Indexed OCR Text

Pages 281-300

ويزيد عليه إظهاره في مطعمه وملبسه ، ومنهم من يكون حاله في حال
المصيبة وقبلها سواء ، فأيهم المستحق اسم الصبر ؟
قيل : قد اختلف السلف قبلنا في ذلك ، فقال بعضهم : المستحق
اسم الصبر الذي يكون في حال المصيبة مثله قبلها ، ولا يظهر عليه
خرم في جارحة ولا لسان . قال غيره : كما زعمت الصوفية ، أن
الوليّ لا تقم له الولاية إلا إذا تم له الرضا بالقدر ولا يحزن على
شيء .
والناس في هذا الحال مختلفون ، فمنهم من في طبعه الجَلَد وقلة
المبالاة بالمصائب ، ومنهم من هو بخلاف ذلك ، فالذي يكون في
طبعه الجزع ويملك نفسه، ويستشعر الصبر أعظم أجرًا من الذي الجَلَد
طبعه - والله أعلم .
قال الطبري : كما روي عن ابن مسعود أنه لما نعي إليه أخوه عتبة
قال : لقد كان من أعز الناس عليّ ، وما يسرني أنه بين أظهركم الآن
حيا . قالوا : وكيف وهو من أعز الناس عليك ؟! [ قال ] (١) : إني
لأؤجر فيه أحب إليَّ من أن يؤجر فيَّ . وقال ثابت : إن صلة بن
أشيم مات أخوه فجاءه رجل وهو يطعم فقال : يا أبا الصهباء ، إن
أخاك مات . قال : هلم فكل قد نُعي إلينا إِذَنْ فَكُلْ. قال : والله ما
سبقني إليك أحدٌ ممن نعاه . قال : بقول الله : ﴿ إنك ميت وإنهم
میتون ﴾ (٢).
وقال الشعبي : كان شريح يدفن جنائزه ليلا يغتنم ذلك ، فيأتيه
الرجل حين يصبح فيسأله عن المريض ، فيقول : هدأ ، لله الشكر ،
وأرجو أن يكون مستريحًا . أخذه من قصة أم سليم . وكان ابن سيرين
(١) زيادة يقتضيها السياق، كأنها سقطت من الناسخ .
(٢) الزمر : ٣٠.
- ٢٨١ -

--
يكون عند المصيبة كما هو قبلها ، يتحدث ويضحك إلا يوم ماتت
حفصة - رحمها الله - فإنه جعل يكشر ، وأنت تعرف في وجهه .
[٠٥/١ ٢٣-ب] وسئل ربيعة: ما منتهى الصبر ؟ قال : أن يكون يوم تصيبه / المصيبة
مثله قبل [ أن ] (١) تصيبه .
وقال آخرون : الصبر المحمود هو ترك العبد عند حدوث المكروه
عليه وصفه وبثه للناس ، ورضاه بقضاء ربه ، وتسليمه لأمره ، فأما
حزن القلب وحزن النفس ودمع العين فإن ذلك لا يُخرج العبد عن
معاني الصابرين إذا لم يتجاوزه إلى ما لا يجوز له فعله ؛ لأن نفوس
بني آدم مجبولة على الجزع على المصائب .
.....
قالوا : وقد مدح الله الصابرين ، ووعدهم جزيل الثواب عليه ،
قالوا : وثواب الله عباده إنما هو على ما اكتسبوه من أعمال الخير دون
ما لا صنع لهم فيه ، وتغيير الأجساد عن هيئاتها ، ونقلها عن طباعها
التي جبلت عليه لا يقدر عليه إلا الذي أنشأها .
والمحمود من الصير هو ما أمر الله به ، وليس فيما أمر به أمر تغيير
جبلة عما خلقت عليه ، والذي أمر به عند نزول البلاء الرضا بقضائه،
والتسليم لحكمه ، وترك شكوى ربه ، وكذلك فعل السلف . .
قال ربيعة بن كلثوم : دخلنا على الحسن وهو يشكي ضرسه، فقال:
رب مسني الضر وأنت أرحم الراحمين. وروى المقبري عن أبي هريرة،
عن النبي - عليه السلام - أنه قال: (( قال الله - تعالى - : إذا
ابتليت عبدي المؤمنُ فلم [يشتك] (٢) إلى عُوَّادِه أنشطته من [عقال](٣)
وبدلته لحمًا خيراً من لحمه ، ودمًا خيرًا من دمه ، ويستأنف العمل )) .
وقال طلحة بن [ مصرف ] (٤) : لا تشك ضرك ولا مصيبتك .
(١) زيادة كأنها سقطت من الناسخ .
(٣) في (( الأصل)): عقالي.
(٢) في (( الأصل)) : يشتكي.
(٤) في ((الأصل)): مشرف . وهو خطأ.
- ٢٨٢ -

