصوم يوم الاثنين والخميس،
وذكر مالك في الموطأ عن أبي هريرة أنه قال : تعرض أعمال الناس
كل جمعة مرتين : يوم الاثنين [ والخميس ] (١) فيغفر لكل عبد مؤمن
إلا عبدًا كانت بينه وبين أخيه شحناء)) ، فهذه فضيلة يوم الاثنين
والخميس .
وقد روي عن النبي - عليه السلام - فيمن مات يوم الجمعة فضيلة،
ذكرها ابن أبي الدنيا ، قال : حدثنا أحمد بن الفرج الحمصي ، قال:
حدثنا بقية بن الوليد ، حدثنا [ معاوية بن سعيد ] (٢) عن أبي قبيل ،
عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : سمعت النبي - عليه السلام -.
يقول: (( من مات يوم الجمعة أو ليلة الجمعة وقاه الله فتان القبر))
وروى ابن وهب عن الليث بن سعد ، عن أبي عثمان الوليد بن
الوليد أن أبا عبيدة بن عقبة قال: (( من مات يوم الجمعة أمن فتنة
القبر» وقال : إني ذكرته للقاسم بن محمد فقال : صدق أبو عبيدة .
وقوله : ((ردع من زعفران)) أي : لطخ ، قال أبو علي : يقال :
بدا من الزعفران ردعه أي: ملتطخه . قال أبو عبيدة: وقوله: ((الحي
أحوج إلى الجديد )) خلاف قول من يقول : يتزاورون في أكفانهم ،
فيجب تحسينها ؛ ألا تراه يقول: ((فإنما هو للمهلة)) ويشهد لذلك
قول حذيفة حين أتي بكفنه رَيْطَتَيْن ، فقال : لا تغالوا بكفني ، الحي
أحوج إلى الجديد من الميت . أي لا ألبث إلا يسيراً حتى أبدل منهما
(١) سقطت من ((الأصل))، وأثبتها من ((ح)) تبعًا لما في الموطأ، حديث رقم
(١٨٩٨) رواية أبي مصعب.
(٢) هو ابن شريح التجيبي - بضم المثناة وكسر الجيم ثم تحثانية ساكنة وموحدة -
المصري، في ترجمته من (( تهذيب الكمال)) (١٧٤/٢٨) روايته عن أبي قبيل
- وهو حي بن هانئ - وعنه بقية بن الوليد، ووقع في ((الأصل)): معاوية
ابن شعبة . وهو تحريف .
- ٣٧٦ -

خيراً منهما أو شرًا منهما ، ومنه قول ابن الحنفية : ليس للميت من
الكفن شيء ، وإنما هو تكرمة للحي .
وأما من خالف هذا ورأى تحسين الأكفان ، فروي عن عمر بن
الخطاب أنه قال : أحسنوا أكفان موتاكم ؛ فإنهم يبعثون فيها يوم
القيامة. وعن معاذ بن جبل مثله ، وأوصى ابن مسعود أن يكفن في
حلة بمائتي درهم ، وروى روح عن زكريا بن إسحاق قال : حدثنا أبو
الزبير، عن جابر، أن النبي وَ لا- قال: ((إذا ولي أحدكم أخاه
فلیحسن كفنه )) .
قال ابن المنذر : وبحديث جابر قال الحسن وابن سيرين ، وكان
إسحاق يقول : يغالي بالكفن إذا كان موسراً ، وإن كان فقيرًا
فلا يغال به .
