Indexed OCR Text
Pages 181-200
من ألف صلاة فيما سواه من المساجد ، ثم استثنى المسجد الحرام ، وحكم الاستثناء عند أهل اللسان إخراج الشيء مما دخل فيه هو وغيره بلفظ شامل لهما ، وإدخاله فيما خرج منه هو وغيره بلفظ شامل لهما. وقد مثل بعض أهل العلم بلسان العرب الاستثناء في هذا الحديث بمثال بَيَّن فيه معناه ، فإذا قلت : اليمن أفضل من جميع البلاد بألف درجة إلا العراق ، جاز أن يكون العراق مساويًا لليمن ، وجاز أن يكون فاضلا وأن يكون مفضولا ، فإن كان مساويًا فقد عُلم فضله ، وإن كان فاضلا أو مفضولا لم يقدر مقدار المفاضلة بينهما إلا بدليل على عدة درجات ، إما زائدة على ذلك أو ناقصة عنها فيحتاج إلى ذكرها . ومما احتج به أهل المقالة الأولى على ذلك ما رواه ابن عيينة ، عن زياد بن سعد ، سمع سليمان بن عتيق ، سمع ابن الزبير ، سمع عمر ابن الخطاب يقول: (( صلاة في المسجد الحرام خير من مائة صلاة فيما سواه )) قال أبو عبد الله بن أبي صفرة : فقول عمر هذا يفسر قول النبي - عليه السلام - : (( صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام )) فإن مسجدي خير من تسعمائة منه . ومثل هذا التأويل تأول عبد الله بن نافع صاحب مالك حديث أبي هريرة ، فكان يقول : الصلاة في مسجد الرسول أفضل من الصلاة في سائر المساجد بألف صلاة إلا المسجد الحرام ، فإن الصلاة في مسجد النبي أفضل من الصلاة فيه بدون الألف . واحتج أهل المقالة الثانية بما رواه حماد بن زيد ، عن حبيب المعلم، عن عطاء بن أبي رباح ، عن عبد الله بن الزبير قال : قال رسول الله وَ له: ((صلاة في المسجد الحرام أفضل من الصلاة في مسجدي هذا بمائة صلاة)) (١) . (١) في ((الأصل)) و((هـ)): ((صلاة في مسجدي هذا أفضل من الصلاة في المسجد الحرام بمائة صلاة)) وهو مقلوب، وأظنه سبق قلم من المصنف، والله تعالى أعلم . - ١٨١ - واحتجوا من طريق النظر بأن الله - تعالى - فرض على عباده قصد بيته الحرام مرة في العمر ، ولم يفرض عليهم قصد مسجد المدينة ، قالوا : ومن قول مالك أن من نذر الصلاة في مسجد الرسول والمشي إليه ألا يلزمه المشي إليه ، وعليه أن يأتيه راكبًا ، ومن نذر المشي إلى مكة فإنه يمشي إليها ولا يركب . فدل هذا من قوله أن مكة أفضل ؛ لأنه لم [ يوجب ](١) المشي إليها إلا لتعظيم حرمتها وكبير فضلها. باب : مسجد قباء [١/ ٥ ٢١٣ - أ] / فيه : ابن عمر : (« أنه كان لا يصلي الضحى إلا في يومين : يوم يقدم مكة فيطوف بالبيت ويصلي حول المقام ركعتين ، ويوم يأتي مسجد قباء فإنه [ كان ] (٢) يأتيه كل سبت ، فإذا دخل المسجد كره أن يخرج منه حتى يصلي فيه ، وكان يحدث أن الرسول كان يزوره راكبًا وماشيًا ، ويقول : أصنع كما رأيت أصحابي يصنعون ، ولا أمنع أحدًا أن يصلي في أي ساعة شاء من ليل أو نهار ، غير أن لا تحرّوا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها ) . وترجم له باب من أتى مسجد قباء كل سبت ، وقال ابن عمر: «كان رسول الله یأتیہ کل سبت راكبًا وماشيًا )) . قال أبو جعفر الداودي : إتيان النبي مسجد قباء يدل أن ما قرب من المساجد الفاضلة التي في المصر لا بأس أن يؤتى ماشيًا وراكبًا ، ولا يكون فيه ما نهى أن تُعمل المطي ، وذكر ابن أبي شيبة من حديث أبي أمامة [ابن سهل] (٢) عن أبيه، عن النبي - عليه السلام -: « إن صلاة في مسجد قباء كعمرة )) وروي عن سعد بن أبي وقاص و[ ابن] (٢) عمر أنهما قالا : (( صلاة فيه كعمرة )) وروى وكيع عن ربيعة بن عثمان (١) من ((هـ)) وهو الأحسن، وفي ((الأصل)): ((يؤثر)) .. (٢) من (( هـ )) .. : - ١٨٢ - قال : حدثني عمران بن أبي أنس ، عن سهل بن سعد قال: ((اختلف رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى ، فقال أحدهما : هو مسجد المدينة . وقال الآخر : هو مسجد قباء . فأتوا النبي - عليه السلام - فقال: ((هو مسجدي هذا)). وروى وكيع عن أسامة بن زيد ، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري ، عن أبيه ، عن النبي - عليه السلام - مثله ، وذكر الدارقطني عن كثير بن الوليد ، عن