قال: وأنبئت بأن يعقوب بن إسحاق - عليهما السلام - دخل عليه
· جاره فقال : يا يعقوب ، ما لي أراك قد تهشمت وفنيت ولم تبلغ من
السن ما بلغ أبوك! قال: هشمني ما ابتلاني به من يوسف، فأوحى الله
إلى يعقوب : أتشكوني إلى خلقي ؟ قال : يا رب ، خطيئة فاغفرها.
قال : قد غفرتها لك . فكان إذا سئل بعد ذلك قال : إنما أشكو بثي
وحزني إلى الله .
وقد توجع الصالحون على فقد الرسول وحزنوا له أشد الحزن ،
قال طاوس : ما رأيت خلقًا من خلق الله أشد تعظيمًا لمحارم الله من
ابن عباس ، وما ذكرته قط فشئت أن أبكي إلا بكيت ، ورأيت على
خديه مثل الشراكين من بكائه على رسول الله وله . وقال أبو عثمان :
ورأيت عمر بن الخطاب لما جاءه نعي النعمان بن مقرن وضع يده على
رأسه وجعل يبكي .
ولما مات سعيد بن [ أبي ] (١) الحسن بكى عليه الحسن حولا ،
فقيل له : يا أبا سعيد ، تأمر بالصبر وتبكي ؟! قال : الحمد لله الذي
جعل هذه الرحمة في قلوب المؤمنين يرحم بها بعضهم بعضًا ، تدمع
العين ، ويحزن القلب ، وليس ذلك من الجزع ، إنما الجزع ما كان
من اللسان واليد .
وقال يحيى بن سعيد : قلت لعروة : إن ابن عمر يشدد في البكاء
على الميت ، فقال : قد بكى على [ أبيه ] (٢) . وبكى أبو وائل في
جنازة خيثمة .
فهؤلاء معالم الدين لم يروا إظهار الوجد على المصيبة بجوارح
الجسم إذا لم يجاوزوا فيه المحذور خروجًا من معنى الصبر ، ولا
دخولا في معنى الجزع .
وقد بكى عليه السلام على ابنته زينب ، وعلى ابنه إبراهيم ،
(١) ليست في ((الأصل)) وسعيد هذا هو أخو الحسن بن أبي الحسن البصري.
(٢) في (( الأصل)): أبنه .
- ٢٨٣ -

وفاضت عيناه وقال: (( هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده )) وبكى
عليه السلام لقتل جلة الإسلام وفضلاء الصحابة ، وتوجع لفقدهم ،
فإذا كان المتَّبَع به نرجو الخلاص من ربنا ، وقد كان حزن بالمصيبة ،
وأظهر ذلك بجوارحه ودمعه ، وأخبر أن ذلك رحمة جعلها الله في
قلوب عباده ، فقد صح قول من وافق ذلك وسقط ما خالفه .
باب: من لم يظهر حزنه عند المصيبة
وقال محمد بن كعب : الحزن : القول السيئ والظن السيئ. وقال
يعقوب - عليه السلام -: ﴿ إنما أشكو بثي وحزني إلى الله﴾ (١).
وفيه: أنس: ((اشتكى ابنٌّ لأبي طلحة فمات وأبو طلحة خارج ، فلما
رأت امرأته أنه قد مات هيأت شيئًا ونحته في جانب البيت ، فلما جاء
أبو طلحة قال : كيف الغلام ؟ قالت : هدأ نَفَسُه ، وأرجو أن يكون قد
استراح . فظن أبو طلحة أنها صادقة ، قال : فبات فلما أصبح اغتسل ،
فلما أراد أن يخرج أعلمته أنه قد مات ، فصلى مع النبي ، ثم أخبر
النبي - عليه السلام - بما كان منها ، فقال رسول الله : لعل الله أن يبارك
لهما في ليلتهما )) قال سفيان: قال رجل من الأنصار : فرأيت لهما تسعة
أولاد كلهم قد قرأ القرآن .
قال المؤلف : أما من لم يظهر حزنه عند المصيبة ، وترك ما أبيح له
من إظهار الحزن الذي لا إسخاط فيه [ لله ] (٢) - تعالى - واختار
(١/ ٢٣١٥-) الصبر كفعل أم سليم / ومن قهر نفسه وغلبها على الصبر ممن تقدم
ذكره في الباب قبل هذا ؛ فهو آخذ بأدب الرب في قوله: ﴿ ولئن
صبرتم لهو خير الصابرين ﴾ (٣).
(١) يوسف : ٨٦ .
(٣) النحل : ١٢٦ .
(٢) ليست في (( الأصل )) ويقتضيها السياق.
- ٢٨٤ -

وفيه من الفقه جواز الأخذ بالشدة، وترك الرخصة لمن قدر عليها ،
وأن ذلك مما ينال به العبد جزيل الثواب ورفيع الأجر .
قال المهلب : في قول أم سليم: (( هدأ نَفَسُه وأرجو أن يكون قد
استراح )) التسلية عن المصائب بالتعريض من الكلام الذي يحتمل
معنيين، فإنها أخبرت بكلام لم تكذب فيه ، ولكن [ وَرَّت ] (١) به
عن المعنى الذي كان يحزنها ، ألا ترى أن نَفَسَهُ قد هدأ كما قالت
بالموت وانقطاع النَفَس ، وأوهمته أنه استراح قلقُه ، وإنما استراح من
نصب الدنيا وهمها .
وفيه : أن المرأة تتزين لزوجها تعرضًا للجماع ؛ لقوله : (( ثم هيأت
شيئًا)) إنما أراد هيأت شيئًا من حالها، فقال عليه السلام: (( لعله أن
يبارك لهما )) فأجاب الله - تعالى - قوله .
وفيه : أنه من ترك شيئاً لله - تعالى - وآثر ما ندب إليه وحض
عليه من جميل الصبر أنه معوض خيرًا فيما فاته ؛ ألا ترى قوله :
فرأيت تسعة أولاد كلهم قد قرأ القرآن .
قال الشيخ أبو الحسن بن القابسي : إنما حملت أم سليم حين مات
الغلام بعبد الله بن أبي طلحة ، والتسعة الذين قرءوا القرآن هم أولاد
عبد الله هذا ، وروى معمر عن ثابت ، عن أنس « أنه لما جامعها
قالت له : أرأيت لو أن رجلا أعارك عارية ، ثم بدا له فأخذها ،
أكنت تجزع ؟ قال : لا . قالت : إن الله أعارك ابنك وقد أخذه ،
فالله أحق أن ترضى بفعله وتُسلم إليه . فغدا إلى الرسول فأخبره
بقولها ، فقال : اللهم بارك لهما في ليلتهما . فولدت غلامًا كان
اسمه : عبد الله ، وكان من خير أهل زمانه )) .
(١) في (( الأصل)) : ورّات . وهو خطأ .
- ٢٨٥ -