وقوله: ((إنما هو للمهلة)) قال أبو عبيد : المهل في هذا الحديث :
الصديد والقيح، والمهل في غير هذا : كل [ فلز ] (١) أذيب كالذهب
والفضة والنحاس . وقال أبو عمرو : المهل في حديث أبي بكر
الصديق : القيح ، وفي غيره: دُرْدِيّ (٢) الزيت . وقال الأصمعي :
حدثني رجل - وكان فصيحًا - أن أبا بكر قال : إنما هو للمهلة
والتراب. وقال بعضهم: / بكسر الميم يقال للمهلة . وقال ابن دريد: [٢٤٧٥/١-ب]
في هذا الحديث: ((إنما هو للمهلة)) قال : المهلة : صديد الميت ،
زعموا ، والمهلة : ضرب من القطران ، والمهلة : ما سخلت من الحرة
من رماد أو غيره .
(١) من ((غريب الحديث)) لأبي عبيد (٢١٧/٣) ووقع في ((الأصل)): بلد. وهو
خطأ .
(٢) هو ما رسب أسفل العسل والزيت ونحوهما من كل شيء مائع كالأشربة
والأدهان - المعجم الوسيط (٢٧٨/١).
- ٣٧٧ -

باب : موت الفجأة بغتة
فيه: عائشة: ((أن رجلا قال للنبي - عليه السلام - : إن أمي افتُلتَتْ
نفسها ، وأظنها لو تكلمت تصدقت ، فهل لها أجر إن تصدقت عنها ؟
قال : نعم )) .
قال المؤلف : الافتلات عند العرب: المباغتة ، يقول : ماتت بغتة،
وإنما هو مأخوذ من الفلتة . وروى وكيع عن عبيد الله بن الوليد، عن
عبد الله بن عبيد بن عمير، عن عائشة قالت: (( سألت رسول الله
عن موت الفجأة ، قال : راحة على المؤمن ، وأسف على الفاجر ))
والأسف : الغضب ، ويحتمل أن يكون ذلك - والله أعلم - لما في
موت الفجأة من خوف حرمان الوصية ، وترك الإعداد للمعاد ،
و(الاغترار الكاذبة ) (١) ، والتسويف بالتوبة.
وقد روي من حديث يزيد الرقاشي ، عن أنس بن مالك قال :
((كنا نمشي مع الرسول فجاء رجل فقال : يا رسول الله ، مات فلان.
فقال : أليس كان معنا آنفًا ؟ قالوا : بلى . قال : سبحان الله ، كأنه
أخذه على غصب ، المحروم من حرم وصيته )) ذكر هذين الحديثين ابن
أبي الدنيا قال : حدثنا إبراهيم بن إسحاق قال : حدثنا مسلم بن
إبراهيم قال : حدثنا یزید بن کعب الأزدي قال : حدثنا ابن کریز ،
عن أنس بن مالك قال : من أشراط الساعة حفز الموت . قيل : يا
أبا حمزة ، ما حفز الموت ؟! قال: موت الفجأة)).
وقوله : ((فهل لها من أجر إن تصدقت عنها ؟ قال : نعم )) هو
كقوله عليه السلام : ((ينقطع عمل ابن آدم بعد موته إلا من ثلاث:
صدقة تجري بعده ، أو علم علمه یعمل به ، أو ابن صالح يدعو له)).
(١) هكذا فى (( الأصل))
.
- ٣٧٨ -

باب : ما جاء في قبر النبي - عليه السلام - وأبي بكر وعمر
فيه: عائشة: (( أن الرسول كان يتفقد في مرضه : أين أنا اليوم ؟ أين
أنا غدًا ؟ استبطاء ليوم عائشة ، فلما كان يومي قبضه الله بين سحري
ونحري ، ودفن في بيتي )) .
وقالت عائشة: (( قال عليه السلام في مرضه الذي توفي فيه : لعن الله
اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ، لولا ذلك لأبرز قبره
غير أنه خشي أن يتخذ مسجدًا )) وقال سفيان التمار أنه رأى قبر النبي -
عليه السلام - مُسنّمًا . وقال عروة : لما سقط عنهم الحائط في زمان
الوليد بن عبد الملك أخذوا في بنائه ، فبدت له قدم ، ففزعوا وظنوا أنها
قدم النبي - عليه السلام - فما وجد أحدًا يعلم ذلك حتى قال لهم
عروة: لا والله ما هي قدم النبي ، ما هي إلا قدم عمر .
