Indexed OCR Text
Pages 161-180
قال المؤلف : وهذه الآثار حجة على أبي حنيفة ومن جوز تطويل القراءة فيهما ؛ لأنه عليه السلام لم يحفظ عنه خلافها ، ولا قياس لأحد مع وجود السُّنَّة الثابتة ، وقد ذكر لابن سيرين قول النخعي فقال: ما أدري ما هذا ! وكان أصحاب ابن مسعود يأخذون في ذلك بحديث ابن عمر ، وبحديث ابن مسعود من تخفيفه القراءة . قال المهلب : وتخفيفه لهما - والله أعلم - لمزاحمة الإقامة ؛ لأنه كان لا يصليهما في أكثر أحواله حتى يأتيه المؤذن للإقامة ، وكان يُغلس بصلاة الصبح . باب : التطوع بعد المكتوبة فيه : ابن عمر قال: (( صليت مع النبي - عليه السلام - سجدتين قبل الظهر ، وسجدتين بعد الظهر ، وسجدتين بعد المغرب ، وسجدتين بعد العشاء ، وسجدتين بعد الجمعة ، فأما المغرب والعشاء ففي بيته)). وحدثتني أختي حفصة: « أن نبي الله كان يصلي ركعتين خفيفتين بعد ما يطلع الفجر، وكانت ساعة لا أدخل على النبي - عليه السلام- فيها)). قال المهلب : قوله : ((سجدتين قبل الظهر ... )) الحديث فإنه أراد ركعتين فعبّر عن الركوع بالسجود ، وهذا يبين ما [ روي ] (١) في صلاة الكسوف في حديث عبد الله بن عمر (( أن النبي - عليه السلام- صلى حين كسفت الشمس ركعتين في سجدة )) وإنما أراد ركعتين في ركعة على ما روته عائشة في ذلك . (١) من (( هـ)). - ١٦١ - قال المهلب : وتطوعه عليه السلام بهذه النوافل قبل الفرائض وبعدها؛ لأن أفضل الأوقات أوقات صلوات الفريضة ، وفيها تفتح أبواب السماء للدعاء ، ويقبل العمل الصالح فلذلك يحييها عليه السلام بالنوافل ، وليس في حديث ابن عمر التنفل قبل العصر. قال الطبري : وقد رَوى علي عن الرسول (( أنه كان يصلي قبل العصر أربع ركعات يفصل بينها بسلام)) وقد اختلف السلف في ذلك، فكان بعضهم يصلي أربعًا ، وبعضهم يصلي ركعتين ، وبعضهم لا يرى الصلاة قبلها ، فممن كان يصلي أربعًا : علي بن أبي طالب ، وقال إبراهيم : كانوا يحبون أربعًا قبل العصر . وممن كان يصلي ركعتين : روى سفيان وجرير عن منصور ، عن إبراهيم قال : كانوا يركعون الركعتين قبل العصر ، ولا يرونها من السُّنَّةِ . وممن كان لا يصلي قبلها شيئًا : روى قتادة ، عن سعيد بن المسيب أنه كان لا يصلي قبل العصر شيئًا . وقتادة عن الحسن مثل ذلك. وروى فضيل ، عن منصور ، عن إبراهيم : أنه رأى إنسانًا يصلي قبل العصر فقال : إنما العصر أربع . قال الطبري : والصواب عندنا أن الفضل في التنفل قبل العصر بأربع ركعات؛ لصحة الخبر بذلك عن عليّ، عن النبي -عليه السلام- حدثني به موسى بن عبد الرحمن قال : حدثنا عبد الحميد الحماني ، عن مسعر ، عن أبي إسحاق ، عن عاصم بن ضمرة ، عن علي قال: ((رأيت النبي - عليه السلام - صلى أربع ركعات قبل العصر)). فأما قول ابن عمر: ((فأما الركعتان بعد المغرب والعشاء ففي بيته )» فقد اختلف في ذلك ، فروي [ عن ] (١) قوم من السلف (١) ليست في ((الأصل، هـ )) والسياق يقتضيها فتدبر. - ١٦٢ - منهم زيد بن ثابت وعبد الرحمن بن عوف أنهما كانا يركعان الركعتين بعد المغرب في بيوتهما . وقال العباس بن سهل بن سعد / : لقد أدركت عثمان ، وإنه [١/ق٢٠٩-ب] ليسلم من المغرب فما أرى رجلا واحداً يصليهما في المسجد ، كانوا يبتدرون أبواب المسجد فيصلونها في بيوتهم . وقال ميمون بن مهران : كانوا يستحبون تأخير الركعتين بعد المغرب إلى بيوتهم ، وكانوا يؤخرونها حتى تشتبك النجوم . وروي عن طائفة أنهم كانوا يتنفلون النوافل كلها في بيوتهم دون المسجد ، وروي عن عبيدة أنه كان لا يصلي بعد الفريضة شيئًا حتى يأتي أهله . وقال الأعمش : ما رأيت إبراهيم متطوعًا حياته في مسجد إلا مرةً صلى بعد الظهر ركعتين . وكانت طائفة لا تتنفل إلا في المسجد ، رُوي عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر : أنه كان يصلي سُبحته مكانه . وكان أبو مجلز يصلي بين الظهر والعصر في المسجد الأعظم . وروى ابن القاسم عن مالك قال : التنفل في المسجد هو شأن الناس في النهار ، وبالليل في بيوتهم . وهو قول الثوري . وقال الطبري به [وقال ] (١) والحجة لهذا القول ما