Indexed OCR Text
Pages 321-340
حق ، وهو مذهب أهل السّنّة ، وسيأتي الكلام فيه في بابه - إن شاء الله . وأما قوله : (( يسمعها من يليه )) فالذي يليه هم الملائكة الذين يلون فتنته ومسألته في قبره ، والثقلان : الجن والإنس منعهم الله سماع صيحته إذا دفن في قبره ، فإن قال قائل : الجن من الثقلين ، وقد منعهم الله سماع هذه الصيحة ، ولم يمنعهم سماع كلام الميت إذا حمل ، وقال : قدموني قدموني ، فما الفرق بين ذلك ؟ قيل : إن كلام الميت حين يحمل إلى قبره هو في حكم الدنيا ، وليس فيه شيء من الجزاء والعقوبة ؛ لأن الجزاء لا يكون إلا في الآخرة ، وإنما كلامه اعتبار لمن سمعه وموعظة ، فأسمعها الله الجن ؛ لأنه جعل فيهم قوة يثبتون بها عند سماعه ولا يضعفون بخلاف الإنسان الذي كان يصعق لو سمعه ، وصيحة الميت في القبر عند فتنته هي عقوبة وجزاء ، فدخلت في حكم الآخرة ، فمنع الله الثقلين - اللذين هما في دار الدنيا - سماعَ عقوبته وجوابه في الآخرة ، وأسمعه سائر خلقه . وقوله : (( لا دريت ولا تليت )) الأصل فيه تلوت ، فردوه إلى الياء ليزدوج الكلام، هذا قول ثعلب. وقال ابن السكيت: (( تليت )) هاهنا اتباع ولا معنى لها . وقال ابن الأنباري : إنما قيل للجن والإنس: الثقلان ؛ لأنهما كالثقل للأرض وعليها ، والثقل بمعنى الثقيل، وجمعها : أثقال ، ومجراهما مجرى قول العرب مِثْل وَمثيل، وشبه وشبيه ، وكانت العرب تقول للرجل الشجاع : ثقل على الأرض، فإذا مات أو قتل : سقط ذلك عنها . قالت الخنساء ترثي أخاها : حلت بها الأرض أثقالها أبعد ابن عمرو من الربذة - ٣٢١ - باب : من أحب الدفن في الأرض المقدسة أو نحوها فيه: أبو هريرة قال: (( أُرسل ملك الموت إلى موسى ، فلما جاءه صكّهُ، فرجع إلى ربُّه فقال : أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت . فرد الله إلیه عينه ، فقال : ارجع فقل له : يضع يده على متن ثور ، فله بكل ما غطت يده بكل شعرة سَنَة . قال : أي رب ، ثم ماذا ؟ قال : ثم الموت . قال : فالآن. فسأل الله أن يدفنه من الأرض المقدسة رميةً [بحجر](١)، قال رسول الله : لو كنت ثَمّ لأریتکم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر)). قال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة : أنكر بعض أهل البدع والجهمية هذا الحديث ودفعوه ، وقالوا : لا يخلو أن يكون موسى عرف ملك الموت أو لم يعرفه ، فإن كان عرفه فقد ظلمه واستخف برسول الله ، ومن استخف برسول الله فهو مستخف بالله ، وإن كان لم يعرفه فرواية من روى أنه كان يأتي موسى عيانًا لا معنى لها . قال الجهمي : وزعمت الحشوية أن الله لم يقاصص الملك من اللطمة وفقء العين ، والله - تعالى - لا يظلم أحداً. قال ابن خزيمة : وهذا اعتراض من أعمى الله بصيرته ، ولم يبصره رشده ، ومعنى الحديث صحيح على غير ما ظَنَّهُ الجهمي ، وذلك أن موسى عليه السلام لم يبعث الله إليه ملك الموت وهو يريد قبض روحه حينئذ ، وإنما بعثه إليه اختبارًاً وابتلاء ، كما أمر الله خليله إبراهيم بذبح ابنه ، ولم يُرد تعالى إمضاء الفعل ولا قتل ابنه ، فقداه بذبح عظيم ﴿ونادیناه أن یا إبراهيم قد صدقت الرؤيا ﴾ (٢) ولو أراد قبض روح [١/ ٢٣٨٥-١] موسى / حين ألهم ملك الموت لكان ما أراد ؛ لقوله تعالى: ﴿ إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون﴾ (٣). (١) في ((الأصل)): ((حجر))، والمثبت من الفتح (٢٤٥/٣)، ومثله سيأتي في الشرح هنا (ص ٣٢٥) . (٢) الصافات: ١٠٤، ١٠٥. (٣) النحل : ٤٠. - ٣٢٢ - وكانت اللطمة مباحة عند موسى إذا رأى شخصًا في صورة آدمي قد دخل عنده لا يعلم أنه ملك الموت ، وقد أباح الرسول فقء عين الناظر في دار المسلم بغير إذن ، رواه بشير بن نهيك ، عن أبي هريرة أن النبي - عليه السلام - قال: ((من اطلع في دار قوم بغير إذن ، ففقاً عينه فلا دية ولا قصاص )) ومحال أن يعلم موسى أنه ملك الموت ويفقأ عينه ، وكذلك لا ينظره إلا بعلمه . وقد جاءت الملائكةُ خليلَ الله إبراهيم ولم يعرفهم في الابتداء حتى أعلموه أنهم رسل ربهم ، قال تعالى : ﴿ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاما قال سلام ... ﴾ إلى ﴿خيفة﴾ (١) ولو علم إبراهيم في الابتداء أنهم ملائكة