مالك بن أنس ، عن أبي الزناد ، عن خارجة بن زيد بن ثابت ، عن أبيه ، عن النبي - عليه السلام - مثله ، وهو قول ابن عمر ، وسعيد بن المسيب ، ومالك بن أنس ، وقد يجوز أن يكونا جميعًا أسسا على التقوى . وقد اختلف فيمن نذر الصلاة في مسجد قباء من المدينة ، فذكر ابن حبيب عن ابن عباس أنه أوجبه فيه ، وفي كتاب ابن ( المنذر ) (١): ومن نذر أن يصلي في مسجد غير الثلاث مساجد فليصل موضعه ولا يأتيه ، إلا أن يكون قريبًا جدا فليأته فليصل فيه . قال ابن حبيب : قال مالك : إن كان معه في البلد مشی إليه وصلى فيه . باب : فضل ما بين القبر والمنبر فيه : عبد الله بن زيد أن النبي - عليه السلام - قال: (( ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة )) وعن أبي هريرة مثله ، وزاد : ((ومنبري على حوضي )) . قال الطبري: وقوله: (( ما بين بيتي ومنبري)) يحتمل معنيين : أحدهما : بين بيتي الذي أسكنه ، وذلك أظهر معنييه ؛ لأن المتعارف من كلام الناس بينهم إذا قال قائل : فلان في بيته أنه يعني به بيته الذي يسكنه . وقد روي (( ما بين حجرتي ومنبري)) وهذا بيِّن . (١) في (( هـ)): المواز . - ١٨٣ - والوجه الثاني : قاله زيد بن أسلم قال : بيته في هذا الحديث هو قبره ، ویؤید هذا [ القول ] (١) رواية من روى «ما بين قبري ومنبري». قال الطبري : إذا كان قبره في بيت من بيوته ، كان معلوم بذلك أن الروايات وإن اختلفت ألفاظها صحيحة ؛ لأن معانيها متفقة ؛ لأن بيته الذي فيه قبره هو حجرة من حجره وبيت من بيوته ، وهو قبره أيضًا وبيته بعد وفاته ، فبين بيته الذي فيه قبره وحجرته التي فيها جدثه (٢) روضة من رياض الجنة ، والروضة في كلام العرب المكان المطمئن من الأرض فيه النبت والعشب . وإنما عنى عليه السلام أن ذلك الموضع للمصلي فيه والذاكر الله عنده والعامل بطاعته كالعامل في روضة من رياض الجنة ، وأن ذلك يقود إلى الجنة ، وكذلك ما كان يسمع فيه من النبي - عليه السلام - من الإيمان والدين يقود إليها أيضًا، كما قال عليه السلام: ((ارتعوا في رياض الجنة . قيل : ما رياض الجنة ؟ قال : مجالس الذكر)) فجعل مجالس الذكر في شرفها وفضلها بمنزلة رياض الجنة ، وجعل ذاكر الله فيها كالرائع في [رياض] (١) الجنة . وكما قال عليه السلام: (( الجنة تحت ظلال السيوف )) يعني أنه عمل يوصل به إلى الجنة، وكما قال: (( الأم باب من أبواب الجنة )) يريد أن بره بها ودعاءها له يوصله إلى الجنة ، وهذا معلوم في لسان العرب ؛ تسمية الشيء بما يؤول إليه ويتولد عنه . وقوله: (( ومنبري على حوضي)) يحتمل معنيين: أحدهما : أن يكون الله - تعالى - يعيد المنبر بعينه ، ويرفعه فيكون على خوضه ، (١) من ((هـ ). (٢) هكذا في ((الأصل)، و((هـ))، والجدث معناه: القبر، فالجملتان لشيءٍ واحد، فيبقى : (( وبين منبره )) ويكون الصواب ، أو حجرته ، والله تعالى أعلم . - ١٨٤ - كأنه قال عليه السلام : ولي أيضًا منبر على حوضي أدعو الناس إلى الحوض عليه (١) . * [١/ ق٢١٣ - ب) / باب : استعانة اليد في الصلاة إذا كان من أمر الصلاة وقال ابن عباس : يستعين الرجل في صلاته من جسده بما شاء . ووضع أبو إسحاق قلنسوته في الصلاة ورفعها ، ووضع عليَّ كَفَّهُ على رسغه الأيسر ، إلا أن يحك جلدًا أو يصلح ثوبًا . فيه: ابن عباس: (( حين بات عند خالته ميمونة أم المؤمنين فقام رسول الله قال﴾ يصلي فقمت إلى جنّبه، فوضع رسول الله يده اليمنى على رأسي، وأخذ بأذني اليُمنى ( ففتلها) (٢) بيده اليمنى ... )) الحديث. هذا الباب هو من باب العمل في الصلاة ويسيره معفو عنه عند العلماء، والاستعانة باليد في الصلاة في هذا الحديث هي وضع النبي- عليه السلام - يده على رأس ابن عباس وفتله أذنه ، فاستنبط البخاري منه أنه لما جاز للمصلي أن يستعين بيده في صلاته فيما يحض به غيره على الصلاة ، ويعينه عليها ، وينشطه فيها ؛ كان استعانته في أمر نفسه ليتقوى بذلك على صلاته وينشط إليها إذا احتاج إلى ذلك أَوْلى . وقد اختلف السلف في الاعتماد في الصلاة والتوكؤ على الشيء ، فذكر البخاري عن ابن عباس أنه