حدثنا به أحمد ابن [الحسن ](٢) الترمذي ، حدثنا محمد بن يوسف الفريابي ، حدثنا إسرائيل ، عن ميسرة بن [ حبيب ] (٣) عن المنهال، عن زِرّ ، عن حذيفة قال : (( صليت مع الرسول العشاء الآخرة ، ثم صلى حتى لم يبق في المسجد واحدٌ )) وقال : حدثنا ابن حميد ، حدثنا يعقوب ، (١) زيادة مني ليستقيم الكلام ويزول إيهام أن قائل: ((والحجة لهذا القول ... )) هو المصنف . (٢) من ((هـ)) وهو ابن جنيدب أبو الحسن الحافظ، وجاء في ((الأصل)): الحسين. وهو تحريف، انظر ترجمته في ((تهذيب الكمال)) (١/ ٢٩٠). (٣) من (( هـ)) وهو النهدي أبو حازم الكوفي - ترجمته في (( تهذيب الكمال)) (١٩٢/٢٩) - ووقع في ((الأصل)): حنيف . خطأ. - ١٦٣ - عن جعفر، عن [ سعيد] (١) بن جبير قال: ((كان النبي - عليه السلام- يصلي بعد المغرب ركعتين ، ويصليهما حتى يتصدع أهل المسجد )) فإنما كره الصلاة في المسجد لئلا يرى جاهل عالمًا يصليها [فيه] (٢) فيراها فريضة، أو كراهة أن يخلي منزله من الصلاة فيه ، أو حذرًا على نفسه من رياء أو عارض من خطرات الشيطان ، فإذا سلم من ذلك فإن الصلاة في المسجد حسنة . وقد بين بعضهم علّة كراهية من كرهه ، من ذلك : سفيان عن الأعمش ، عن أبي الضحى ، عن مسروق قال : كنا نقرأ في المسجد فنقوم فنصلي في الصف . قال عبد الله : صلوا في بيوتكم لا يرونكم الناس فيرونها سُنَّة . والذي يقول : إن حديث حذيفة وما رواه سعيد بن جبير ، وقوله عليه السلام: (( صلاتكم في بيوتكم إلا المكتوبة)) فهي صحاح كلها لا يدفع شيء منها ، وذلك نظير ما ثبت أن النبي - عليه السلام - كان يعمل العمل ليتأسى به فيه ، ثم يعمل بخلافه في حال أخرى ليعلم بذلك من فعله أن أمره بذلك على وجه الندب ، وأنه غير واجب العمل به . باب : من لم يتطوع بعد المكتوبة فيه : ابن عباس قال: ((صليت مع النبي - عليه السلام - ثمانيًا جميعًا، وسبعًا جميعًا)) (٣) . قد تقدم الكلام في هذا الحديث(٤) وفي اشتراك الصلوات فيه، وأما (١) في ((الأصل، هـ)): سفيان. وهو تصحيف، وسيأتي فيهما على الصواب قريبًا في آخر الباب . (٢) من ((هـ)). (٣) تمامِه: قال عمرو بن دينار: يا أبا الشعثاء - الراوي عن ابن عباس - ، أظنه · أخَّر الظهر وعجَّل العصر، وعجَّل العشاء وأخَّر المغرب. قال: وأنا أظنه. أهـ. (٤) يعني في الجمع بين الصلاتين في السفر . - ١٦٤ - تركه عليه السلام التنفل فيه فالسّنّة عند جميع الصلوات ترك التنفل(١)، فأراد عليه السلام أن يعلم أمته أن التطوع ليس بلازم ، لا يسع تركه ، ولذلك كان ابن عمر لا يتنفل في السفر . باب : صلاة الضحى في السفر فيه : مُورِّق: (( قلت لابن عمر : تصلي الضحى ؟ قال : لا . قلت : فعمر ؟ قال : لا . قلت : فأبو بكر ؟ قال : لا . قلت : فالنبي - عليه السلام - ؟ قال : لا إخاله )) . فيه: ابن أبي ليلى قال: (( ما حدثنا أحدٌ أنه رأى النبي - عليه السلام - يصلي الضحى غير أم هانئ، فإنها قالت : إن النبي - عليه السلام - دخل بيتها يوم الفتح - فتح مكة - فاغتسل وصلى ثمان ركعات ، فلم أر صلاة قط أخف منها غير أنه يتم الركوع والسجود )) . قال المؤلف : أما حديث مورق عن ابن عمر فليس من هذا الباب، وإنما يصلح في الباب الذي بعد هذا فيمن لم يصل الضحى ، وأظنه من غلط الناسخ - والله أعلم . وأما قول ابن أبي ليلى : ما حدثنا أحد أنه رأى الرسول يصلي الضحى غير أم هانئ فلا حجة فيه تَرُدَّ ما روي عن النبي - عليه السلام - أنه صلى الضحى وأمر بصلاتها من طرق جمة ، وسأذكر منها في هذا الباب ، وفي الباب الذي بعد هذا - إن شاء الله . وقد يجوز أن يذهب علم مثل هذا عن كثير ، ويوجد عند الأقل ، ولما صلى رسول الله 183 يوم الفتح ثمان ركعات في وقت / الضحى [١/ ٢١٠٥-١] استدل البخاري من ذلك على جواز صلاة الضحى في السفر ، وقد (١) يعني في السفر . ٠٠ - ١٦٥ - روي ذلك نصا لا دليلا ، روى ابن وهب ، عن عمرو بن الحارث ، عن بكير بن عبد الله قال : حدثني الضحاك بن عبد الله القرشي ، عن أنس بن مالك قال: ((رأيت رسول الله في السفر صلى سبحة الضحى ثمان ركعات)) وإذا جازت صلاتها في السفر فالحضر