الله لكان من المحال أن يقدم إليهم عجلا ؛ لأن الملائكة لا تطعم ، فلما وجس منهم خيفة قالوا : لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط ، وقد أخبر الله أن رسله جاءت لوطًا فسيء بهم وضاق بهم ذرعًا ، ومحال أن يعلم في الابتداء أنهم رسل الله ويضيق بهم ذرعًا ، أو يَسيء بهم . وقد جاء الملك إلى مريم فلم تعرفه ، واستعادت منه ، ولو علمت مريم في الابتداء أنه ملك جاء يبشرها بغلام يبرئ الأكمه والأبرص ويكون نبيا ما استعاذت منه ، وقد دخل الملكان على داود في شبه آدميين يختصمان عنده ولم يعرفهما وإنما بعثهما الله ليتعظ بدعوى أحدهما على صاحبه ، ويعلم أن الذي فعله لم يكن صوابًا فتاب إلى الله وندم ، قال تعالى : ﴿ وظن داود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعًا﴾ (٢) فكيف يُستنكر ألا يعرف موسى ملك الموت حين دخل عليه، وقد جاء جبريلُ النبيَّ وَ* [وسأله] (٣) عن الإيمان والإسلام في صورة لم يعرفه النبي - عليه السلام - ولا أحد من أصحابه ، فلما (١) هود : ١٦٩- ٧٠ . (٢) ص : ٢٤ . (٣) ليست في ((الأصل)) والسياق يقتضيها. - ٣٢٣ - ولَّى أخبر النبي أنه جبريل وقال : (( ما أتاني في صورة قط إلا عرفته ، غير هذه المرة )) وكان يأتيه في بعض الأوقات مرة في صورة ، ومرة في صورة أخرى ، وأخبر عليه السلام أنه لم ير جبريل في صورته التي خلق عليها إلا مرتين . وأما قول الجهمي : إن الله لم يقاصص ملك الموت من اللطمة، فهو دليل على جهل قائله ، ومَنْ أخبره أن بين الملائكة وبين الآدميين قصاص ! ومن أخبره أن ملك الموت طلب القصاص من موسى فلم يقاصصه الله منه ! وقد أخبرنا الله - تعالى - أن موسى قتل نفسًا ولم يقاصص الله منه لقتله . وقيل : إذا كانت اللطمة [ غير ] (١) مباحة يكون حكمها على كل الأحوال حكم العمد ، فيه القصاص ، أو تكون في بعض الأحوال خطأ تجب فيه الدية على العاقلة ، وما الدليل أن فقء عين ملك الموت كان عمدًا فيه القصاص دون أن يكون خطأ ، وهل تَرْكُ القصاص من موسى لملك الموت لو كان فقأ عين الملك عمدًا ، وكان حكم الملائكة مع بني آدم القصاص كحكم الآدميين ، إلا كترك القصاص من موسى لقتيله ، وكترك القصاص من أحد بني آدم لأخيه . وقد يأمر النبي - عليه السلام - بالأمر على وجه الاختبار والابتلاء، لا على وجه الإمضاء لأمره ، كما أمر عليه السلام بإقامة الحد على الرجل الذي زعمت المرأة أنه وطئها من غير إقرار الرجل ولا إقامة بينة عليه ( فبان للنبي في المتعفف من الوطء ، وصح عنده أن الذي رمته به المرأة كان زنا ) (٢)، وهذا كأمر سليمان بن داود بقطع الصبي باثنين ، وإنما أراد أن يختبر مَنْ أُمَّ الصبي ؛ لأن الأم أحنى على ولدها وأشفق، فلما رضيت [ إحداهما ] (٣) بقطع الصبي، ورضيت الأخرى بدفعه - (١) ليست في ((الأصل))، وأظنها سقطت من الناسخ سهوًا، فإن المعنى لا يستقيم بدونها . (٢) هكذا السياق في (( الأصل))، وفيه شيء. (٣) زدتها ليتم المعنى - ٣٢٤ - إلى الثانية ؛ بان عنده وظهر أن أم الصبي اختارت حياة ابنها ، وكذلك بعث الله ملك الموت إلى موسى للابتلاء والاختبار . وقد أخبرنا نبينا عليه السلام أن الله -تعالى- لم يقبض نبيا قط حتى يريه مقعده من الجنة ويخيره، فلا يجوز أن يؤمر ملك الموت بقبض روحه قبل أن يريه مقعده من الجنة، وقبل أن يخيره- والله ولي التوفيق. ومعنى سؤال موسى أن يدنيه من الأرض المقدسة - والله أعلم - الفضل من دُفن في الأرض المقدسة من الأنبياء والصالحين ، فاستحب مجاورتهم في الممات ، كما يستحب جيرتهم في المحيا ؛ ولأن الفضلاء يقصدون المواضع الفاضلة ، ويزورون قبورها ويدعون لأهلها. قال المهلب : إنما سأل الدنو من الأرض المقدسة ليسهل على نفسه، وتسقط عنه المشقة التي تكون على من هو بعيد منها من المشي وصعوبته عند البعث والحشر. قال غيره: ومعنى بعده منها (( رمية بحجر )) ليعمي قبره ؛ لئلا يعبدَ قبرَهُ جهالُ أهل ملته ، ويقصدونه بالتعظيم - والله أعلم - لأن النبي - عليه السلام - أخبر أن اليهود تفعل ذلك بقوله: (( لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ذلك)). [١/ق٢٣٨ -ب] باب : الدفن بالليل / ودفن أبو بكر ليلا فيه: ابن عباس قال: (( صلى النبي على رجل بعد ما دفن بليلة ، قام هو وأصحابه وكان يسأل عنه فقال : من هذا ؟ قالوا : فلان دُفن البارحة، فصلوا عليه )). قال ابن المنذر : أجاز أکثر العلماء الدفن بالليل ، فممن دُفن بالليل أبو بكر الصِّدِّيق ، دفنه عمر بن الخطاب بعد صلاة العشاء ، ودُفنت عائشة وعثمان بن عفان بالليل أيضًا ، ودَفن عليَّ بن أبي طالب زوجته فاطمة ليلا ، فَرَّ بِهَا من أبي بكر أن يصلي عليها ؛ كان بينهما شيء ، - ٣٢٥ - رواه ابن جريج عن عمرو بن دينار ، أن حسن بن محمد أخبره بذلك وقال : أوصته فاطمة بذلك . ورخص في ذلك عقبة بن عامر وسعيد ابن المسيب وعطاء ، وهو قول الزهري والثوري والكوفيين وابن أبي حازم ومطرف بن عبد الله ، ذكره ابن حبيب ، وإليه ذهب الشافعي وأحمد وإسحاق . وكان الحسن البصري يكره الدفن بالليل ، والدفن بالليل مباح ؛ لأن الرسول صلى على الذي دفن بالليل وعلى المسكينة ، ولم ينكر ذلك عليهم . وذكر الطحاوي من حديث جابر وابن عمر (( أن النبي - عليه السلام - نهى عن الدفن ليلا )) وقد يكون النهي عن ذلك ليس من طريق كراهية الدفن بالليل ، أراد رسول الله أن يصلي على جميع موتى المسلمين لما لهم في ذلك من الفضل والخير ، وروي عن أبي هريرة: (( أن النبي - عليه السلام - دخل المقبرة فصلى على رجل بعد ما دفن فقال : ملئت هذه القبور نورًا بعد أن كانت مظلمة عليهم»١٠٪ وقيل : إنما نهى عن ذلك لمعنى آخر رواه أشعث عن الحسن (( أن قومًا كانوا يسيئون أكفان موتاهم ، فنهى رسول الله عن دفن الليل )) وأخبر الحسن أن النهي عن الدفن ليلا إنما كان لهذه العلة ، وقد روى جابر بن عبد الله نحواً من ذلك . روى ابن لهيعة عن [ عبيد الله ] (١) بن أبي جعفر ، عن أبي الزبير [عن جابر] (٢) قال: ((خطب بنا النبي - عليه السلام - فذكر رجلا من أصحابه قبض فكفن في كفن غير طائل فدفن ليلا » فزجر أن يقبر الرجل ليلا لكي يصلي عليه، إلا أن يضطر إلى ذلك، وقال: ((إذا (١) من شرح المعاني (٥١٤/١) وكتب الرجال، ووقع في ((الأصل)): عبد الله. وهو خطأ . (٢) ليس في ((الأصل))، وزدتها من شرح المعاني ، والسياق يدل عليه . - ٣٢٦ - وارى أحدكم أخاه فليحسن كفنه )) . قال الطحاوي : فجمع في هذا الحديث العلتين اللتين قيل : إن النهي كان من أجلهما . قال الطحاوي: وقد فعل ذلك رسول الله ، وروى ابن إسحاق عن فاطمة بنت محمد ، عن عمرة، عن عائشة قالت: (( ما علمنا بدفن رسول الله وَ ﴿ حتى سمعنا بصوت [ المساحي] (١) من آخر الليل ليلة الأربعاء)) . وقال عقبة بن عامر: ((ثلاث ساعات كان رسول الله وَ ل ينهانا أن نصلي فيهن وأن نقبر فيهن موتانا : حين تطلع الشمس حتى ترتفع ، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل ، وحين تضيف الشمس إلى الغروب حتى تغرب)) فدل أن ما سوى هذه الأوقات بخلافها في الصلاة على الموتى ودفنهم . باب : بناء المسجد على القبور فيه: عائشة قالت: (( لما اشتكى النبي - عليه السلام - ذكر بعض نسائه كنيسة رأينها بالحبشة يقال لها : مارية ، فذكر من حسنها وتصاوير فيها فرفع رأسه فقال : أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدًا ، ثم صوروا فيه تلك الصور ، أولئك هم شرار الخلق )) . لأنهم كانوا يعبدون تلك القبور ؛ ولذلك نهى عليه السلام أن يتخذوا قبره مسجداً ؛ قطعًا للذريعة في ذلك لئلا يعبد الجهال قبره ، وقد تقدم هذا المعنى في باب ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور. (١) جمع ((مسحاة)) وهي المجرفة من الحديد - وهكذا وقعت في شرح المعاني (٥١٤/١) وجاءت في ((الأصل)): المسامي. وهو تحريف. - ٣٢٧ - باب : من يدخل قبر المرأة فيه: أنس قال: (( شهدنا بنت رسول الله مل ورسول الله جالس على القبر ، فرأيت عينيه تدمعان فقال : هل فيكم من أحد لم يقارف الليلة ؟ قال أبو طلحة: أنا، قال: فانزل في قبرها)) قال ابن المبارك: [ قال فليح] (١) أراه يعني : الذنب . قوله عليه السلام: (( يقارف الليلة)) أراد الجماع ، وليس كما قال [فليح ] (١) أنه الذنب ؛ لأن المقارفة أيضًا عند العرب: المجامعة . قال أبو عبيد: في حديث عائشة ((كان النبي وَّ﴾ يصبح جنبًا في رمضان من قراف غير احتلام ، ثم يصوم ) قال أبو عبيد : القراف هاهنا : الجماع ، وكل شيء خالطته وواقعته فقد قارفته . وقد روى البخاري في تاريخه ما يشهد لذلك قال : حدثنا عبد الله بن محمد المسندي قال : حدثنا عفان قال : حدثنا حماد ، عن ثابت ، عن أنس قال: (( لما ماتت رقية قال رسول الله: لا يدخل القبر رجل قارف أهله الليلة ، فلم يدخل عثمان القبر)) . قال البخاري : لا أدري ما هذا والنبي لم يشهد رقية ! وقال الطبري: روى أنس (( أن النبي - عليه السلام - لما نزلت أم كلثوم [٥/١/ ٢٣٩-١) بنت النبي - عليه السلام - في قبرها قال: لا ينزل في قبرها / أحد قارف الليلة)) فَذِكْرُ رقية فيه وهم - والله أعلم. ولذلك [ ذكر ] (٢) ـع البخاري في هذا الباب حديث أنس قال : (( شهدنا بنت النبي. ولم يذكر فيه رقية ، ولم يذكر حديث المسندي في هذا ، وهذا يدل على صواب قول الطبري - والله أعلم . وذكر البخاري أن أم كلثوم كانت تحت عثمان بن عفان بعد رقية ابنة النبي . (١) من الصحيح المطبوع مع الفتح (٢٤٨/٣)، وهو ابن سليمان أحد رجال إسناد هذا الحديث، وفي ((الأصل)): فليلج . وهو تحريف . (٢) ليست في ((الأصل)) ويقتضيها السياق. - ٣٢٨ - وذهب العلماء إلى أن زوج المرأة أَوْلى بإلحادها من الأب والولد ، ولا خلاف بينهم أنه يجوز للفاضل غير الولي أن يلحد المرأة إذا عدم الولي ، ولما كان النبي - عليه السلام - أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، ولم يجز لأحد التقدم بين يديه في شيء؛ لقوله تعالى : ﴿ لا تقدموا بين يدي الله ورسوله ﴾ (١) لم يكن لعثمان أن يتقدم بين يدي رسول الله في إلحاد زوجته . وأما قوله عليه السلام: (( هل فيكم أحد لم يقارف أهله الليلة ؟)) فيحتمل أن يستدل على معناه بقوله في حديث المسندي: (( فلم يدخل عثمان القبر» ودل سكوت عثمان وتركه المشاحة في إلحاد أهله أنه قد كان قارف تلك الليلة بعض خدمه ؛ لأنه لو لم يقارف لقال : أنا لم أقارف فأتولَّى إلحاد أهلي ، بل كان يحتسب خدمته في ذلك من أزكى أعماله عند الله ، وكان أولى من أبي طلحة لو ساواه في ترك المقارفة. فأراد عليه السلام أن يمنعه إلحادها حين لم يمنعه حزنه بموت ابنة رسول الله ، وانقطاع صهره منه ، عن المقارفة تلك الليلة على طراوة حزنه وحادث مصابه لمن لا عوض منها ، وقد قال عليه السلام : ((كل سبب ونسب ينقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي )) رواه عمر بن الخطاب وابن عباس وأبو رافع والمسور ، كلهم عن النبي - عليه السلام - ذكرها كلها الطبري . فعاقبه عليه السلام بأن حرمه هذه الفضيلة ، وكان عثمان كثير الخدم والمال، وفيه فضل عثمان وإيثاره الصدق حتى لم [ يَدَّع ] (٢) تلك الليلة ترك المقارفة ، وإن كان عليه بعض الغضاضة في إلحاد غيره لزوجته . (١) الحجرات : ١ . (٢) في ((الأصل)): يدعى . وهو خلاف الجادة . - ٣٢٩ - باب : الصلاة على الشهيد فيه : جابر قال: (( كان عليه السلام يجمع بين الرجلين من قتلى أحد ثم يقول : أيهم أكثر أخذًا للقرآن ؟ فإذا أشير له إلى أحدهما ، قدمه في اللحد، ولم يصل عليهم )) . وفيه : عقبة بن عامر: (( أن النبي - عليه السلام - خرج يومًا فصلى على أهل أُحُد صلاته على الميت ، ثم انصرف إلى المنبر فقال : إني فرط لكم، وأنا شهيد عليكم ، وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن ، وإني أعطيت مفاتيح خزائن الأرض ، وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي ، ولكني أخاف عليكم أن تنافسوا فيها )) . وترجم لحديث جابر باب دفن الرجلين والثلاثة في قبر واحد ، وباب من لم ير غسل الشهيد وباب من [ يقدم ](١) في اللحد . اختلف العلماء في هذا الباب ، فقال مالك : الذي سمعته من أهل العلم والسُّنَّة أن الشهداء لا يغسلون ، ولا يصلى على أحد منهم ، ويدفنون في ثيابهم التي قتلوا فيها ، وهو قول عطاء والنخعي والحكم والليث والشافعي وأحمد . وقال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي : يصلى عليه ولا يغسل ، وهو قول مكحول . وقال عكرمة : لا يغسل الشهيد ؛ لأن الله قد طيبه ، ولكن يصلى عليه . وقال سعيد بن المسيب والحسن البصري : يغسل الشهيد ويصلى عليه ؛ لأن كل ميت يجنب . وحجة مالك ومن وافقه حديث جابر أنهم لم يُغسلوا ولم يُصلى عليهم ، وأيضًا فإن النبي قال في دم الشهيد: ((اللون