ولقد أخذت أم سليم في الصبر إلى أبعد غاية ، على أن النساء أرق
أفئدة ؛ لأننا نقول : ما في النساء ولا في الجلة من الرجال مثل أم
سليم ؛ لأنها كانت تسبق الكثير من الشجعان إلى الجهاد ، وتحتسب
في [ مداواة] (١) الجرحى ، وثبتت يوم حنين في ميدان الحرب والأقدام
قد زلت ، والصفوف قد انفضت ، والمنايا قد فغرت ، فالتفت إليها.
الرسول وفي يدها خنجر فقالت : يا رسول الله ، أُقتل هؤلاء الذين
ينهزمون عنك كما تقتل هؤلاء الذين يحاربونك ، فليسوا بشرٍ منهم
باب : الصبر عند الصدمة الأولى
وقال عمر : نعم العدْلان ونعمت العلاوَة ﴿الذين إذا أصابتهم مصيبةٍ
قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون ﴾ (٢) الآية، وقوله: ﴿واستعينوا بالصبر
والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين﴾ (٣) .
فيه: أنس: قال عليه السلام: (( الصبر عند الصدمة الأولى)).
إن قيل : قد علمت أن العبد منهي عن الهُجر وتسخط قضاء الرب
في كل حال ، فما وجه خصوص نزول [ الأولى ] (٤) بالصبر في
حال حدوثها ؟ قيل : وجه خصوص ذلك أن للنفس عند هجوم
الحادثة محرك على الجزع ، ليس في غيرها مثله ، وتلك حال يضعف
عن ضبط النفس فيها كثير من الناس ، ثم يصير كل جازع بعد ذلك
إلى السكون ونسيان المصيبة ، والأخذ بقهر الصابر نفسه ، وغلبته
هواها عند صدمته إيثارًا لأمر الله على هوى نفسه ، ومنجزًا لموعوده ،
بل السالي عن مُصَابه لا يستحق اسم الصبر على الحقيقة ؛ لأنه آثر
السلو على الجزع واختاره .
(١) في ((الأصل)): مداراة . وهو تحريف .
(٣) البقرة : ٤٥ .
(٢) البقرة : ١٥٦ .
(٤) في ((الأصل)): ((الثانية))، ولا وجه لها هنا، وإنما المقصود : الصدمة الأولى
- ٢٨٦ -

وإنما الصابر على الحقيقة من صبر نفسه ، وحبسها عن شهوتها ،
وقهرها عن الحزن والجزع والبكاء الذي فيه راحة النفس وإطفاء النار
الحزن ، فإذا قابل سَوَرَةَ الحزن وهجومه بالصبر الجميل ، واسترجع
عند ذلك ، وأشعر نفسه أنه لله ملك ، لا خروج له عن قضائه ، وإليه
راجع بعد الموت ويلقى حزنه بذلك ؛ انقمعت نفسه ، وذلت على
الحق ، فاستحقت جزيل الأجر .
قال المهلب: (( نعم العدلان ونعمت العلاوة)) فقيل : العدْلان :
الصلوات والرحمة ، والعلاوة : ﴿وأولئك هم المهتدون﴾ (١)،
وقيل: ﴿إنا لله وإنا إليه راجعون﴾ (١) والعلاوة : التي يثاب عليها .
*
باب : قول الرسول إنا بك لمحزونون
وقال ابن عمر / عن الرسول: (( تدمع العين ويحزن القلب)) .
[١/ ق٢٣١ -ب]
فيه: أنس: ((دخلنا مع رسول الله وَله على أبي سيف القين - وكان
ظئرًا لإبراهيم - فأخذ رسولُ الله إبراهيمَ فقبّله وشمّه ، ثم دخلنا عليه بعد
ذلك وإبراهيم يجود بنفسه، فجعلتْ عينا رسول الله ( * تذرفان ، فقال
له عبد الرحمن بن عوف : وأنت يا رسول الله ! فقال : يا ابن عوف،
إنها رحمة - ثم أتبعها بأخرى - فقال : إن العين تدمع ، والقلب يحزن،
وما نقول إلا ما يرضي ربنا وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون)).
قال المؤلف : قد تقدم في الأبواب قبل هذا بيان البكاء والحزن
المباحين والمحرمين بما فيه كفاية ، لكنا كرهنا أن نخلي هذا الباب من
شيء من الكلام في هذا المعنى ، هذا البكاء تفسير البكاء المباح والحزن
الجائز ، وذلك ما كان بدمع العين ورقة النفس ، ولم يكن تسخطًا
(١) البقرة : ١٥٧ .
- ٢٨٧ -

لأمر الله ، إذ الفطر مجبولة على الحزن ، وقد قال الحسن البصري
العين لا يملكها أحد ، صبابة المرء بأخيه .
وروى ابن أبي شيبة من حديث أبي هريرة (( أن النبي - عليه
السلام- كان في جنازة مع عمر فرأى امرأة تبكي فصاح عليها عمر ،
فقال النبي : دعها يا عمر ، فإن العين دامعة ، والنفس مصابة ،
والعهد قريب )) فعذرها عليه السلام مع قرب العهد ؛ لأن بُعْدَهُ ربما
يكون ( ... ) (١) للثكل، وفتور فورة الحزن، فإذا كان الحزن على
الميت وفاء له ورقة عليه ، ولم يكن سخطًا للقضاء ولا تشكيًا به ،
فهو مباح كما تقدم قبل هذا؛ لقوله: ((إنها رحمة )) .
وقال أبو الحسن بن القابسي : قول أنس في أبي سيف القين :
((وكان ظئرًا لإبراهيم)) هو الذي يحتج في أن اللبن للفحل ، وقيل :
«کان ظئراً) أي رضیعه وليس بشيء ؛ لأن أبا سیف کان کالزبيب ؛
لأن في نص الحديث ما يدل أن إبراهيم كان عند زوج أبي سيف وهو
مريض .
فيه شدة إغراق النساء في الحزن وتجاوزهن الواجب فيه ؛ لنقصهن،
ومن رتع حول الحمى يوشك أن يواقعه ، وقد روى معمر عن الزهري
قال : ثلاثة من أمر الجاهلية لا يدعها الناس أبدًا : الطعن في
الأحساب ، والنياحة ، والاستسقاء بالأنواء . وروي عن الحسن
البصري في قوله تعالى : ﴿وجعل بينكم مودة ورحمة﴾ (٢) أن المودة:
الجماع ، والرحمة : الولد . ذكره ابن وهب .
(١) كلمة غير واضحة في ((الأصل)).
(٢) الروم : ٢١.
- ٢٨٨ -