أولى [بذلك] (١) . وقد ذكر الطبري آثارًا مختلفة عن الرسول في عدد صلاة الضحى ، فمنها حديث أم هانئ ، وحديث أنس هذا ، وذكر أن سعد بن أبي وقاص وأم سلمة كانا يصليان الضحى ثمانيًا ، ومنها حديث ابن مسعود أن الرسول قال : (( من صلى الضحى عشر ركعات بني له بيت في الجنة )). ومنها حديث ثمامة عن أنس بن مالك [ أن النبي (وَ *](١) قال : «من صلى الضحى ثنتي عشرة ركعة بنى الله له بها قصرًا من ذهب في الجنة)) ومنها حديث حميد، عن أنس (( أن الرسول كان يصلي الضحى ست ركعات)) وحديث جابر مثله ، وروي عن عائشة أنها كانت تصلي الضحى ست ركعات . ومنها حديث علي (( أنه عليه السلام كان يصلي أربعًا)) وعن عائشة مثله ، وبه كان يأخذ علقمة والنخعي وسعيد بن المسيب ، ومنها حديث عتبان بن مالك (( أن النبي - عليه السلام - صلى في بيته سبحة الضحى ركعتين)) ومنها حديث أنس (( أن النبي - عليه السلام - صلى في بيت الرجل الضحى ركعتين )) . ومنها حديث جابر (( أن النبي - عليه السلام - أمره أن يصلي سبحة الضحى فصلى ركعتين)) ومنها حديث أبي هريرة (( أن الرسول أوصاه برکعتي الضحى ، وقال : من حافظ عليها غفر له ذنوبه وإن كانت (١) من (( هـ ). - ١٦٦ - مثل زبد البحر )) وعن عبد الله بن عمر : أنه كان يصلي الضحى ركعتين ، وعن الضحاك مثله . قال الطبري : وليس منها حديث يدفع صاحبه ، وذلك أنه من صلى الضحى أربعًا جائز أن يكون رآه في حالٍ فِعْلِه ذلك ، ورآه غيره في حال أخرى صلى ركعتين ، ورآه آخر في حال أخرى صلاها ثمانيًا، وسمعه آخر يحث على أن تصلى ستا ، وآخر يحث على ركعتين ، وآخر على عشر ، وآخر على اثنتي عشرة ، فأخبر كل واحد منهم عما رأى أو سمع . ومن الدليل على صحة ما قلناه في ذلك ما روي عن زيد بن أسلم قال : سمعت عبد الله بن عمر يقول لأبي ذر: أوصني يا عم فقال : سألت رسول الله وَي عما سألتني فقال: ((من صلى الضحى ركعتين لم يكتب من الغافلين ، ومن صلى أربعًا كتب من العابدين ، ومن صلى ستا ، لم يلحقه ذلك اليوم ذنب ، ومن صلى ثمانيًا كتب من القانتين ، ومن صلى ثنتي عشرة ركعة بنى الله له بيتاً في الجنة)). وقال مجاهد: (( صلى رسول الله يومًا الضحى ركعتين ، ثم يومًا أربعًا ، ثم يومًا ستا ، ثم يومًا ثمانيًا، ثم ترك)) فأبان بهذا الخبر عن صحة ما قلناه من احتمال خبر كل مخبر ممن تقدم قوله ، أن يكون إخباره بما أخبر عنه عليه السلام في صلاة الضحى كان على قدر ما شاهده وعاينه . فالصواب إذا كان الأمر كذلك أن يصليها من أراد على ما شاء من العدد ، وقد روي هذا عن قوم من السلف ، حدثنا ابن حميد ، حدثنا جرير ، عن مغيرة ، عن إبراهيم قال : سأل رجلٌ الأسود قال: كم أصلي الضحى ؟ قال : كم شئت . - ١٦٧ - باب : من لم يصل الضحى ورآه واسعًا فيه: عائشة قالت : (( ما رأيت رسول الله وتللر يسبح سبحة الضحى، وإني لأسبحها )) . قال المؤلف: أما حديث مورق (( قلت لابن عمر : تصلي الضحى؟ [ قال : لا. قلت : فعمر ؟ قال : لا . قلت : فأبو بكر؟ قال: لا. قلت: فالنبي وَلِ﴾] (١) قال: لا إخاله)) المذكور في الباب قبل هذا ، فهذا موضعه ، ليس ذلك الباب ، وأخذ قوم من السلف به وبحديث عائشة ، ولم يروا صلاة الضحى ، وقال بعضهم بأنها بدعة . روى الشعبي عن قيس بن عباد قال : كنت أختلف إلى ابن مسعود السنة كلها ، فما رأيته مصليًا الضحى . وقال إبراهيم النخفى حدثني من رأى ابن مسعود صلى الفجر ثم لم يقم لصلاة حتى أذن لصلاة الظهر ، فقام فصلى أربعًا . روى شعبة ، عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه ، عن عبد الرحمن بن عوف : أنه كان لا يصلي الضحى . وعن مجاهد قال : دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد فإذا ابن عمر جالس عند باب حجرة عائشة ، وإذا الناس يصلون في [١/ ٢١٠٥-ب] المسجد صلاة الضحى. فسألناه / عن صلاتهم ، فقال : بدعة ، وقال مرة : ونعمت البدعة . وقال الشعبي : سمعت ابن عمر يقول : ما ابتدع المسلمون بدعة أفضل من صلاة الضحى . وقد سئل أنس عن صلاة [الضحى: ] (١). فقال : الصلوات خمس . وقد قيل : إن صلاته عليه السلام