لم ير بأسًا أن يستعين في الصلاة بما شاء من جسده، وعن علي بن أبي طالب أنه وضع كفه على رسغه الأيسر. (١) لم يرد في ((الأصل)) و((هـ)) ذكر للمعنى الثاني الذي يحتمله الحديث. وفي فتح الباري للحافظ ابن حجر (٤/ ١٢٠): أي ينقل يوم القيامة فينصب على الحوض، وقال الأكثر : المراد منبره بعينه الذي قال هذه المقالة وهو فوقه ، وقيل: المنبر الذي يوضع له يوم القيامة ، والأول أظهر . اهـ . (٢) في (( هـ ) : يفتلها. - ١٨٥ - وقالت طائفة : لا بأس أن يستعين في صلاته بما شاء من جسده وغيره . ذكر ابن أبي شيبة قال : كان أبو سعيد الخدري يتوكأ على عصا . وعن أبي ذر مثله ، وقال عطاء : كان أصحاب محمد يتوكئون على العصي في الصلاة . وأوتد عمرو بن ميمون وتدًا في حائط فكان إذا سئم القيام في الصلاة أو شق عليه أمسك الوتد يعتمد عليه ، وقال الشعبي : لا بأس أن يعتمد على الحائط . وكرهت ذلك طائفة ، روى ابن أبي شيبة عن الحسن أنه كره أن يعتمد على الحائط في المكتوبة ، إلا من عِلَّةِ ، ولم يَرَ به بأسًا في النافلة ونحوها . قال مالك في المدونة : لا يتكئ على عصًا أو حائط ، ولا بأس به في النافلة لطول القيام . وكرهه ابن سيرين في الفريضة والتطوع ، قال مجاهد : إذا توكأ على الحائط ينقص من صلاته بقدر ذلك . وقد تقدم في باب ما يكره من التشديد في العبادة زيادة في هذا المعنى ، وقول البخاري : إلا أن يحك جلدًا أو يصلح ثوبًا ، فلا حرج عليه فيه ؛ لأنه أمر عام لا يمكن الاحتراز عنه . باب : ما يُنهى عنه من الكلام في الصلاة فيه: عبد الله قال: (( كنا نسلم على النبي - عليه السلام - وهو في الصلاة فيرد علينا ، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه فلم يرد علینا ، وقال : إن في الصلاة شغلا )). وقال زيد بن أرقم : (( إن كنا لنتكلم في الصلاة على عهد النبي ، يكلم أحدنا صاحبه بحاجته حتى نزلت : ﴿ حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين ﴾ (١) فأمرنا بالسكوت)). (١) البقرة: ٢٣٨ . - ١٨٦ - قال المهلب : المصلي مناجٍ لربه ، فواجب عليه ألا يقطع مناجاته بكلام مخلوق ، وأن يُقبل على ربه ، ويلتزم الخشوع ، ويعرض عما سوى ذلك؛ ألا ترى قوله عليه السلام: ((إن في الصلاة شغلا)). وقوله : ﴿وقوموا لله قانتين ﴾ (١) والقنوت في هذه الآية الطاعة والخشوع لله - تعالى - فينبغي ترك الكلام المنافي للخشوع ، إلا أن يكون الكلام في إصلاح الصلاة ، فإنه من الخشوع ؛ لأنه في تصحيح ما هو فيه من أمر صلاته . وقد أجاز الكلام في الصلاة عمدًا وسهوًا لمصلحتها طائفة ، منهم مالك والأوزاعي ، وَمَنع ذلك الكوفيون وزعموا أن حديث ابن مسعود وزيد بن أرقم ناسخ لقصة ذي اليدين ، وسأذكر اختلاف أهل العلم في ذلك عند ذكر قصة ذي اليدين بعد هذا - إن شاء الله تعالى - ونذكر هاهنا طرفًا من ذلك في رد قول الكوفيين ، وذلك أن الآثار تواترت عن ابن مسعود أن قدومه من الحبشة على النبي - عليه السلام- حين لم يردّ النبي - عليه السلام - السلامَ وقال له: ((إن في الصلاة شغلا )) كان بمكة ، وإسلام أبي هريرة كان بالمدينة عام خيبر ، فكيف ينسخ الأول الآخر ، هذا محال ! فإن قالوا : فحديث ابن أرقم ناسخ لحديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين ؛ لأن زيدًا كان من الأنصار ولم يصحب النبي - عليه السلام- إلا بالمدينة ، وسورة البقرة / مدنية . [١ / ق ٢١٤-١] قيل : لا تاريخ عندنا لأي حديث كان منهما قبل صاحبه ، غير أن زيدًا أقدم إسلامًا من أبي هريرة ، وأبو هريرة أسلم عام خيبر وصحب النبي خمسة أعوام ، وإذا لم يعلم أيهما قبل صاحبه ؛ لم يقض بالنسخ لواحد [ منهما ](٢) ويحتمل أن يكون معنى قول زيد بن أرقم: (١) البقرة : ٢٣٨ . (٢) من (( هـ )). - ١٨٧ - (( فأمرنا بالسكوت » يعني إلا ما كان من أمر الكلام في مصلحة الصلاة، فهو غير داخل في النهي عن الكلام في الصلاة ، ليوافق حديث أبي هريرة ، فلا يعارض واحد منهما صاحبه . ودل حديث زيد على النوع المنهي عنه من الكلام في الصلاة ، وهو قوله: (( كنا نتكلم في الصلاة ، يكلم