باب : البكاء عند المريض
فيه : ابن عمر: (( اشتكى سعد بن عبادة فأتاه الرسول يعوده مع
عبدالرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود ، فوجده
في غاشية أهله ، فقال : قد قضى ؟ قالوا : لا يا رسول الله . فبكى النبي-
عليه السلام - فلما رأى القوم بكاء النبي بكوا ، فقال : ألا تسمعون ، إن
الله لا يعذب بدمع العين ، ولا بحزن القلب ، ولكن يعذب بهذا - وأشار
إلى لسانه - أو يرحم ، وإن الميت ليعذّب ببكاء أهله عليه )) وكان عمر
يضرب فيه بالعصا ، ويرمي بالحجارة ، ويحثي التراب .
قال المهلب : فيه جواز البكاء عند المريض ، وليس ذلك من الجفاء
عليه والتقريع له ، وإنما هو إشفاق عليه ، ورقة وحرقة لحاله ، وقد
بين في هذا الحديث أنه لا يعذب بدمع العين وحزن القلب ، وإنما
يعذب بالقول السيئ ودعوى الجاهلية، وقوله: (( أو يرحم)) يحتمل
معنيين : أحدهما : أو يرحم إن لم ينفذ الوعيد في ذلك ، والثاني :
يريد أو يرحمه إذا قال خيرًا ، واستسلم لقضاء الله - تعالى .
باب : ما ينهى عنه من النوح والبكاء والزجر عن ذلك
فيه: عائشة: (( قتل جعفر وزيد بن حارثة ... )) الحديث إلى قوله :
(( ... فزعمت أن النبي - عليه السلام - قال: فاحْثُ في أفواههن التراب
فقالت : أرغم الله أنفك ، ما أنت بفاعل ، وما تركتَ رسول الله من
العناء)).
وفيه: أم عطية قالت: (( أخذ علينا النبي - عليه السلام - عند البيعة ،
ألا ننوح، فما وَفَتْ منا امرأة غير خمس نسوة ... )) الحديث .
قال المؤلف : قد تقدم معنى هذا الباب ، وأن النوح والبكاء على
- ٢٨٩ -

سنة الجاهلية حرام قد نسخه الإسلام ؛ ألا ترى أن النبي - عليه السلام
- كان يشترط على النساء في بيعة الإسلام ألا ينحن تأكيدًا للنهي عنه،
وتحذيرًا منه .
وفيه أنه من نُهي عما لا ينبغي له فعله ولم ينته ، أنه يجب أن يؤدب
[٥/١ ٢٣٢-١١ على ذلك ويزجر ؛ ألا ترى قوله عليه السلام للرجل: / (« فاحث في
أفواههن التراب)) جين انصرف إليه المرة الثالثة وقال: إنهن غلبتنا،
- ٠
وهذا يدل أن بكاء نساء جعفر وزيد الذي نهين عنه لم يكن من النوح
المحرم ؛ لأنه لو كان من النوح المحرم لزجرهن حتى ينتهين عنه ؛ لأن
الله فرض عليه التبليغ والبيان ، ولا يؤمن على النساء عند بكائهن
الهائج لهن أن يضعف غيرهن ، فيصلن به نوحًا محرمًا ؛ فلذلك
نهاهن عليه السلام قطعًا للذريعة .
وفيه من الفقه أن للعالم أن ينهى عن المباح إذا اتصل به فعل
محذور، أو خيف مواقعته ؛ لأن الراتع حول الحمى يوشك أن یواقعه،
وهذا الحديث يدل أن قوله عليه السلام في حديث الموطأ ، حين دخل
الرسول على عبد الله بن الربيع يعوده ، فصاح به فلم يجبه ،
فاسترجع رسول الله ◌َله وقال : غلبنا عليك أبا الربيع ، فصاح النسوة
وبكين ، فجعل جابر يسكتهن ، فقال رسول الله : دعهن ، فإذا
وجبت فلا تبكين باكية )) والوجوب : الموت .
فدل أن هذا الحديث على الندب لا على الإيجاب ؛ لأنه لو كان
ترك البكاء عليه فرضًا بعد موته لما جاز لنساء جعفر أن يبكين بعد
موته، ولوجب أن يقتصرن على السكوت ، فلما اعترضت عائشة
لرسول الله حين قالت له : والله ما أنت بفاعل . ومثله قوله عليه
السلام: (( لكن حمزة لا بواكي له )) فدل على جواز البكاء على
الميت بعد موته .
- ٢٩٠ -