يوم الفتح ثمان ركعات لم تكن صلاة الضحى ، وإنما كانت من أجل الفتح ، وأن سُنّة الفتح أن يصلى عنده ثمان ركعات ، ذكره الطبري في التاريخ عن الشعبي قال: لما فتح خالد ابن الوليد الحيرة صلى صلاة الفتح ثمان ركعات ، ولم يسلم فيهن ثم انصرف . (١) من (( هـ). - ١٦٨ - ٠ قال المؤلف - رحمه الله - : هذا تأويل لا يدفع صلاة الضحى لتواتر الروايات بها عن الرسول ، وفعل السلف بعده . قال الطبري : وذهب قوم من السلف أن صلاة الضحى تصلى في بعض الأيام دون بعض ، واحتجوا بما رواه الجريري ، عن عبد الله بن شقيق قلت لعائشة: (( أكان رسول الله يصلي الضحى ؟ قالت : لا ، إلا أن يجيء من مغيبه)) وروى ( .... ) (١) ، عن فضيل بن مرزوق ، عن عطية ، عن أبي سعيد قال: (( كان رسول الله يصلي الضحى حتى نقول لا يدعها ، ويدعها حتى نقول لا يصليها )) . ذكْر من كان يفعل ذلك من السلف : روى شعبة عن حسين الشهيد، عن عكرمة قال : كان ابن عباس يصليها يومًا ويدعها عشرة أيام - يعني صلاة الضحى . وشعبة ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر أنه كان لا يصلي الضحى ، فإذا أتى مسجد قباء صلى وكان يأتيه كل سبت . وسفيان ، عن منصور ، عن إبراهيم قال : كانوا يكرهون أن يحافظوا عليها كالمكتوبة ، ويصلون ويدعون - يعني صلاة الضحى . وعن سعيد بن جبير قال : إني لأدع صلاة الضحى وأنا أشتهيها ؛ مخافة أن أراها حتمًا عليّ . قال الطبري : وحديث عبد الله بن شقيق عن عائشة ، وحديث أبي سعيد لا يضاد ما ثبت من الآثار عنه عليه السلام بصلاة الضحى ؛ لأنه (١) في ((الأصل)) و((هـ)): ابن قتيبة، ولا أظنه إلا تحريفًا أو وهمًا؛ فإني لم أر فيمن يروي عن فضيل بن مرزوق من يقال له : ابن قتيبة ، ولا من يشتبه به في الكتابة ، والحديث قد رواه الإمام أحمد في المسند (٢١/٣) عن يزيد بن هارون، و(٣٦/٣) عن يحيى بن آدم ، كلاهما عن فضيل به . وقد عزاه الحافظ في الفتح (٦٦/٣) للحاكم في المستدرك لكني لم أجده فيه . - ١٦٩ - يحتمل أن يكون كل مخبر إنما أخبر عنه عليه السلام بما شاهده وعاينه من فعله . وليس في قول من نفى صلاة الضحى واحتج بقول عائشة: (( ما. رأيت رسول الله يسبح سبحة الضحى قط)) حجة؛ لأنها أخبرت بما علمت فصدقت ، وأخبر غيرها بما علم فصدق ، وليس شيء من ذلك. بمضاد لما خالفه ؛ لأن قول القائل: لم يصلها النبي - عليه السلام - غير مخبر عنه أنه قال : لم أصلها ولا أصليها، فكيف وقد أخبر غير واحد عن عائشة ممن لا يتهم أن النبي -عليه السلام- كان يصلي الضحى. وذلك ما حدثنا به محمد بن بشار قال: حدثنا معاذ بن هشام ، حدثني أبي ، عن قتادة ، عن معاذة ، عن عائشة ، أنها سألتها : ((أكان النبي يصلي الضحى ؟ قالت : نعم)) ورواه شعبة عن يزيد الرشك ، عن معاذة، عن عائشة قالت: ((كان النبي - عليه السلام- يصلي الضحى أربعًا ويزيد ما شاء الله)). قال الطبري : فلو لم يدل على وهم الحديث عن عائشة (( أن النبي لم يسبح سبحة الضحى)) إلا هذه الأخبار المدونة عنها أنه صلاها، فكيف وفي خبر عبد الله بن شقيق عنها أنه كان يصليها عند قدومه من مغيبه ؟ قال غيره : وقد يمكن الجمع بين أحاديث عائشة وغيرها ، فيحمل قولها: ((ما رأيت رسول الله يسبح سبحة الضحى)) يعني مواظبًا عليها ومعلنًا بها ؛ لأنه يجوز أن يصليها بحيث لا تراه ، وقد روي عن عائشة أنها كانت تغلق على نفسها بابها ثم تصلي الضحى . وقال مسروق : كنا نقرأ في المسجد فنبقى بعد قيام ابن مسعود ، ثم نقوم فنصلي الضحى، فبلغ ابن مسعود ذلك فقال: لم تحمّلوا عباد الله ما لم يحمّلهم الله ؟ إن كنتم لا بد فاعلين ففي بيوتكم . وكان أبو مجلز يصلي الضحى في منزله . وكان مذهب السلف الاستتار بها. وترك إظهارها للعامة ؛ لئلا يرونها واجبة . وفي قولها: ((وإنني لأسبحها)) دليل أنها صلاة مندوب إليها - ١٧٠ - مرغب فيها ، وقد روي عنها أنها قالت : لو نشر لي أبواي من قبرهما ما تركتهما ، فالتزامها لها لا يكون إلا عن علم عندها من النبي - عليه السلام . باب : صلاة الضحى في الحضر قاله عتبان عن النبي عليه السلام [١/ ق ٢١١-٢] فيه : أبو هريرة : « أوصاني الرسول بثلاث لا أدعهن حتى أموت ، / صوم ثلاثة أيام من كل شهر ، وصلاة الضحى، ونوم على وتر )) . وفيه: أنس: (( أن رجلا من الأنصار كان ضخمًا قال للنبي - عليه السلام - : إني لا أستطيع أن أصلي معك ، فصنع للنبي طعامًا ودعاه إلى بيته ، ونضح له طرف حصير بماء فصلى عليه ركعتين ، وقال أنس : ما رأيت صلاة الضحى غير ذلك اليوم )» . قال ( المهلب ) (١) : في حديث أبي هريرة الترغيب في صلاة الضحى والحض عليها ؛ لأنه لا يوصيه النبي -عليه السلام- بالمحافظة على عمل إلا وله في عمله جزيل [ الأجر وعظيم ] (٢) الثواب ، وقد ذكر الطبري أحاديث كثيرة عن النبي - عليه السلام- في صلاة الضحى سوى هذه ، فمن أحسنها ما حدثه أبو كريب ، حدثنا وكيع ، عن النَّهَّاس بن قَهْم ، عن [ شداد أبي عمار ] (٣) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وح لول: ((من حافظ على ركعتي الضحى غفر له ذنوبه، وإن كانت مثل زبد البحر)) قال : وحدثنا ابن المثنى ، حدثنا حكيم ابن معاوية قال : حدثنا زياد بن عبد الله ، عن حميد الطويل ، عن أنس قال: (( كان النبي -عليه السلام- يصلي الضحى ست ركعات)) قال : وحدثنا عيسى بن خالد ، عن أبي مسهر ، حدثنا إسماعيل بن (١) في ((هـ)): المؤلف . (٢) من (( هـ)). (٣) هو البصري كنيته : أبو الخطاب ، وهذا الحديث معروف برواية النهاس عن شداد ، عن أبي هريرة - تراه في ترجمة النهاس من كتب الضعفاء - وجاء في ((الأصل، هـ)): عن شداد بن عمار، عن ابن عمار، عن أبي هريرة. وهو تخليط . - ١٧١ - عياش ، عن بحير بن سعد ، عن خالد بن معدان ، عن جبير بن نفير، عن أبي الدرداء [ و] (١) أبي ذر قال: قال رسول الله وَله:". ((يقول [الله عز وجل ] (٢): ابن آدم ، صَلِّ أربع ركعات أول النهار أكفك آخره )) وحدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري ، حدثنا زيد بن الحباب ، حدثني [الحسين ] (٣) بن واقد، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال : قال رسول الله: ((في الإنسان ثلاثمائة مفصل وستون مفصلا ، ففي كل مفصل صدقة . قالوا : يا رسول الله ، ومن يطيق ذلك ؟ قال : أليس ينحي أحدكم الأذى من الطريق ، فإن لم يطق ذلك فإن ركعتي الضحى تجزئ عنه )) . وحدثنا أبو کریب، حدثنا ابن فضیل، حدثنا حصین بن عبد الرحمن، عن عمرو بن مرة، عن نافع بن جبير بن مطعم [ عن أبيه ] (٤) قال: ((رأيت رسول الله يصلي الضحى)) فى أحاديث كثيرة غير هذه تحقق رواية من روى عن النبي - عليه السلام- أنه كان يصلي الضحى، ويندب أمته إليها ، وبذلك عمل الصالحون والسلف ، ذكر ابن أبي شيبة عن زيد بن أرقم قال: ((خرج رسول الله على أهل قباء وهم يصلون. الضحى فقال : صلاة الأوابين إذا رمضت الفصال من الضحى » وكان أبو ذر يصلي الضحى فيطيلها. وسأل رجل الحسن البصري : هل كان أصحاب رسول الله يصلون الضحى؟ قال : نعم ، منهم من (١) الحديث رواه الترمذي رقم (٤٧٥) هكذا بلفظ الواو، ومثله في الفتح (٦٦/٣)، ويناسبه هنا: قالا، وجاء في (( الأصل، هـ)) بلفظ: أو . وهو خطأ. (٢) من ( هـ ). (٣) من (( هـ)) وفي (( الأصل)): الحسن . وهو خطأ. (٤) كأن ما بين الحاجزين سقط من ((الأصل)) و((هـ)) فأثبته ؛ فإن نافعًا تابعي لا رؤية له ، وإنما الصحبة لأبيه ، والحديث حديثه كما في مجمع الزوائد (٢٣٨/٢) وعزاه إلى الطبراني . - ١٧٢ - كان يصلي أربعًا ، ومنهم من كان يصلي ركعتين ، ومنهم من كان يمد إلى نصف النهار . وقال ابن أبي مليكة : سئل ابن عباس عن صلاة الضحى فقال : إنها في كتاب الله ، لا يغوص عليها إلا غواص ، ثم قرأها : ﴿ في بيوت أذن الله أن ترفع ویذکر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال ﴾ (١) ويروى عن عبد الله بن الحارث ، عن ابن عباس (( أنه دخل على أم هانئ فأخبرته أن الرسول صلى الضحى فخرج وهو يقول : قرأت ما بين اللوحين فما عرفت صلاة الضحى إلا الآن ﴿ يسبحن بالعشي والإشراق﴾ (٢) وكنت أقول: وأين الإشراق، وهي هذه . باب : الركعتين قبل الظهر فيه: ابن عمر قال: (( حفظت من النبي - عليه السلام - عشر ركعات: ركعتين قبل الظهر ، وركعتين بعدها ، وركعتين بعد المغرب في بيته ، وركعتين بعد العشاء في بيته، وركعتين قبل صلاة الصبح ، وكانت ساعة لا يدخل على النبي فيها». وفيه: عائشة: (( كان النبي - عليه السلام - لا يدع [أربعًا ] (٣) قبل الظهر وركعتين قبل الغداة » . اختلفت الأحاديث في التنفل قبل الظهر ، وفي حديث ابن عمر أن النبي - عليه السلام - ركع ركعتين قبل الظهر ، وفي حديث عائشة أنه ركع أربعًا ، وقد روى مثل حديث عائشة : أبو إسحاق الهمداني، عن عمرو بن أوس ، عن عنبسة بن أبي سفيان ، عن أُم حبيبة ، عن النبي - عليه السلام . وكان جماعة من السلف يفعلون ذلك ، وروي (١) النور : ٣٦ . (٣) من (( هـ )). (٢) ص : ١٨ . - ١٧٣ - عن ابن مسعود، وابن عمر، والبراء، وأبي أيوب أنهم كانوا يصلون قبل الظهر (١) وعن ابن المسيب مثله، وقال إبراهيم: من السَّنَّة [أربع](٢) قبل الظهر ، وركعتان بعد الظهر ببيته ، وروي من حديث [البراء مثل](٣) حديث ابن عمر ، رواه الليث عن صفوان [ بن سليم] (٢) عن أبي [بسرة](٤) الغفاري، عن البراء قال: ((سافرت مع النبي - عليه [٢١١٥/١ -ب) السلام : - ثمان عشرة سفرة، وكان لا يدع ركعتين / قبل الظهر)). وقال الطبري : والصواب أن يقال : كلا الخبرين في عدد صلاته قبل الظهر صحيح ، وهو أنه إنما يكون من روى عنه أربعًا رآه يفعل ذلك في كثير من أحواله ، ورآه ابن عمر وغيره يصلي ركعتين في بعض الأحوال ، فرووا عنه ذلك ، وإذا كان ذلك كذلك فللمرء أن يصلي قبل الظهر ما شاء ؛ لأن ذلك تطوع، وقد ندب الله المؤمنين إلى التقرب إليه بما أطاقوا من فعل الخير، والصلاة بعد الزوال وقبل الظهر كانت تعدل بصلاة الليل في الفضل، روي هذا عن جماعة من السلف. باب : الصلاة قبل المغرب فيه : عبد الله المزني ، عن النبي - عليه السلام - قال: (( صلوا قبل صلاة المغرب . قال في الثالثة: لمن شاء كراهية أن يتخذها الناس سنة)). وفيه : مرثد اليزني قال: (( أتيت عقبة بن عامر الجهني فقلت : ألا أُعَجُّبُك من [ أبي ] (٥) تميم يركع ركعتين قبل صلاة المغرب ، فقال (٢) من (( هـ)). ٠٠ (١) يعني أربعًا . (٣) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): المراسيل. وهو تحريف ظاهر. (٤) في ((الأصل)) و((هـ)): ((برزة))، وكتب فوقها في ((الأصل)) بخط مغاير: ((بسرة)) وهو الصواب، وأبو بسرة هذا لا يُعرف اسمه، وليس له في الكتب الستة سوى هذا الحديث عن البراء، ترجمته في ((تهذيب الكمال» (٧٤/٣٣ - ٧٥). (٥) من (( هـ)) وفي (( الأصل)): بني . وهو خطأ. - ١٧٤ - عقبة: إنا كنا نفعله على عهد رسول الله والإ قلت: فما يمنعك الآن ؟ قال: الشغلُ)). اختلف السلف في التنفل قبل المغرب ، فأجازته طائفة ، وكرهته طائفة ، فممن روي عنه أنه كان يفعله : أُبي بن كعب، وعبد الرحمن ابن عوف ، وسعد بن أبي وقاص ، وقال حميد عن أنس : إذا أذن المؤذن يبتدرون السواري فيصلون . قال عبد الرحمن بن أبي ليلى : أدركت أصحاب محمد رَّ يصلون عند كل تأذين . وكان الحسن وابن سيرين يركعان قبل المغرب ، وهو قول أحمد وإسحاق . والحجة لهم من حديث المزني قوله عليه السلام: (( لمن شاء)). وممن كان لا يصليها ، قال إبراهيم النخعي : لم يصل الركعتين قبل المغرب أبو بكر ، ولا عمر، ولا عثمان ، وقال إبراهيم : هما بدعة . قال: وكان خيار أصحاب رسول الله بالكوفة علي ، وابن مسعود ، وحذيفة ، وعمار ، وأبو مسعود ، فأخبرني من رمقهم كلهم ، فما رأى أحدًا منهم يصلي قبل المغرب ، وهو قول مالك ، وأبي حنيفة ، والشافعي . قال المهلب : والحجة لهم أن هذا كان في أول الإسلام ليدل على أن وقت التحجير في صلاة النافلة في هذا الوقت قد انقطع بمغيب الشمس ، وحلت النافلة والفريضة ، ثم التزم الناس مبادرة الفريضة ؛ لئلا يتباطأ الناس بالصلاة عن الوقت الفاضل ، ويختلف أمر الناس في المبادرة بالصلاة ؛ إذ المغرب لا يشكل على العامة والخاصة ، وغيرها من الصلوات يشكل [ عليهم ] (١) دخول أوائل أوقاتها ، وفيها مهلة حتى يستحكم الوقت؛ فلذلك أبيح الركوع قبل غيرها من الصلوات . (١) من (( هـ). - ١٧٥ - ٠٠ باب : صلاة النوافل جماعة ذكره أنس وعائشة عن الرسول فیه : عتبان بن مالك : « أن رسول الله ټېچ صلی في بيته ر کعتین ، فکبر وصففنا خلفه ... )) الحديث بطوله . هذا الحديث يدل على جواز صلاة النوافل جماعة ، قال ابن حبيب: ولا بأس أن يؤم النفر في النافلة في صلاة الضحى وغيرها كالرجلين والثلاثة ، وأما أن يكون مشتهرًاً جدا ويجتمع له الناس فلا. قاله مالك . قال ابن حبيب : إلا أن يكون في قيام رمضان ؛ لما في ذلك من سُنَّة أصحاب رسول الله - عليه السلام . باب : التطوع في البيت فيه : ابن عمر قال: قال رسول الله: ((اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم، ولا تتخذوها قبوراً )). هذا من التمثيل البديع ، وذلك بتشبيهه عليه السلام البيت الذي لا يصلى فيه بالقبر الذي لا يمكن الميت فيه عبادة ، وشبه النائم الليل كله بالميت الذي انقطع منه فعل الخير ، وقد قال عمر بن الخطاب : صلاة المرء في بيته نُورٌ فَنَوِّرُوا بيوتكم . وللعلماء في معنى هذا الحديث قولان : منهم من قال : إن الحديث ورد في النافلة دون الفريضة ؛ لأن النبي - عليه السلام - قد سَنَّ الصلوات في الجماعة ، ورغب في ذلك ، وتوعد من تخلف عنها بغير عذر، وقال: ((أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة)) فبان أن الحديث ورد في النافلة ؛ لأنها إذا كانت في البيت كان أبرأ من [٢١٢٥/١-١) الرياء والشغل / بحديث الناس ، فحض عليه السلام على النوافل في - ١٧٦ - البيوت ؛ إذ السِّرَّ في النوافل أفضل من الإعلان ، وعلى هذا التأويل تكون ((مِنْ)) زائدة كأنه قال : اجعلوا صلاتكم النافلة في بيوتكم ، كقوله : ما جاءني من أحدٍ ، وأنت تريد ما جاءني أحدٌ ، وإلى هذا الوجه أشار البخاري، وقد رُوي ما يدل عليه عن النبي - عليه السلام. روى الطبري من حديث عبد الرحمن بن سابط ، عن أبيه ، عن النبي -عليه السلام- قال: ((نَوِّرُوا بيوتكم بذكر الله، وأكثروا فيها تلاوة القرآن ، ولا تتخذوها قبوراً كما اتخذها اليهود والنصارى ، فإن البيت الذي يقرأ فيه القرآن يتسع على أهله ، ويكثر خيره ، وتحضره الملائكة ، ويُدحض عنه الشيطان ، وإن البيت الذي لا يقرأ فيه القرآن يضيق على أهله، ويقل خيره ، وتنفر عنه الملائكة، وتحضره الشياطين)). وقد روي عن جماعة من السلف أنهم كانوا لا يتطوعون في المسجد، رُوي ذلك عن حذيفة، وعن السائب بن يزيد [ و] (١) النخعي ، والربيع بن خثيم ، وعبيدة ، وسويد بن غفلة . وقال آخرون : هذا الحديث إنما ورد في الفريضة، و((مِنْ)) للتبعيض ، كأنه قال : اجعلوا بعض صلاتكم المكتوبة في بيوتكم ليقتدي بكم أهلوكم ، ومن لا يخرج إلى المسجد منهم ، ومن يلزمكم تعليمه لقوله تعالى : ﴿قوا أنفسكم وأهليكم ناراً﴾ (٢) ومن تخلف عن جماعة لجماعة وإن كانت أقل منها فلم يتخلف عنها ، ومن صلى في بيته جماعة فقد أصاب سُنَّة الجماعة وفضلها ، روى حماد عن إبراهيم قال : إذا صلى الرجل مع الرجل فهما جماعة ، لهما التضعيف خمسًا وعشرين درجة . وروي أن أحمد بن حنبل وإسحاق وعليّ بن المديني اجتمعوا في دار أحمد فسمعوا النداء ، فقال أحدهم: (١) من (( هـ )). (٢) التحريم : ٦ . - ١٧٧ - اخرج بنا إلى المسجد . فقال أحمد : خروجنا إنما هو للجماعة ونحن في جماعة . فأقاموا الصلاة وصلوا في البيت (١) . ! باب : فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة فيه : أبو سعيد وأبو هريرة : قال النبي - عليه السلام -: (( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : المسجد الحرام ، ومسجد الرسول ، و(المسجد) (٢) الأقصى)). وفيه : أبو هريرة قال: قال النبي - عليه السلام -: ((صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام)) ... قال المؤلف : هذا الحديث في النهي عن إعمال المطي ، إنما هو. عند العلماء فيمن نذر على نفسه الصلاة في مسجد من سائر المساجد . غير الثلاثة المذكورة ، قال مالك : من نذر صلاة في مسجد لا يصل إليه إلا براحلة فإنه يصلي في بلده ، إلا أن ينذر ذلك في مسجد مكة أو المدينة أو بيت المقدس فعليه السير إليها . وقال المؤلف : وأما