أحدنا صاحبه بحاجته )) والأمة مجمعة على تحريم هذا النوع من الكلام في الصلاة ، وعلى مثل ذلك دل حديث ابن مسعود أنهم كانوا يسلم بعضهم على بعض في الصلاة، فلما قدموا من الحبشة لم يردّ عليه السلام عليهم وقال : (( إن في الصلاة شغلا )) فبان في الحديثين النوع المنهي عنه من الكلام في الصلاة وهو ما ليس من أمر الصلاة ، وثبت بحديث ذي اليدين جواز الكلام في الصلاة لمصلحتها ، وهذا التأويل أَوْلى لئلا تتضاد الأحاديث - والله الموفق . باب : ما يجوز من التسبيح والحمد في الصلاة للرجال فيه : سهل بن سعد قال: (( خرج النبي - عليه السلام - يصلح بين بني عمرو بن عوف وحانت الصلاة ، فجاء بلال ( لأبي ) (١) بكر قال : حبس ءِ النبي لم فتؤم الناس ؟ قال : نعم إن شئتم . فأقام بلال الصلاة ، فتقدم أبو بكر فصلى، فجاء النبي - عليه السلام - يمشي في الصفوف يشقها شقا حتى قام في الصف الأول، فأخذ الناس في التصفيح ، فقال سهل : هل تدرون ما التصفيح ؟ قال : هو التصفيق - وكان أبو بكر لا يلتفت في صلاته ، فلما أكثروا التفت فإذا النبي - عليه السلام - في الصف فأشار إليه : مكانك ، فرفع أبو بكر يديه فحمد الله ثم رجع القهقرى وراءه ، فتقدم النبي فصلى )) . (١) في (( هـ)) : أبا . - ١٨٨ - قال المهلب : فيه من الفقه أن الصلاة لا يجب تأخيرها عن وقتها المختار وإن غاب الإمام الفاضل . وفيه : أنه لا يجب لأحد أن يتقدم جماعة لصلاة ولا غيرها إلا عن رضا الجماعة ؛ لقول أبي بكر : نعم إن شئتم ، وهو يعلم أنه أفضلهم بعد رسول الله . وفيه : أن الإقامة إلى المؤذن وهو أَوْلى بها ، وقد اختلف فيها ، فقال بعضهم : من أذن فهو يقيم . وقال مالك والكوفيون : لا بأس بأذان المؤذن وإقامة غيره . والذي ترجم له البخاري فهو ( .... ) (١) في هذا الحديث ، وقد تقدم في أبواب الإمامة في حديث سهل هذا ، وهو أيضًا في باب رفع الأيدي في الصلاة لأمر ينزل به بعد هذا . وقوله عليه السلام: (( ما لي أراكم أكثرتم التصفيق ، من نابه شيء في صلاته [ فليسبح ] (٢) فإنه إذا سبح التفت إليه)) ففي هذا أن التسبيح جائز للرجال والنساء عندما ينزل بهم من حاجة تنوبهم ، ألا ترى أن الناس أكثروا بالتصفيق لأبي بكر ليتأخر للنبي عليه السلام ، وبهذا قال مالك والشافعي أن من سبح في صلاته لشيء ينوبه أو أشار إلى إنسان ، فإنه لا تقطع صلاته . وخالف في ذلك أبو حنيفة فقال : إن سبح أو حمد الله جوابًا لإنسان فهو كلام ، وإن كان منه ابتداءً لم يقطع ، وإن وطئ على حصاة أو لسعته عقرب فقال : بسم الله ، أراد بذلك الوجع فهو كلام. وقال أبو يوسف في الأمرين : ليس بكلام . (١) كلمة لم أتبينها، صورتها في ((الأصل)): ((محدور))، وفي (( هـ)): (محدوب)) كذا فيهما بدون نقط ، فالله أعلم . وفي فتح الباري لابن حجر (٩١/٣): قال ابن رشيد : أراد - أي البخاري - إلحاق التسبيح بالحمد بجامع الذكر لأن الذي في الحديث الذي ساقه ذكر التحميد دون التسبيح . قال ابن حجر : بل الحديث مشتمل عليهما لكنه ساقه هنا مختصرًاً ، وقد تقدم في (باب من دخل ليؤم الناس)) من أبواب الإمامة .... وفي آخره: ((من نابه شيء في صلاته فليسبح ) . (٢) من (( هـ)). - ١٨٩ - وقول أبي حنيفة مخالف للحديث ؛ لأن الرسول قال: (( إذا سبح التفت إليه )» وفهم الصحابة من هذا أنهم إذا سبحوا للإمام ولم يفهم عنهم أن يكثروا ذلك حتى يفهم ، ألا ترى أنهم أكثروا التصفيق حتى التفت أبو بكر ، ولو لم يكن التسبيح على نية إعلام الساهي ما ردّدُوه حتى فهم . وقد بَيَّن الرسول أن الالتفات في الصلاة [ إنما يكون من أجل التسبيح فهو مقصود بذلك. وفيه: أن الالتفات في الصلاة] (١). لا يقطعها . وفيه : أنه لا بأس بتخلل الصفوف والمشي إلى الصف الأول لمن يليق به الصلاة فيه ؛ لأن شأن الصف الأول أن يقوم فيه أفضل الناس علمًا ودينًا ؛ لقوله عليه السلام: (( ليليني منكم ذوو الأحلام والنهى)) يعني - والله أعلم - ليحفظوا عنه ويَعُوا ما كان منه. في صلاته ، وكذلك يصلح أن يقوم في الصف الأول من يصلح أن يلقِّن الإمام ما تعامى عليه من القراءة ، ومن يصلح للاستخلاف في [١/ ٢١٤٢-ب) الصلاة، وقد تقدم كثير من معاني / هذا الحديث في أبواب الإمامة فأغنى عن إعادته . وفيه : دليل على جواز الفتح على الإمام وتلقينه إذا أخطأ ، وقد اختلف العلماء في ذلك فأجازه الأكثر ، وممن أجازه : علي، وعثمان، وابن عمر ، وروي عن عطاء ، والحسن ، وابن سيرين ، وهو قول مالك ، وأبي يوسف ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق . وكرهه طائفة ، روي ذلك عن ابن مسعود ، والشعبي ، والنخعي، وكانوا يرونه بمنزلة الكلام ، وهو قول الثوري والکوفیین ، وروي عن أبي حنيفة : إن كان التسبيح جوابًا قطع الصلاة ، وإن كان من مرور إنسان بين يديه لم يقطع . وقال أبو يوسف : لا يقطع وإن کان جوابًا . (١) من ((هـ)). : - ١٩٠ - واعتلّ من كرهه فقالوا : التلقين كلام لا قراءة للقرآن . والقول الأول أَوْلى ؛ لأنه إذا جاز التسبيح جازت التلاوة ؛ لأنه لو قرأ شيئًا من القرآن غير قاصد تلقين أحد لم تفسد بذلك صلاته عند الجميع ، فإذا كان كذلك لم يغير ذلك معناه ، قصد به تلقين إمامه أو غيره ، كما لو قرأ ما أمر بقراءته في صلاته وعمد بها إسماع من بحضرته ليتعلمه لم تفسد بذلك صلاته . قاله الطبري . وقال الطحاوي : ولما كان التسبيح لما ينوبه في صلاته مباحًا ، ففتحه على الإمام أحرى أن يكون مباحًا . وقال أبو علي البغدادي : صفح الرجل تصفيحًا : مثل صفق . باب : من سمى قومًا أو سلم في الصلاة على غيره وهو لا يعلم فيه : ابن مسعود قال: (( كنا نقول التحية في الصلاة ، ونسمي ويسلم بعضنا على بعض ، فسمعه رسول الله فقال : قولوا : التحيات لله والصلوات والطيبات ، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، إذا قلتم ذلك فقد سلمتم على كل عبد الله صالح في السماء والأرض)). معنى هذا الباب : أنه يجوز الكلام في الصلاة إذا كان من شأنها ، وهو مثل قوله عليه السلام في الصلاة: (( اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين)) فهو من الكلام الذي يرجى نفعه وتعم بركته ، وقوله : ((من سَمَّى قومًا )» يريد ما كانوا يفعلونه أولا من مواجهة بعضهم بعضًا ومخاطبتهم قبل أن يأمرهم النبي بهذا التشهد ، فأراد البخاري يعرفك - ١٩١ -. أنه لما [ لم ] (١) يأمرهم النبي بإعادة تلك الصلاة التي سمّى فيها بعضهم بعضًا ؛ عُلم أنه مَنْ فَعَل هذا جاهلا أنه لا تفسد صلاته ، وقال مالك والشافعي : إن من تكلم في صلاته ساهيًا لم تفسد صلاته، وقوله: (( أو يسلم في الصلاة على غيره وهو لا يعلم)) يعني لا يعلم المسلَّم عليه ، ولا يسمع السلام عليه . ۔۔ قال المهلب : وأمره عليه السلام بمخاطبته في التحيات لقوله عليه السلام: (( [ السلام] (١) عليك أيها النبي)) وهو أيضًا خطاب في الصلاة لغير المصلي: ، لكن لما كان خطاب النبي حيا وميتًا من باب الخشوع ، ومن أسباب الصلاة المرجو بركتها لم يكن بخطاب المصلي لغيره ، وفي هذا دليل أن ما كان من الكلام عامدًا في أسباب الصلاة أنه جائز سائغ ، بخلاف قول أبي حنيفة والشافعي . وإنما أنكر عليه السلام تسميتهم للناس بأسمائهم ؛ لأن ذلك يطول على المصلي ويخرجه مما هو فيه من مناجاة ربه إلى مناجاة الناس شخصًا شخصًا ، فجمع لهم هذا المعنى في قوله عليه السلام : (([السلام] (١) علينا وعلى عباد الله الصالحين )) فهو وإن خاطب نفسه فقد خاطب أيضًا غيره معه ، لكنه مما يرجى بركته فيها ، فكأنه منها .. باب : التصفيق للنساء : فيه : أبو هريرة وسهل بن سعد ، أن النبي - عليه السلام - قال : ((التسبيح للرجال والتصفيق للنساء)) .. وترجم البخاري لحديث سهل باب من صفق جاهلا من الرجال في صلاته لم تفسد صلاته . (١) من ((هـ)). - ١٩٢ - أجمع العلماء أن سُنّة الرجال إذا نابهم شيء في الصلاة التسبيح . واختلفوا في حكم النساء ، فذهبت طائفة إلى أن إذن المرأة في الصلاة التصفيق ، وإذن الرجل التسبيح على ظاهر الحديث ، وروي عن النخعي ، وهو قول الأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور . وقالت طائفة: التسبيح للرجال والنساء جميعًا، هذا / قول [١/ق ٢١٥-)] مالك، وتأول أصحابه قوله عليه السلام: (( إنما التصفيق للنساء )) أنه من شأنهن في غير الصلاة ، فهو على وجه الذم لذلك فلا تفعله في الصلاة امرأة ولا رجل . وذكر ابن شعبان في كتابه : اختلف قول مالك في ذلك فقال مرة : تسبح النساء ولا يصفقن؛ لأن الحديث جاء (( من نابه شيء في صلاته فليسبح)) وقال مرة أخرى : التصفيح للنساء والتسبيح للرجال ، كما جاء في الحديث قال : والأول أحب إلينا . واحتج أهل المقالة الأولى أن التسبيح إنما كره للنساء ؛ لأن صوت المرأة فتنة ، ولهذا منعت من الأذان والإقامة والجهر بالقراءة في الصلاة. واحتجوا بما رواه حماد بن زيد ، عن أبي حازم ، عن سهل ابن سعد في هذا الحديث أن النبي - عليه السلام - قال: (( من نابه شيء في صلاته فليسبح الرجال ولتصفح النساء )) قالوا : وهذا نص لا تأويل لأحد معه . وقوله في أول الباب: ((من صفق جاهلا من الرجال لم تفسد صلاته)) إنما تأول ذلك ؛ لأن الرسول لم يأمر الذين صفقوا بالإعادة، ففيه جواز العمل اليسير في الصلاة . والتصفيق : الاضطراب وضرب اليد على اليد. وفي كتاب الأفعال: صفق رأسه صفقًا : ضربه باليد ، وكذلك صفق عنقه . وقال - ١٩٣ - الأصمعي: صفقت يده بالبيعة : إذا ضربت يدك على يده ، وصفق الطائر بجناحيه : ضرب بهما . باب : من رجع القهقرى في صلاته أو تقدم لأمر ينزل به رواه سهل بن سعد عن النبي - عليه السلام . وفيه : أنس بن مالك: (( أن المسلمين بَيْنَا هُمْ في الفجر يوم الاثنين وأبو بكر يصلي بهم ، ففجأهم النبي - عليه السلام - قد كشف ستر حجرة عائشة ، فنظر إليهم وهم صفوف فتبسم يضحك ، فنكص أبو بكر على عقبيه ، وظن أن رسول الله يريد أن يخرج إلى الصلاة ، وهَم المسلمون أن یُفتنوا في صلاتهم فرحًا بالنبي حین رأوه ، فأشار بيده أن أتموا، ودخل الحجرة وأرخى الستر، وتوفي ذلك اليوم)). وهذا الباب أيضًا من باب العمل اليسير في الصلاة . وفيه : أن التقدم والتأخر في الصلاة جائز لما ينزل بالمصلي . وفيه : تفسير لقوله عليه السلام لأبي بكرة حين دبَّ راكعًا: (( زادك الله حرصًا ولا تعد )» أنه لم يرد بقوله : لا تجزئك صلاتك ؛ إذْ لا فرق بين مشي القائم ومشي الراكع في الصلاة ، فلما لم تنتقض صلاة أبي بكر بتأخره وتقدمه ؛ عُلم أن الراكع إذا تقدم أو تأخر أيضًا لا تبطل صلاته . وفيه من الفقه : جواز مخاطبة من ليس في صلاة لمن هو في صلاة، وجواز استماع المصلي إلى ما يخبره به من ليس في صلاة ؛ ألا ترى أنه عليه السلام لما أشار إليهم بيده أن أتموا صلاتكم سمعوا منه وأكملوا صلاتهم ، ولم يضرهم ذلك ، وهو قول مالك . - ١٩٤ - باب : إذا دعت الأم ولدها في الصلاة وقال اللیث : حدثني جعفر ، عن عبد الرحمن بن هرمز ، قال أبو هريرة : قال رسول الله: (( نادت امرأة ابنها وهو في صومعته قالت : يا جريج . قال : اللهم أمي وصلاتي. فقالت: يا جريج. قال : اللهم أمي وصلاني - ثلاثًا - قالت : اللهم لا يموت [ جريج](١) حتى ينظر في وجوه المياميس . وكانت تأوي إلى صومعته راعية ترعى الغنم ، فقيل لها: ممن هذا الولد؟ قالت : من جريج. قال جريج: أين هذه التي تزعم أن ولدها لي ؟ قال : يا بابوس ، من أبوك ؟ قال : الراعي )) البابوس : الصبي الرضيع بالفارسية . قال المؤلف : هذا الحديث دليل أنه لم يكن الكلام في الصلاة ممنوعًا في شريعة جريج ، فلما لم يأت من إجابتها بما هو مباح له ، استجيبت دعوة أمه فيه ، وقد كان الكلام في شريعتنا جائزًا في [الصلاة] (١) إلى أن نزلت: ﴿وقوموا لله قانتين﴾ (٢). وذكر البخاري عن أبي سعيد بن المعلى قال : «كنت أصلي في المسجد فدعاني النبي - عليه السلام - فلم أجبه ، فقلت : يا رسول الله ، كنت أصلي . قال : ألم يقل الله : ﴿ استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم﴾ (٣) ... )) الحديث. ولا يجوز أن يوبخه [النبي وقَِّ و](١) على ترك الاستجابة إلا وقت إباحة الكلام في الصلاة ، فلما نسخ ذلك لم يجز للمصلي إذا دعته أمه أو غيرها أن يقطع صلاته ؛ لقوله عليه السلام /: ((لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)) وحق