وقول أم عطية: (( أخذ علينا النبي - عليه السلام - ألا ننوح)) يبين
أن النوح بدعوى الجاهلية محرم ؛ لأنه لم يقع في البيعة شيء غير
فرض، وقولها : (( فما وَفَتْ منا امرأة غير خمس )) يصدق قول النبي
في النساء: (( إنهن ناقصات العقل والدين ، وإنهن خلقن من ضلع
أعوج))، ومن كان بهذه الصفة يعسر رجوعه إلى الحق وانقياده إليه.
وروى معمر عن الزهري قال : ثلاثة من أمر الجاهلية لا يدعها
الناس أبدًا: [ الطعن ] (١) في الأحساب، والنياحة ، والاستسقاء
[بالأنواء](٢).
باب : القيام إلى الجنازة
فيه: عامر بن ربيعة قال: قال النبي - عليه السلام -: ((إذا رأيتم
الجنازة فقوموا حتى تُخَلِّفَكُم أو تُوضَعَ)).
قال المهلب : مضى القيام للجنازة - والله أعلم - على التعظيم
لأمر الموت ، والإجلال لأمر الله ؛ لأن الموت فزع ، فيجب استقباله
بالقيام له والجدّ ، وقد روي هذا المعنى عن النبي - عليه السلام -
وروى محمد بن كثير عن الأوزاعي ، عن يحيى ، عن أبي سلمة ،
عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله: ((الموت فزع ، فإذا
رأيتم الجنازة فقوموا )) ذكره ابن أبي الدنيا ، ورواه ابن أبي شيبة من
حديث أبي هريرة عن النبي - عليه السلام - وأخذ بظاهر حديث عامر
ابن ربيعة جماعة من الصحابة والتابعين والفقهاء ، وسأذكرهم في
الباب بعد هذا - إن شاء الله .
(١) في (( الأصل)): ((اللعن)) والصواب ما أثبت، كما جاء في (ص ٢٨٨) قريبًا.
(٢) زيادة ليست في ((الأصل)، ولا بد منها، وهي من الأثر السابق (ص ٢٨٨).
٠
- ٢٩١ -

ورأت طائفة ألا يقوم للجنازة إذا مرت به وقالوا : لمن تبعها أن
يجلس وإن لم توضع ، واحتجوا بحديث عليّ بن أبي طالب ((أن
رسول الله كان يقوم في الجنازة ثم قعد بعد ذلك )) فدل هذا أن القيام
منسوخ بالجلوس ، وإلى هذا ذهب سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير
ومالك بن أنس وأبو حنيفة وأصحابه والشافعي ، وأما حديث عليّ
فرواه مالك عن يحيى بن سعيد، عن واقد بن [ عَمْرو ] (١) عن نافع
ابن جبير ، عن مسعود بن الحكم ، عن عليّ بن أبي طالب قال :
((قام رسول الله في الجنائز ثم قعد )) رواه شعبة عن محمد بن المنكدر،
عن مسعود بن الحكم ، عن عليّ بن أبي طالب قال : ((رأينا رسول
الله قام فقمنا ، ورأيناه قعد فقعدنا )) فثبت نسخ الأخبار الأُول بالقيام
للجنازة .
قال الطحاوي : وحدثنا يونس ، حدثنا ابن وهب، حدثنا أنس بن
عياض ، عن أنيس بن أبي يحيى قال: سمعت أبي يقول : (( كان ابن
عُمر وأصحاب النبي يجلسون قبل أن توضع الجنازة )) فهذا ابن عمر
يفعل هذا ، وقد روي عن عامر بن ربيعة ، عن النبي - عليه السلام-
خلاف ذلك ، فدل ذلك على ثبوت نسخ ما حَدَّث بِهِ عامر بن ربيعة ..
وحدثنا يونس ، حدثنا ابن وهب ، حدثنا عمرو بن الحارث ، أن
عبد الرحمن بن القاسم حدثه : (( أن القاسم كان يجلس قبل أن
توضع الجنازة ، ولا يقوم لها ، ويخبر عن عائشة أنها قالت : كان
أهل الجاهلية يقومون لها ويقولون : في أهلك ما أنت في أهلك ))
فهذه عائشة تنكر القيام أصلا ، وتخبر أن ذلك كان من فعل الجاهلية،
(١) هو ابن سعد بن معاذ بن النعمان الأشهلي أبو عبد الله المدني ، يروي عن نافع
ابن جبير ، وعنه يحيى بن سعيد الأنصاري ، تهذيب الكمال (٣٠/ ٤١٢) .
ووقع في (( الأصل): عُمر . وهو تحريف .
- ٢٩٢ -

وستأتي زيادة / في هذا المعنى بعد هذا - إن شاء الله تعالى - فى ١١/ ق/٢٣٢ -ب]
باب من قام لجنازة يهودي .
*
باب : متى يقعد إذا قام للجنازة
فيه : عامر بن ربيعة قال : قال النبي - عليه السلام -: (( إذا رأى
أحدكم جنازة فإن لم يكن ماشيًا معها فليقم حتى يُخَلِّفَهَا، أو تُخَلِّفَهُ،
أو توضع من قبل أن تخلفه )) .
وفيه : أبو سعيد: قال عليه السلام: ((إذا رأيتم الجنازة فقوموا ، فمن
تبعها فلا يقعد حتی توضع )) .
قال المؤلف : أخذ بظاهر هذا الحديث طائفة وكانوا يقومون للجنازة
إذا مرت بهم ، روي ذلك عن أبي مسعود البدري وأبي سعيد الخدري
وقيس بن سعد وسهل بن حنيف وسالم بن عبد الله ، وقال أحمد
وإسحاق : إن قام فلم أَعِبْهُ ، وإن قعد فلا بأس ، ذكره ابن المنذر ،
وقد تقدم في الباب قبل هذا أن هذا منسوخ ، فإن أئمة الفتوى على
ترك القيام .
قوله : (( فإن لم يكن ماشيا معها)) دليل على أن الجنازة من فروض
الكفاية . قال ابن المنذر : وممن رأى [ ألا يجلس ] (١) من تبع الجنازة
حتى توضع عن مناكب الرجال : أبو هريرة ، وابن عمر ، وابن
الزبير ، والحسن بن علي ، والنخعي ، والشعبي ، والأوزاعي .
(١) في ((الأصل)): أن يجلس . وهو خطأ، والصواب ما أثبت، وسيعيد المؤلف
النقل عن ابن المنذر في الباب الآتي ، وسيأتي على الصواب .
- ٢٩٣ -