لون دم، والريح ريح المسك)) وقد روي في الحديث ((إذا كان يوم القيامة (١) من الصحيح المطبوع مع الفتح (٢٥٢/٣)، وفي ((الأصل)): لم . كذا . - ٣٣٠ - وبعث الله العباد ، قام الشهداء من قبورهم ، ووثبوا على خيولهم مستشفعين إلى الله بذلك)) فوجب ألا تغير أحوالهم أخذًا بالسَّنَّة التي رواها جابر في قتلى أُحُد . قال ابن القصار : ويوم أُحُد قتل فيه سبعون نفسًا ، فلا يجوز أن تخفى الصلاة عليهم . وقوله عليه السلام : (( اللون لون دم والريح ريح مسك )) نهي عن الصلاة عليه ؛ لأنه ميت لا يغسل فوجب ألا يصلى عليه ، دليله السقط الذي لم يستهل ، وإذا سقط فرض الطهارة سقط فرض الصلاة، قال الله - تعالى - : ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون﴾ (١) وقال عليه السلام: (( صلوا على موتاكم )) وقد نفى الله عنهم الموت وأوجب لهم الحياة ، فلا تجب الصلاة عليهم . واحتج أبو حنيفة ومن وافقه بحديث عقبة بن عامر: (( أن النبي - عليه السلام - صلى على أهل أُحُد بعد ثماني سنين صلاته على الميت)) / وبما روي أنه صلى على حمزة سبعين صلاة، قالوا: فلو لم تجز [١/ق٢٣٩ -ب] الصلاة على الشهداء ما صلى عليهم ، روي ذلك من حديث ابن عباس وابن الزبير ، فأما حديث ابن الزبير فرواه أحمد بن عبد الله بن يونس عن أبي بكر بن عياش ، عن يزيد بن أبي زياد ، عن مقسم ، عن ابن عباس (( أن رسول الله كان يوضع بين يديه يوم أُحُد عشرة فيصلي عليهم وعلى حمزة ، ثم يرفع العشرة ، وحمزة موضوع ، ثم يوضع عشرة فيصلي عليهم وعلى حمزة معهم ، يكبر عليهم سبع تكبيرات حتى فرغ )) وحديث ابن الزبير ذكره ابن إسحاق عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير ، عن أبيه ، عن جده . وقال أهل المقالة الأولى : يحتمل أن يكون حديث ابن عباس وابن (١) آل عمران : ١٦٩ . - ٣٣١ - الزبير أنه صلى على قتلى أُحُد على من حمل فعاش ، حتى تستعمل الأحاديث ، ويجوز أن يكون صلى عليهم أي : دعا لهم، وعلى هذا يتأول حديث عقبة أنه دعا لهم كما يدعى للميت بالمغفرة والرحمة ؛ لأن الصلاة من النبي لأمته هي بمعنى الدعاء لهم؛ ألا ترى قوله تعالى: وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم﴾ (١) أن المراد به الدعاء لهم . والدليل على صحة هذا التأويل حديث ( ابن إسحاق، عن عبد الله ابن عمرو بن العاص) (٢) قال: أخبرني أبو مويهبة ، مولى النبي - عليه السلام - قال: قال لي رسول الله وَخلال: ((إني قد أمرت أن أستغفر لأهل البقيع ، فاستغفر لهم ثم انصرف فقال لي : إن الله قد خيرني في مفاتيح خزائن الأرض والخلد فيها ثم الجنة ، أو لقاء ربي ، فاخترت لقاء ربي )» :. وأصبح رسول الله من ليلته تلك فبدأه وجعه الذي مات فيه، فكأن خروجه إلى البقيع كالمودع الأحياء والأموات ، حتى نعيت إليه نفسه ، فهذا تفسير حديث ابن عباس وابن الزبير وحديث عقبة ، وأن الصلاة فيها بمعنى الدعاء والاستغفار ، كما دل عليه كتاب الله . وأما صلاته على حمزة فهو خصوص له ؛ لأنه كبر عليه سبع تكبيرات ، وهم لا يقولون بأكثر من أربع ، وحمزة مخصوص بإعادة الصلاة عليه لو صح ذلك ، لإجماع العلماء أنه لا يجوز أن يصلى على قبر لم يصل عليه إلا بحدثان ذلك ، وأكثر ما حُدَّ في ذلك ستةٍ أشهر .. (١) التوبة : ١٠٣ . (٢) هكذا وقع الإسناد في ((الأصل)) وبين ابن إسحاق وعبد الله بن عمرو في هذا الإسناد اثنان ، كما في مسند أحمد (٤٨٩/٣) - وفيه خطأ في اسم شيخ ابن إسحاق - وقد وقع في هذا الإسناد اختلاف كثير ، راجع : الإصابة (١٨٨/٤) ترجمة أبي موهبة رضي الله عنه . - ٣٣٢ - وقد عارض حديث ابن عباس وابن الزبير ما روى أسامة بن زيد ، عن الزهري ، عن ابن عباس ((أن النبي لم يصل على أحد من قتلى أُحُد غير حمزة )) فصار مخصوصًا بذلك ؛ لأنه وجده في القتلى قد جرح ومُثُّل به، فقال: (( لولا أن تجزع عليه صفية لتركته حتى يحشره الله من بطون الطير والسباع ، فكفنه في نمرة إذا خمر رأسه بدت رجلاه، وإذا خمر رجليه بدا رأسه، ولم يصل على أحد غيره ، وقال: أنا شهيد عليكم اليوم)) ويشهد لهذا المعنى حديث جابر ، وهذا أَوْلى ما قيل به في هذا الباب ؛ لأنه أصح من الأحاديث المعارضة له ، وقول سعيد بن المسيب والحسن مخالف للآثار ، فلا وجه له . واختلف الفقهاء إذا جرح في المعركة ثم عاش بعد ذلك ، أو قتل ظلمًا بحديدة أو غيرها فعاش ، فقال مالك : يغسل ويصلى عليه . وبه قال الشافعي . وقال أبو حنيفة : إن قتل ظلمًا في المصر بحديدة لم يغسل ، وإن قتل بغير الحديدة غسل . وحجة مالك ما رواه نافع عن ابن عمر أن عمر غُسل وصلي عليه ؛ لأنه عاش بعد طعنته وكان شهيدًا . قال ابن القصار : ولم ينكر هذا أحد من الصحابة . قال : وكذلك جرح عليّ بن أبي طالب فعاش ثم مات من ذلك ، فغسل وصلي عليه ، ولم ينكره أحد . قال الطبري : وفيه من الفقه أن الموت إذا كثر في موضع بطاعون أو غيره ، أو كثر القتل في معركة حتى تعظم المؤنة في حفر قبر لكل رجل منهم ، أن تدفن الجماعة منهم في حفرة واحدة ، كالذي فعل عليه السلام في جمع مشركي بدر في قليب واحد، وهم سبعون رجلا. واختلفوا في دفن الاثنين والثلاثة في قبر ، فكره ذلك الحسن البصري ، وأجازه غير واحد من أهل العلم فقالوا : لا بأس أن يدفن الرجل والمرأة في القبر الواحد ، وهو قول مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق ، غير أن الشافعي وأحمد قالوا ذلك في موضع - ٣٣٣ - الضرورات . وحجتهم حديث جابر المتقدم ، وقال : يقدم أسنهم وأكثرهم أخذاً للقرآن ، ويقدم الرجل أمام المرأة . قال المهلب : وهذا خطاب للأحياء أن يتعلموا القرآن ولا يغفلوه حين أكرم الله حملته في حياتهم وبعد مماتهم . والفَرَط : المتقدم . والنمرة : كساء من شعر أو شقة من شعر . عن الطبري . وقال ابن السكيت : إذا نسج الصوف وجعل له هدب، فهي نمرة وبرد وشملة . [١/ ق ٢٤٠- ١] / باب : الإذخر والحشيش في القبر فيه : ابن عباس: قال عليه السلام: (( إن الله حرم مكة فلم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي ، أحلت لي ساعة من نهار ، لا يختلى خلاؤها، ولا يعضد شجرها ، ولا ينفر صيدها ، ولا تلتقط [ لقطتها ](١) إلا المُعَرِّف ] (٢) قال العباس: إلا الإذخر لصاغتنا وقبورنا. فقال: إلا الإذخر)) ." قال المؤلف : اتفق العلماء على جواز قطع الإذخر خاصة من منبته بمكة ، وأن غيره من النبات محرم قطعه ، وأما الحشيش فإنه الورق الساقط والعشب المنكسر ، ويجوز عند العلماء استعماله ، وإنما يحرم قطعه من منبته فقط .. وفي هذا الحديث جواز استعمال الإذخر وما جانسه من الحشيش الطيب الرائحة في قبور الأموات ، وأهل مكة يستعملون من الإذخر (دريره ) (٣) ويطيبون بها أكفان الموتى ، ففهم البخاري أن ما كان من (١) في ((الأصل)): لقيطها، والتصويب من الفتح (٢٥٣/٣). (٢) من الصحيح المطبوع مع الفتح (٢٥٣/٣)، وفي ((الأصل)): لعرف . كذا. (٣) هكذا صورتها في ((الأصل)). - ٣٣٤ - النبات في معنى الإذخر ، فهو داخل في الإباحة ، كما أن المسك وما جانسه من الطيب في الحنوط داخل في معنى إباحة الكافور للميت ، وسيأتي معنى هذا الحديث في آخر كتاب الحج في أبواب أحكام الحرم- إن شاء الله تعالى . باب : هل يُخْرج الميت من القبر واللحد لعلّة ءِ فيه: جابر: (( أتى النبيّ ◌َّ عبدَ الله بن أُبَيِّ بعد ما أدخل حفرته فأمر به فأخرج ، فوضع على ركبتيه ونفث في فيه من ريقه ، وألبسه قميصه - فالله أعلم - وكان كسا عباسًا قميصًا )) . قال ( أبو هريرة) (١): (( وكان على النبي قميصان ، فقال له ابن عبدالله : يا رسول الله ، ألبس أبي قميصك الذي يلي جسدك ، قال سفيان : فيرون أن النبي - عليه الصلاة والسلام - ألبس عبد الله قميصه مكافأةً لما صنع )) . وفيه : جابر: (( لما حضر أُحُدُ دعاني أبي من الليل ، فقال : ما أراني إلا مقتولا في أول من يقتل من أصحاب رسول الله وَار وإني لا أترك بعدي أعز عليّ منك غير نفس رسول الله وَلّ﴿ وإن عليّ دَيْنًا فاقضٍ ، واستوصِ بأخواتك خيرًا . فأصبحنا فكان أول قتيل ، ودفنت معه آخر (١) قال الحافظ ابن حجر في شرح هذا الحديث رقم (١٣٥٠): وقع في رواية أبي ذر وغيره (( أبو هارون )) ووقع في كثير من الروايات ((وقال أبو هريرة )) وكذا في مستخرج أبي نعيم وهو تصحيف ، وأبو هارون المذكور جزم المزي بأنه موسى بن أبي عيسى الحناط - بمهملة ونون - المدني ، وقيل : هو الغنوي ، واسمه : إبراهيم بن العلاء من شيوخ البصرة ، وكلاهما من أتباع التابعين ، فالحديث معضل ، وقد أخرجه الحميدي