الله - ٢١٥٥/١١ -ب] تعالى - الذي شرع فيه ألزم من حق الأبوين حتى يفرغ منه ، لكن العلماء يستحبون له أن يخفف صلاته ويجيب أبويه . (١) من (( هـ)). (٣) الأنفال : ٢٥. (٢) البقرة : ٢٣٨ . - ١٩٥ - وقد روي عن الرسول حديث مرسل يخالف هذا رواه ابن أبي شيبة عن حفص بن غياث ، عن ابن أبي ذئب ، عن محمد بن المنكدر ، عن النبي - عليه السلام - قال: ((إذا دعتك أمك في الصلاة فأجبها، وإذا دعاك أبوك فلا تجبه )) وقال به مكحول ، رواه الأوزاعي عنه ، وقال العوام : سألت مجاهدًا عن الرجل تقام عليه الصلاة وتدعوه أمه أو والده . قال : يجيبهما . وفي كتاب (( البر والصلة)) عن الحسن [ في الرجل ] (١) تقول له أمه : أفطر . قال : يفطر وليس عليه قضاء ، وله أجر الصوم والبر ، وإذا قالت له : لا تخرج إلى الصلاة ، فليس لها في هذا طاعة ، هذه فريضة . فدل هذا أن قياس قوله إذا دعته في الصلاة لا يجيبها ، وأما مرسل ابن المنكدر فالفقهاء على خلافه ، ولا أعلم به قائلا غير مكحول ، ويحتمل أن يكون معناه إذا دعته أمه فليجبها يعني بالتسبيح وبما أبيح للمصلي الاستجابة به ، كما ذكر ابن حبيب قال : من أتاه أبوه ليكلمه وهو في نافلة فليخفف ، وليسلم ويكلمه ، وإذا نادته أمه فليبتدرها بالتسبيح ، وليخفف وليسلم . وأما قول مجاهد : إذا أقيمت عليه الصلاة ودعاه أبوه أو أمه فليجبهما ، فيحتمل أن يكون أمره بإجابتهما إذا كان الوقت متسعًا ولم يدخل في الصلاة ، فتجتمع له إجابة أبويه وقضاء الصلاة في وقتها . وقال المهلب : وفي حديث أبي هريرة دليل أنه من أخذ بالشدة في أمور العبادات كان أفضل إذا علم من نفسه قوة على ذلك ؛ لأن جريجًا رعى حق الله في التزام الخشوع له في صلاته ، وفضله على الاستجابة لأمه ، فعاقبه الله على ما ترك من الاستجابة لها بما ابتلاه به (١) من (( هـ). .- ١٩٦ - من دعوة المرأة عليه ، ثم أراه فضل ما آثره به من مناجاة ربه والتزام الخشوع له ، أن جعل له آية معجزة في كلام الطفل ؛ فخلصه بها من محنة دعوة أمه عليه . وفي هذا الحديث إجابة دعوة الوالدة في السراء والضراء . وقوله : ((اللهم أمّي وصلاتي)) إنما سأله أن يلقي في قلبه الأفضل ، ويحمله على أولى الأمرين به ، فحمله على التزام مراعاة حق الله على حق أمه، وقد يمكن أن يكون جريج نبيا ؛ لأنه كان في زمن يمكن فيه النبوة . فإن قال قائل : يحتمل أن يكون حديث [ أبي ] (١) سعيد بن المعلى قبل تحريم الكلام في الصلاة كما قلت ، فكيف جاز له ترك مجاوبة النبي إذا كان الكلام مباحًا ؟! قيل : يمكن أن يتأول أبو سعيد قوله : ﴿ استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم﴾ (٢) إذا كنتم في غير الصلاة ، فعذره النبي - عليه السلام - بذلك حين رأى التزام السكوت في الصلاة تعظيمًا لشأنها ، كما تأول أصحاب الرسول يوم الحديبية حين أمرهم بالحلاق ألا يحلقوا لَمَّا لَمْ يبلغ الهدي محله ، فإن قيل : فيحتمل أن يدعوه الرسول في وقت تحريم الكلام في الصلاة ، قيل : نعم ، يحتمل ذلك وتكون استجابته له بالتسبيح فيوجز في صلاته ، فتجتمع طاعة الله بإتمام الصلاة ، وطاعة الرسول بالاستجابة له . وأظهر التأويلين أن يدعوه النبي - عليه السلام - وقت إباحة الكلام في الصلاة ، وقد احتج قوم من أهل الظاهر بحديث أبي سعيد بن المعلى ، وزعموا أن كلام الرسول يوم ذي اليدين خصوص له ، وقالوا : لا يجوز لأحد أن يفعل ذلك بعد النبي - عليه السلام - لأن الله - تعالى - قال: ﴿استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم﴾ (٢). (١) من (( هـ)). (٢) الأنفال : ٢٥ . - ١٩٧ - فلا يتكلم أحد ولا يجيب غير الرسول ، ولا حجة لهم فيه ؛ لأن قوله: ﴿استجيبوا لله وللرسول ﴾ [ معناه ] (١) بما يستجيب به المصلي من قوله : سبحان الله ، وإشارة تفهم عنه كما كان - عليه السلام - يرد السلام على الأنصار إشارةً حين دخلوا عليه في مسجد قباء وهو يصلي، وكذلك قوله: (( من نابه شيء في صلاته فليسبح ». قال ابن السكيت : المومس : البغي . قال أبو عبيد : وهي المومسة أيضًا . باب : مسح الحصباء