باب : من تبع جنازة فلا يقعد حتى توضع عن مناكب
الرجال فإن قعد أمر بالقيام
فیه : أبو سعيد قال: « کنا في جنازة فأخذ أبو هريرة بید مروان فجلس
قبل أن توضع ، فجاء أبو سعيد فأخذ بيد مروان ، فقال : قم فوالله لقد
علم هذا أن النبي - عليه السلام - نهانا عن ذلك ، فقال أبو هريرة :
صدق )) .
قال ابن المنذر : ومن رأى ألا يجلس ممن تبع الجنازة حتى توضع :
الحسن بن عليّ ، وأبو هريرة ، وابن عمر ، وابن الزبير ، والنخعي ،
والشعبي ، وبه قال الأوزاعي .
قال المؤلف : وأما أمر أبي سعيد لمروان بالقيام ، فلا أعلم من قال
به ، وممن روي عنه القيام للجنازة إذا مرت بهم ممن ذكرناهم في الباب
قبل هذا لم يحفظ عن أحد منهم مثل قول أبي سعيد .
قال المهلب : وقعود أبي هريرة ومروان دليل على أنهما علما أن
القيام ليس بواجب، وأنه أمر متروك ليس عليه العمل ؛ لأنه لا يجوز
أن يكون العمل على القيام عندهم ويجلسان ، ولو كان أمراً معمولا به
ما خفي على مروان مثله ؛ لتكرَّرِ مثل هذا الأمر وكثرة شهودهم
للجنائز ، والعمل في هذا على ما روى ابن وهب ، عن ابن عمر
وأصحاب محمد ، أنهم كانوا يجلسون قبل أن توضع الجنائز .
باب : من قام لجنازة يهودي
فيه : جابر قال : ((مرت بنا جنازة فقام لها النبي - عليه السلام -
وقمنا، فقلنا : يا رسول الله ، إنها جنازة يهودي ! فقال : إذا رأيتم الجنازة
فقوموا )» .
- ٢٩٤ -

وفيه : قيس بن سعد وسهل بن حنيف (( أن النبي - عليه السلام -
مرت به جنازة فقام ، فقيل : إنها جنازة يهودي ! فقال : أليست نفسًا !))
و کان [ أبو ](١) مسعود وقيس يقومان .
قال الطحاوي : قد ثبت نسخ هذه الآثار ، ومما يبين ذلك ما
حدثنا محمد بن بكر ، حدثنا [ أحمد بن داود ] (٢) [ ثنا ] (٣)
مسدد، حدثنا عبد الواحد بن زياد ، حدثنا الليث بن [ أبي ] (٣)
سليم ، عن مجاهد ، عن ابن سخبرة قال: (( كنا قعودًا مع علي بن
أبي طالب ننتظر جنازة فمرت أخرى فقمنا ، فقال عليّ : ما هذا
القيام؟! فقال أبو موسى : قال رسول الله : إذا رأيتم جنازة مسلم أو
يهودي أو نصراني فقوموا ، فإنكم لستم تقومون لها، إنما [تقومون] (٤)
لمن معها من الملائكة . فقال عليّ : إنما صنع ذلك رسول الله مرة
واحدة، وكان يتشبه بأهل الكتاب في الشيء ، فإذا نُهي عنه تركه)).
فأخبر علي في هذا الحديث أن رسول الله إنما كان يقوم على التشبيه
بأهل الكتاب ، وعلى الاقتداء بمن كان قبله من الأنبياء ، حتى أُمر
بالقعود . وحدثنا فهد ، حدثنا محمد [ بن ] (٥) سعيد الأصبهاني ،
حدثنا شريك ، عن عثمان بن أبي زرعة ، عن زيد بن وهب قال :
تذاكرنا القيام إلى الجنازة عند عليّ ، فقال أبو سعيد : قد كنا نقوم ،
فقال علي: ذلك وأنتم يهود. فمعنى / هذا أنهم كانوا يقومون على [٢٣٣٥/١-١]
(١) هو أبو مسعود البدري - كما في فتح الباري (٢١٥/٣، ٢١٧) - ووقع في
((الأصل) ابن مسعود وهو وهم .
(٢) من ((شرح معاني الآثار)) للطحاوي (٤٨٩/١) ووقع في ((الأصل)):
أبو داود .
(٣) سقط من (( الأصل)) والمثبت من شرح المعاني.
(٤) من شرح المعاني، وفي ((الأصل)): تقوموا ، وهو خطأ.
(٥) من شرح المعاني (١/ ٤٩٠) وفي ((الأصل)): عن. وهو خطأ، ومحمد هو
ابن سعيد بن سليمان أبو جعفر الكوفي المعروف بابن الأصبهاني .
- ٢٩٥ -