في مسنده عن سفيان ، فسماه : عيسى، ولفظه: ((حدثنا عيسى بن أبي موسى، فهذا المعتمد. اهـ . كذا وقع في الفتح، والصواب (( موسى بن أبي عيسى ) كما تقدم في كلام المزي ، وكما يعلم من المراجع المعتمدة ، أفاده المعلق على فتح الباري . - ٣٣٥ - في قبره ، ثم لم تطب نفسي أن أتركه مع آخر ، فاستخرجته بعد ستة أشهر ، فإذا هو كيوم وضعته هُنَيَّةً غيرَ أُذُنُه )) . قال المهلب : في هذا الحديث جواز إخراج الميت بعد ما يدفن إذا كان لذلك معنى ، مثل أن ينسى غسله أو ما أشبه ذلك . قال ابن المنذر : اختلف العلماء في النبش عمن دفن ولم يغسل ، فكلهم يجيز إخراجه وغسله ، هذا قول مالك والثوري والشافعي ، إلا أن مالكًا قال : ما لم يتغير - في رواية علي بن زياد عنه . وقال أبو حنيفة وأصحابه : إذا وضع في اللحد وغطي بالتراب ، ولم يغسل ، لم [ ينبغ ] (١) لهم أن ينبشوه من قبره ، وهو قول أشهب ، والقول الأول أصح ؛ بدليل حديث جابر . ولذلك اختلفوا فيمن دفن بغير صلاة ، قال ابن القاسم : يخرج بحدثان ذلك ما لم يتغير حتى يغسل ويصلى عليه . وهو قول سحنون، وقال أشهب : إن ذكروا ذلك قبل أن يهال عليه التراب ، أخرج وصلي عليه ، وإن أهالوا عليه التراب فليترك ، وإن لم يُصل عليه ، وروى ابن نافع عن مالك في المبسوط : إذا نُسيت الصلاة على الميت حتى يفرغ من دفنه ، لا أرى أن ينبشوه لذلك ، ولا يصلى على قبره ، ولکن يدعون له . ومن كتاب ابن سحنون : وإذا نسوا في القبر ثوبًا أو كساءً لرجل ، فإنه ينبش ويخرج ، وفي العتبية قال سحنون : ولو ادعى رجل أن الثوب الذي على الكفن له أو كان خاتماً أو دينارًا ، فإن كان ذلك يعرف ، أو أَقَرَّ بِهِ أهل الميت ، ولم يَدَّعُوه لهم أو للميت ، جعل لهم سبيل إلى إخراج الميت . وفي سماع عيسى عن ابن القاسم : إذا دفن: (١) في ((الأصل)) : ينبغي . ! - ٣٣٦ - في ثوب ليس له فلينبش لإخراجه لربه ، إلا بأن يطول أو يروح الميت فلا أرى لذلك سبيلا . وفي قول جابر: (( نفث عليه من ريقه)) حجة على من قال : إن ريق ابن آدم ونخامته نجس، وهو قول يروى عن [ سَلْمان ] (١) الفارسي ، والعلماء كلهم على خلافه، والسنن وردت بردِّه، ومعاذ الله أن يكون ريق النبي نجسًا، وينفثه على وجه التبرك به /، وهو صلى الله [١/ ق ٢٤٠ -ب] عليه عَلَّمنا النظافة والطهارة ، وبه طهرنا الله من الأدناس . وجماعة الفقهاء يقولون بطهارة ريق ابن آدم ونخامته على نص هذا الحديث ، وفيه أن الشهداء لا تأكل الأرض لحومهم ، ويمكن أن يكون ذلك في قتلى أُحُد خاصة ، ويمكن أن يشركهم في ذلك غيرهم ممن خصه الله بذلك من خيار خلقه ، ومثل هذا الحديث ما روى مالك في الموطأ ، عن عبد الرحمن بن أبي صعصعة ، أنه بلغه أن عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمرو الأنصاريين كانا قد حفر السيل قبريهما ، وهما ممن استشهد يوم أُحُد ، فحفر عنهما ليُغيّرا من مكانهما ، فَوُجدا لم يتغيرا كأنهما ماتا بالأمس ، وكان أحدهما قد جرح فوضع يده على جرحه ، فدفن وهو كذلك ، فأميطت يداه عن جرحه ثم أرسلت فرجعت كما كانت ، وكان بين أُحُد وبين يوم حُفْر عنهما [ست] (٢) وأربعون سنة . وروى ابن عيينة ، عن أبي الزبير ، عن جابر قال : لما أراد معاوية أن يُجريَ العَيْنَ بِأُحُد ، نودي بالمدينة : من كان له قتيل فليأت . قال جابر : فأتيناهم فأخرجناهم رطابًا يتثنون ، فأصابت المسحاة أصبع (١) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه عنه (١/ ١٤٠) ووقع في ((الأصل)): سليمان. وهو تحريف . (٢) في (( الأصل)): ستة. - ٣٣٧ - رجل منهم فانفطرت دمًا . وقال سفيان : بلغني أنه حمزة بن عبد المطلب ، وهذا الوقت غير الوقت الذي أخرج فيه جابر أباه من قبره * باب : (الشق واللحد ) (١) في القبر : ( وسمي اللحد ؛ لأنه في ناحية ملتحدًا معتدلا ، ولو كان مستقيمًا لكان جرفًا ) (٢). فيه : جابر : « كان النبي - عليه السلام - يجمع بين الرجلین من قتلی أُحُد ، ثم يقول : أيهم أكثر أخذًا للقرآن ؟ فإذا أشير له إلى أحدهما ، قدمه في اللحد ، فقال : أنا شهيد على هؤلاء ... )) الحديث . قال عيسى بن دينار : اللحد أحب إلى العلماء ؛ لأن النبي - عليه السلام - لُحدَ له ، ونصب على لحده اللبن ، ولَحَد عليه السلام لابنه إبراهيم ونصب عليه اللبن ، ولحد لأبي بكر وعمر ، وأوصى عمر أهله: إذا وضعتموني في لحدي فأفضوا بخدي إلى الأرض . وأوصى ابن عمر أن يلحد له ، واستحب ذلك النخعي ومالك وأبو حنيفة وأصحابه وإسحاق ، وقالوا : هذا الذي اختار الله لنبيه . وقال عيسى بن دينار : اللحد : أن يحفر له تحت الجرف في حائط. قبلة القبر . وفي سماع ابن غانم : اللحد والشق كل واسع ، واللحد أحب إليّ . وقال الشافعي : إن كانت أرضًا شديدة لُحد لهم، وإن كانت رقيقة شق لهم . وقد روي عن الرسول من حديث جرير وغيره (١) في الصحيح المطبوع مع الفتح (٢٥٨/٣) اللحد والشق، ولم يذكر الحافظ ابن حجر في الفتح غيره، فالله أعلم . (٢) ما بين القوسين ليس في المطبوع من الصحيح ، ولم يشر إليه الحافظ في الفتح. - ٣٣٨ - أنه قال: (( اللحد لنا، والشق لغيرنا)) ولهذا الحديث - والله أعلم - كره الشق . باب : إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه وهل يعرض على الصبي الإسلام وقال الحسن وشريح وإبراهيم وقتادة : إذا أسلم أحدهما فالولد مع المسلم، وكان ابن عباس مع أمه من المستضعفين ، ولم يكن مع أبيه على دین قومه ، وقال : الإسلام يعلو ولا يُعلى . وفيه : ابن عمر قال: (( انطلق النبي - عليه السلام - في رهط قبَل ابن صياد، حتى وجدوه يلعب مع الصبيان عند ( أكم) (١) بني مَغَالة ، وقد قارب ابن صياد الحلم، فلم يشعر حتى ضرب النبي بيده ، ثم قال لابن صياد : تشهد أني رسول الله ؟ فنظر إليه ابن صياد فقال : أشهد أنك رسول الأميين ، فقال ابن صياد للنبي - عليه السلام - : أتشهد أني رسول الله ؟ فرفضه وقال : آمنت بالله ورسله ، فقال له : ماذا ترى ؟ قال ابن صياد : يأتيني صادق وكاذب ، فقال عليه السلام : خلط عليك الأمر ، ثم قال له النبي - عليه السلام - : إني قد خبأت لك خبًا ، فقال ابن صياد : هو الدخ . فقال له : اخسأ ، فلن تعدو قدرك ، فقال عمر : با رسول الله ، دعني أضرب عنقه ، فقال رسول الله : إن يك هو فلن تسلط عليه ، وإن لم يك هو فلا خير لك في قتله)). وقال سالم عن ابن عمر: (( انطلق بعد ذلك النبي - عليه السلام - (١) في الصحيح المطبوع (٢٥٩/٣): أطم. قال ابن حجر (٢٦١/٣): بضمتين ، بناء كالحصن . ١ هـ. ولم يشر إلى وقوعها في شيء من الروايات كما هنا ، والأكم هو التل . - ٣٣٩ - وأبي بن كعب إلى النخل التي فيها ابن صياد وهو [ يختل ] (١) أن يسمع من ابن صياد شيئًا قبل أن يراه ابن صياد ، فرآه النبي - عليه السلام - وهو مضطجع(٢) له فيها رمرمة ، فرأت أم ابن صياد رسول الله فقالت لابن صياد : يا صاف - وهو اسم ابن صياد - هذا محمد . فثار ابن صياد ، فقال النبي - عليه السلام -: لو تركته بَيّن)) وقال شعيب : زمزمة [ فرصه ] (٣) . وفيه: أنس قال: (( كان غلام يهودي يخدم النبي - عليه السلام - فمرض ، فأتاه الرسول يعوده فقعد عند رأسه ، فقال له : أسلم. فنظر إلى أبيه ، فقال : أطع أبا القاسم . فخرج النبي وهو / يقول : الحمد لله الذي أنقذه من النار )) . [١/ق٢٤١-١] وفيه : ابن عباس: (( كنت أنا وأمي من المستضعفين ، أنا من الولدان ، وأمي من النساء )) . قال ابن شهاب : يصلى على كل مولود توفي ، وإن كان لغَيَّة من أجل أنه ولد على فطرة الإسلام ، يَدْعِي أبواه الإسلام ، أو أبوه خاصة ، وإن كانت أمه على غير الإسلام إذا استهل صارخًا صُلِّي عليه ، ولا يصلى على من لا يستهل من أجل أنه سقط ، وأن أبا هريرة كان يحدث ، قال النبي - عليه السلام -: (( ما من مولود يولد إلا على الفطرة ، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء ، هل تحسون فيها من جدعاء ... )) الحديث . قال المهلب : يُصلَّى على الصبي الصغير المولود في الإسلام ؛ لأنه (١) بالخاء المعجمة الساكنة بعدها مثناة مكسورة أي : يخدعه ، والمراد : أنه كان يريد أن يستغفله ليسمع كلامه وهو لا يشعر، قاله ابن حجر في الفتح (٢٦١/٣). ووقع في ((الأصل)): يخيل. بياء - آخر الحروف - قبل اللام، وهو تصحيف. (٢) يعني فيّ قطيفة. كما في الصحيح المطبوع مع الفتح (٢٥٩/٣). (٣) في ((الأصل)) بالضاد المعجمة، والصواب في رواية شعيب أنها بالمهملة كما في فتح الباري لابن حجر (٢٦٢/٣) ورويت: فرفصه، انظر الفتح. - ٣٤٠ -