في الصلاة فيه : معيقيب: (( أن النبي - عليه السلام - قال في الرجل يسوي التراب حيث يسجد قال : إن كنت فاعلا فواحدة )) . قال المهلب : هذا من باب العمل في الصلاة ، وقد تقدم أن قليل [١/ ق ٢١٦-) ذلك معفو عنه فيها / وقوله: ((إن كنت فاعلا فواحدة )) يريد تقليل العمل فيها ، ووكل الأمر في ذلك إلى أمانة المصلي ، وقد روي عن جماعة من السلف أنهم كانوا يمسحون الحصى لموضع سجودهم مرة واحدة ، وكرهوا ما زاد عليها . وروي ذلك عن ابن مسعود وأبي ذر وأبي هريرة ، وروى مالك عن [ يحيى بن سعيد قال: إن أبا ذر كان يقول: مسح الحصى مرةً واحدةً، وتركها خير من حمر النعم . وهو قول الأوزاعي والکوفیین، وروي عن](١) ابن عمر أنه كان إذا أهوى ليسجد مسح الحصى مسحًا خفيفًا. وكان مالك لا يرى بالشيء الخفيف منه بأساً ، وقال ابن جريج : قلت لعطاء : أكانوا يشددون في مسح الحصى لموضع الجبين ما لا يشددون (١) من (( هـ)). - ١٩٨ - في مسح الوجه من التراب ؟ قال : أجل . وإنما أبيح مسح الحصى مرة وهو يسير ؛ لأن المصلي لا يجوز أن يعمل جوارحه في غير الصلاة، ومسح الحصى ليس من الصلاة فلا ينبغي له ذلك ، ولا أن يأخذ شيئًا، ولا أن يضعه ، فإن فعل لم تنتقض صلاته ولا سهو عليه . * باب : بسط الثوب في الصلاة للسجود فيه : أنس قال: (( كنا نصلي مع الرسول في شدة الحر ، فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن وجهه من الأرض بسط ثوبه [ فيسجد عليه)). قال المهلب : هذا الباب أيضًا من باب العمل اليسير في الصلاة ، وهو مستجاز ؛ لأنه من أمور الصلاة ] (١) وقد أمر النبي - عليه السلام - بالإبراد من أجل الحر ، ولئلا يتعذب الناس بفيح النار ، ولا يتمكن من السجود ولا المبالغة فيه في زمن الحر إلا أن يتقيه بثوبه لشدة حر الحجارة ، وقد ترجم لحديث أنس في أبواب اللباس في الصلاة باب السجود على الثوب في شدة الحر ، وذكرنا فيه اختلاف العلماء في السجود على الثياب فأغنى [ عن إعادته ] (١). باب : ما يجوز من العمل في الصلاة فيه : عائشة قالت: (( كنت أمدّ رجلي في قبلة الرسول وهو يصلي ، فإذا سجد غمزني فرفعتهما ، فإذا قام مددتهما )) . وفيه : أبو هريرة : (( أن الرسول صلى صلاة فقال: إن الشيطان عرض لي فشدَّ عليّ ( يقطع ) (٢) الصلاة عليّ، فأمكنني الله منه فَذْعَتَّه ، ولقد (١) من (( هـ ). (٢) هذه رواية الحموي والمستملي، كما قال الحافظ ابن حجر في الفتح (٩٧/٣) ولغيرهما: ((ليقطع )) باللام . - ١٩٩ - هممت أن أوثقه إلى سارية حتى تصبحوا وتنظروا إليه ، فذكرت قول سلیمان : ﴿ رب هب لي ملكًا لا ينبغي لأحد من بعدي ﴾ (١) فرده الله خاسئاً )). م استخف جماعة العلماء العمل اليسير في الصلاة ، وأجمعوا أن الكثير منه لا يجوز ، إلا أنهم لم يحدّوا القليل ولا الكثير ، وإنما هو اجتهاد واحتياط ، وغمزُه - عليه السلام - رِجْل عائشة في الصلاة هو عمل يسير ، إلا أن تكرير ذلك ربما أخرجه عن حَدِّ القليل . وأما حديث الشيطان الذي عرض للنبي في الصلاة ، فقد رواه عبدالرزاق مفسراً، فقال: ((عرض لي في صورة هِرّ)) فهذا معنى قوله : ((فأمكنني الله منه )) أي صوره لي في صورة الهِرُّ مشخصًا يمكنه أخذه فأراد ربطه ، ففي هذا جواز العمل في الصلاة ، وربطه إلى سارية عمل كثير قد هم به الرسول - عليه السلام - ولا يهم إلا بجائز. ومما استخف العلماء [ من ] (٢) العمل في الصلاة أخذ البرغوث والقملة ، ودفع المارِّ بين يدي المصلي ، والإشارة والالتفات الخفيف، والمشي الخفيف ، وقتل الحية والعقرب ، وهذا كله إذا لم يقصد المصلي بذلك العبث في صلاته ولا التهاون بها ، وممن أجاز أخذ القملة في الصلاة وقتلها الكوفيون والأوزاعي . وقال أبو يوسف : قد أساء ، وصلاته تامة . وكره الليث قتلها في المسجد ، ولو قتلها لم يكن عليه شيء ، وقال مالك : لا يقتلها في المسجد ولا يطرحها فيه ، ولا يدفنها في الصلاة . وقال الطحاوي : لو حك بدنه لم يكره ، كذلك أخذ القملة وطرحها . ورَخص في قتل العقرب في الصلاة : ابن عمر ، والحسنُ ، (١) ص : ٣٥ . (٢) من (( هـ)). - ٢٠٠ -