شريعتهم ، ثم نسخ ذلك بشريعة الإسلام ، وقد روي أن قيامه عليه
السلام كان لمعنى آخر ، أخبرنا إبراهيم بن [ مرزوق ] (١) أخبرنا أبو
عاصم ، عن ابن جريج قال : سمعت محمد بن عمرو يحدث عن
الحسن وابن عباس - أو عن أحدهما - (( أن النبي - عليه السلام -
مرت به جنازة يهودي فقام فقال : آذاني نتن ريحها )) وذكر الطبري عن
الحسن بن علي أن رسول الله إنما قام لجنازة يهودي حين طلعت عليه ؛
كراهية أن تعلو على رأسه .
باب : حمل الرجال الجنازة دون النساء
فيه: أبو سعيد: قال النبي - عليه السلام -: ((إذا وضعت الجنازة
واحتملها الرجال على أعناقهم ، فإن كانت صالحة قالت : قدموني
قدموني ، وإن كانت غير صالحة قالت : يا ويلها أين يذهب بها ، يسمع
صوتها كل شيء إلا الإنسان ، ولو سمعه لصعق )) .
وترجم له باب قول الميت وهو على الجنازة : قدموني .
قال المؤلف : الترجمة تخرج من قوله عليه السلام: ((واحتملها
الرجال)) دليل أن النساء لا يحملنها ؛ لأنهن لا يلزمهن ما يلزم
الرجال من المؤن ، والقيام بالحقوق ، ونصرة الملهوف ، وإعانة
الضعيف ، وقد سقط عنهن كثير من الأحكام ، عَذَرهن الله بضعفهن
فقال : ﴿إِلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان﴾ (٢) الآية،
وقول بعض الناس في قوله: (( يسمعها كل شيء إلا الإنسان)) إن
قيل: ينبغي أن يسمعها الحيوان الصامت بدليل هذا الحديث ؛ لأنه إنما
(١) من شرح المعاني (٤٨٨/١) وجاء في ((الأصل)): مورق. وهو تحريف.
(٢) النساء : ٩٨ .
- ٢٩٦ -

استثنى الإنسان فقط، قيل : هذا مما لفظُه العموم ، والمراد به
الخصوص ، وإنما معناه : يسمعها كل شيء مميِّز ، وهم الملائكة
والجن، وإنما يتكلم روح الجنازة ؛ لأن الجنازة لا تتكلم بعد خروج
الروح منها إلا أن يرده الله فيها ، فإنما يسمع الروح من هو مثله
ويجانسه ، وهم الملائكة والجن - والله أعلم - وقد بين عليه السلام
المعنى الذي من أجله منع الإنسان أن يسمعها ، وهو أنه كان يصعق لو
سمعها ، فأراد تعالى الإبقاء على عباده ، والرفق بهم في الدنيا ؛
لتعمر ويقع فيها البلوى والاختبار .
*
باب : السرعة بالجنازة
وقال أنس : أنتم مشيّعون فامشوا بين يديها وخلفها وعن يمينها وعن
شمالها . وقال غيره : قريبًا منها .
فيه : أبو هريرة: قال عليه السلام: ((أسرعوا بالجنازة، فإِن (تكن) (١)
صالحة [ فخير ] (٢) تقدمونها إليه ، وإن تك سوى ذلك فشر تضعونه عن
رقابکم» .
قال الطحاوي : وقد روى شعبة ، عن عيينة بن عبد الرحمن ،
عن أبيه ، عن أبي هريرة: (( أنهم كانوا معه في جنازة فمشوا بها مشيًا
لينًا ، فانتهرهم أبو هريرة وقال : كنا نرمل بها مع رسول الله )) فأخذ
قوم بهذا وقالوا : السرعة بالجنازة أفضل . وخالفهم آخرون وقالوا :
المشي بها مشيًا لينًا أفضل . واحتجوا بما رواه شعبة ، عن ليث بن أبي
سليم قال : سمعت [ أبا بردة] (٣) يحدث عن أبيه (( أن النبي - عليه
(١) هكذا في ((الأصل))، وفي الفتح (٢١٨/٣): ((تك)) كما في الموضوع الثاني
من الحديث .
(٢) في ((الأصل)): فخيراً. وهو خلاف الجادة. وانظر: الفتح (٣/ ٢٢٠).
(٣) من شرح المعاني (٤٧٨/١) وهو ابن أبي موسى الأشعري ، روى عن أبيه أبي
موسی - رضي الله عنه - وروى عنه لیث بن أبي سليم .
ووقع في ((الأصل)) : أبا ذر . وهو تحريف، وسيأتي قريبًا على الصواب .
- ٢٩٧ -

السلام - مر عليه بجنازة وهم يسرعون بها فقال : لتكن عليكم
السكينة)) . وذكر ابن المنذر أنه مذهب ابن عباس .
قال الطحاوي : فلم يكن عندنا في هذا الحديث حجة على أهل
المقالة: [ الأولى ] (١)؛ لأنه قد يجوز أن يكون في مشيهم ذلك عنف
مجاوز ما أمروا به في حديث أبي هريرة من السرعة ، فنظرنا في ذلك
هل نجد دليلا على شيء من ذلك ، فروى زائدة ، عن ليث ، عن
أبي بردة، عن أبيه قال: ((مر على النبي - عليه السلام - بجنازة
يسرعون بها في المشي، وهي تمخض مخض الزق [ فقال: عليكم
بالقصد في جنائزكم ] (٢) .
:
فيحتمل أن يكون أمرهم بالقصد ؛ لأن تلك السرعة يخاف منها أن
يكون من الميت فيها شيء ، فنهاهم عن ذلك ، وكان ما أمرهم به من
السرعة في الآثار الأول هي أفضل(٣) من هذه السرعة، فنظرنا في ذلك
أيضًا هل روي فيها شيء يدلنا على هذا المعنى ، فحدثنا أبو أمية قال :
حدثنا عبيد الله بن موسى قال : حدثنا الحسن بن صالح ، عن يحيى
الجابر ، عن أبي ماجد، عن ابن مسعود قال: (( سألنا نبينا - عليه
السلام - عن السير بالجنازة فقال : ما دون الخبب ، فإن يك مؤمنًا فما
عجل فخير ، وإن يك كافرًا فبعدًا لأهل [ النار] (٢))).
فأخبر رسول الله في هذا الحديث أن السير بالجنازة هو ما دون
[١/ ٢٣٣٥- ب] الخبب ، مثل ما أمر به من السرعة / في حديث أبي هريرة ، هذا قول
أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد .
وهو قول جمهور العلماء . وروي عن النخعي أنه قال :
[انبسطوا] (٤) بها ، ولا تدبوا دبيب اليهود والنصارى .
(١) من شرح المعاني (٤٧٨/١). (٢) من شرح المعاني (٤٧٩/١) وسقطت من الناسخ .
(٣) من ((الأصل))، وهكذا في نسخة من شرح المعاني (٤٧٩/١)، وفي نسخة -
أو نسخ - أخرى: ((أقصد)). ولعله الأقرب إلى السياق.
(٤) من مصنف ابن أبي شيبة (٢٨٢/٣) وفيه : انبسطوا لجنائزكم . وهي مطموسة
في (( الأصل)).
- ٢٩٨ -