من أراد الصلاة في مساجد الصالحين والتبرك بها متطوعًا بذلك ، فمباح له قصدها بإعمال المطي وغيره ، ولا يتوجه إليه النهي في هذا الحديث ، فإن قيل : فإن أبا هريرة أعمل المطي إلى الطور ، فلما انصرف لقيه [ بَصْرة بن أبي بَصْرة ] (٣) فأنكر عليه خروجه وقال له : لو أدركتك قبل أن تخرج ما خرجت ، سمعت (١) يُنظر في إسناد هذه الحكاية. (٢) هكذا في ((الأصل ، هـ)): المسجد. ووقع في السلطانية (٧٦/٢) ، شرح الحافظ ابن حجر : مسجد الأقصى . ولم يذكر الحافظ وقوعه معرفًا في شيء من الروايات ، فالله أعلم . (٣) بفتح الموحدة ، وسكون المهملة - وهو الغفاري صحابي ابن صحابي - ووقع في ((الأصل، هـ)) بالنون والمعجمة . وهو تصحيف . - ١٧٨ - الرسول يقول: (( لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد)) فدل أن مذهب [ بَصْرة ] (١) حمل الحديث على العموم في النهي عن إعمال المطي إلى غير الثلاثة المساجد على كل حال ، فدخل فيه الناذر والمتطوع . قيل له : ليس كما ظننت وإنما أنكر بَصْرة على أبي هريرة خروجه إلى الطور ؛ لأن أبا هريرة كان من أهل المدينة التي فيها أحد المساجد الثلاثة التي أُمر بإعمال المطي إليها ، ومن كان كذلك فمسجده أولى بالإتيان ، وليس في الحديث أن أبا هريرة نذر السير إلى الطور ، وإنما ظاهره أنه خرج متطوعًا إليه وكان مسجده بالمدينة أولى بالفضل من الطور ؛ لأن مسجد المدينة ومسجد بيت المقدس أفضل من الطور . وقد اختلف العلماء فيمن كان بالمدينة فنذر المشي إلى بيت المقدس ، فقال مالك : يمشي ويركب . وقال الأوزاعي: يمشي ويركب ويتصدق. وقال أبو حنيفة وأصحابه : يصلي في مسجد المدينة أو مكة. واحتج أبو يوسف في ذلك بأن الصلاة في مكة والمدينة أفضل من الصلاة في بيت المقدس ؛ فلذلك أجزأهُ . وقال سعيد بن المسيب : من نَذَر أن يعتكف في مسجد [ إيلياء فاعتكف في مسجد النبي ◌َ * أجزأ عنه ، ومن نذر أن يعتكف في مسجد ] (٢) النبي فاعتكف في المسجد الحرام أجزا عنه ، وقال الشافعي : يمشي إلى مسجد المدينة ومسجد بيت المقدس/ إذا نذر ذلك، [٢١٢٥/١ -ب) ولا يتبين لي وجوبه عليه ؛ لأن البر بإتيان بيت الله - عز وجل - فرضٌ ، والبر بإتيان هذين نافلة . وقال ابن المنذر : من نذر المشي إلى مسجد الرسول والمسجد الحرام وجب عليه ذلك ؛ لأن الوفاء به طاعة ، ومن نذر المشي إلى بيت المقدس (١) انظر التعليق السابق . (٢) من (( هـ )). - ١٧٩ - كان بالخيار إن شاء مشى إليه ، وإن شاء مشى إلى المسجد الحرام ؛ لحديث جابر (( أن رجلا قال للنبي - عليه السلام - : إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس. قال: صل ههنا ثلاثًا)). وقال أبو يوسف : إن نذر أن يصلي في المسجد الحرام فصلى في بيت المقدس لم يجزئه ؛ لأنه صلى في مكان ليس له من الفضل ما. للمكان الذي أوجب على نفسه فيه الصلاة . وحكى الطحاوي عن أبي حنيفة ومحمد أنه من جعل الله عليه أن يصلي في مكان فصلى في غيره أجزأه . واحتج لهم الطحاوي بأن: معنى قوله عليه السلام : (( صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام )) أن المراد به الفريضة لا النافلة ؛ لقوله. عليه السلام: (( خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة )) فثبت فساد ما احتج به أبو يوسف ، وثبت أن من أوجب على نفسه صلاة [ في مکان] (١) وصلى في غيره أجزأه . وأما قوله عليه السلام : (( صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام )) فإن العلماء اختلفوا في تفضيل مكة على المدينة أو المدينة على مكة ، فذهبت طائفة إلى أن المدينة أفضل من مكة ، روي هذا عن عمر بن الخطاب ، وهو قول مالك وكثير من أهل المدينة . وذهبت طائفة إلى تفضيل مكة ، هذا قول عطاء والمكيين وأهل الكوفة والشافعي، وقال الشافعي : مكة أفضل البقاع . ذكره الساجي، وهو قول ابن وهب صاحب مالك وابن حبيب الأندلسي ، وكلا الطائفتين نزعت بحديث أبي هريرة . قال المؤلف : وليس في حديث أبي هريرة حجة لواحد منهما، وإنما يفهم من لفظ حديث أبي هريرة أن صلاة في مسجد الرسول خير (١) من ( هـ)). - ١٨٠ -