وأوصت عائشةُ ابنَ الزبير : لا تدفني معهم ، وادفني مع صواحبي
بالبقيع ، لا أُزَكَّى به أبداً .
وفيه : عمر : أنه قال لابنه عبد الله : اذهب إلى عائشة أم المؤمنين فقل :
ء
يقرأ عمر عليك السلام ، ثم اسألها أن أدفن مع صاحبيّ، قالت : كنت
أريده لنفسي ، فلأوثرنه اليوم على نفسي ، فلما أقبل قال له : ما لديك ؟
قال : أذنت لك يا أمير المؤمنين . قال : ما كان شيء أهم إليّ من ذلك
المضجع ، فإذا قبضت فاحملوني ثم سلِّموا ، ثم قل : يستأمر عمر بن
الخطاب ، فإن أذنت فادفنوني ، وإلا فردوني إلى مقابر المسلمين ، إني
لا أعلم أحداً أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر الذين توفي رسول الله القر
وهو عنهم راضٍ ، فمن استخلفوه بعدي فهو الخليفة ، فاسمعوا له
وأطيعوا . فسمى عثمان وعليا وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف
وسعد بن أبي وقاص ، وولج عليه شاب من الأنصار فقال : أبشر يا أمير
- ٣٧٩ -

المؤمنين ببشرى الله ، كان لك من القدم في الإسلام ما قد علمت ، ثم
استخلفت فعدلت ، ثم الشهادة بعد هذا كله . فقال : ليتني يابن أخي
وذلك كفاف لا عليّ ولا لي ، أُوصي الخليفة من بعدي بالمهاجرين
الأولين خيرًا ، أن يعرف لهم حقهم ، وأن يحفظ لهم حرمتهم، وأوصيه
بالأنصار خيرًا الذين تبوءوا الدار والإيمان ، أن يقبل من محسنهم ،
و
ويعفى عن مسيئهم ، وأوصيه بذمة الله وذمة رسوله أن يوفي لهم
بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم ، وأن لا يكلفوا فوق طاقتهم .
قال المؤلف : غرض البخاري في هذا الحديث - والله أعلم - أن
يبين فضل أبي بكر وعمر بما لا يشركهما فيه أحد ، وذلك أنهما كانا
وزيري رسول الله في حياته ، وعادا ضجيعيه بعد مماته ، فضيلة
خصهما الله بها ، وكرامة حباهما بها ، لم تحصل لأحد ؛ ألا ترى
وصية عائشة إلى ابن الزبير أن لا يدفنها معهم خشية أن تزكى بذلك ،
[٢٤٨٥/١-١) وهذا من تواضعها وإقرارها / بالحق لأهله وإيثارها به على نفسها مَنْ
هو أفضل منها ، ولم تر أن تُزَكَّى بدفنها مع الرسول ، ورأت عمر بن
الخطاب لذلك أهلا .
وإنما استأذنها عمر في ذلك ورغب إليها فيه ؛ لأن الموضع كان
بيتها، وكان لها فيه حق ، وكان لها أن تؤثِرَ به نفسها لذلك ، فآثرت
به عمر ، وقد كانت عائشة رأت رؤيا دلتها على ما فعلت حين رأت
ثلاثة أقمار سقطن في حجرها ، فقصتها على أبي بكر الصديق ، فلما
توفي رسول الله ودفن في بيتها قال أبو بكر : هذا أحد أقمارك ، وهو
خيرها .
فيه من الفقه : الحرص على مجاورة الموتى الصالحين في القبور
طمعًا أن تنزل عليهم رحمة فتصيب جيرانهم ، أو رغبة أن ينالهم دعاء
من يزورهم في قبورهم من الصالحين .
- ٣٨٠ -