وقال ابن حبيب : لا تمش بالجنازة الهوينا ، ولكن مشي الرجل
الشاب في حاجته ، وكذلك قال الشافعي : يسرع بها إسراع سجية
مشي الناس . قال غيره : وقد تأول قوم في قوله عليه السلام :
((أسرعوا بالجنازة)) إنما أراد تعجيل الدفن بعد استيقان الموت،
واحتجوا بحديث [ الحصين] (١) بن وَحْوَح ((أن طلحة بن البراء
مرض فأتاه الرسول يعوده فقال : إني لا أرى طلحة إلا وقد حدث به
الموت ، فآذنوني به وعجلوا ، فإنه لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين
ظهراني أهله )) وكل ما احتمل فليس يبعد في التأويل .
وأما قول أنس: ((أنتم مشيعون ، فامشوا بين يديها وخلفها))
[اختلف](٢) في ذلك على ثلاثة مذاهب ، فقالت طائفة : يمشي أمامها
وخلفها وحيث شاء . هذا قول أنس بن مالك ومعاوية بن قرة وسعيد
ابن جبير، وبه قال الثوري، قال: الفضل في المشي أمامها وخلفها سواء.
وقالت طائفة : المشي أمام الجنازة أفضل . روي ذلك عن ابن
عمر، عن النبي - عليه السلام - وعن أبي بكر وعمر وعثمان أنهم
كانوا يمشون أمام الجنازة ، وهو قول ابن عمر وابن عباس وطلحة
والزبير وأبي قتادة وأبي هريرة ، وإليه ذهب القاسم وسالم ، والفقهاء
السبعة المدنيون [ و] (٣) الزهري ومالك والشافعي وأحمد ، وقال
الزهري : المشي خلف الجنازة من خطأ السنة .
واحتج أحمد بتقديم عمر بن الخطاب الناس أمام جنازة زينب بنت
جحش ، وبحديث ابن عمر ، وبعمل الخلفاء الراشدين المهديين .
وقال ابن شهاب : ذلك عمل الخلفاء بعد النبي - عليه السلام - إلى
هلم جرا .
(١) في (( الأصل)): الحسين . وهو تحريف، والصواب ما أثبت ، وهو حصين بن
وحوح - بفتح أوله ومهملتين الأولى ساكنة - الأنصاري المدني صحابي ، له
هذا الحديث الواحد ، له ترجمة في تهذيب الكمال (٥٤٨/٦).
(٣) سقطت من ((الأصل)).
(٢) ليست في ((الأصل)) ويقتضيها السياق.
- ٢٩٩ -

وقال أبو حنيفة وأصحابه والأوزاعي : المشي خلفها أفضل . وهو
قول علي بن أبي طالب . واحتجوا بما رواه [ أبو ] (١) الأحوص عن
أبي فروة الهمداني ، عن زائدة بن خراش ، عن ابن أبزى ، عن أبيه
قال : كنت أمشي في جنازة فيها أبو بكر وعمر وعلي - رضي الله
عنهم - فكان أبو بكر وعمر يمشيان أمامها ، وكان علي يمشي خلفها ،
فقال علي : إن فضل الذي يمشي خلف الجنازة على الذي يمشي أمامها
كفضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ ، وإنهما ليعلمان من ذلك مثل
الذي أعلم ولكنهما سهلان يسهلان على الناس .
قالوا : ومثل هذا لا يقال بالرأي ، وإنما يقال بما وقفهم عليه النبي-
عليه السلام - قالوا : وقد روي عن ابن عمر مثل هذا ، روى أبو
اليمان ، حدثنا أبو بكر بن [أبي ] (٢) مريم ، عن راشد بن سعد ،
عن نافع قال: (( خرج عبد الله ابن عمر إلى جنازة فرأى معها نساء ،
فوقف ثم قال : ردهن فإنهن فتنة الحي والميت ، ثم مضى فمشى
خلفها ، قلت : يا أبا عبد الرحمن ، كيف المشي في الجنازة ، أمامها
أم خلفها ؟ فقال : أما تراني أمشي خلفها )) فهذا ابن عمر يفعل هذا،
وهو الذي يروي عن النبي - عليه السلام - أنه كان يمشي أمامها ،
فدل ذلك أن رسول الله كان يفعله على جهة التخفيف على الناس ،
لا لأن ذلك أفضل من غيره .
وقد روى مغيرةً عن إبراهيم قال : كانوا يكرهون السير أمام
الجنازة. وتأولوا في تقديم عمر بن الخطاب للناس في جنازة زينب زوج
النبي - عليه السلام - أمام الجنازة أن ذلك كان من أجل النساء اللاتي
كُنَّ خلفها؛ فكره عمر للرجال مخالطتهن، لا لأنّ المشي أمامها أفضل.
(١) من شرح المعاني (٤٨٣/١) وسقط من (( الأصل)).
(٢) من شرح المعاني، وسقط من (( الأصل)).
- ٣٠٠ -